..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


حتى لا نـنسى

فاطمة الزهراء بولعراس

الأستاذ "ميشال" المدعو "لافيون" أستاذ اللغة الفرنسية شاب تجاوز الثلاثين لا ندري لِـمَ أَُطـلَق عليه بعض التلاميذ لقب "لافيون" إلا أنه لا أحد يعرف له في المدرسة اسما غيره ، كان"ميشال"رجلا صامتا يؤدي عمله بتلقائية و بدون نشاط فيما يبدو ، هو من مواليد المدينة وكذلك أبوه وجده إلا أن ذلك لا يظهر في سلوكه أبدًا، إن نظرة واحدة إلى هيأته تجعلك تظن حينها أنه قادم لتَوِّه من الريف الفرنسي، غير أن علاقته بمن حوله كانت جيدة وتختلف من طبقة إلى أخرى، فبينما تبدو متينة جدا مع بعض أساتذة اللغة الفرنسية من الجزائريين وكذا بعض أبناء التجار، إلا أنها تنخفض شيئا فشيئا كلما اقتربت من طبقات الشعب البعيدة عن اللغة الفرنسية وعن المال والتجارة، فتبدأ علاقة ميشال بالجزائريين من زملائه من درجة الصداقة إلى درجة التحية العادية وتنخفض إلى درجة الإهمال واللامبالاة مع بعض الزملاء خاصة المشارقة والمعربين من الجزائريين، إلا أنه والحق يقال لم يكن لميشال أية صدامات، لا مع التلاميذ ولا مع الأساتذة ولا مع الإدارة، فالرجل كان يتمتع بلباقة ملحوظة تليقُ بالنموذج الفرنسي المعروف على أية حال، ولأن ميشال لم يكن يتكلم كثيرا فإن أحدا حتى من أقرب أصدقائه لم يكن يعرف نوعية العلاقة التي تربطه بالتلاميذ، لكن الأكيد أنها علاقة فاترة لا تخرج عن إطار تقديم الدروس ثم تَـلقّي الأسئلة والإجابة عليها أو طرحها وتلقي الإجابة من التلاميذ لا غير، فالتلاميذ لم يكونوا يتقنون اللغة الفرنسية إلى الدرجة التي تجعلهم يدخلون في نقاش مع أساتذتهم و الأستاذ أيضا لم يكن مُستعدا للتجاوب مع هؤلاء في إطار آخر غير تقديم الدروس(كما يفعلون مع الأستاذ حيدر  أستاذ اللغة العربية-مثلا- وهو مدرس سوري يتجاوب مع أغلب التلاميذ ويُقبلون على درْسه بحيَوِيّـة ونشاط) أضف إلى ذلك الحاجز النفسي الذي نجده عند كل جزائري يكره الإستعمار الفرنسي وعند كل فرنسي يكره الجزائرين الذين أخرجوا أجداده من الفردوْس، أما أكثر هؤلاء التلاميذ مُعاناة في هذا المجال فهو ناصر، التلميذ المجتهد المؤدبالقادم من قرية جيملة البعيدة والذي يُقبِل على كل المواد بكل نشاط ما عدا اللغة الفرنسية ليس لأنه يكرهها ولكن لأنه لايرتاح إلى الأستاذ ميشال  ويحس أنه ينظر إليه نظرات دونية رغم اجتهاده وتفوقه لا ينظرها إلى غيره من التلاميذ سكان المدينة، ربما لأنهم يجيدون اللغة الفرنسية في تقدير "ناصر" ولكنه لم يكن مرتاحا لهذا التفسير أما أكبر معضلة كانت تصادف ناصر في قسمه فهي عندما يطلب منه الأستاذ الإجابة عن سؤال ما، صحيح أنه يعرف الإجابة لكن التلفظ بها من أصعب الأمور على نفسه، وهو يحس أنه يسيء لفظ المخارج والحروف كما ينبغي وكان يحسد زميلته "نادية" التي تتكلم الفرنسية "كالأستاذ تماما" وأين هو من نادية ابنة الأمين العام للولاية والتي لا تكاد تفرقها عن الأجانب في كل شيء، في كل حصة كان ناصر يتمنى من أعماق قلبه ألا يوقفه الأستاذ للإجابة، أما إذا حدث وطلب منه ذلك فإنه يحاول ويجيب وسط ضحك من زملائه وزميلاته يحمر لأجله وجهه ويزداد تلعثما و عجزا. هذه هي عقدة حياته اللغة الفرنسية!! ويبدو أن هذه هي عقدة الأستاذ أيضا فهو حريص على إمطاره بالأسئلة وكأنه الوحيد في القسم دونا عن الأربعين تلميذا وتلميذة! لماذا لا يكثر من طلب الإجابة من-نادية- التي لا تكف عن رفع إصبعها راغبة في الإجابة؟؟!! هل كان مقصودا بالإهانة؟ من طرف الأستاذ؟ لا ربما كان يتوهم، فمن أين للأستاذ أن يعرفه حتى يهينه، إن خياله الصغير يصور له كل فرنسي "ًاستعمارا" لكن إصرار الأستاذ على مساءلته "كل حصة" كان يثير عنده ألف سؤال وسؤال!! فهل يعرف هذا الأستاذ مثلا أن أباه شهيدوأنه استشهد قبل ولادته بأشهر قليلة، وهل يعرف أنه أوصى أمه بأن تسميه "ناصر" لأنه كان واثقا أن النصر كان وشيكا، وهل يعرف الأستاذ أن جده وعمه شهيدان أيضا وأن حكايات جدته له "وهو طفل" لم تكن سوى عن فرنسا وما عملته فينا وأنه أصبح يكره اسم "فرنسا" ولغة فرنسا وأي إنسان أو إي شخص يُذكِّره بها، ومن أين لعقله الصغير أن يدرك ويفرق بين فرنسا كاستعمار وفرنسا كدولة، وبين فرنسيين كساسة وفرنسيين كشعب عاديٍّ لا ناقة له ولا جمل فيما يقرره حكامه؟؟! حتى الكبار لم يكونوا واعين بهذا فما بالك بمراهق صغير؟؟! ومازال الأستاذ يسْـتفِزّه في نظره ويطرح عليه الأسئلة تلو الأخرى!! واليوم لقد قرر ناصر قرارا خبأه في نفسه المليئة بالظلم والغـبن والحقرة جراء ما يلقاه من أستاذه وما يلقاه من ضحك زملائه التلاميذ وما لقيه أبوه وجده وعمه من ظلم الإستعمار وهل هناك أظلم ممن يسلبك روحك التي بين جنبيك.

*الأستاذ يسأل ناصر، ولكن التلميذ يفكر في الظلم ثم فجأة صرخ -ناصر- وبالعربية

*منعرفش* جن جنون الأستاذ وسأل زملاءه

*ماذا يقول؟ فأفهمه بعضهم أنه يقول أنه لا يعرف الإجابة، بدأ الأستاذ هجومه

*أنتم دائما لا تعرفون؟! لا تعرفون شيئا

*لكن في الواقع أنتم تفعلون كل شيء ولا تعرفون أليس كذلك

*اندهش ناصر!! أنتم؟؟ مع من يتحدث هذا الأستاذ؟؟ أنا من سُئلت وأنا المطلوب للإجابة هل يتحدث عن كل التلاميذ؟؟ أم أنه يتحدث عن كل الجزائريين... أسرّ كل ذلك في نفسه، كان لا يزال واقفا، واصل الأستاذ كلامه باللغة الفرنسية " طبـعا "

*منذ عرفناكم وأنتم لا تعرفون!! ها نحن نعلمكم ومازلتم لا تعرفون!!

من المستحيل أن يكون الأستاذ يتحدث عن "التلاميذ" إنه يتحدث بلغة مبطنة، ظاهرها الحرص على تعليمهم وباطنها الحقد على " الفردوس المفقود "، أحس - ناصر- هذا ولكنه مازال محافظا على تماسكه وحيائه، أردف الأستاذ وقد بدأ يسترد هدوءه- ومخاطبا أياه هذه المرة -

*إذا كنت لا تعرف فلم لا تبق في بيتك؟؟

لقد بدأ الأستاذ يخرج عن الخط الفاصل بين كونه أستاذا وكونه " فرنسيا " في نظر -ناصر- على الأقل ومع ذلك فقد سكت -ناصر- نكس رأسه وسكت، ولكنه كان يتساءل إلى متى سيظل ساكتا؟؟! .

*غبي غبي!! أردف الأستاذ، ضحك التلاميذ فاحمر وجه ناصر استجمع شجاعته

*أنا لست غبيا؟؟ التفت الأستاذ إلى التلاميذ

*ماذا يقول؟؟ ترجم التلاميذ ما قال ناصر فواصل الأستاذ

*آه صحيح إنك لست غبيا ولكنك حمار

*انفجر التلاميذ بالضحك، وانفجرت نفس ناصر

*لعن الله أباك وجدك ولغتك، سكت التلاميذ مشدوهين وأخذوا ينظرون إلى الأستاذ الذي أخذ وجهه يتحول من الاحمرار إلى الاصفرار تساءلوا !:

*هل فهم ما يقول؟؟ عاد إليهم بعض الاطمئنان عندما سألهم ماذا يقول؟؟ لكنهم لم يجيبوا، فكروا قليلا قد يفهم الأستاذ أنه قال كلمات غير لائقة لكنه مهما يكن فلن يفهم كل ما قاله بالتأكيد، لم يبد لهم أبدا أنه يعرف اللغة العربية كان دائما يبدو كصنم دون رد فعل عندما يراهم يتحدثون معا، رغم أنه ولد هنا وكذلك أبوه وجده كما أسلفت. الأستاذ مُصِر أن يترجموا له ما قال "ناصر"، التلاميذ محرجون وساكتون، لكن نظرة واحدة إلى الأستاذ تجعلك تشك في أنه فهم كل كلمة قالها التلميذ كما أن نظرة واحدة إلى التلاميذ تجعلك تفهم أن ما قاله ناصر كان "فظيعا "وخاصة أن هذا الرجل هو أستاذه، كرر الأستاذ السؤال

*ماذا يقول؟؟ ولم يتلق أية إجابة. في مثل هذه المواقف الصراع قائم في نفوس التلاميذ بين كون     -ناصر- زميلهم وكون الأستاذ فرنسيا حتى بعض الفتيات المقربات من الأستاذ لن يستطعن فعل شيء خوفا من العواقب إذ أن الإشارة جاءتهن من زملائهن الذكور كي لا يقلن شيئا وإلا.....؟؟ لما يئس الأستاذ صرخ في وجه ناصر sort  لكن ناصر تمادى هذه المرة

*فليسقط على رأسك ورأس آبائك وأجدادك!!!

عم الصمت واحمرت وجوه وازرقت وجوه وخرج ناصر لم يعاند، لقد اتخذ قراره، ماذا وراء " الفصل من المدرسة " يكفي إذا كان قدره أن يكون هذا الأستاذ "أستاذه " فليفصل!!

غاب ناصر لمدة يومين، استدعي بعدها من طرف الإدارة مع ولي أمره الذي لم يكن سوى أحد أقاربه، وسأله الناظر:

ماذا قلت للأستاذ؟؟ سكت، ثم دخل الأستاذ، نظر إليه ناصر من طرف عينيه فرأى وجهه "الأحمر" مليئا بالكره والحقد والتعالي والتعجرف وكل ما يمكن قوله من ألفاظ تدل على نوعية العلاقة التي يمكن أن تكون بين ظالم ومظلوم، بين مُستعمِر ومُستعمَر، بين عبد وسيد، هل كان مخطئا في هذا التصور؟؟ أبدا هذه المرة، أحس ناصر بالحرج وهو في ثيابه المهلهلة وحذائه الرياضي الممزق الذي قام بخياطته " بنفسه هذا الصباح" كما أحس أن الأستاذ  ربما ينظر إليه الآن باستخفاف واحتقار وربما هو الآن يعتقد أي الأستاذ كيف وصل به الأمر وهو الفرنسي المتحضر أن يضمه مجلس مهما كان نوعه"بهذا العربي الجاهل المغرور"؟؟ وخاصة إذا كان هذا العربي جزائريا خاض أجداده ثورة حقيقية على أجداد هذا الأستاذ وانتصروا فيها.

سأله الناظر مرة أخرى!!

-لم فعلت ذلك أنت تلميذ مجتهد و مؤدب ولم نعهد منك هكذا تصرفا؟؟

بم يجيب؟ هل يخبره بما يفعله الأستاذ معه؟؟ من يصدقه؟؟ لا المقام يسمح ولا الناظر سيفهم ولا هو مستعد لأن يقول " شيئا "

*إنه أستاذك ومن واجبك احترامه، وما قلته لا يليق. أنا لم أقل شيئا!! طبعا كانت محاولة منه لتبرئة نفسه فربما لم يخبر زملاؤه أحدا عما قاله!!

-كان ينتظر الرد من الناظر لكن الأستاذ بادر يكلمه باستهزاء "تماما كما تصور " لكن لدهشته كان يتكلم بالعربية

-ألم تقل! لعن الله أباك وجدك ولغتك، قبل أن يفيق "ناصر" من دهشته وهو يرى أستاذه يتكلم "دارجة" عربية سليمة واضحة مفهومة هي لهجة سكان المدينة، أردف

-والسور الذي يسقط على رأسي ورأسي أبي وجدي! لم يعرف ماذا يفعل؟؟ كل هذا الزمن مر عليهم جميعا بمن فيهم الإدارة والأساتذة وهم يخاطبون زميلهم "الفرنسي" بلغته وهاهو يتكلم العربية " أحسن منهم " وهذا دليل آخر على التكبر والتعالي ودليل آخر على ما يعانيه أبناء بلدنا من استعمار للعقول، كيف لم يخطر ببال أحد أن هذا الأستاذ "يجيد" العربية، وكيف استطاع هذا الأستاذ ألا يخطئ " ولو لمرة واحدة " ويبرز تأثره بما يسمع بهذه اللغة فضلا عن أن يستعملها في كلامه !!ولو كان هؤلاء الذين هم نحن "سيئي النية" أما كانوا فكروا أن من المهاجرين إلى فرنسا من يتعلم لغتها في بضعة أشهر ويستعملها وهو أمّي... فما بالك بهذا الأستاذ الذي ولد في الجزائر، وولد فيها أبوه وجدّه  فقد كان أجداده من أوائل الوافدين، ولو كان يسمع " جملة واحدة" في الأسبوع لأتقنها في بضع سنين، ولكن هذا يؤكد-في نظر ناصر على الأقل- أن عقدة الإستعمار تسيطر على عقول معظم الفرنسيين ولا يمكن للعدو مهما كان مُنصِفا أن يصبح بين عشية وضحاها "صديقا حميما"، هذا ما كان ناصر يفكر فيه، أما ما عدا ذلك فهو متأكد من الطرد-النهائي-ربما

-حلت المشكلة تربويا واعتذر ناصر لأستاذه الذي في الحقيقة لم يقبل اعتذاره بل سكت وخرج دون أن يقول شيئا حتى عندما كان الناظر يعتذر له أيضا ويبرر "سلوك ناصر".

نقل ناصر إلى فوج آخر، هذا ما استطاعت الإدارة فعله، لكن التلميذ ظل يتساءل بينه وبين نفسه إذا كان قد اعتذر عن زلة تلفظ بها، فمن يعتذر له هو؟ بل من يعتذر لوالده الذي قُتل وهو لا يزال شابا دون الثلاثين؟ من يعتذر لأمه التي ترملت وهي لا تزال-عروسا- في عامها الأول؟ من يعتذر لجدته التي فقدت ابنيها وزوجها في "حرب فرنسا" كما تسميها؟ من يعتذر لبلاده التي خرّبت ولأمته التي دمرت وبُعثِرت، ولثرواته التي نُهبت واستنـزفت، ولهويته التي طُمِست؟ إذا كان ناصر قد اعتذر للأستاذ وكان في المركز الأضعف لأن المسافة قلصت بينه وبين أستاذه والمشكلة "بُسّطت وسطحت" بهذا الشكل، فإنها أعمق وأعمق بكثير مما يتصور الناظر والمدير وكل مسؤول في أي مستوى ومهما أردنا طي الصفحات على الورق فإن الصدور تطوى على كثير من الألم والحسرة والمرارة على دولة متحضرة كفرنسا العظمى لا تعرف كيف تجعل الإعتذار من شيمها وحسنا تفعل، فنحن شعب نثور بسرعة ونهدأ بسرعة ونتسامح بسرعة وننسى أو نتناسى بسرعة. أما المواقف المتصلبة فتزيدنا تفكيرا في أنفسنا وماضينا ومستقبلنا ويجعلنا لا ننسى حتى لو أردنا النسيان، ومهما يكن فإن ناصر كان شاكرا للأستاذ موقفه المتعنت الذي جعله يرفع شعارا بينه وبين نفسه ويصارح به بعض زملائه فيما بعد!! " حتى لا ننــسى "                   

 

كتاب ورود وأشواك 

 

فاطمة الزهراء بولعراس


التعليقات




5000