..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
إحسان جواد كاظم
.
.
د.عبد الجبار العبيدي
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قراءة وتأويل للمجموعة الشعرية

رياض عبد الواحد

بروفايل للريح ....

 

رسم جانبي للمطر

 

             ( تنويعات على نصب الحرية )

 

للشاعر جواد الحطاب

 

النحت بأزميل الشعر

 

 تنصيص خارج المتن                                                                                

 

**( الفن هو الانتقال من ارادة النفي الى ارادة الاثبات . اثبات مفارقات الحياة وتناقضاتها , وتحويلها الى ظاهرة فنية وجمالية ) .  نتشه

 

***( هدف الشعر رؤية ما لا يُرى , وسماع ما لا يُسمع ) . رامبو

 

***  (حين تفقد الحجارة اوزانها , تصير قصائد ). منى السعودي

 

 

 

ما الذي يدفع بالشاعر الى اقتحام ساحة حقل اخر غير روح التجريب التي ظلت تثير دخيلة الكثير من الشعراء الحداثويين الذين  يحاولون تجاوز منطقة الشعر الخالصة الى فضاءات يتواشج فيها الشعر بالفنون الاخرى  من اجل انضاج تجربة تستفيد من الحواس كلها . ولعل الشاعر ( الحطاب ) ليس اول من دخل هذا المضمار الا ان ذلك لا يمنع ان تكون له خصوصيته في رسم العلاقة بين القصيدة والمنحوتة التي تعامل معها .

 

تعد العنونة في الخطاب الشعري نقطة الشروع الأساسية لما لها من ابعاد دلالية وإيحائية تساعد على اكتشاف مجاهل النص او ما بعديته , اذ تحمل العنونة الكثير من الاغراء والاغواء والمراوغة التي يتعمد المؤلف وضعها كمصدات اولية لاستكشاف عوالمه . في مجموعة ( الحطاب ) انفا يضعنا النصيص امام مواجهة متداخلة  الابعاد , اذ استطاع الشاعر وبنجاح من تفخيخ مداخله بواسطة مجموعة من العبارات الملغزة عما هو متحصل فيما وراء ذلك النصيص نفسه , بمعنى ان البعد البراني يبتعد مرة عما هو جواني \ المتن , ويقترب منه مرة اخرى بغية احداث هزهزة عقلانية لثوابت المتلقي . يتميز \ النصيص \ ببؤرة تتجمع فيها الكثير منى الاقفال المركزية التي تحتاج الى مفاتح لفك مغاليقها . فالنصيص ماتع ونقنع , اذ انه يحمل بعدا جماليا ودلاليا . فبعده الجمالي يترشح مما تحمل مفردتي ( الريح + المطر ) من دلالات مختلفة , اي فيما يخص ما هو عياني في اقل تقدير . النصيص عبارة عن جمل اسمية مع تغييب المبتدأ , وهذا ما يؤشر بداءة على ادامة زخم الفعل الخبري الواصف لما تحمله الريح والمطر بواسطة تخصيص ما يخطر على بال الشاعر وهو يقف قبال تاريخ المنحوتة اضافة الى مترشحات زمنه الخاص والذي يقع خارج اطار زمن انتاج تلك المنحوتة  , بمعنى ان زمن الشعر المنتج في لحظة صراع ذات الشاعر مع ما يحيطها وان التقى في اطاره العام مع المنحوتة الا ان الكثير من الاضافات قد دخلت عليه بسبب مما يعج به الواقع اللحظي لإنتاج الشعر . كما يحمل \ النصيص \ فعلا تقويضيا للمتلقي بواسطة تلك المراوغة  المحسوبة بدقة في ابعاد ما يلائم توقع المتلقي  , اذ ان الشاعر يريد منا ان ننظر الى المطر من زاوية غير معتادة  لرؤيتنا . ويحمل \ النصيص \ مراوغة اخرى تتمكن من  هدهدتنا بعد فصول الريح والمطر لبرهة من الزمن بواسطة التوقف في محطة ثانوية هي عبارة عن \ ثريا ثالثة \  ( تنويعات عللا نصب الحرية ) . ليبدد بذلك قلقنا وخوفنا من فصول الريح والمطر العابرة لمعناها القاموسي الى دلالاتها البعيدة . نستنتج مما تقدم ان العنونة الرئيسة تحمل في طياتها اكثر من قراءة وتأويل كونها حاملة لفونيمات ثرة ومؤثرة يمكن اجمال منتجها بالاتي :

 

1 – ان الريح والمطر اجتمعا في الكثير مما يقع تحت النظر على المستوى الواقعي الا انهما لا يلتقيان على المستوى الدلالي , لذلك تحمل العنونة مفارقة واعية مهم تحاول الفكاك من الواقع العياني عن طريق سحر اللغة وتداعيات الكلمة المرافقة ليفجر طاقات المفردة عندما تتجاور مع كلمة اخرى واصفة لها .

 

2 – ان المتقابلات المختلفة والمتفارقة  \ بروفايل , ريح , مطر , رسم , تنويعات , نصب , حرية , تمثل مجموعة من عناصر الحركة والاستقرار والتنوع في الوقت نفسه مما يعطي النصيص جدليته المخالفة ويجعل من هذه الدلية عدسة لامة  يمكن بواسطتها  رؤية المشهد الذي يكتنف كل هذه المفردات المتخالفة لتكون شاهدا على الادانة  والرفض  وعلامة على القلق الذي لا تصرح به علانية هذه الثريا .

 

3 – يتغذى \ النصيص \ على بنية الانزياح الاتجاهي  الذي يدفعنا لرسم مستويات قراءة لا تقع تحت بؤبؤ العين مباشرة بل تحث الخطى صوب اماكن اخرى  تجعل من المألوف غريبا ومن القريب بعيدا وكأن قوة خفية تدفعها بها الاتجاه . ان هكذا نصيص متشعب الرؤى يستدعي قراءة متشعبة يمكن ان نضعها في سياق مجموعة من المستويات التأويلية  الاتية :

 

 

 

اولا : المستوى التركيبي :

 

يتخذ \ النصيص \ من الجملة الاسمية المعطوفة على جملة اسمية اخرى منبتا له , اذ ان الجملتين الاسميتين محذوفتي المبتدأ المقدر مرة ب \ هذا , واخرى ب \ ذلك \ . اما الخبر فهو تركيب وصفي يحمل بين طياته ما اشرنا اليه انفا .

 

ثانيا : المستوى الدلالي :

 

ان المركب الإخباري الاول \ بروفايل للريح \ يوحي بتعامل الشاعر مع شيء محسوس , اذ تنهض العلاقة بين البروفايل والريح على بنية الاشتمال , اي , اشتمال \ البروفايل \ لسيرة الريح وما تؤول اليه  . اما المركب الاخباري الاخر \ رسم جاني للمطر \  فهذا النوع من الرسم يدفعنا باتجاه رؤى مختلفة  لأن الرؤية – هنا – ممتزجة بانطباع واحساس وموقف وهذه مجتمعة تتغاير من شخص لآخر اضاقة الى ما تفرضه زاوية النظر من تأثير لاحق في العملية برمتها .

 

ثالثا : المستوى البلاغي :

 

يمارس النص اللغوي سلطة قوية على المنحوتة التي يتعامل معها لأنه ببساطة يقوم بعملية قراءتها قراءة تختلف عن القراءة الاعتيادية كمنظور نحتي وهذا سيؤدي حتما الى كبح جماح المنحوتة الدلالي لكي لا ترمي بثقلها على ما هو شعري وان التقيا في الهم العام .

 

تظهر على الغلاف الاول ايضا لوحة يتقاسمها اللون الابيض والاسود وعلى شكل خطوط منحنية  ويتضح انها خطاطة لبرق متشظ باتجاهات مختلفة لتتطابق – هنا – اللوحة مع مفردتي الريح والمطر وما يترشح منهما  . اما المقدمة التي كتبها – الحطاب – فقد عززت كما ارى متواضعا من بنيتي التوازي والتخطي : توازي الشعر مع المنحوتة او عبور الشعر مساحة المنحوتة كفعل ابداعي  وقد نجح الحطاب في الخروج من هذا المأزق بتخرجين جميلين مذكورين في المقدمة . حاول – الحطاب – في هذه المجموعة ان يستغني عن ( اللوغو ) الفرعي بالاعتماد على مرجعية المنحوتة  كي تكون ثريا لكل قصيدة  ,واظنه – هنا – تنازل عن البعد البلاغي الذي تحققه الثريات الفرعية لصالح سلطة المنحوتة لأنه طامح لان يخبرنا بأن المنحوتة لا يمكن تجاوزها دائما اضافة الى ما تحمل من بلاغة إيحائية في توصيل الفكرة .

 

 

 

الصهيل يقبض على بؤرة المعنى

 

يحاول الشاعر في القصيدة الاولى ان يقسم الاحتجاج بين فعلي الكلام والنحت حتى لا يفقد الطرفان تأثيرهما بسبب من اعتماد المنحوتة قاعدة للانطلاق . فالصراخ الانثوي مقرون غالبا بالفجيعة والحزن والاسى المر المؤطر بالفقدان , في حين ان \ الصهيل \ يعبر عن الغضب والاحتجاج والاقتدار  , لهذا حاول الشاعر احالة صراخ النسوة الى الاحصنة  . فعملية \ التبرع \ ليست بنية زائدة بل بنية مشاركة  , اذ من الممكن ان تُقيد السلاسل الفعل الانساني , او تكبح من جماحه , او صراخه , الا ان ذلك يستحيل على بنية \ الصهيل \ , اذ انه من غير الممكن لا عمليا ولا نظريا ان تقيد السلاسل هذا \ الصهيل \ , لهذا تبرعت النسوة بصراخهن الى الاحصنة وذلك لتحويل الشعور الى صورة مرئية ومحسوسة يمكن ان نتخيلها بنحو معقول . انه هنا يقلب النظام الخارجي للأشياء  ويجرد الاشياء من نسقها المألوف اذ ان  الصفة العرضية التي تلتصق بالمرأة تعزلها عن شكلها المألوف , انه يضم اشياء لا تجمعفي الواقع لكنها لا تستحيل شعريا

 

 

 

                     تبرعت الامهات بصراخهن الى الحصان

 

                      فلا سلاسل تقيد الصهيل

 

                       ... من همسة الاف سنة

 

                         يتوشح بالحياة

 

                         شعفاته : يا ما كان ....

 

                        وحوافره : الريح !

 

 

 

ان بنية الفراغ المنقوط التي تتكرر كثيرا في هذه المجموعة لها دلالاتها  . فالفراغ الحاصل قبل عبارة \ من همسة الاف سنة \ ما هو الا جزء اساس من عملية الهمس المتحولة داخل بنية الزمان الى صوت هادر يعادل الصراخ المتحول الى صهيل . انه زمن سيال يبدأ مرتفعا بحدوث الصراخ ثم الصهيل بيد انه يهبط كمنحى عن نقطة مكانية هي \ نفاث الهمسة \ الممتدة من الاف السنين . انها همسة \ المنحوتة \ , همسة الحقيقة الخالدة المترشحة منها عبر فصول الريح والمطر والتقلب , وهي في الوقت نفسه همسة ذبول الحياة الموزعة على :

 

 وصي ........ جاء على ظهر دبابة بريطانية

 

مغامر ........  جاء على ظهر الدبابات الوطنية

 

سراق ........ جاءوا على ظهر دبابة امريكية

 

 

 

اذن \ الهمسة \ حتى تطال الخلود لا بد لها من مغامرة  محسوبة  , من حركة وسطية التوجهات والرؤى  , لا شرقية ولا غربية  , هي روح المغامرة التي تحمل بذرة التغيير الحقيقي  وليست روح المغامرة الطائشة  لانها تحمل بذور الوطنية  . ولكي تأخذ \ الهمسة \ بعدها الصحيح عبر المسار التاريخي لا بد لها من كشف الاقنعة بحقائق ملموسة يغلفها وعي الشاعر ومخيلته الثرة وعينه المثقفة ازاء ما يحدث لحظويا , فهو يذهب الى الصور اكثر مما يذهب الى غيرها

 

 

 

                                بأخاديد الدبابات

 

تضع القنصليات بيوضها

 

 

 

ما اجمله من توصيف وما اغنها من فكرة !! انها بلاغة الفكرة  , لان البلاغة لا تكفي اذا ما انفصلت عن الحياة وما يترشح منها  , ولا ينفصل عن هذا المنحى  اختيار المفردة التي تحفر ف ذات الاخر بعدا شعبيا لا يمكن تعويضه بمفردة اخرى \ يمعودين \ . مفردة شعبية تحمل في طياتها توسلا وصيحة  , فهي لينة لكنها في الوقت نفسه حادة  . ولم ينس الشاعر وهو في مشغله الشعري ان يسحب التاريخ الى مداره الشعري  , ويضع الحقائق بنحو مجسم ومجسد امام المتلقي الذي ربما لا يستذكر شيئا من تاريخه المعاصر  . لاحظ نباهة الشاعر في استعادة التاريخي

 

 

 

 

 

لا تجمعوا اسمين في اجسادكم

 

يكره العراقيون تزاوج الاسماء

 

حتى ....

 

حين صار لديهم ( فيصل ثاني )

 

..... قتلوه

 

 

 

انه يزيح اقنعة الواقع بواسطة المتحصل التاريخي , اذ تؤيد المخيلة الشعرية الوقائع , والوقائع تؤيد المخيلة  , انهما يتعاونان على منتج اكثر تجذرا في الواقع المعاش . هكذا تتحقق صحوة الشعر في انه يلمح للأشياء بفائض رؤية مما يعز من مكانته في ان يكون سجلا واقعيا لما ينبض به المجتمع . ويتخذ الشكل اللولبي طابعا مميزا للقصيدة  لان بداية القصيدة هي نهايتها  . هذه اللولبية تبقي النهايات مفتوحة مع احتمالات كثيرة , اذ ان الشاعر عاد فألصق \ الصهيل بالنساء \ لكن هذه المرة يتخذ الصهيل قداسة واضحة

 

 

 

 

 

مبارك صهيلكن ايتها الامهات

 

... زعاف الافعى

 

لا يرهب التنين

 

 

 

هذا التحول من الصراخ في بداية القصيدة الى صهيل مبارك له ابعاد يمكن اجمالها بالاتي :

 

اولا : البعد العملي : وينبني في الممارسة السلوكية بواسطة بنية التحول

 

ثانيا : البعد الوجداني : وينطلق من طبيعة التجربة والحدث وبه ومنه يبدأ التحول النوعي

 

ثالثا : البعد الفكري : والذي يقترب من وعي اللحظة زمنيا , اذ لم تعد المرأة بهذا التحول من الصراخ الى الصهيل مجرد ( نواحة ) و ( باكية ) على امر ما بل اضحى صراخها صهيلا مباركا يحمل العنفوان والرفض والاحتجاج والتحريض بدليل ما حصل لهذا الصهيل من مباركة الشاعر الذي هو عين مثقفة من عيون المجتمع .

 

ولان الاحداث تشكل البؤرة الرئيسة في هذه المجموعة فلابد والحال هذه من دخول الشاعر الى دائرة السرد عبر مجموعة من التعاملات مع ما يشكل الزمن من مادة خصبة للقول الشعري . وتكمن فضيلة- الحطاب – في مثل هذا التعامل بحثه عن السردي بواسطة مجموعة من الاستنطاقات لما هو ثابت وراهن  , وهو بهذا يسعى الى برهنة صحة رسالته مستعملا مجموعة من الاستبدالات العقلية والمقايسات المنطقية التي تتخذ من الحدث وزمنه منهلا لها

 

 

 

 

 

يتسلل من كتب التاريخ , رجال الدين النجفيون

 

( الجذر التربيعي لعشائر زوبع )

 

لا تنقصهم الاسطورة :

 

مكوار اعزل

 

يعزب ( في صينية مدفع ) نجوما للفالات

 

ويتكوكب في الابدية

 

 

 

لاحظ الاسترجاع التاريخي – هنا – يسير بواسطة راو مهيمن يعالج بأسلوب فني ما يترشح من التاريخ بوعي خلاق , بمعنى ان التوصيف التاريخي مؤطر بالوصف الشعري وهذا ما يمنحه تخييلا واسعا حتى في عملية اشتقاق الكلمات بواسطة وعي اللغة وتطويعها لما يتناسب مع ما هو حداثوي \ يتكوكب \ . ان اللغة روح الشعر واداته السحرية التي تقوم بعملية صهر الافكار  , هذه اللغة لابد ان تكون حاملة لأنباء رؤيوي يحمل الاحساس بأسرار الذات والاخر وتصدعاتهما داخل الكون الشعري والحياتي العاميين لذك تنحرف اللغة بمقصدية واعية عن مدلولاتها المباشرة

 

 

 

 

 

فتحت الطلقات ( غارا ) له في جسده

 

...ف دخل

 

واعشوشبت وراءه المقدسات

 

 

 

 

 

يا له من جرس مموسق وصور جمالية يمتزج فيها الواقع المتخيل بألفاظ فارقة عن مدلولها المباشر , فالطلقة – هنا – تفتح غارا , وهذا الغار له بعده التاريخي الذي تنبثق منه كل القيم الفاضلة حتى ان المقدسات على قدرها المعلى تعشوشب بكل القيم الفاضلة التي يحققها الجسد المصاب غيلة بتلك الطلقة . لاحظ ان منتج الطلقة اختلف تماما عما ينبغي ان يكون عليه وهذا ما يؤشر نجاح الشاعر في عكس حركته الذهنية الواعية على صياغته الشعرية مما يجعل لغته قادرة على الاحاطة بالمعاناة التي يستشعرها والتي تحاول شرح الكلمات . اذن اللغة تقترب من كنه الاشياء وما يتبدى بعدها الا انها في الوقت نفسه لا تتمسك بذلك الشيء . انه يلعب لعبته الذكية باللغة من اجل خلق صورة توقظ مل ما هو نائم داخل دائرة اللغة 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حبة دمع واحدة

 

من عين ام

 

كافية لتعقيم الملائكة

 

 

 

 

 

 

 

ان عملية تجاوز اللغوي كوسيلة  فهم الى تصييره وسيلة تأثير يسير بنحو خطي متخطيا سيرورته المعتادة بواسطة التفريع الدلالي . لاحظ ان \ الدمعة \ خرجت عن مألوفيتها عندما اضحت \ حبة \ لتتناسب وبيئة التعقيم لعنصر يحمل نصاعته بنفسه , ومع هذا كانلدمع الام الاثر البالغ في اضفاء الطهارة على ما طاهر في الاصل .

 

 

 

السياق النفسي وتأثيراته

 

 

 

يتجلى العمل النفسي في هذه المجموعة  بواسطة مجموعة من المهيمنات يمكن ان نوجزها بالاتي :

 

اولا : رهافة الحس : لم يتخل – الحطاب – عن رهافة حسه  , فهو مسكون بالوجع منذ مراقبته المارة على الطرقات في مجموعته الشعرية الاولى , انه وجع الاخر وهمومه الذي يحتل كل خلية من خلاياه . هذه الرهافة ليست مكونا تلفظيا يقف عن حدوده بل يتعداه الى نمو خطي يتناسب ويتساوى مع الحالة النفسية التي تتشكل بنحو شعوري يسمح بالتدفق العاطفي الواعي ذي الايقاع الهادئ

 

 

 

اجلس عند مفترق الهتافات

 

تحيط بي النوارس

 

وتصنع لي الامواج

 

مساء باردا

 

من خشب وغرقى

 

 

 

هذا النص القصير تكتنفه مجموعة من الشفرات المتوزعة على :

 

أ : شفرة الاحداث : الحدث هنا يجسده المكان , المكان الذي لا يتشكل من نقطة واحدة , هو بؤرة لمجموعة شعاعات قادمة من اصوات الاخرين الجمعية الباحثة عن افقها

 

ب : شفرة الالغاز : ينبي اللغز في ضوء وضعية السارد اذ من المفترض ان تبعد الهتافات النوارس نتيجة الصخب الذي تولده الا ان اللغز الحاصل في الاحاطة يكمن في توافق روح الهتاف مع بنية النوارس البيضاء والتي تؤول الى الوداعة والسلام .

 

ج : الشفرة الثقافية : تتعزز هذه الشفرة في قضية الماء الذي يشكل عند الانسان الجنوبي بدء الحياة واستمرارها كون انسانا هيدروليكيا , اذ يشكل الماء مرجعية وجودية ( من الوجود ) ومرجعية ثقافية , لهذا كان الماء ولا يزال عامل ابتكار ودفع باتجاه تكوين افق ثقافي لا تغيب عنه الشمس

 

د : الشفرة الرمزية والثيمية : تنتبلور هذه الشفرة بواسطة البعد الرمزي الذي تشكله العبارات التي تكون النص \ مفترق الهتافات\ , \ تصنع لي الامواج مساء باردا \ خشب وغرقى \ .

 

ان كل هذه الشفرات ساعدت على خلق مناخ نفسي يقوم على تمعين المعنى السابق بواسطة حركة المعنى العام في مجموعة المكونات الدلالية المشكلة له , اذ تتعاضد هذه المكونات في مستوياتها الصغرى والكبرى لتنتج قالبا نفسيا شفيفا يتناسب وحجم الاحساس , وهذا ما خلق تأملا وتبصرا في الذات , ذات الانسان , او ساعد على كشف شعور الانا الجمعية بواسطة محفز ومستجيب ومتحصل نهائي ينهل من الاخر الكثير من اجل ان يضيف الى الذات ما يعينها او ما ينقل تجربتها من محيط محصور الى عالم اكثر سطوعا من اجل بث روح التمرد والخلاص مما يعتريها من ادران الماضي والحاضر

 

 

 

اعد الخرفان بمسحال الكبش

 

وبمحض قرنفلة ..

 

اعكف على تأليف عصفور

 

.. في افق مسنن

 

استشعر البساطيل

 

اترت ..ز اترت

 

اترت .. اترت ... اترت

 

اترت .. اترت ... اترت ... اترت

 

وتقترب الطبول

 

ان المكونات الداخلية للنص تنبثق من لغة ايحائية هي عبارة عن مجموعة دلالات خارجية , فاللغة تتفرع الى :

 

اولا : لغة انفجارية : اذ تبتعد عن التعابير القاموسية لتنتج لغة وسيطة تتفاعل فيها الموسيقى مع الشعر

 

ثانيا : لغة مركبة : بمعنى انها تبتعد عن التصوير الحظوة وتمزج عبر بنية توليفية بين الواقع والمتخيل وتعطي للأصوات مجالا للتعبير عن نفسها بواسطة مجموعة من الايقونات النغمية

 

 

 

بمحض قرنفلة

 

اعكف على تأليف عصفور

 

 

 

 

 

ان النسق النغمي المتكرر في كلمة \ اترت \ يعطيها حركة سينمية وزخما متلاحقا من اجل تكوين صورة مستقلة عن حركو معينة . هذا الاسترجاع المموسق يعطي للزمن ثقله داخل بنية الاسترجاع الذاكراتي والهيام اللامحدود بفعل الزمن  وتشكله السوريالي داخل الذات الشاعرة . فالزمن مرتبط بهذه الكلمة ارتباطا غير عائم  . انه زمن الحروب والاوجاع والماسي . ان الشاعر يخوض هنا صراعا مع بطل مضاد هو الزمن متلبسا بصوت البساطيل

 

 التي سحقت وتسحق كل شيء . لاحظ كلما ازداد عدد كلمة \ اترت \ نقترب من قرع الطبول . انها بنية طباقية محكومة بمبدأ السبب والنتجة  , اذ الحركة مرتهنة بالزمن المنتج لها والمنتهك لتسلسلها المنطقي في الاحداث .

 

تكنيك الفراغ المنقوط

 

تسيطر بنية الفراغ المنقوط  سيطرة شبه تامة على مساحة البياض . والفراغ عبارة عن عملية تشكيلية تعتمد على الشكل والمساحة التي تحتلها . ولعل الفراغات تؤشر الى بنية غياب  , غياب الفعل القولي واستبداله بالفعل الطباعي  , بيد ان ذلك لا يعني غياب الهدف او القصدية التي تقف خلفه  . فالفراغ ليس محوا للصوت الشعري بقدر ما هو افراغ  للصوت من صداه المسموع , اضافة الى ما يفعله ذلك الفراغ من عصف لمخيلة المتلقي  . ولكي يفلح الشاعر في هزهزة التتبع لدى المتلقي يلجأ الى تهشيم فعل القراءة بواسطة مجموعة من الاجراءات التي منها بنية الفراغ . هذا النوع من التكنيك في حقيقته هو فراغ ناطق  لكنه غير مسموع  , اضافة الى ما يشكله من كسر لرتابة الشكل المعتاد  , فمسار حركة الذات على الورقة ينبغي ان لا يسير على نمط واحد بسبب من احتشاء مجموعة من الافعال الانسانية المتلاحقة في مكان محدد مما يؤدي الى مراوحة كليلة  . ان محاولة قطع حلقات من السلسلة مهو الا عملية اجبار للمتلقي على فك رموز ومغاليق الصمت الورقي الذي لا يدرك كنهه غير الشاعر والمتلقي النابه

 

أندخل .... ؟

 

........

 

.......

 

.......

 

ان عملية الدخول الى اي شيء تحتاج الى زمن يسبق العملية  , لذلك جاء الفراغ المنقوط متناغما مع معقولية الطلب والاستفهام  . هنا الفراغ المنقوط يجسد مسارا غير آمن , او آمن لكنه مملوء بالألغام , لذلك لابد من صمت  , هذا الصمت ليس مظهر ترد او تراجع بل هو مظهر مراجعة لما ستؤول الامور اليه  . اذن بنية الفراغ متشكلة بمقصدية  التعاضد بين ما هو تشكيلي وما هو لساني  وعلى المتلقي ملء الفراغات بما يفكك مصداته التي وضعها الشاعر او تركها من اجل ان يسدها المتلقي بما تستحق من تأويل .  وعلى الطرف الاخر مما اشرنا اليه , تنبع الهواجس والاحلام من الشعور الباطن  الذي يستقرىء الاتي بعين ثاقبة  , عين لها رؤى فائضة  . وجدان يسبق ذات الشاعر الواعية  اذ انه , اي الشاعر وسيط تتدفق بواسطته الرؤى الباصرة

 

 

 

لا لزوم للتكهن

 

ولا كمائن في المجهول

 

شعب ..... يفك شفرة الطحين

 

شعب لا يوضع في البراد

 

.......

 

.........

 

نرشد الحياة

 

الى الحياة

 

نوقظ الاضرحة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كل شيء يلمح ويشير فيفتح الباب لأشياء عديدة , اشعارات وصور يمتزج فيها الواقعي بالخيالي  \ شفرة الطحين \ شعب يوضع في البراد \ , نوقظ الاضرحة \ . انها جمل متموجة بالغة الدقة  وخالية من نزعة الانا  . انها حركة الحياة التي لا تتوقف عن الموت بل تحاول ان تصنع منه الحياة , حياة لا تقبل بان تكون الا علامة دالة على التغيير .

 

.

 

 

 

 

 

 

 

 

قراءة وتأويل للمجموعة الشعرية

 

بروفايل للريح ....

 

رسم جانبي للمطر

 

             ( تنويعات على نصب الحرية )

 

للشاعر جواد الحطاب

 

النحت بأزميل الشعر

 

                                                                                  رياض عبد الواحد

 

 

 

تنصيص خارج المتن

 

**( الفن هو الانتقال من ارادة النفي الى ارادة الاثبات . اثبات مفارقات الحياة وتناقضاتها , وتحويلها الى ظاهرة فنية وجمالية ) .  نتشه

 

***( هدف الشعر رؤية ما لا يُرى , وسماع ما لا يُسمع ) . رامبو

 

***  (حين تفقد الحجارة اوزانها , تصير قصائد ). منى السعودي

 

 

 

ما الذي يدفع بالشاعر الى اقتحام ساحة حقل اخر غير روح التجريب التي ظلت تثير دخيلة الكثير من الشعراء الحداثويين الذين  يحاولون تجاوز منطقة الشعر الخالصة الى فضاءات يتواشج فيها الشعر بالفنون الاخرى  من اجل انضاج تجربة تستفيد من الحواس كلها . ولعل الشاعر ( الحطاب ) ليس اول من دخل هذا المضمار الا ان ذلك لا يمنع ان تكون له خصوصيته في رسم العلاقة بين القصيدة والمنحوتة التي تعامل معها .

 

تعد العنونة في الخطاب الشعري نقطة الشروع الأساسية لما لها من ابعاد دلالية وإيحائية تساعد على اكتشاف مجاهل النص او ما بعديته , اذ تحمل العنونة الكثير من الاغراء والاغواء والمراوغة التي يتعمد المؤلف وضعها كمصدات اولية لاستكشاف عوالمه . في مجموعة ( الحطاب ) انفا يضعنا النصيص امام مواجهة متداخلة  الابعاد , اذ استطاع الشاعر وبنجاح من تفخيخ مداخله بواسطة مجموعة من العبارات الملغزة عما هو متحصل فيما وراء ذلك النصيص نفسه , بمعنى ان البعد البراني يبتعد مرة عما هو جواني \ المتن , ويقترب منه مرة اخرى بغية احداث هزهزة عقلانية لثوابت المتلقي . يتميز \ النصيص \ ببؤرة تتجمع فيها الكثير منى الاقفال المركزية التي تحتاج الى مفاتح لفك مغاليقها . فالنصيص ماتع ونقنع , اذ انه يحمل بعدا جماليا ودلاليا . فبعده الجمالي يترشح مما تحمل مفردتي ( الريح + المطر ) من دلالات مختلفة , اي فيما يخص ما هو عياني في اقل تقدير . النصيص عبارة عن جمل اسمية مع تغييب المبتدأ , وهذا ما يؤشر بداءة على ادامة زخم الفعل الخبري الواصف لما تحمله الريح والمطر بواسطة تخصيص ما يخطر على بال الشاعر وهو يقف قبال تاريخ المنحوتة اضافة الى مترشحات زمنه الخاص والذي يقع خارج اطار زمن انتاج تلك المنحوتة  , بمعنى ان زمن الشعر المنتج في لحظة صراع ذات الشاعر مع ما يحيطها وان التقى في اطاره العام مع المنحوتة الا ان الكثير من الاضافات قد دخلت عليه بسبب مما يعج به الواقع اللحظي لإنتاج الشعر . كما يحمل \ النصيص \ فعلا تقويضيا للمتلقي بواسطة تلك المراوغة  المحسوبة بدقة في ابعاد ما يلائم توقع المتلقي  , اذ ان الشاعر يريد منا ان ننظر الى المطر من زاوية غير معتادة  لرؤيتنا . ويحمل \ النصيص \ مراوغة اخرى تتمكن من  هدهدتنا بعد فصول الريح والمطر لبرهة من الزمن بواسطة التوقف في محطة ثانوية هي عبارة عن \ ثريا ثالثة \  ( تنويعات عللا نصب الحرية ) . ليبدد بذلك قلقنا وخوفنا من فصول الريح والمطر العابرة لمعناها القاموسي الى دلالاتها البعيدة . نستنتج مما تقدم ان العنونة الرئيسة تحمل في طياتها اكثر من قراءة وتأويل كونها حاملة لفونيمات ثرة ومؤثرة يمكن اجمال منتجها بالاتي :

 

1 – ان الريح والمطر اجتمعا في الكثير مما يقع تحت النظر على المستوى الواقعي الا انهما لا يلتقيان على المستوى الدلالي , لذلك تحمل العنونة مفارقة واعية مهم تحاول الفكاك من الواقع العياني عن طريق سحر اللغة وتداعيات الكلمة المرافقة ليفجر طاقات المفردة عندما تتجاور مع كلمة اخرى واصفة لها .

 

2 – ان المتقابلات المختلفة والمتفارقة  \ بروفايل , ريح , مطر , رسم , تنويعات , نصب , حرية , تمثل مجموعة من عناصر الحركة والاستقرار والتنوع في الوقت نفسه مما يعطي النصيص جدليته المخالفة ويجعل من هذه الدلية عدسة لامة  يمكن بواسطتها  رؤية المشهد الذي يكتنف كل هذه المفردات المتخالفة لتكون شاهدا على الادانة  والرفض  وعلامة على القلق الذي لا تصرح به علانية هذه الثريا .

 

3 – يتغذى \ النصيص \ على بنية الانزياح الاتجاهي  الذي يدفعنا لرسم مستويات قراءة لا تقع تحت بؤبؤ العين مباشرة بل تحث الخطى صوب اماكن اخرى  تجعل من المألوف غريبا ومن القريب بعيدا وكأن قوة خفية تدفعها بها الاتجاه . ان هكذا نصيص متشعب الرؤى يستدعي قراءة متشعبة يمكن ان نضعها في سياق مجموعة من المستويات التأويلية  الاتية :

 

 

 

اولا : المستوى التركيبي :

 

يتخذ \ النصيص \ من الجملة الاسمية المعطوفة على جملة اسمية اخرى منبتا له , اذ ان الجملتين الاسميتين محذوفتي المبتدأ المقدر مرة ب \ هذا , واخرى ب \ ذلك \ . اما الخبر فهو تركيب وصفي يحمل بين طياته ما اشرنا اليه انفا .

 

ثانيا : المستوى الدلالي :

 

ان المركب الإخباري الاول \ بروفايل للريح \ يوحي بتعامل الشاعر مع شيء محسوس , اذ تنهض العلاقة بين البروفايل والريح على بنية الاشتمال , اي , اشتمال \ البروفايل \ لسيرة الريح وما تؤول اليه  . اما المركب الاخباري الاخر \ رسم جاني للمطر \  فهذا النوع من الرسم يدفعنا باتجاه رؤى مختلفة  لأن الرؤية – هنا – ممتزجة بانطباع واحساس وموقف وهذه مجتمعة تتغاير من شخص لآخر اضاقة الى ما تفرضه زاوية النظر من تأثير لاحق في العملية برمتها .

 

ثالثا : المستوى البلاغي :

 

يمارس النص اللغوي سلطة قوية على المنحوتة التي يتعامل معها لأنه ببساطة يقوم بعملية قراءتها قراءة تختلف عن القراءة الاعتيادية كمنظور نحتي وهذا سيؤدي حتما الى كبح جماح المنحوتة الدلالي لكي لا ترمي بثقلها على ما هو شعري وان التقيا في الهم العام .

 

تظهر على الغلاف الاول ايضا لوحة يتقاسمها اللون الابيض والاسود وعلى شكل خطوط منحنية  ويتضح انها خطاطة لبرق متشظ باتجاهات مختلفة لتتطابق – هنا – اللوحة مع مفردتي الريح والمطر وما يترشح منهما  . اما المقدمة التي كتبها – الحطاب – فقد عززت كما ارى متواضعا من بنيتي التوازي والتخطي : توازي الشعر مع المنحوتة او عبور الشعر مساحة المنحوتة كفعل ابداعي  وقد نجح الحطاب في الخروج من هذا المأزق بتخرجين جميلين مذكورين في المقدمة . حاول – الحطاب – في هذه المجموعة ان يستغني عن ( اللوغو ) الفرعي بالاعتماد على مرجعية المنحوتة  كي تكون ثريا لكل قصيدة  ,واظنه – هنا – تنازل عن البعد البلاغي الذي تحققه الثريات الفرعية لصالح سلطة المنحوتة لأنه طامح لان يخبرنا بأن المنحوتة لا يمكن تجاوزها دائما اضافة الى ما تحمل من بلاغة إيحائية في توصيل الفكرة .

 

 

 

الصهيل يقبض على بؤرة المعنى

 

يحاول الشاعر في القصيدة الاولى ان يقسم الاحتجاج بين فعلي الكلام والنحت حتى لا يفقد الطرفان تأثيرهما بسبب من اعتماد المنحوتة قاعدة للانطلاق . فالصراخ الانثوي مقرون غالبا بالفجيعة والحزن والاسى المر المؤطر بالفقدان , في حين ان \ الصهيل \ يعبر عن الغضب والاحتجاج والاقتدار  , لهذا حاول الشاعر احالة صراخ النسوة الى الاحصنة  . فعملية \ التبرع \ ليست بنية زائدة بل بنية مشاركة  , اذ من الممكن ان تُقيد السلاسل الفعل الانساني , او تكبح من جماحه , او صراخه , الا ان ذلك يستحيل على بنية \ الصهيل \ , اذ انه من غير الممكن لا عمليا ولا نظريا ان تقيد السلاسل هذا \ الصهيل \ , لهذا تبرعت النسوة بصراخهن الى الاحصنة وذلك لتحويل الشعور الى صورة مرئية ومحسوسة يمكن ان نتخيلها بنحو معقول . انه هنا يقلب النظام الخارجي للأشياء  ويجرد الاشياء من نسقها المألوف اذ ان  الصفة العرضية التي تلتصق بالمرأة تعزلها عن شكلها المألوف , انه يضم اشياء لا تجمعفي الواقع لكنها لا تستحيل شعريا

 

 

 

                     تبرعت الامهات بصراخهن الى الحصان

 

                      فلا سلاسل تقيد الصهيل

 

                       ... من همسة الاف سنة

 

                         يتوشح بالحياة

 

                         شعفاته : يا ما كان ....

 

                        وحوافره : الريح !

 

 

 

ان بنية الفراغ المنقوط التي تتكرر كثيرا في هذه المجموعة لها دلالاتها  . فالفراغ الحاصل قبل عبارة \ من همسة الاف سنة \ ما هو الا جزء اساس من عملية الهمس المتحولة داخل بنية الزمان الى صوت هادر يعادل الصراخ المتحول الى صهيل . انه زمن سيال يبدأ مرتفعا بحدوث الصراخ ثم الصهيل بيد انه يهبط كمنحى عن نقطة مكانية هي \ نفاث الهمسة \ الممتدة من الاف السنين . انها همسة \ المنحوتة \ , همسة الحقيقة الخالدة المترشحة منها عبر فصول الريح والمطر والتقلب , وهي في الوقت نفسه همسة ذبول الحياة الموزعة على :

 

 وصي ........ جاء على ظهر دبابة بريطانية

 

مغامر ........  جاء على ظهر الدبابات الوطنية

 

سراق ........ جاءوا على ظهر دبابة امريكية

 

 

 

اذن \ الهمسة \ حتى تطال الخلود لا بد لها من مغامرة  محسوبة  , من حركة وسطية التوجهات والرؤى  , لا شرقية ولا غربية  , هي روح المغامرة التي تحمل بذرة التغيير الحقيقي  وليست روح المغامرة الطائشة  لانها تحمل بذور الوطنية  . ولكي تأخذ \ الهمسة \ بعدها الصحيح عبر المسار التاريخي لا بد لها من كشف الاقنعة بحقائق ملموسة يغلفها وعي الشاعر ومخيلته الثرة وعينه المثقفة ازاء ما يحدث لحظويا , فهو يذهب الى الصور اكثر مما يذهب الى غيرها

 

 

 

                                بأخاديد الدبابات

 

تضع القنصليات بيوضها

 

 

 

ما اجمله من توصيف وما اغنها من فكرة !! انها بلاغة الفكرة  , لان البلاغة لا تكفي اذا ما انفصلت عن الحياة وما يترشح منها  , ولا ينفصل عن هذا المنحى  اختيار المفردة التي تحفر ف ذات الاخر بعدا شعبيا لا يمكن تعويضه بمفردة اخرى \ يمعودين \ . مفردة شعبية تحمل في طياتها توسلا وصيحة  , فهي لينة لكنها في الوقت نفسه حادة  . ولم ينس الشاعر وهو في مشغله الشعري ان يسحب التاريخ الى مداره الشعري  , ويضع الحقائق بنحو مجسم ومجسد امام المتلقي الذي ربما لا يستذكر شيئا من تاريخه المعاصر  . لاحظ نباهة الشاعر في استعادة التاريخي

 

 

 

 

 

لا تجمعوا اسمين في اجسادكم

 

يكره العراقيون تزاوج الاسماء

 

حتى ....

 

حين صار لديهم ( فيصل ثاني )

 

..... قتلوه

 

 

 

انه يزيح اقنعة الواقع بواسطة المتحصل التاريخي , اذ تؤيد المخيلة الشعرية الوقائع , والوقائع تؤيد المخيلة  , انهما يتعاونان على منتج اكثر تجذرا في الواقع المعاش . هكذا تتحقق صحوة الشعر في انه يلمح للأشياء بفائض رؤية مما يعز من مكانته في ان يكون سجلا واقعيا لما ينبض به المجتمع . ويتخذ الشكل اللولبي طابعا مميزا للقصيدة  لان بداية القصيدة هي نهايتها  . هذه اللولبية تبقي النهايات مفتوحة مع احتمالات كثيرة , اذ ان الشاعر عاد فألصق \ الصهيل بالنساء \ لكن هذه المرة يتخذ الصهيل قداسة واضحة

 

 

 

 

 

مبارك صهيلكن ايتها الامهات

 

... زعاف الافعى

 

لا يرهب التنين

 

 

 

هذا التحول من الصراخ في بداية القصيدة الى صهيل مبارك له ابعاد يمكن اجمالها بالاتي :

 

اولا : البعد العملي : وينبني في الممارسة السلوكية بواسطة بنية التحول

 

ثانيا : البعد الوجداني : وينطلق من طبيعة التجربة والحدث وبه ومنه يبدأ التحول النوعي

 

ثالثا : البعد الفكري : والذي يقترب من وعي اللحظة زمنيا , اذ لم تعد المرأة بهذا التحول من الصراخ الى الصهيل مجرد ( نواحة ) و ( باكية ) على امر ما بل اضحى صراخها صهيلا مباركا يحمل العنفوان والرفض والاحتجاج والتحريض بدليل ما حصل لهذا الصهيل من مباركة الشاعر الذي هو عين مثقفة من عيون المجتمع .

 

ولان الاحداث تشكل البؤرة الرئيسة في هذه المجموعة فلابد والحال هذه من دخول الشاعر الى دائرة السرد عبر مجموعة من التعاملات مع ما يشكل الزمن من مادة خصبة للقول الشعري . وتكمن فضيلة- الحطاب – في مثل هذا التعامل بحثه عن السردي بواسطة مجموعة من الاستنطاقات لما هو ثابت وراهن  , وهو بهذا يسعى الى برهنة صحة رسالته مستعملا مجموعة من الاستبدالات العقلية والمقايسات المنطقية التي تتخذ من الحدث وزمنه منهلا لها

 

 

 

 

 

يتسلل من كتب التاريخ , رجال الدين النجفيون

 

( الجذر التربيعي لعشائر زوبع )

 

لا تنقصهم الاسطورة :

 

مكوار اعزل

 

يعزب ( في صينية مدفع ) نجوما للفالات

 

ويتكوكب في الابدية

 

 

 

لاحظ الاسترجاع التاريخي – هنا – يسير بواسطة راو مهيمن يعالج بأسلوب فني ما يترشح من التاريخ بوعي خلاق , بمعنى ان التوصيف التاريخي مؤطر بالوصف الشعري وهذا ما يمنحه تخييلا واسعا حتى في عملية اشتقاق الكلمات بواسطة وعي اللغة وتطويعها لما يتناسب مع ما هو حداثوي \ يتكوكب \ . ان اللغة روح الشعر واداته السحرية التي تقوم بعملية صهر الافكار  , هذه اللغة لابد ان تكون حاملة لأنباء رؤيوي يحمل الاحساس بأسرار الذات والاخر وتصدعاتهما داخل الكون الشعري والحياتي العاميين لذك تنحرف اللغة بمقصدية واعية عن مدلولاتها المباشرة

 

 

 

 

 

فتحت الطلقات ( غارا ) له في جسده

 

...ف دخل

 

واعشوشبت وراءه المقدسات

 

 

 

 

 

يا له من جرس مموسق وصور جمالية يمتزج فيها الواقع المتخيل بألفاظ فارقة عن مدلولها المباشر , فالطلقة – هنا – تفتح غارا , وهذا الغار له بعده التاريخي الذي تنبثق منه كل القيم الفاضلة حتى ان المقدسات على قدرها المعلى تعشوشب بكل القيم الفاضلة التي يحققها الجسد المصاب غيلة بتلك الطلقة . لاحظ ان منتج الطلقة اختلف تماما عما ينبغي ان يكون عليه وهذا ما يؤشر نجاح الشاعر في عكس حركته الذهنية الواعية على صياغته الشعرية مما يجعل لغته قادرة على الاحاطة بالمعاناة التي يستشعرها والتي تحاول شرح الكلمات . اذن اللغة تقترب من كنه الاشياء وما يتبدى بعدها الا انها في الوقت نفسه لا تتمسك بذلك الشيء . انه يلعب لعبته الذكية باللغة من اجل خلق صورة توقظ مل ما هو نائم داخل دائرة اللغة 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حبة دمع واحدة

 

من عين ام

 

كافية لتعقيم الملائكة

 

 

 

 

 

 

 

ان عملية تجاوز اللغوي كوسيلة  فهم الى تصييره وسيلة تأثير يسير بنحو خطي متخطيا سيرورته المعتادة بواسطة التفريع الدلالي . لاحظ ان \ الدمعة \ خرجت عن مألوفيتها عندما اضحت \ حبة \ لتتناسب وبيئة التعقيم لعنصر يحمل نصاعته بنفسه , ومع هذا كانلدمع الام الاثر البالغ في اضفاء الطهارة على ما طاهر في الاصل .

 

 

 

السياق النفسي وتأثيراته

 

 

 

يتجلى العمل النفسي في هذه المجموعة  بواسطة مجموعة من المهيمنات يمكن ان نوجزها بالاتي :

 

اولا : رهافة الحس : لم يتخل – الحطاب – عن رهافة حسه  , فهو مسكون بالوجع منذ مراقبته المارة على الطرقات في مجموعته الشعرية الاولى , انه وجع الاخر وهمومه الذي يحتل كل خلية من خلاياه . هذه الرهافة ليست مكونا تلفظيا يقف عن حدوده بل يتعداه الى نمو خطي يتناسب ويتساوى مع الحالة النفسية التي تتشكل بنحو شعوري يسمح بالتدفق العاطفي الواعي ذي الايقاع الهادئ

 

 

 

اجلس عند مفترق الهتافات

 

تحيط بي النوارس

 

وتصنع لي الامواج

 

مساء باردا

 

من خشب وغرقى

 

 

 

هذا النص القصير تكتنفه مجموعة من الشفرات المتوزعة على :

 

أ : شفرة الاحداث : الحدث هنا يجسده المكان , المكان الذي لا يتشكل من نقطة واحدة , هو بؤرة لمجموعة شعاعات قادمة من اصوات الاخرين الجمعية الباحثة عن افقها

 

ب : شفرة الالغاز : ينبي اللغز في ضوء وضعية السارد اذ من المفترض ان تبعد الهتافات النوارس نتيجة الصخب الذي تولده الا ان اللغز الحاصل في الاحاطة يكمن في توافق روح الهتاف مع بنية النوارس البيضاء والتي تؤول الى الوداعة والسلام .

 

ج : الشفرة الثقافية : تتعزز هذه الشفرة في قضية الماء الذي يشكل عند الانسان الجنوبي بدء الحياة واستمرارها كون انسانا هيدروليكيا , اذ يشكل الماء مرجعية وجودية ( من الوجود ) ومرجعية ثقافية , لهذا كان الماء ولا يزال عامل ابتكار ودفع باتجاه تكوين افق ثقافي لا تغيب عنه الشمس

 

د : الشفرة الرمزية والثيمية : تنتبلور هذه الشفرة بواسطة البعد الرمزي الذي تشكله العبارات التي تكون النص \ مفترق الهتافات\ , \ تصنع لي الامواج مساء باردا \ خشب وغرقى \ .

 

ان كل هذه الشفرات ساعدت على خلق مناخ نفسي يقوم على تمعين المعنى السابق بواسطة حركة المعنى العام في مجموعة المكونات الدلالية المشكلة له , اذ تتعاضد هذه المكونات في مستوياتها الصغرى والكبرى لتنتج قالبا نفسيا شفيفا يتناسب وحجم الاحساس , وهذا ما خلق تأملا وتبصرا في الذات , ذات الانسان , او ساعد على كشف شعور الانا الجمعية بواسطة محفز ومستجيب ومتحصل نهائي ينهل من الاخر الكثير من اجل ان يضيف الى الذات ما يعينها او ما ينقل تجربتها من محيط محصور الى عالم اكثر سطوعا من اجل بث روح التمرد والخلاص مما يعتريها من ادران الماضي والحاضر

 

 

 

اعد الخرفان بمسحال الكبش

 

وبمحض قرنفلة ..

 

اعكف على تأليف عصفور

 

.. في افق مسنن

 

استشعر البساطيل

 

اترت ..ز اترت

 

اترت .. اترت ... اترت

 

اترت .. اترت ... اترت ... اترت

 

وتقترب الطبول

 

ان المكونات الداخلية للنص تنبثق من لغة ايحائية هي عبارة عن مجموعة دلالات خارجية , فاللغة تتفرع الى :

 

اولا : لغة انفجارية : اذ تبتعد عن التعابير القاموسية لتنتج لغة وسيطة تتفاعل فيها الموسيقى مع الشعر

 

ثانيا : لغة مركبة : بمعنى انها تبتعد عن التصوير الحظوة وتمزج عبر بنية توليفية بين الواقع والمتخيل وتعطي للأصوات مجالا للتعبير عن نفسها بواسطة مجموعة من الايقونات النغمية

 

 

 

بمحض قرنفلة

 

اعكف على تأليف عصفور

 

 

 

 

 

ان النسق النغمي المتكرر في كلمة \ اترت \ يعطيها حركة سينمية وزخما متلاحقا من اجل تكوين صورة مستقلة عن حركو معينة . هذا الاسترجاع المموسق يعطي للزمن ثقله داخل بنية الاسترجاع الذاكراتي والهيام اللامحدود بفعل الزمن  وتشكله السوريالي داخل الذات الشاعرة . فالزمن مرتبط بهذه الكلمة ارتباطا غير عائم  . انه زمن الحروب والاوجاع والماسي . ان الشاعر يخوض هنا صراعا مع بطل مضاد هو الزمن متلبسا بصوت البساطيل

 

 التي سحقت وتسحق كل شيء . لاحظ كلما ازداد عدد كلمة \ اترت \ نقترب من قرع الطبول . انها بنية طباقية محكومة بمبدأ السبب والنتجة  , اذ الحركة مرتهنة بالزمن المنتج لها والمنتهك لتسلسلها المنطقي في الاحداث .

 

تكنيك الفراغ المنقوط

 

تسيطر بنية الفراغ المنقوط  سيطرة شبه تامة على مساحة البياض . والفراغ عبارة عن عملية تشكيلية تعتمد على الشكل والمساحة التي تحتلها . ولعل الفراغات تؤشر الى بنية غياب  , غياب الفعل القولي واستبداله بالفعل الطباعي  , بيد ان ذلك لا يعني غياب الهدف او القصدية التي تقف خلفه  . فالفراغ ليس محوا للصوت الشعري بقدر ما هو افراغ  للصوت من صداه المسموع , اضافة الى ما يفعله ذلك الفراغ من عصف لمخيلة المتلقي  . ولكي يفلح الشاعر في هزهزة التتبع لدى المتلقي يلجأ الى تهشيم فعل القراءة بواسطة مجموعة من الاجراءات التي منها بنية الفراغ . هذا النوع من التكنيك في حقيقته هو فراغ ناطق  لكنه غير مسموع  , اضافة الى ما يشكله من كسر لرتابة الشكل المعتاد  , فمسار حركة الذات على الورقة ينبغي ان لا يسير على نمط واحد بسبب من احتشاء مجموعة من الافعال الانسانية المتلاحقة في مكان محدد مما يؤدي الى مراوحة كليلة  . ان محاولة قطع حلقات من السلسلة مهو الا عملية اجبار للمتلقي على فك رموز ومغاليق الصمت الورقي الذي لا يدرك كنهه غير الشاعر والمتلقي النابه

 

أندخل .... ؟

 

........

 

.......

 

.......

 

ان عملية الدخول الى اي شيء تحتاج الى زمن يسبق العملية  , لذلك جاء الفراغ المنقوط متناغما مع معقولية الطلب والاستفهام  . هنا الفراغ المنقوط يجسد مسارا غير آمن , او آمن لكنه مملوء بالألغام , لذلك لابد من صمت  , هذا الصمت ليس مظهر ترد او تراجع بل هو مظهر مراجعة لما ستؤول الامور اليه  . اذن بنية الفراغ متشكلة بمقصدية  التعاضد بين ما هو تشكيلي وما هو لساني  وعلى المتلقي ملء الفراغات بما يفكك مصداته التي وضعها الشاعر او تركها من اجل ان يسدها المتلقي بما تستحق من تأويل .  وعلى الطرف الاخر مما اشرنا اليه , تنبع الهواجس والاحلام من الشعور الباطن  الذي يستقرىء الاتي بعين ثاقبة  , عين لها رؤى فائضة  . وجدان يسبق ذات الشاعر الواعية  اذ انه , اي الشاعر وسيط تتدفق بواسطته الرؤى الباصرة

 

 

 

لا لزوم للتكهن

 

ولا كمائن في المجهول

 

شعب ..... يفك شفرة الطحين

 

شعب لا يوضع في البراد

 

.......

 

.........

 

نرشد الحياة

 

الى الحياة

 

نوقظ الاضرحة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كل شيء يلمح ويشير فيفتح الباب لأشياء عديدة , اشعارات وصور يمتزج فيها الواقعي بالخيالي  \ شفرة الطحين \ شعب يوضع في البراد \ , نوقظ الاضرحة \ . انها جمل متموجة بالغة الدقة  وخالية من نزعة الانا  . انها حركة الحياة التي لا تتوقف عن الموت بل تحاول ان تصنع منه الحياة , حياة لا تقبل بان تكون الا علامة دالة على التغيير .

 

.

 

 

 

 

 

 

 

 

رياض عبد الواحد


التعليقات




5000