..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


سامي جبر السعد شاعرا ً

د. صدام فهد الاسدي

دراسة موضوعية وفنية

 

اعداد

اماني طاهر صبري

داليا رياض عودة

 

اشراف

د. صباح عيدي عطية الساري

 

 بسم الله الرحمن الرحيم

(( و الشعراء يتبعهم الغاوون " الم تر انهم في كل واد يهيمون " و انهم يقولون ما لا يفعلون " الا الذين امنوا و عملوا الصالحات و ذكروا الله كثيرا و انتصروا من بعد ما ظلموا و سيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون " )).

صدق الله العلي العظيم

 

المقدمة

 

اخترت هذا البحث لأسباب منها فضولي في معرفة اخبار و حياة شاعر مظلوم مثل الشاعر سامي جبر لاني قرأت له كتابات جميلة استهواها خاطري و لامست مشاعري فكانت لدي الرغبة في ان ابحث في ميدان هذا الشاعر القدير , البحث يضم شاعرا قديرا كبير العمر و الموهبة يضم دراسة فنية و موضوعية اوضح بها حياته و اساليبه و فنونه يتكون البحث من عدة فصول يضم الفصل الاول حياته و ثقافته و الفصل الثاني موضوعاته الشعرية و السياسية و الوطنية اما الفصل الثالث فيضم اساليبه الفنية المبحث الاول اللغة و المبحث الثاني الصورة الشعرية المبتكرة و الموسيقى .

و هناك كثير من المؤلفات و الاطاريح التي استفدت منها و كان لها فضل كبير في مادة البحث منها قراءات سيد رياض عبد الواحد و اطروحة الاستاذ الدكتور حسين عبود حميد ( الطبيعة في الشعر العراقي الحديث ) و هناك معوقات واجهتها في بحثي منها بعد المسافة و الصعوبة في الوصول الى الشاعر القدير و اجراء مقابلتي معه لكن بفضل الله استطعت الوصول اليه و اخذ معلومات عنه و عن حياته و سهل الله تعالى علي الامر .

و بعد ذلك اعتذر اذا كان هنالك اي تقصير في البحث او اي خلل و لكن اتمنى منكم مراعاة ضيق الوقت عند الحكم على البحث .

و لا انسى ان اقدم شكري الى الدكتور صباح عيدي مشرف البحث لانه ساعدني في معرفة خطة البحث و اقدم شكري الى الاستاذ الدكتور صدام فهد الاسدي الذي ساعدني في اختيار موضوع البحث .

الفصل الاول : المبحث الاول

حياته :

 

في 28/12/1943م اول ليلة من ليالي رمضان المبارك ابصر الشاعر سامي جبر النور في قرية من قرى القرنة ترقد على ضفة دجلة الغربي و لا تبعد عن ملتقى النهرين الا ما يزيد على 500 متر و لم يلبث طويلا حتى انطلق به زورق يشق عباب شط العرب فرسى به في العشار ثم المعقل هناك دخل المدرسة و مسك القلم و تصفح الكتاب و ابتدأ مسيرته الدراسية تأثر الشاعر سامي جبر بمعلمين افذاذ و و هم مظفر النواب ذلك الشاب الوسيم الذي كان يقرأ عليهم ديوان الجواهري في درس المطالعة و قد اطلع على مجموعة من شعره , و صبري هادي رحمه الله اديب و كاتب تعرفه الصحف و المجلات الادبية و كان حقا من الموجهين و الذي يؤكد على انجاز الصورة الشعرية الفنية .

و ايضا محمد رياض جعفر و هو شاعر له دواوين و لكنه عندما اطلعه الشاعر على قصائده انكر ان تكون له و انما للسياب مما اضطر بالشاعر ان ينظم له شعرا في الصف .

تأثر ايضا بمصطفى جمال الدين رحمه الله كان استاذ البلاغة يتلو عليهم من شعره الكثير و اطلعه الشاعر على مجموعة من شعره فوضع عليها ملاحظاته بخطه الجميل و بقلم الحبر ذي اللون الاخضر .

و تأثر ايضا بأمه التي علمته الحرص على الدرس و الفطنة و التعلم و زوجته التي اجتهدت لإسعاده و يقول الشاعر ان لا حياة بلا القراءة لان القراءة اكتشاف عوالم اخرى .

و الشاعر مع الحداثة لان الحياة بوجهة نظره متجددة فالأدب ايضا متجدد و باستطاعة الانسان الانتقاء اي انتقاء ما هو جديد صالح للبقاء و يشعر الشاعر بالغربة و لولا هذا الشعور ما ولد الشعر عنه بنى لديه هذا الشعور حيث تحاصره الاحزان و لا احد يشعر بوجعه و لو نظرت الى دواوينه ايضا فيها الحسين ( عليه السلام ) و القرنة و العراق و الشاعر في طبيعته لا يبحث عن امكنة فالأمكنة موجودة في خزانة الذهن ممتزجة مع عواطف نفسه الانسانية الاماكن لا يبحث عنها لنها تسبح في تلافيف ذاكرته و تترك الامكنة به اثارا .

 

يدندن قول الشاعر عروة بن الورد :

دعيني للغنى اسعى فاني رأيت الناس شرهم الفقير

يباعده الندى او تزدريه حليلته و ينهره الصغير

حين يفيق من صفته يقول :

 

اللهم اغفر الذنوب التي تهتك العصم اللهم اغفر لي الذنوب التي تجلب النقم اللهم اغفر لي الذنوب التي تحجب الدعاء اللهم اغفر لي الذنوب التي تنزل البلاء اللهم اغفر لي كل ذنب اذنبته و قد اظلم الشاعر كثيرا و يرى الظلم لم يولد الا في عهد صدام حسين فقد سكتوا و لم يظهروا انفسهم مخافة ان يضطروا الى ان يمدحوا من يستحق الهجاء .

يرشح الشاعر من المبدعين الذين يغلب على شعرهم الجودة كذلك الكتاب الذين يغلب على كتاباتهم الجودة تعجبه الفحولة في المتنبي و الشريف الرضي و الشعر الجميل الذي يلاطف مشاعره .

 

المبحث الثاني : اثر البيئة في شعره

 

تأثر الشاعر ببيئته الجميلة العذبة و الانسان صنيع بيئة سواء من الناحية الفنية و التكوينية حتى اللون فهو محكوم لها و بأنواعها طالما يكون التأثير ايجابيا عند الشاعر لان الانسان بوعيه يستطيع التغلب على صعوباتها و مشقاتها و نلاحظ تأثير تلك البيئة في ابيات سامي جبر و كيف كانت الفاظه سلسة بتأثير بيئته الجميلة فلو اطلعنا على قصيدته شجن العصفور نرى تأثير البيئة فيها و في كلماته و اوزانه الراقصة التي يقول فيها :

مطر

مطر

مطر

و الغيم و الانواء و الضجر

تنزلق الفراشة

على خدود الورد

مني هشاشة

و تعبث الطيور

في برودها الملونة

و انت كالارنبة البيضاء

في الحقول

تداعبين الورد و السنابل

و تشربين صفوة

المناهل

في سفح منحدر

***

مطر

مطر

مطر

تندلق السماء

تهوي الغيوم

على هشيم الارض

على ضفاف النهر

على النخيل القائمة

ترفض ان

يتزل الشموخ

تشربت عروقها

بنفح كبرياء

في غرسة الصخر

***

مطر

مطر

مطر...

 

 

 

 

الفصل الثاني : موضوعاته الشعرية

المبحث الاول : الموضوعات السياسية

 

قد كتب الشاعر سامي جبر السعد موضوعات سياسية تحت تأثير نفسي ادى به الى النطق بكلمات يملأؤها الغضب و حرقة في القلب و منها قصيدة ( بغداد ) التي كان الشاعر من ساكنيها سنة 1954-1961م و قد شاهدها في التلفاز تحت مرمى الصواريخ الامريكية فشاط غضبا و كتب قصيدته .

و هي من الاماكن المحيطة في قلبه التي احزنه ان تكون ضحية امور سياسية انهكت احلام ساكنيها .

بغداد

ردي شاطئ المجد

لا ترهبني

و خوضي الغمار

و لا تعتبي

فمثلك اعصى على

الحادثات

و اعتى على جلد المجتبي

ترعرعت في عزة

الاولين

و انجبت بورك من منجب

امثلك يغشى

احتدام المنون

و خوض الغمار

و ذود الابي

حياضك ابعد

من ان تمس

و اعصى على الناب

و المخلب

بنوك الاباة ليوث

العرين

حماة العروبة

و المذهب

اذا انتدبوا لتلقي

الحتوف

سعى الرأس يهزأ

 

 

المبحث الثاني : الطبيعة في شعره

 

اخذت الطبيعة مجالا واسعا في شعر سامي جبر قبل ان نولج في البحث يقتضي لنا ان نحدد ما يعنيه لفظ الطبيعة , فالطبيعة هي السجية التي جبل عليها الانسان و هي كما يقول ( صبور عبد النور ) ما هو عفوي و جبلي اي صفات مطابقة لماهية الانسان اما كما اراده الله و اما كما هو في حقيقية وجوده .

و يظهر لنا ان الطبيعة الانسانية هي المقصودة بلفظ الطبيعة في الادب و يبدو ان لفظ الكون اقرب الالفاظ الى معناها الادبي اذ يعرف بالوجود المطلق العام .

و الطبيعة عند الفلاسفة اليونان تعني العالم و الكون و الموجودات و المادة و قوانينها و الطبيعة في العلوم البحتة تعني المادة و علم الطبيعة او الفيزياء و هو الدراسة العلمية للمادة من ناحية القوة و الاهتزازات و الحالات التي تلازمها بدون النظر الى تركيبها الكيماوي او الى تبدلها .

اما في مجالات الفنون فتعرف بانها قسم من العالم قادر على ان يحرك في الانسان احساسه الفني و تدخل الطبيعة في الشعر في نطاق هذا التعريف .

و يندرج في مفهوم الطبيعة الحقيقية كالبحار و الانهار و الطبيعة الصناعية و هي ما كان من صنع الانسان كالقرى كالقصور و الابار و الرسوم و الاطلال .

شغلت الطبيعة الفلاسفة لاهميتها كما شغلت الشعراء و منهم سامي جبر السعد فقد رسم الشاعر صورة جميلة للنخلة و كانت الصورة في غاية الروعة و الحيوية و التألق .

الصيد و النخلة

بارودة جدي

بالمرصاد

و الطير المائي المتطامن

يركب ظهر الموج

الجذلان

و النورس يرشق

ابكار السمك

المكتض مع التيار

سأعود بصيدي

يتبعني عطشي

للماء ... الكون الملان

يشتاق العودة من سفري

تحت النخلة

و اوراق الاغصان

الرطب .. اللبن .. اليقطينة

بين يديك

خضي يا كف معلمتي

عودك ما زال طريا

و الخصر نحيل

و جدائلك الحلكة

في منتصف الليل

لذا صبر

اني جائع يا ( حبابه )

بلي عطشي

فالقيض مهيض

و الحر يقطع اطنابه

هسهسة الزبد

و صحن الرز

و قعب اللبن البقري

هلمي ... هاتي

قبل نداء العم مجيد

***

الليل يجيء

و فراشي فوق العشب

ندي

( السوباط ) يميد بحلمي

و القمر القابع

فوق غمام الليل

و الميزان يسافر و العقرب

كل نجوم الكون تسافر

و ينام الحالم

و الكون يدور

و الحلم طويل

و العمر قصير

لم تزل في الركن

من غرفتي

سلة القنطار يا جدتي

منذ غابت

كفك اختلجت ...

 

 

 

الفصل الثالث : الدراسة الفنية

المبحث الاول : اللغة

 

تشكل العنونة في علم النترولوجيا (tirology) معمارية مهنة كونها مفتاحا تأويليا لسبر اغوار النص , و قد يكون العنوان خارج هذا السياق عندما يكون معنى لوحده

في ضوء ما سبق فان المتفحص في / ثريا / القصيدة انفا ( ليلة حرة ) يرى انها متكونة نحويا من نحوية مألوفة / جملة اسمية / و هي جزء لمبتدأ محذوف + صفة للجزء ورد الغوينم / ليلة / مفردة و لكره و التكسير - هنا يوحي بالشمول و الاتساع لاقترانه بالتوصيف اللاحق / حرة / التي تحمل دلالات التحرك على مستوى زمني ممتد خارج لحظوية محددة و بهذا تحقق العنونة حركة بندولية باتجاهات متعددة .

يمثل الغوين / ليلة / بؤرة العنونة topic بينما يمثل الغوينم / حرة / فعل التعليق commeht / الثريا / عبارة عن بنية عميقة مكلفة الاركان و يمكن ان تقودنا لاستكشاف باطنية النص فاستدعاء الشاعر للتوصيف / حرة / يوحي بالبحث عن متنفسات روحية للخروج من ظلمة الليالي و ما تكتنزه من منغصات و هموم .

شعرية السرد :

 

ما ان ننقل خطوتنا في اوراق النص حتى يبدي لنا التشكيل الصوتي المتمثل بالسطور الاتية :

سترتي ليس فيها بطانة .

غير اني .

حتى البس شرة .

دون اي بطانة .

يلعب حرف السين المهموس دورا مهما فهو حرف صغير يساعد في عملية التغيم , كما و نلاحظ ان ضمير المتكلم يعضد الدلالة الحرة للتنصيص كونه اداة لمجاوزة الزمن و تكثيف الصورة و التعريف المخصص للسارد , اضافة الى ما سبق تصطف الثنائيات الضدية لتحقيق البنية الصورية في السطور انفا في ضوء :

التفاعل .

الانبثاق .

الاختراق .

و يتحقق / أ / في هذا الهوس بالسترة كونها الاداة الخارجية او المصدر الخارجي للوقاية مما يعتري السارد من تأثيرات المحيط الخارجي , اما التوكيد على البطانة فانه ملمح ديكوراتي يعزز من القيمة الجمالية / للسترة / و يضفي دفئا محصلا كونها جزء من البنية الخارجية .

اما / ج / فحاصل في الطبيعة التي تحملها / الحالة / كونها ملاذا للخلاص مما تعاني النفس اضافة الى انها من الامكنة التي يلوذ بها الانسان للخلاص من واقع مسلط عليه من الخارج لقد استطاع الشاعر بمهارة ان يسقط حالته النفسية على المكان و بهذا احقق النص هدف الوظيفة البرهانية التي ترمي الى تحقيق الرسالة المرسلة الى المتلقي اذ هذه الصياغة جسدت المغزى الكامن وراء الضغط النفسي الذي ولدته الحالة / السترة / من دون البطانة يحمل السارد هنا غربته الروحية بواسطة افتقاده الى من يديم ستره حيال المؤثر الخارجي لذلك نرى ان العبارات انفا كانت ذات لغة انفعالية تعكس احساس السارد بالفقدان و اعباء الحياة عليه من اقرب الناس اليه ( البطانة )

 

تشكلات البنية الصورية :

 

تعد الصورة الشعرية بنية ارتكازية من بنى الصورة الشعرية اذ انها تقدم تركيبة عقلية و عاطفية في لحظة من الزمن بحبس / عزرا باوند / و الصورة الشعرية في هذه القصيدة ذات طبيعة ايحائية محملة بالدلالات و المشاعر في المرمزات اعتمد الشاعر في صوره على تحريك مجموعة من البنى النحوية الفعلية و بعض الاسماء في تواشيح يؤطر موقعه الانفعالي

يلوي بي البرد

حتى الوذ بحانه

ترمي بي نهلة

الى غصن ورد

فأرى عالقا

مثل يعسوب نحل

من جناحي

 

 

لو عدنا الى النظر في المقطع انفا لوجدنا ان الشاعر قد اعتمد في صوره على مجموعة من الافعال المضارعة و هي المهيمنة على جسد القصيدة و هذا ما يوحي الى ارتهان الحدث بمحيطه الخارجي , و اعطاء الملح الزمني بعده الذي يشق بيدان هذا الزمن لم يتأطر , و لهذا جاء النص متحررا من التحديد التاريخي الصارم لان الشاعر استعان بالأحداث لتحل محل الزمن المنتج لها , ان اضفاء صورة / اليعسوب / على السارد شيء و كان / اليعسوب / شيء حي يعي ما يدور حوله هذا الاجراء عزز من البنية الاستبدالية التي كشفت عن بنية استعارية شقية ذات ايحاء و دلالة جميلة فـ / جناح / اليعسوب / هو الذي يقوم بنقله و ارسال الشفرات بواسطة حركته المتتابعة , و بهذا فان تعليقه من جنحه يعني تعليق فعالياته الحياتية كاملة .

الاشياء توسع من دائرة التوظيف الصوري و يضفي قيمة شعورية بواسطة التغاير الخلقي ( من الخلقة ) ان التفات الشاعر الى داخل معاناته بواسطة كل الصور المتواشجة ثم طرح ما حوله من مؤثرات خارجية ما هو الا عملية نقل زاوية النظر بحركة غير نسقية حركة صاعدة و نازلة تحاول هزهزة التوازن النفسي و منح الاشياء حركة و قتامة و حرية في الوقت نفسه و لهذا جاءت الصورة الشعرية مجسدة لحركة طائر او اكتظاظ مكان فهي تمزج المعنويات صفة مادية و تعطي للماديات صفة المعنويات ثم خلع الصفات الانسانية عليها و هذا ما يجعل القيمة الانفعالية قيمة مشاركة في العمل الشعري .

 

المبحث الثاني : قراءة و تأويل

 

ربما فجر نبعا في خوارق الصمت و اخترق دائرة الخوف من تبعيات سرديات مرتجلة في مصاف شعري منور يدل على قدرة و فن كبيرين و لكني على ثقة بان الشاعر قد كتب نصا نثريا متفوقا و قبل اختراق تداعيات النص علينا التقديم .

لقد عدد الدكتور زكريا ابراهيم في كتابه (( مشكلة الانسان )) المشكلات التي تتمحور حول مفهوم الانسان بوصفه كائنا اشكاليا فكتب يقول في واحدة من تلك المشكلات : (( ان الانسان مشكلة لانه الموجود الذي لا وصف له سوى انه لا يوصف من هنا بدأ الشاعر سامي السعد مقارباته النثرية و هو يرصف الواقعية ضمن نقلات مكشوفة لا تغيب عن ذهن القارئ و هو يؤكد لوعة غربة طويلة لا حدود لها و لا موعد و لا حلول في مدينة خربة لا ينظر لها و لا يهتم بانسانها طوال السنين و هي تحمل براءتها و شروط صدقها و هو واحد من شواهدها الكثيرة .

1/ المسار الاول منابع الغربة من الولادة بين مرافئ الام و دروس الجد

كثيرا ما ينفلت الشاعر من اثار غربة حقيقية داخل الوطن و هي اصعب من الخارج بالتأكيد و لكن غربة الشاعر سامي جبر السعد الحقيقية في عالم غير عالمه لا يعرف متى يجد الانسان فالكل لا تفهمه في هذا العمر المنسحق الذي بات و قد عبر الاربعين و ما زال صراخه وجعا بصريا لا طائل بعده و قبله فمتى ينفعك الاسر عن هؤلاء الغرباء في داخل وطنهم غربة كتابة و غربة حقوق و غربة وفاء فكل شيء عند سامي السعد غير متحد , و هو يدرك تماما بان القيم على هذا الاساس تحدد انماط الحياة الاجتماعية و كيفية التعامل مع الطبيعة و استغلالها استغلالا واعيا , و توحيد مشاعر الناس و امالهم و افكارهم و تمنحهم الشعور بالانتماء و التعاون و العمل المشترك و تهيء لهم سبل الضبط و التكيف الاجتماعي و لهذا فان الطبيعة البشرية ليست مجرد طبيعة او انطولوجية بل هي طبيعة اكسولوجية و ليس يكفي ان نقول عن الانسان انه (( موجود القيم )) او انه (( الكائن الاخلاقي الذي لا يتحدد وجوده الا من خلال علاقته بالقيم او بعبارة اكثر ايجازا و تلخيصا (( فاذا ما حاولنا ان نفرق بين التاريخ الطبيعي و التاريخ البشري , و بناءا على ما تقدم من افكار و اراء يمكن ان نجمل المعنى العام المفهوم (( القيم )) بانه منظومة الاحكام و القوانين و المعايير و المعتقدات و الاعراف التي تكون بطبيعتها احكاما بالمرغوب فيه و المرغوب عنه بما يتلائم و تطلعات الانسان و طموحاته نحو المستقبل الذي هو افق مفتوح سواء اكان ذلك الانسان فردا او جماعة , كيف تتلاقح القيم في قوم يكنون المنجمد على حد تعبيره :

اخذتني رعدة من البرد

سألت نفسي

ترى أهؤلاء القوم يكنون

المنجمد و تمر ساعة

 

انها تساؤلات ليس الا يبدأ بها السعد مفاتيح غربته و هو يلح على بساطة طفولة مذبوحة محروقة من ابسط حقوقها :

غير ان القابلة لم تفهم ما اريد

دثرتني بخرقة

و ربطت يدي و رجلي

ثم طوت حول رأسي

عمامة من قماش ناعم

 

انها صورة واقعية يشهدها الجنوبي الفقير بلا مشفى و لا طبيب و لا قابلة فلم يخرج الشاعر عن حقيقة بل يقول الصواب و المهم ان لحظات الغربة بدأت من الطفولة المسار الثاني موقف الام و الحرمان العاطفي على الرغم من كونه وحيد امه و لكنه لا يأخذ حصته من كل شيء

و شممت في صدرها رائحة الجنة

التي جئت منها

و كان قبلها يمطر شفتيه بدعوات امه

و كانت كلماتها قد انزلت السكينة في قلبي

بني ما بك

قلت البرد يا اماه

 

في هذا التصوير الطفولي يبدأ السعد غربته المفاجئة و الكشف عن حرمانه الطويل و هو لم يقصر في شيء بالرغم من انشاده الحب و لكنه ضاع في ادراج الرياح و ذهب سدى كل شيء و الدليل تلك التقاليد و الاعراف الخانقة و هي تشغل كاهل ابناء مجتمعه و لا مهرب منها و لا فرار من مواقعتها :

و قد اتخذوا من كوفياتهم

ثقبا رغم سخونة الجو

على ان ذلك تقليد جرت عليه العادة

 

2/ المسار السياسي الثاني ايدلوجية الانتماء بين احتراق الصمت و فوضوية الكلام

كلنا نعلم بان الشاعر لا يمتلك غير الشعر رغيفا يوميا و ربما يستغني عن الرغيف و يصبر لكن الشعر قلق يومي و الزمن يعصر مشاعره و غبار السلطة تهزم الامل عنده على حد تعبيره فوكو : هي قوة تتمفصل في شبكة من العلاقات المعقدة و المتعددة و المتنوعة التي تمدد على طول نسيج المجتمع و عرضه و ايا تكن الاجهزة و المؤسسات التي نعتمد عليها تنصرف السلطة بشكل متماثل و مكثف انها تعمل وفقا لاجهزة القانون و الرهن و الرقابة البسيطة و المتكررة ضمن الدولة الى الاسرة و من الامير الى الاب و من المحكمة الى العقوبات اليومية الصغيرة , من سلطة الهيمنة الاجتماعية الى البنى المكونة للذات نفسه فالسلطة حسب المفهوم ( الفوكوي ) شبكة واسعة مترامية الاطراف تشمل الفرد من المهد الى اللحد او هي قدر محتوم لا يمكن الفرار من حكومته ذلك ان (( السلطة حاضرة في كل مكان ... لانها تنتج ذاتها في كل لحظة )) في كل نقطة .

فهو يرى (( انبثاث الخطاب السلطوي في مختلف الشبكة الاجتماعية و لكشف الخطاب الايدلوجي عند السعد كاشفا بوضوح حضورا للسلطة المدمرة و المعجزة عند الشاعر الحقيقي مسارب الابداع و لا نسميه هجوما عليها بل ادانة لها ضمن تيار يكشف عن هموم امة و قضية صراع فكري في مطلع الستينات على الاقل فكان الصراع محتدما بين الشيوعية و القومية و قد فجر الزعيم الخالد عبد الكريم تلك الرؤى في ثورة تموز عام 1958م و لكن اغلب المنتمين تركوا الايدلوجية لاغراضهم و المال اصبح همهم الاكبر و لكن بعضهم مات عند فكرته و ايمانه و يتخذ من السلطة امثلة على مراسها القاضي :

و القاضي اسقط الحقيقة

من حقيبته

المكتنزة بشكاوى حزين

فلم يبق عنده

الا ما خف حمله من هراء

 

و يكشف الناقد الاستاذ الدكتور صدام الاسدي سرا مفضوحا في تراكيب السعد و هو يتعاطف معها مفكرا لا منتميا و يشير الى المنجل رمزا مكررا , رمز العمل و تحقيق المال و رمز لينين قائلا :

ستجدان في حقيبتي قفازين

و منجلا صغيرا

 

و لكنه تركه مرغما خائفا من تلك السلطة و القيود و هو يعرف ان الخوان فارغ :

و انضرا الى خوانكما

و ان كان فارغا

و لا تتطلعا الى خوان الاخرين

لقد تركت لكما شيئا يسيرا من التمر

 

قل انها صورة مأخوذة من سورة يوسف و فكرة اخوته و لكنه يعود في سردية واقعية و لم ينس عمتنا النخلة و هو يتطلب بالحاح:

و لا تنسينا النخلة

اريقا عليها

من ماء صبركما قليلا

كيما تظل سعفاتها خضرا

 

هذه الايدلوجية الفاضحة يبرز اسبابها ولم يشير الى طرف خفي بل يصرخ قائلا :

ثم اعود بعد ذلك

امسك المسبحة في شمالي

و خاتمي في يميني

و اطلق شعيرات لحيتي و امسدها

 

هذه المسرحة الرائعة للإدانة التي يعرفها الجميع و قد لبس الازدواجيون ثوبا قرمزيا جديدا و غيروا ابدانهم كما اشار و لكن المأساة تزداد و الامور تتعقد فليس هذه المبررات حلا و هو يفضح مثل هذه الشخوص و يعلقها في حبل المشنقة نعم كان يتماشى مع قصيدتي التي القيها يوم الغدير مخاطبا الامام علي ( عليه السلام ) اذ يقول الدكتور صدام الاسدي :

لا يخدعنك المرء تنظر ثوبه

و تراه يرقص في ثياب حداد

و تراه في ثوب الحسين معمما

و بكفه الاخرى سيوف زياد

 

ان الحسين قضية و منهج و فكر و عاطفة و تغيير و تطبيق لا يريد الاقوال و الالوان فقط :

يبقى الحسين مدى التاريخ لافتة تدق في جبهة الانسان للابد

 

3/ مساره الثالث مساره السردي و قد رأينا الطابع القصي

 

كان مسيطرا على قدحات نثره و ربما نجانب الصواب اذا قلنا ان قصائده سيرة ذاتية تتضمنها الاحداث و تتقاسمها الصور و تنفرد بها الشخوص الواقعية منها :

منتصبة في بستان شناوة

اما مناتي فكلما نزل الخطيب

من منبره تلقاه بدعابة

تلك منازلنا في بستان الحاج

بفعل العم محمد علي حميدي ...

 

كل هذه الشخوص لها مواقفها و ذكرياتها ضمن اطار قصي و احداث سيرة ذاتية و اجد الشاعر موفقا حقا في توظيف السرد في النص النثري و نحن نعلم بان القصيدة المنثورة تريد الكشف و لكن السعد نقلنا رؤى جديدة في فن النثر و مفاد كلامه انه يرفض الاستسلام دون فهم و دراية و معرفة ثقافية و ايمان قبل الانطواء تحت راية التقاليد العجفاء و يثور على الاحبة التي تسكت على جلادها و مستعمرها قائلا :

و لكن في غفلة من الزمن

اه على اثاركم التي اصبحت

نهبا بيد الغرباء

تبكيكم عيني دما

 

و بعد هذا كيف لا يكون الشعر رغيفا بل اهم من الرغيف

4/ مسار الرثاء الواقعي بسرد شعري نثري رائع حقا في قصيدة ازهار المحبة :

عندما رحلت في ذلك اليوم المطير

 

و هنا يتناص مع امطار السياب و لوعته و موته في يوم ممطر و حرمانه من دواء و هواء وطنه :

الا انا يوم لحظتك و قد شد نعشك على بثج المركبة

لم استطع ان اروي جوادي الذي بكا

و تهشم ساقه

 

فكيف يقطع الحياة و تهشم ساق حصانه و طموحه و امله

ايه بنيتي

رميت بنفسي في محيط الاهوال

لا مهرب الى حتفي

او الاقيه مغاضباً

و لعلمي بتقاك و زهدك

كنت ابحث بينهم عنك

 

بهذه الافكار نسج الشاعر المقتدر سردياته و عبر عن مواقف يكشفها المتلقي المتذوق دون جهد يقول الدكتور صدام الاسدي و لعلني اقترب قليلا من ضفاف حزنه و مسارب غربته و اقسم بالله العلي العظيم اني لم التق بالشاعر بل اهدى الي مجموعتيه الشعريتين رمضانيات و تضاريس.

و لي جولة قادمة مع رمضانياته و اعود قليلا الى مستهله لماذا تضاريس ابي محسد فلها دلالتان صارختان دون استئذان من احد انها الاوجاع البشرية التي عانى منها ابو الطيب و المحسد قبلنا و التضاريس لا يزحزحها شيء الا القادر المقتدر و اقوله له ايها الشاعر الكبير سامي السعد اطمئن يا صديقي فان العراق وطن كبير و شعب واع وجع يخلق الابداع

نعم العراق كثيرة و جميلة و اهمها يا سيدي الاوجاع

الخاتمة

 

و في نهاية المطاف اصل الى نتائج منها اني وجدت البصرة الفيحاء ولادة للمثقفين و المبدعين امثال سامي السعد و كيف هضم حق هذا الشاعر و كيف كانت الغربة من اسباب حزنه و شوقه لعودة وطنه و مجده التليد فهو غريب في عقر داره اي وطنه و هذه هي قطراتي الاخيرة بعد رحلة طويلة عبر مينائين او ثلاثة بين تفكر و تعقل بموضوع البحث و قد كانت رحلة جاهدة للارتقاء بمستوى البحث فما هذا الا جهد مقل و لا ادعي فيه الكمال عذري اني بذلت فيه قصارى جهدي فان اصبت فذاك مرادي و ان اخطأت فلي شرف المحاولة و التعلم و اخيرا بعد ان تقدمت باليسير في هذا المجال الواسع اتمنى ان ينال القبول و يلقى الاستحسان .

و صل اللهم و سلم على سيدنا و حبيبنا محمد و على اله و صحبه و سلم

 

المصادر و المراجع

 

مقابلة خاصة , 12/4/2016م الثلاثاء .

الطبيعة في الشعر العراقي الحديث في النصف الاول من القرن العشرين , د. حسين عبود حميد , اذار 1984م .

الاعمال النثرية للدكتور صدام فهد الاسدي , البصرة 2016م .

ديوان عبر اسيجة الذات , مطبعة القدس , 2008م .

ديوان بعيني شهدت الجبل , مطبعة القدس , 2012م .

 

الهوامش

د. صدام فهد الاسدي


التعليقات




5000