..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


((الكعبة الزهراء)) قصيدة للشاعر بدوي الجبل دراسة فنية

د. صدام فهد الاسدي

الباحثة

جمانة طالب مرتضى

كلية التربية للعلوم الانسانية

قسم اللغة العربية

بأشراف الاستاذ الدكتور

صدام فهد الاسدي

2016

 

المقدمة

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على اشرف خلقه المبعوث للناس رحمة و هدى ابي القاسم محمد و اله الطيبين الطاهرين و اصحابه المنتجبين .

لما كنت طالبة ً في المرحلة الاعدادية كنت متأثرة بالشاعر الكبير الجواهري و الشاعر بدوي الجبل ولما دخلت الجامعة وصلت الى المرحلة الرابعة عرض علي الاستاذ المشرف الدكتور صدام فهد الاسدي فوقع اختياري على هذا البحث .

وكما يقول الجواهري ( اكبر شاعر في هذ ا العصر بدوي الجبل ) و القارئ لشعر بدوي الجبل يجد نفسه امام لوحات فنية مادتها الكلمة , و القافية و الوزن و الخيال ولا نحتاج الى تقديم هذا الشاعر ونكتفي بالدراسة الفنية في شعره .

تم تقسيم هذا البحث الى مقتربات كالاتي :

 

دراسة لغة القصيدة

موسيقى الشعر

البحور والقوافي

الصورة الشعرية

ثم الخاتمة التي توصلنا اليها والنتائج والهوامش والمصادر ملحقة بهذا البحث .

 

المبحث الاول : دراسة لغة القصيدة

 

تتميز اللغة الشعرية عن غيرها بوصفها وسيلة للتعبير عما يختلج في صدور الشعراء من مشاعر و احاسيس ( فلكل فن اداة يكشف بها عن واقع حاله و يجسم مضمونه و الشعر فن اداته اللغة ).

فالشعر تجربة انسانية و وجدانية عميقة تتصل بوشائج متينة باللغة , و ما تتركه اللغة من بصمات فيه يعد وظيفة من وظائفها الجسام , اذ يرى الدكتور ابراهيم السامرائي (( مادة الشعر جوهره )), موحيا بان الشعر لا يمكن ان يكون شعرا ما لم تتدخل اللغة في بنائه و تكوينه و من جهة اخرى , تتميز اللغة الشعرية بانها لغة فردية تحمل شخصية منشئها . اي انها لم تكن شاعرية قبل ان يلونها الشاعر بخياله و يكسوها بعواطفه . و من ثم فان اللغة الشعرية في ابسط صورها ليست الا نتيجة التلازم الحاصل بين الشعر و اللغة , لدرجة لا يمكن معها تصور ماهية الشعر الا من خلال ماهية اللغة و ذلك لان الشعر لغة اصيلة تعمل على ارساء اسس كينونتها حسب تعبير مارتن هيدجر .

و من هنا يكون البحث في اللغة الشعرية التي تداهمنا و نحن نقرأ بعض الآراء التي تحاول ربط الشعر بعوالم اسطورية و ممارسات روحية كالدين و السحر و الخرافة و اذ هي على قدر من سذاجتها تضع ايدينا على الشعر و حقيقته كلغة فطرية تعود دوما الى اصولها البدائية لهذا لا تفقد تلك الآراء كل يقينها ما دام الشعر مثله و هذه الفردية هي السبب في ان الفاظ الشعر اكثر حيوية من التحديدات التي يضمها المعجم

و بعد فان لكل شاعر طريقته في التعبير عن تجاربه و عواطفه باختيار الالفاظ المناسبة ثم في تأليفها و رصفها بالشكل المناسب و المعبر عن الموقف الانفعالي الخاص و يشير احد الباحثين الى ان ( القصيدة موضوع لغوي من نوع خاص , و اللغة توظف فيها على نحو مميز )), و الباحث بإشارته هذه يجعل لغة الشعر تنسجم مع تجربته الشعرية كليا , فتكون اللغة حينئذ ذات وظيفة تعبيرية جمالية لان (( الشاعر يخاطب في الانسان خياله )).

و بعد ان نضع في حساباتنا انها ( اي اللغة الشعرية ) تتكون من مفردات عدة و مكونات لغوية و تراكيب و صور شعرية , و من موسيقى و تجارب انسانية فالجواب سيكون ان ايا من هذه العناصر في وجود , النظري المجرد عاجز عن منح اللغة طبيعة دون اخرى و لا يؤدي مثل هذا الدور الا حين يندرج ضمن شبكة من العلاقات المتشكلة في بنية كلية , و انطلاقا من هذا المبدأ الجوهري لا يمكن ان توصف الشعرية الا حيث تتكون او تتبلور اي في البنية الكلية فالشعرية اذا خصيصة علائقية , اي انها تجسد في النص شبكة من العلاقات التي تنمو بين مكونات اولية على ان ذلك لا يمنح اياً من المكونات او العناصر المكونة للغة الشعرية من ان يمتلك الى حد ما خطوة او فاعلية اكبر من بقية العناصر لكن ضمن سياق شعري معين و ليس بمعزل عنه .

و في ضوء ذلك اكتسبت اللغة في حالة التعبير الشعري خصوصية لا تكتسبها في حالات اخرى , و الخصوصية موجودة على صعيد اللغة الشعرية ذاتها فهي التي تميز لغة الشاعر عن اخر , و هذا الذي نعرف اسم الشاعر خلال نص معين لم نقرأه له فيما سبق لذا (( فمن اولى سمات اللغة الشعرية المؤثرة و اشد فضائلها جمالا فرادتها كونها لغة شاعر بعينه , تجسد رؤياه و حلمه و ذهوله , و لا تخلط بلغة شاعر سواه ))

فبقدر ما يتميز به الشاعر في خلق لغته الخاصة يتجلى ابداعه و من خلال المنطلقات السابقة و منح السياق الشعري اهمية خاصة , سوف احاول التعامل مع لغة القصيدة الشعرية و قبل ان اتناول بعض الاستخدامات اللغوية و الظواهر اللغوية الشائعة سوف استخدم المعجم الشعري للشعراء و من البديهي ان يكون المعجم الشعري في المطولات الشعرية يستمد دلالاته من الموضوعات التي نظمت عليها او التي كانت سببا في ولادتها من خلال استيحاء الرموز المتمثلة بالألفاظ ( الاسماء , الالفاظ الدينية , الامكنة و الا زمنة ...))

اولا ً - الالفاظ :

من المعروف ان الالفاظ هي اوعية المعاني و الافكار و وسائل نقلها و ايصالها الى الاخرين سواء كانت ذلك في الشعر ام في النثر الفني و الكلام العادي و يرى النقاد القدامى ان لكل معنى لفظا يليق به و قد اهتم النقاد القدامى و المحدثين و الشعراء باللفظ الى جانب المعنى و اهتمامهم به ايضا و ان تباينت ميولهم الى تقديم احدهما على الاخر عند النقاد و لقد اختلف ذلك الامر عند الشعراء فقد حاولوا الاجادة في اختيار الالفاظ لتؤدي وظيفتها في ابراز المعاني سواء تلك التي راقت للنقاد ام لم ترق لهم , كما انها تمثل اللبنات الاولى و الركيزة الاساس التي تسهم في بناء العمل الشعري و من دونها لا يمكن للشاعر ان ينقل تجربته الشعرية الى ارض الوجود و الواقع , و على الرغم من تعدد وسائل التعبير عن المبدعين فان وسيلة اللغة تبقى الرائدة في نقل الابداع , ذلك لانها الوعاء الامين الذي بوساطته تنقل التجارب الى المتلقي , و من اجل ذلك نجد ان الشعراء اهتموا بالفاظهم و تميزوا باختيارها و وضع العلاقات بينها .

و نخلص فيما تقدم ان على الشاعر ان يحسن اختيار الالفاظ ليؤدي الدور المراد له بعد انتظامه مع ما يجاوره من الالفاظ لان معنى (( اية لفظ لا يمكن ان يتحدد الا من علاقة هذه اللفظة بما يجاورها من الالفاظ )) , و نجد مصداق ذلك في قصيدة ( بدوي الجبل ) ( الكعبة الزهراء ) لان الشاعر يختار من الالفاظ ما يناسب غرض الوصف الذي اراد به الشاعر وصف رحلته التخيلية الى الحج ليحقق طموحه في زيارة بيت الله الحرام و قبر النبي الاكرم ( صلى الله عليه و اله ) فضلا عن خصيصة بارزة تتضح في القصيدة تتمثل في سعتها و امتدادها الذي يهيؤها لان تحتوي على اكبر قدر من الالفاظ , من القصائد الاكثر طولا .

تقسيم الالفــاظ

 

الالفاظ الدينية : لعل اكثر الالفاظ حضورا في الشعر العربي الحديث هي الالفاظ الدينية و اذ يشترط في اللفظ الديني بوصفه رمزا تراثيا ان تكون بينه و بين المتلقي صلة , بان لا يكون غريبا عنه غرابة مطلقة , حتى ما المح اليه الشاعر ايقظ في وجدان المتلقي هالة من الذكريات و المعاني المرتبطة به , و قد وردت في هذه القصيدة الفاظ شكلت مع بعضها تراكيب طغت عليها المعاني الاسلامية لم تكن معروفة بهذه الدلالة , الا ان القران الكريم قد رفد معجم الشاعر بمفردات اسهمت في اثراء خزينه اللغوي و الحاحه على توظيف هذه المفردات في التعبير عما يجيش في خاطره فضلا عن تأكيد العلاقة الوطيدة بين شعيرة الحج و القران الكريم او النص القرآني تحديدا , تأسيسا على ان الرحلة الموصوفة " رحلة الحج " هي امتداد طبيعي لذلك النص .

و لما كان موضوع القصيدة مرتبطاً بالركن الخامس من اركان الاسلام الا و هو الحج فان هذا ادى بالشاعر الى استخدام الفاظ دينية متعلقة بهذا الركن و بشعائر الدين الاسلامي فدارت كلها في فعل واحد و من هذه الالفاظ : (( النور , ام القرى , منى , الامين , محمد , الهدى , الكعبة , الوحي , الحطيم , زمزم , الشفاعة , الاله , الدعاء , المحرم , الذنوب , العفو , الله , الصدق , الجن , الحياء , العفة , الايمان , رب , جبار , الحساب , الاسلام , الالفة , الرحمة , الحج , البيت , السمع , حسيب , النعمة , الكفر , الشرك , الجنان , الحور , احمد , رسول الله , الثواب , المعجز , القران , الحجيج , مكة , ابا الزهراء , الكذب )) . و يلاحظ على هذا الحقل ان اكثر الالفاظ دورانا في القصيدة هو لفظ الجلالة ( الله ) حيث يتكرر " 14 " مرة فضلا عن اسمائه " الحسيب و الجبار " مما يعكس حالة الشاعر الوجدانية و الروحانية المتعلقة بحب الله سبحانه و تعالى فهناك حضور الهي قوي في قلب الشاعر و قد وظف الشاعر هذه الالفاظ في سياقات عديدة منها :

سياقات الدعاء و المناجاة الذاتية : و التي تعكس المشاعر الوجدانية بينه و بين خالقه فهو يناجي ربه في كثير من محطات رحلته الخيالية فيقول :

و يا رب في قلبي ندوب جديدة تريد القرى من سالفات ذنوب

يريد حسابي ظالم بعد ظالم و ما غير جبار السماء حسيبي

و يا رب صن بالحب قومي مؤلفا شتات قلوب لا شتات دروب

و يا رب لا تقبل صفاء بشاشة اذا لم يصاحبه صفاء قلوب

 

و الاسلام هو دين الالفة و الرحمة و المودة و النور ... و بدوي الجبل لم يزد في التذكير على بعض خصائص هذا الدين و ان يوجد اثرها في حياة الفرد و المجتمع فهو يدعو الى لم الشمل و وحدة الصف بعد ان تفرق قومه الى دول صغيرة و ضعيفة , و بعد ان دعا المسلمين للتوحد عاد الى الحديث عن نفسه و مراجعتها و محاسبتها قبل ان يحاسب , و ذلك بالاعتراف بالذنوب و الخطايا التي اقترفها من دون الشرك و من دون اذية الاخرين يقول مناديا ربه :

و يبدو ان الشاعر ذكر هذه الاماكن من شدة شوقه اليها و اللهفة لزيارتها و تلمسها حقيقة , و بعض هذه الاسماء يعد رمزا للعبادة و التوبة و التطهير من الذنوب .

و من الاماكن التي ذكرها ايضا الصحراء فقد اوردها بشكل لافت للانتباه حيث استخدمها كرمز من رموزه الصوفية لانها لها عدة مدلولات , فيقول بدوي الجبل في قصيدته :

و من هذه الصحراء انوار مرسل و رايات منصور و بدع خطيب

و من هذه الصحراء شعر تبرجت به كل سكرى بالدلال عروب

************

و ما اكرم الصحراء تصدى و نمنمت لنا برد ظل كالنعيم رطيب

************

و من هذه الصحراء صيغت سجيتي فكل عجيب الدهر غير عجيب

 

فهو يرى في الصحراء مصدر الفتوحات و مصدر ابداعاتهم فهي تختزل تراث العرب فهي موئل القيم العربية و الشيم الصيلة .

(( ام القرى , مكة , منى , الكعبة الزهراء , الوادي الحطيم , زمزم , الصحراء , البحار , السماء , العالم , الفلك , السحب , النجم , البيد , الجديب , الخيام , نجد , قيافي , السهوب , نجوم , الحجاز , القبر , الدولة , المقام , الامواج )) .

فمعظم هذه الالفاظ دارت حول الكعبة او ما يحيط بها فقد ذكرت مكة بكنيتها " ام القرى " في القران الكريم , و ذكر مع " ام القرى " في القصيدة اسماء : منى و الكعبة الزهراء و الحطيم و زمزم :

بنور على ام القرى و بطيب غلست فؤادي من اسى و لهيب

و امسكت قلبي لا يطير الى منى باعبائه من لهفة و وجيب

فيا مهجتي وادي الامين محمد خصيب الهدى و الزرع غير خصيب

هنا الكعبة الزهراء و الوحي و الشذا هنا النور فافني في هواه و ذوبي

و يا مهجتي بين الحطيم و زمزم تركت دموعي شافعا لذنوبي

**********

صفاء على اسم الله غير مكدر و حب لذات الله غير مشوب

**********

و يا رب عند القبر قبر محمد دعاء قريح المقلتين سليب

توظيفه لعناصر الماء :

و يقول موظفا عناصر الماء , و ذلك في سياق مدح الرسول الاكرم ( صلى الله عليه و اله ) و يرجو شفاعته :

و كل خضيب الكف فتحا و صولة فداء لكف بالعبير خضيب

***********

مدحت رسول الله ارجو ثوابه و حاشى الندى ان لا يكون مثيبي

************

فان كان سر الله فوق غمامة تظل و ماء سائغ لشروب

 

وصف المكان :

لقد تبين لنا توجه البدوي فهو في رحلة روحانية تخيلية الى " الكعبة الزهراء " ادت به الى استعمال عدة مفردات تدل على بيت الله الحرام و ما يحيط بها من الامكنة و من هذه المفردات تلاقوا عليها من غني و معدم و من صبية زغب الجناح و شيب

نظائر فيها بردهم برد محرم يضوع شذا و القلب قلب منيب

اناخوا الذنوب المثقلات لواغبا بافلح من عفو الاله رحيب

و ذل لعز الله كل مسود و رق لخوف الله كل صليب

 

فهو يصف الحجاج و هم بأعداد كبيرة يلبون و يكبرون تحت اشعة الشمس الحارقة لا يبالون بشيء سوى رضوان الله تعالى , حتى اصبحت اصاتهم العالية تردد الصحراء اصدائها فقد اجتمع الحجيج من كل حدب و صوب على كلمة واحدة , لا فرق بين الغني فيهم و الفقير و شيخهم و صغيرهم .

ج - و قال في مدح الرسول ( صلى الله عليه و اله ) حبا له :

 

طالبا في ذلك شفاعته ملحا في السؤال لربه معبرا عن صدق مشاعره بتلك الدموع التي ذرفتها مقلتاه الجريحتان :

مدحت رسول الله ارجو ثوابه و حاشا الندى ان لا يكون مثيبي

وقفت بباب الله ثم ببابه وقوف ملح بالسؤال دؤوب

***********

و يا رب لم اشرك و لم اعرف الاذى و صنت شبابي عنهما و مشيبي

************

و اهرب كبرا او حياء لزلتي و فيك نعم لكن اليك هروبي

**********

و اي ذنوب ليس تمحى لشاعر معنى بالوان الجمال طروب

و لو شهدت حور الجنان مدامعي ترشفن في هول الحساب غروبي

 

فالشاعر يقف داعيا الله متضرعا اليه بأيمانه فهو لم يعرف الشرك بالله وما و لم يؤذ الناس و صان شبابه و مشيبه عنهما و لكنه يقر بالذنوب الصغيرة و الزلات الخفيرة فيذكرها بشيء من الحياء فيهرب الى الله فعسى ان يعفو عنه و يتجاوز عنها .

هذا و قد اورد البدوي المفردات الدينية في سياق :

ب - وصف ازدحام حشود الحجيج و المارة :

فقد ساوى بينهم في وقوفهم في صعيد واحد فهناك يتساوى الغني و الفقير و يتواجد الكهل و الشاب , يقول :

و رددت الصحراء شرقا و مغربا صدى نغم من لوعة و رتوب

 

 

ثانيا ً : موسيقى الشعر , البحور و القوافي

 

اعتاد الشعراء على تصريع البيت الاول من قصائدهم حتى غدا من الامور التي تدل على تمكنهم , و اجادتهم في فن الشعر , و في تعريف التصريع يقول عبد العزيز عتيق : (( التصريع : هو ان يجانس الشاعر بين قطري البيت الواحد في مطلع القصيدة اي يجعل العروض مشابها للضرب وزنا و قافية )). فالشعراء القدماء اعتبروا التصريع من سمات جمال الشعر , و الشاعر المقتدر هو الذي يتمكن من تحقيقه و تحدث عنه قدامة بن جعفر في نعت القوافي فقال : (( ان تكون عذبة الحرف سلسة المخرج و ان تقصد لتصيير مقطع المصراع الاول في البيت الاول من القصيدة , مثل قافيتها , فان الفحول و المجيدين من الشعراء القدماء و المحدثين يتوخون ذلك و لا يكادون يعدلون عنه , و ربما صرعوا ابيات اخر من القصيدة بعد البيت الاول , و ذلك من اقتدار الشاعر و سعة بحره ))

و من هنا نستنتج ان الشعراء المجيدين فقط هم القادرون على الاتيان بالتصريع حتى صار عندهم الميزة التي تميزهم من غيرهم و به غدوا يتفاضلون .

و قصيدة " الكعبة الزهراء " جاءت مصرعه , ففي مطلع القصيدة جاءت العروض ( مفاعيلن ) محذوفة ( مفاعي ) اي يحذف السبب الاخير فصارت مشابهة للضرب ( فعولن ) و هذا يدل على مدى اقتدار الشاعر كما يرى القدماء .

و الزحافات التي جاءت في حشو هذا المطلع اصابت تفعيلة ( مفاعيلن ) فتحولت الى ( مفاعلن ) و ذلك لحذف الساكن الخامس و هو ما يسمى ( القبض ) و ايضا اصاب الزحاف تفعيلة (فعولن ) فأصبحت ( فعول ) و هذا ما يسمى ايضا بزحاف ( القبض ) و يلاحظ ان الشاعر في هذا المطلع يفتتح قصيدته بالدور الذي يمثل الهداية الاسلامية التي انبثقت من شعاب مكة , فهو يريد اداء فريضة الحج ليطهر روحه و جاء الفعل ( غسلت ) ليدل على ارادة التطهير للقلب و الروح و التخلص من كل الادران و كل عمل غير صالح فهو في مكان مقدس يدع الله عسى ان يغفر له ذنوبه و يعود من الحج كيوم ولدته امه .

لقد جاء موضوع القصيدة مناسبا لهذا البحر , و هناك علاقة بين البحر الشعري و موضوع القصيدة و للنقاد اراء عديدة في هذه القضية واوجه مختلفة و قد دارت خلافات كبيرة بينهم حول هذا الموضوع اي علاقة الاوزان بالمعاني و هل هناك مناسبة بين الاوزان و المعاني ؟

و الصلة بين الموسيقى و الشعر صلة وثقى حتى ان بعض الدارسين اعدها ( عنصر قاراً لابد من الانطلاق منه و الرجوع اليه )) , و اما الموسيقى في قصيدة " الكعبة الزهراء " لبدوي الجبل فهيي تتمثل في الوزن و القافية .

 

الوزن :

(( قبل التدرج في موضوع الوزن لابد ان نبين الفرق بينه و بين الايقاع , فالايقاع : يقصد به وحدة النغمة التي تتكرر على نحو ما في الكلام او في البيت اي توالي الحركات و السكنات على نحو منتظم في فقرتين او اكثر من فقر الكلام او في ابيات القصيدة .

اما الوزن : فهو مجموع التفعيلات التي يتألف منها البيت و قد كان البيت هو الوحدة الموسيقية للقصيدة العربية في معظم الاحيان )) .

و ذهب النقاد في اتجاهات شتى في التفريق بين الايقاع و الوزن غير ان اغلبهم اتفقوا على ان الايقاع اشمل من الوزن .

و الوزن يعد احد مظاهر الايقاع و هو جزء منه و لعل هذا ما يمكن ان نستشفه من قول الشاعر ابي العتاهية :

(( انا اكبر من العروض )) .

 

و مما نفهمه من قوله ايضا ان رافض لتلك القيود و القوالب الصارمة التي تتحكم في عملية الابداع الشعري فالشاعر لديه من الامكانات و الطاقات الهائلة ما لا يمكن ان يحد بتلك القوانين و يناقض هذا المعنى بدوي الجبل يقول : (( ان الاوزان الشعرية تتسع لكل نزعات النفس البشرية , كما انها عذوبة و نغم و عطر و جمال , اجل ان الاوزان اساور و عقود , لا سلاسل و قيود , و الذين وضعوها كانوا لا يجيدون القراءة و الكتابة فجاءت اوزانهم سجية الذوق العربي )) .

فالوزن , اذن هو اول ما يقرع الاذان بجرسه الموسيقى فهو جملة التفعيلات التي تنتظم في الكلمة فتحدد نوعه , و مع اهمية الوزن في بناء تفعيلات القصيدة العربية الا ان هناك عناصر اخرى لا تقل شأنا عنه مثل اللفظ و المعنى و القافية فكل هذه العناصر تتظافر لتنتج عملا فنيا متكاملا .

و مما نخلص اليه هو ان الوزن ليس العنصر الوحيد الداخل في تشكيل البنية الايقاعية بل هناك مكونات اخرى تتظافر معه في تكوين بنية ايقاعية متناسقة , و هذه البنية يمكن لها ان تحدث التأثير الجمالي المطلوب في نفسية المتلقي عموما .

جاء البناء العروضي لقصيدة " الكعبة الزهراء " على بحر الطويل و هو احد البحور الخليلية الستة عشر , و لهذا البحر عدة صور فيذكر ابن جني : (( ان لهذا البحر عروض واحد و ثلاثة اضرب , فعروضه ابدا مقبوضة ما لم يصرع و وزنها " مفاعلن " و ضربه الثالث محذوف و وزنه " فعولن " .

و لقد جاءت ابيات " الكعبة الزهراء " على ثالث بحر الطويل اي مقبوض العروض محذوف الضرب ( فعولن ) .

القافية :

تعددت اقوال النقاد و العروضيين في تعريف القافية فمنهم قال انها اخر كلمة من البيت و اخر يجدها بحرف الروي فقط , و لكن الشائع و المسلم به هو رأي الخليل بن احمد فيها : كما ينقل ابن رشيق القيرواني : (( القافية من اخر حرف في البيت الى اول ساكن يليه قبله مع حركة الحرف الذي قبل الساكن )) , و القافية على هذا المذهب و هو صحيح تكون مرة بعض كلمة و مرة كلمة و مرة كلمتين ...

و هذا لا يعني اختلاف بنية القافية في كل مرة يقدر ما يعني ثبات كونها وحدة صوتية لها حدود ثابتة قد تستوفيها ببعض كلمة او اكثر و لكن النقاد لم يغفلوا الدور المهم للقافية في بنية الشعر و هم يتحدثون عن ذلك اذ اعتنوا بها عناية كبيرة حتى انهم نظروا اليها كمكمل ضروري للوزن في تشكيل الشعر و تأمين عنصر التناسب له .

و القافية شريكة الوزن في الاختصاص و الشعر اذ تساعده في احداث الانسجام الصوتي , و التناسب النغمي , لذا يمكن اعدها ضابط الايقاع , و لهذا اطلق عليها العرب حافز الشعر فعليها جريانه , و اطراده , و هي تتحكم في مواقفه و نهاياته , و هي لا تضبط الايقاع في البيت الواحد فقط بل في القصيدة كلها , و عنصرا موحدا بين اجزائه الايقاع , لان اغلب القصائد العربية كانت تبنى على قافية واحدة و استهجن الذوق العربي خروج القافية في اي بيت شعري , على التناسب النغمي و الصوتي و عدوا ذلك عيبا خطيرا .

و بالرجوع الى موضوع الدراسة ( الكعبة الزهراء ) لبدوي الجبل فان القصيدة كما تمت الاشارة اليه جاءت على ثالث الطويل اي مقبوضة العروض محذوفة الضرب , و بحر الطويل له مكانة عند العروضيين .

فحازم القرطاجني يقول عنه : (( فعروض الطويل تجد فيه ابدا بهاء و قوة )). و يرجع بهاءه و قوته الى تركيب اجزاءه , حيث يقول : (( اوزان الشعر منها متناسب تام التناسب متركب التناسب , متركبة متضاعفه , و ذلك كالطويل و البسيط ... فالأعاريض التي بهذه الصفة هي الكاملة الفاضلة )).

و قال عنه ابراهيم انيس : (( ليس بين بحور الشعر من يضارع البحر الطويل في نسبة شيوعه فقد جاء ما يقرب من ثلث الشعر العربي القديم من هذا الوزن )).

و لحازم القرطاجني رأي في مطولات الشعر العربي فيقول عنها و عن البحور التي تأتي عليها : (( ان هذه البحور تتألف من مقاطع عديدة تساعد على بناء الاحداث و سردها كما تتجاوب مع مواقف الشعراء و انفعالاتهم )). هذه البحور التي استقطبت غالبية المطولات الشعرية تتألف من مقاطع كثيرة تسهل على الشاعر نقل احداثه و اوصافه من خلالها و ما يتخللها من معان و عواطف حزينة , فالبحر الطويل من خصائص تفعيلاته انها تضم مقاطع كثيرة و لهذا عد من البحور الضخمة , فهو : (( يستوعب ما لا يستوعب غيره من المعاني و يتسع للفخر و الحماسة و التشبيه و الاستعارات و سرد الحوادث )).

و السؤال الذي يطرح نفسه الان هو : هل البحر الطويل الذي نظمت عليه القصيدة جاء متناسبا مع غرضها ؟ ان غرض القصيدة هو الوصف , فبدوي الجبل يصف الكعبة الشريفة في رحلته التخيلية الى الحج فربما اختار البحر الطويل لأنه الانسب لهذه الرحلة الروحانية فالسفر يحتاج الى طول نفس و الى صبر شديد يعينان على اعباء الطريق , و هذا يتناسب مع الطويل لما فيه من المقاطع الطويلة و الكثيرة التي تجعل الشاعر يصدر شوقه و حنينه لزيارة الكعبة الشريفة ليغرق فيها ما ينتابه من قلق و توتر نفسي , و ليطهر قلبه من كل الادران و ما يعتريه من سيئات فهو في رحلة روحية ايمانية عسى ان ينال رضوان الله تعالى في حجه هذا و في القصيدة يقف الشاعر وقفة مدحية للرسول الاكرم ( صلى الله عليه و اله ) و الوصف و المديح يناسبهما الطويل , لوسعهما اشجان الشاعر و بالرغم من ذلك فانه لا يمكننا الجزم بان البحر الطويل هو الانسب لموضوع القصيدة لان هذه العلاقة علاقة الوزن بالموضوع ليست علاقة مبررة , فالشاعر اسير حالته النفسية التي لا تعرف الاستقرار .

 

ثالثا ً : الصورة الشعرية

 

تعد الصورة الفنية جزءا مهما من التجربة الشعورية للشاعر حين يصوغها في نسيج لغوي ذي بنية من العلاقات المنسجمة المترابطة الاجزاء تحمل في عباراتها الوان من التصوير الذي يرسم لوحات فنية تشد المتلقي و تؤثر فيه , و (( يحاول النقد المعاصر النفاذ في نسيج العمل الشعري و تأمله بوصفه بنية من العلاقات يكشف تفاعلها من معنى القصيدة كما يشير الى طريقتها المتميزة في اثراء المتلقي , و تعميق وعيه بنفسه , و ميراثه بالواقع , و من هذه الزاوية تظهر اهمية الصورة الفنية للناقد المعاصر فهي وسيلته التي يستكشف بها القصيدة و موقف الشاعر من المواقع )).

و هي الى ذلك احد المقاييس التي تدل على قدرة الشاعر انها لا تغير الا من طريقة عرضه و كيفية تقديمه )) .

فالصورة الشعرية عند هذا الدارس تتمثل في ذلك الاسلوب الذي يعرضه الشاعر ليحافظ على سلامة النص من التشويه و يقدم المعنى في ابهى صورة .

و الصورة الفنية على حد تعبير شارل برونو : (( ترمي الى التعبير عما يبتعد عنه التعبير و حتى الكشف عما تتعذر معرفته )). , فهي تجعل الشعر ذا دلالات و ايحاءات متعددة تؤثر في المتلقي و تشده الى ذلك النص فهي (( الجوهر الثابت و الدائم في الشعر )) , و لذلك يؤكد الدارسون المحدثون على دراستها لانها تكشف عن بنية العميقة للنص الكامنة وراء هذه الصورة البارزة على السطح تركيبة غريبة معقدة )) , و هذا ما جعل كارولين سيرجون تقول هي الاخرى : (( ان اي نقاش دقيق و مفصل يهدف الى تحديد الصورة , هو في الحقيقة بلا جدوى , فمهما احتدم النقاش فان القليل من الناس يجمعون على تحديد واحد للصورة , و القليل القليل يجمعون على تحديد واحد للصورة الشعرية )).

اهمية دراسة الصورة الشعرية :

 

تعد الصورة الشعرية عنصرا مهما من عناصر بناء القصيدة , و هذا ما اشار اليه بعض الدارسين حينما ذكر ان (( الصورة الفنية طريقة خاصة من الطرق للتعبير او وجه من اوجه الدلالة , تنحصر اهميتها فيما تحدثه في معنى من المعاني من خصوصية او تأثير , و لكن ايا كانت هذه الخصوصية , او ذلك التأثير فان الصورة الشعرية لن تتغير عن طبيعة المعنى في ذاته )) ويمكن اطلاق صفة الصورة الشعرية بشكلين محددين الصورة البيانية على معطيات البيان العربي من تشبيه واستعارة والصورة الشعرية قوامها الصوت واللون والحركة ومن هذا المنطلق ندرس الصورة البيانية اولا ً .

و اشكال الصورة البيانية في القصيدة تتمثل في :

أ / التشبيه

التشبيه في القصيدة :

 

ورد التشبيه في نص بدوي الجبل في هذه الابيات :

لثمت الثرى سبعا و كحلت مقلتي بحسن كاسرار السماء مهيب

مواكب كالأمواج عج دعاؤها و نار الضحى حمراء ذات شبوب

و ضجة صمت جلجلت ثم وادعت و رقت كاخفى همسة و دبيب

و ما اكرم الصحراء ..تصدى ..و نمنمت لنا برد ظل كالنعيم رطيب

و عرتني الايام ممن احبهم كايك تحاماه الربيع سليب

 

ففي البيت الاول شبه الشاعر مكة الشريفة و ما تحويه من جال و اسرار السماء المزدانة بالكواكب و النجوم , و هذه الاسرار تذكرنا بقوله تعالى : (( انا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب ... )).

ففي مكة حسن و زينة يجعلها تبدو بابهى حلة و اتم حسن و فيها مهابة او هاتان الصفتان هما عينهما اللتان تميزان السماء و التشبيهان الثاني و الثالث في قوله :

مواكب كالأمواج عج دعاؤها و نار الضحى حمراء ذات شبوب

في هذا البيت وجد تشبيهان الاول في قوله : مواكب كالأمواج عج دعاؤها و التشبيه الثاني في قوله : نار الضحى , فالتشبيه الاول مواكب كالأمواج عج دعاؤها فيه شبه الشاعر مواكب الحجيج بامواج البحر المتلاطم , و التشبيه الثاني في قوله : نار الضحى : فهنا تشبيه بليغ من باب اضافة المشبه الى المشبه به فقد شبه الضحى بالنار , فهو يشبه الشمس المحرقة في وقت الضحى من النهار بالنار المستعرة الحمراء ذات الشبوب , و هذا تشبيه بليغ يدل على الحرارة الشديدة التي بمكة , فهي جزء من صحراء شبه الجزيرة و فيه ايحاءات الى ما يلاقيه الحجاج من مشقة محتملة , اذ لا حرج في الدين و الصبر على الطاعة من مقتضيات الايمان , و كذلك نجد التشبيه في قوله :

فيا مهجتي وادي الامين محمد خصيب الهدى و الزرع غير خصيب

 

فالتشبيه في قوله خصيب الهدى و هو تشبيه بليغ فقد اضاف الهدى الى الخصيب , هنا لم يقصد به الخصيب المادي فهذا الوادي جريب لا نبات فيه , و انما هو خصيب بالخير و مفعم بالنور و الهدى و هو اقتباس من الآية الكريمة : (( رب اني اسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم )), فهذا التشبيه يدل على نور الرسالة المحمدية الذي يملأ الارجاء و يعمها بالخير .

و كذلك يورد صورا اخرى للتشبيه في قوله :

و اطياف جن في بحار رمالها تصارع حالي طفوة و رسوب

 

فالتشبيه في قوله : بحار رمالها , و هو تشبيه بليغ من باب من باب اضافة المشبه الى المشبه به حيث شبه رمال الصحراء و كأنها البحار , فالشاعر في كل حين يعاود وصف الصحراء و ما تحويه في رحلته الروحانية الخيالية من اطياف الجن التي تصارع رمال الصحراء في حالة الغوص و الطفو فقوق رمال الصحراء , اي انه يتخيل الجن و هي في صراع مع رمال الصحراء , فهي تراوده من حين الى اخر , و هي توحي الى تلك الجن التي يعتقد العرب في الصحراء قديما انها تعيش في الوديان , و وادي عبقر الشهير خير دليل على ذلك .

ب/ الاستعارة :

 

ان للاستعارة مكانة مهمة في بناء الخطاب الشعري و قد تناولها الكثير من النقاد القدامى فابو هال العسكري يعرفها بانها :

(( نقل العبارة من موضع استعمالها في اصل اللغة الى غيره لغرض )) , و تناولها عبد القاهر الجرجاني بشكل دقيق , فقسمها الى قسمين مفيدة و غير مفيدة , و يقول في هذا التقسيم : (( انا ابدأ بذكر غير المفيدة فانه قصير الباع , قليل الاتساع ... و موضع هذا الذي لا يفيد نقله , حيث يكون اختصاص الاسم بما وضع له من طريق اريد به التوسع في اوضاع اللغة و الترفق في مراعاة دقائق في الفروق في المعاني المدلول عليها كوضعهم للعضو الواحد اسم كثيرة بحسب اختلاف اجناس الحيوان , نحو وضع الشفة للإنسان و المشفر للبعير ... ة اما المفيد , فقد بان لك باستعارته فائدة و معنى من المعاني و غرض من الاغراض , لولا مكان تلك الاستعارة لم يحصل لك و جملة تلك الفائدة و ذلك الغرض , التشبيه )).

و يبين ابن رشيق اهميتها فيقول : (( الاستعارة افضل المجاز و اول ابواب البديع و ليس في حلى الشعر اعجب منها , و هي من محاسن الكلام اذا وقعت موقعها و نزلت موضعها )).

و على اية حال فالاستعارة تشبيه حذف احد طرفيه , و قد دقق البلاغيون في تقسيم الاستعارة اقساما مختلفة ناظرين اليها من عدة زوايا فمن زاوية المستعار قسموها الى تصريحية و مكنية و من زاوية المتعلقات بطرفي الاستعارة قسموها الى مطلقة و مجردة و مرشحة , و من الوجهة الدلالية الة تجسيدية و ايحائية و تشخيصية و من الناحية النحوية الى فعلية و مفعولية و اسمية و وصفية و اضافية .

الاستعارة في القصيدة :

 

استخدام الشاعر الاستعارة المكنية بشكل يلفت الانتباه حيث لا يكاد يخلو بيت منها و لهل ذلك راجع الى طبيع موضوع القصيدة الصوفي المعتمد على التصوير و على الرمز , و من امثلة هذا الاستخدام قول البدوي في مطلع القصيدة :

بنور على ام القرى و بطيب غسلت فؤادي من اسى و لهيب

 

فالاستعارة المكنية في قوله : غسلت فؤادي حيث جعل الفؤاد شيئا يغسل اي شبه الفؤاد بشيء مادي يغسل فحذف المشبه بهو ابقى على لازمة من لوازمه.

الاستعارة الثانية في قوله :

لثمت الثرى سبعاً و كحلت مقلتي بحسن كاسرار السماء مهيب

 

فالاستعارة المكنية في قوله ك كحلت مقلتي بحسن , و ذلك ان شبه الحسن بالكحل الذي يكتحل به ثم حذف المشبه به و ابقى شيئا من متعلقاته .

اما الاستعارة الثالثة ففي قوله :

و امسكت قلبي لا يطير الى ( منى ) باعبائه من لهفة و وجيب

 

فالاستعارة في قوله : امسكت قلبي لا يطير , فهو قد شبه القلب بالطائر ثم حذف المشبه به و هو ( الطائر ) فهي استعارة مكنية تدل على مدى شوق و شغف البدوي الى زيارة الكعبة الشريفة .

و كذلك نجد له استعارة اخرى في قوله :

و يا مهجتي بين الحطيم و زمزم تركت دموعي شافعا لذنوبي

 

الاستعارة في قوله : دموعي شافعا لذنوبي , و الدموع لا تشفع لكن الشاعر شبهها بوسيط يشفع له ذنوبه عند الله تعالى فحذف المشبه به و ذكر المشبه الذي هو الدموع في استعارة مكنية و كذلك نجد استعارتان اخريتان في قوله :

و في الكعبة الزهراء زينت لوعتي و عطر ابواب السماء نحيبي

 

في البيت استعارتان اما الاولى فتنجلي في قوله , زينت لوعتي حيث شبه الشاعر اللوعة بشيء مادي يزين به فحذف المشبه به و ابقى على شيء من لوازمه و اما الثانية , فهي التي في قوله : عطر ابواب السماء نحيبي , فقد شبه النحيب بالعطر و في ذلك استعارة مكنية و هاتان الاستعارتان تدلان على الايمان الذي وصل اليه الشاعر فقد عبرت عنه هاتان اللفظتان لوعتي و نحيبي .

و هناك العديد من الاستعارات المكنية في هذه القصيدة حيث نسبة هذه الاستعارات قد طغت على جميع الصور الاخرى في هذه القصيدة - التي لم يتسع لي الوقت في تفصيلها و بسط القول فيها فأدرجتها بشكل عام كالتالي :

و من صحب الصحراء هام بعالم من السحر جني الطيوف رهيب

نوع الاستعارة ( مكنية ).

و تكبيرة في الفجر سالت مع الصبا نعيم فيافٍ و اخضلال سهوب

كذلك نوع الاستعارة ( مكنية ).

اشم الرمال السمر في كل حفنة من الرمل , دنيا من هوى و طيوب

و من هذه الصحراء شعر تبرجت به كل سكرى بالدلال عروب

كذلك الاستعارة ( مكنية ).

ترش النجوم النور فيها ممسكا فاترع احلامي و اهرق كوبي

الاستعارة مكنية.

و ما اكرم الصحراء ..تصدى.. و نمنمت لنا برد ظل كالنعيم رطيب

الاستعارة مكنية .

شكا الدهر مما اتعبته رمالها و لم تشك فيه من ونى و لغوب

الاستعارة مكنية.

و صبر من الصحراء احكمت نسجه سموت به عن محنتي و كروبي

يرنح شعري باللوى كل بانة و يندى بشعري فيه كل كثيب

الاستعارة مكنية

و يا رب في قلبي ندوب جديدة تريد القرى من سالفات ندوب

الاستعارة مكنية

تدفقت الامواج و الليل كافر و هب جنون الريح كل هبوب

الاستعارة مكنية

يرقصها حينا و حينا يرجها و يوجز حالي هدأة و وثوب

 

 

ومن دراسة الصورة الشعرية التي تهتم بالصوت واللون والحركة نستخرج افعال الحركة في القصيدة في قوله :

لثمت الثرى سبعا ً وكحلت مقلتي بحسن كأسرار السماء مهيب

 

والبيت الاخر الذي يهتم بالحركة قوله

امسكت قلبي لا يطير الى ( منى ) بأعبائه من لهفة و وجيب

 

اما التركيز على اللون قوله

مواكب كالأمواج عج دعاؤها ونار الضحى حمراء ذات شبوب

 

فذكر المفردة حمراء

واقرب بيت يركز على ذكر اللون قول الشاعر :

واي ذنوب ليس تمحى لشاعر معنى بألوان الجمال طروب

 

ويذكر الصوت ويتمثل في هذا البيت

ورددت الصحراء شرقا ً ومغربا صدى نغما ً من لوعة ورتوب

 

فتبرز تلك المفردة لتدل على الصدى

الخاتمة :

وقد توصلنا الى النتائج الاتية :

 

ان الوصف في هذه القصيدة كان امتدادا لما سبقها من اوصاف تلونت بها القصيدة العربية , الا انها امتازت عنها باتساع الرؤية و تنوع الموضوعات المطروحة عبر بناء تام على وحدات نامية تستعير بعضا من تقنيات البناء القصصي .

اما المضمون الديني لدى الشاعر و الذي تمثل في القصيدة برغبة الشاعر في زيارة بيت الله الحرام و قبر الرسول ( صلى الله عليه و اله ) و التوبة التي اظهرها من الذنوب و انه استمد ذلك من القران الكريم و السنة النبوية .

اما المضمون العاطفي كذلك لدى الشاعر تمثل في اظهار التوبة و الحزن و طلب غفران الذنوب و توسل الى الله بحبيبه فهو حبيب يتوسل الى حبيبه و ما رافق ذلك من ابداع تعبيري عن هذه الصورة .

اما على صعيد الايقاع و البحور الشعرية فقد وجدنا الشاعر يميل الى بحر ( الطويل ) و كان سبب استخدامه انه يتألف من مقاطع عديدة تسهل على الشاعر نقل احداثه و اوصافه من خلالها و ما يتخللها من معان و عواطف .

و على صعيد اللغة الشعرية فقد امتازت بخصائص فنية جعلتها اكثر تأثيرا في جمهور المتلقين من خلال الحشد الهائل للألفاظ الدينية التي ناسبت موضوع القصيدة و هو وصف رحلة الحج و الفاظ الاعلام , و المكان و كان اسم الرسول محمد ( صلى الله عليه و اله ) في الصدارة .

و اخيرا تستطيع القول ان الشاعر في مطولته هذه ( وصف رحلة الحج ) كانت معبرة عن احساس الشاعر السامي العالي و دالة على ثقافته و ثقافة عصره .

 

 

المصادر

 

 

ابو الفرج الاصفهاني , الاغاني , تحقيق : احسان عباس , ابراهيم السعافين , بكر عباس , ط3 , 2008 , ج4 .

ابراهيم انيس , موسيقى الشعر , مكتبة الانجلو المصرية , ط2, 1952م .

البناء الفني في قصيدة الحماسة العباسية , سعيد حسون العنبكي , دار الشؤون بغداد , 2008م .

ابو هلال العسكري , كتاب الصناعتين , علي البجاري , ابو الفضل ابراهيم , دار احياء الكتب العربية 1952م .

البنية اللغوية في قصيدة الكعبة الزهراء لبدوي الجبل , خميسة حمادي , دار المغرب , 2009 م .

ابن رشيق القيرواني , العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد , دار الجبل ,ط5,ج1 .

الادب و فنونه , ص11 , محمد مندور , دار النهضة مصر للطباعة , القاهرة ط2 , 1974م .

الاسس الجمالية في النقد العربي , ص348 , عرض و تصغير و مقارنة , مجيد عبد الحميد - بيروت , ط1 , 1984م .

العقاد , اللغة الشاعرة , نهضة مصر للطباعة و النشر , القاهرة , 1990 , ص22 .

المرشد الى فهم اشعار العرب , عبد الله الطيب المجذوب , ط2 , دار الفكر بيروت , ج1 .

بدوي الجبل اثار وقصائد مجهولة , هاشم عثمان , دار رياض كتب الريس للطباعة والنشر بيروت , ط1 , 1998 .

بدوي الجبل شاعر الكلاسيكية الحديثة , محمد رضا الشماسي .

بدوي الجبل عملاق الكلاسيكية المعاصرة , موسوعة اعلام الشعر العربي الحديث , اعداد هاني الخير , مؤسسة علاء الدين للطباعة والتوزيع , سوريا , دمشق ,ط1, 2005م .

تامر سلوم , نظرية اللغة والجمال في النقد العربي , دار الحوار للتوزيع والنشر اللاذقية سوريا , 1983 .

جابر عصفور , البنية الفنية في التراث النقدي والبلاغي .

جوزيف ميشال شريم , دليل الدراسات الاسلوبية , المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع , بيروت ط2 , 1987 .

عز الدين اسماعيل , الشعر العربي المعاصر , دار العودة ودار الثقافة , بيروت , 1981 .

عمود الشعر في النقد العربي المعاصر , سلمى عبد شاهين , رسالة ماجستير كلية التربية , 2013 .

عيار الشعر , ابن طباطبا العلوي تحقيق وتعليق دكتور طه الهاجري ,والدكتور محمد زغلول سلام , شركة فن الطباعة مصر , 1956 .

في الفلسفة والشعر , مارتن هيجر , ترجمة الدكتور عثمان امين , الدار القومية للطباعة والنشر , القاهرة , 1965 .

في حداثة النص الشعري الدكتور علي جعفر العلاق , دار الشؤون الثقافية للطباعة والنشر , بغداد

فنون الادب , هت . ب شارلز , تعريب زكي نجيب , لجنة التأليف والترجمة والنشر , 1954 .

كتاب ابن جني " العروض " , ت: احمد فوزي الطيب , دار القلم للنشر و التوزيع , الكويت , ط2.

لغة الشعر بين جيلين , د. ابراهيم السامرائي , بيروت , ط2 , 1980م .

لغة الشعر المعاصر , د. عمران خضير الكبيسي , وكالة المطبوعات - الكويت , 1982م .

مختارات مدحت عكاش , اصدار دار كرم دمشق للطباعة والنشر .

و هج العنقاء , دراسة فنية في شعر خليل الخوري , ثامر خلف السوداني , دار الشؤون الثقافية العامة بغداد , 2001 .

 

الرسائل الجامعية

 

مطولات الشعر العربي الحديث رثاء الام الحسين ( عليه السلام ) دراسة في المضامين الموضوعية و البناء الفني , ت وليد جميل , 2011 .

الايقاع في قصيدة العمود من خلال الخطاب النقدي العربي ,علي عبد رمضان , ط1, 2011م .

الدوريات

الديناميكية المحركة للشعر الحسيني عند شعراء النص الاول من القرن العشرين , علي حسين يوسف , العد 6, س2, النجف , 2009

 

الهوامش

 

 

 

 

 

د. صدام فهد الاسدي


التعليقات




5000