..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


غرائبية العزلة الشخوصية و الهروب من اللاشيء

حيدر عبد الرضا

قراءة في رواية ( انتوان وجولي ) لجورج سيمنون

 

في عوالم صياغة البنية الوصفية الروائية وصلت الحدود

الإجرائية بعمليات فنية واعية تقوم على التخطيط و القصد

و التصميم . فالبنية الوصفية و هيئة بناءها و تركيبها تتكون

حسب كلية الخطاب و من ثمة كلية النص وصولا الى

القصدية الإيحائية بالبنية المقروئية و تعددية صيغ التفاعل

مع مندرجاتها المترتبة ضمن مجموع مكونات عناصر

المتواليات النصية و تحولاتها القائمة في شكل ينزع الخطاب

الروائي نحو زمنية و مكانية و مرجعية غاية في الأتساق

الترتيبي في مسار مستويات دلالات النص الروائي . و تبعا

لهذه المقدمة قد أخترنا رواية ( انتوان و جولي ) للكاتب

البلجيكي جورج سيمنون و التي قام بترجمتها الى العربية

الناقد الدكتور مهند يونس . و قد رأينا في هذه الرواية ثمة

محمولات نفسانية و سلوكية تصل الى حد الغرائبية و الوقوع

في فخاخ الوصفية الشخصانية المنعزلة في دائرة محيطها

الزماني و المكاني .. أنها ببساطة حكاية زوجان غريبان

يعيشان في زمن التعدد المعنوي المتوالد عن فجوات سلوكية

مشروخة الأضمار و التعايش و النمو و التكيف . فالزوجان

يعشقان بعضهما البعض و في الوقت نفسه يحذر كلاهما

الآخر و الى حد القرف و الريبة و الشك . ولعل هذا الصراع

في حياتهما هو ما جعل خطوط الأمتداد السردي في الرواية

على نحو أخذ يجسد نزوعية تصادم الأرتدادي و الصوري

و الوصفي و الحواري في مشاهد الرواية .و بهذا الصدد

يقول الدكتور مهند يونس مثل هذا القول التالي حول

الرواية : ( إنجاز آخر من إنجازات سيمنون التي يبحث فيها

عن المذهل و المثير / ليس في الخارج أنما عميقا في داخل

ذلك الخضم المصطخب المسمى ــ الانسان ــ إنها حكاية

الحب الذي يراد له أن يكون جسرا يعبر بصاحبه خندق

العزلة و الوحدة و الرتابة ) و لعل هذا الكلام التوصيفي

بالقيمة التفسيرية لعوالم شخوص و موضوعة و حبكة

الرواية أخذت تقترب قليلا مما وجدناه في فضاء رواية

سيمنون حيث ذلك النموذج الشخوصي المتجسد في شخصية

الزوج أنتوان و الزوجة جولي . إذ أننا نعاين بأن أنتوان

يتكلم حينا بهواجسه المخترقة بطعم الأغتراب و ظلال

القطيعة النفسانية إزاء ذاته و كل ما يحيط به من الوقائع

اليومية و الماضوية و المستقبلية . فأنتوان هذا دائما

يستحضر مثاله الشخصي من خلال حسية بؤرة الإيحاءات

النفسية و الحسية و الكلامية الطافحة بوجود بؤسا و ألما .

مما يجعل تعاملاته مع الأشياء من حوله تبدو كتشظي

عابر في شبكة ملاحقات الزوجة جولي له كظل من طيف

الأشباح تلاحقه في نومه و عمله و شربه للخمر في شكل

مسكون بالتردد لا يفارقه الشعور بالذنب قطعا . و ذلك ليس

لدوافعه الدينية مثلا أو مخافة الله أو المجتمع لا أبدا ، أنما

لشعوره الفردي بأن شربه للخمر ما هو ألا عاملا من عوامل

إنكفاء علاقته المرضية بزوجته جولي : ( كان قد أعلم جولي

بأنه سيعود متأخرا ذلك المساء أي نحو منتصف الليل كانت

رافقته حتى السلم كالمعتاد ولفت له وشاحه حول الرقبة : ــ

حاذر من البرد ؟ :ــ حسن ؟ قبلته و بينما كان يهبط السلم

و حقيبتاه المسطحتان معلقتان بذراعيه تمتمت :ــ أنتوان ... :ــ ماذا ظل واقفا على الدرجة الثالثة أو الرابعة رافع الرأس

وعلى الرغم من النور الخافت فقد لاحظ شفتها كانت ترتجف

وأنها كانت تتصنع أبتسامتها بشيء من الجرأة : ــ لاشيء..

أذهب وعد بسرعة !.. بدأ فقرته بحركات دائرية يسيرة

وذات تأثير كالعصا السحرية .. النفخة السحرية أو الأوشحة

الثلاثة .. كان قليل الكلام .. لم يكن من أولئك الذين يزينون

فقرتهم بكلمات مصطنعة ممزوجة بقليل من الفكاهة يداه هما

اللتان كانتا تتكلمان و قد أخرجهما من كميه المرفوعين حتى

منتصف قبضة اليد . ) كانت طبيعة عمل أنتوان هي ممارسة

ألعاب السحر في قاعات العروض المسرحية في الحقيقة كان

عمله يتطلب منه المزيد من التجوال في القطارات الليلية و

في ضوضاء الشوارع المظلمة حيث واجهات و مصاريع

الحانات تبقى مفتوحة و حتى ساعات متأخرة من زمن

مغادرته قاعات عروضه السحرية في تلك المدن الباردة ليلا

: ( و الآن و بعد أن أكملت فقرتك أتقبل أن تشرب معنا

كأسا ؟ لقد أتى أحد أصدقاءنا وهو من فاليز بقنينة من

الكالفادوس المعتق : ــ أشكركم كثيرا و لكن للاسف لا

أستطيع أن ألبي دعوتكم ؟ : ــ أتشكو من الكبد ؟ قال نعم

كان جوابه هذا أيسر بكثير من التبرير بطريقة أخرى ..

و غادرهم دون أن يحتسي شيئا في حين لم يبق في الصالة

سوى بعض الأشخاص بسحنتهم الممتلئة بالحيوية و هم

يحيطون بالبار في الطرف القصي من الصالة .. كان عليه

أن يقطع مائتي متر على قدميه ليصل الى الطريق الخارجي

حيث تمر حافلة .. رفع ياقة معطفه .. كانت الريح تعصف ..

و هناك شقة مضاءة من مجموع أربع الى خمس شقق

مظلمة . ) أن تراكيب سيمنون و تقسيم و ربط أوصافه

المقارنة ، ليس محض محاور فارغة من الأساس التوظيفي

لفحوى التبئير المقصود بالشروع الواصف ، بل أنه بالضبط

يعي ما يذكره من صور الأشياء في البار حيث الرجال هناك

يجلسون فيما و ذكره لمنظر تلك الشقق كقوله تحديدا

( و هناك شقة مضاءة من مجموع أربع الى خمس شقق

مظلمة ) فالروائي من خلال هذه الفقرة التحديدية بالموصوف

كان يلوح الى أن شخصية الزوجة جولي كانت متيقظة و

حتى هذه الساعة المتأخرة من الليل بأنتظار زوجها .. و

معنى ذلك أن العلاقة بين ( موضوع + موصوف +قصد

= عملية تعيين ) وحين ننظر في أبسط المقاطع الوصفية

و السردية في محاور فضاء الرواية . لعلنا نجد بأن هناك

حالة مقاربة بين( الداخل الشخوصي + الخارج التأطيري)

كما و نلاحظ بأن تحركات الشخوص و الأشياء في هواجس

حالات عين أنتوان وجولي ذات صلة مباشرة بمحكومية

تحققات ماهية عنصر من عناصر صيانة ( المحور/

الموضوع / طريقة التشبيه / المقارنة ) و ثمة في الرواية

جملة حالات موقفية تقابل أفعال الرؤية لدى الشخوص

محور ( المركز / طلب المعرفة و الألحاق بها : الإجابة

الى ما يطلب : الأستنكار و الأستغراب : المراوحة بين

النفي و الأثبات : الظن و التخمين : الحيرة و كثرة الأسئلة

= التصوب في طلب الوهم و الأعتقاد ) فهذه المسارات هي

ما يواجهه الزوجان أنتوان و جولي في خضم حياتهما في

دائرة فعل الأستنكار ــ فعل النفي و الأثبات ) و ثمة حالات

عديدة في علاقة أنتوان و جولي الزوجية التي ستلقى منا

المزيد من التوضيح في اللاحق من الفقرات السردية .

 

( فعل الحوار .. موضوع الوصف )

أن القارىء لرواية ( أنتوان وجولي ) يعاين بأن الصياغة

الوصفية الحوارية للروائي قد حلت في حدود أسباب من

الخلاف اللامحدد سلفا . بل هو خلافا باطنيا تصوريا

غامضا و غير محدد في أسبابه الحدوثية . فهناك وحدات

سردية في الرواية تضم نوعان من الحوار .. حوار نقرؤه

و حوار يقترب من أفق الأحتمال و الظن : ( لماذا أحست

جولي بالحاجة الى الأتصال به هاتفيا : تذكر وهو يهبط السلم

و ما كان حينذاك يفكر في أمر معين : لم تقل شيئا :ــ ليكن !

أبتسمت له .. همست بشيء لئلا تبدو في حيرة من أمرها في

الأغلب : ــ لا تعد متأخرا ! . ) فهذا الصنف من الحوار هو

بمثابة اشتمال الأحتمال في ذهن مؤشرات الشخصية أنتوان

الظنية . ففي نهاية كل فعل حواري من قبيل هذا النوع

نلاحظ انفتاح سياق الصور الملتبسة و الهذيانية كلا بين

الطرفين كما الحال في فقرة هذا المشهد : ( كان يتمنى ألا

تكون الحافلة موجودة و يتمنى في الوقت نفسه أن يتوقف في

الطريق .. كانت يعد تلك اللحظة تعسة جدا .. تلك التي يظل

فيها صافي الذهن تلك التي كان يبذل فيها جهدا وهو يحتقر

نفسه لضعف ارادته ) لهذا السبب أعتبر الناقد ( فيليب

هامون ) ان الوصف الحواري حاو لضربين من المعرفة :

معرفة حول بقية النص الذي يمثل جزءا من محورالشخصية

و معرفة حول العالم الآخر السري المحيط بالشخصية

ذاتها .. هذه الوحدة الحوارية في النص التي جرى عرضها

مع فضاء هواجس أنتوان ما هي ألا بمثابة الخطاب داخل

نص الشخصية حيث تتضخم من خلالها ثمة تساؤلات من

شأنها زحزحة أحوال الشخصية في مسار ثباتها النفسي إزاء

الأشياء المحيطة بها : ( كان هناك شيء آخر لم تدركه جولي

فعلى الرغم من تقديمه الفقرة نفسها ثلاثين عاما فما زال

يحس بالخوف نفسه في كل عرض .) كما ذكرنا سابقا فالخط

الحواري السردي الداخلي تقابله في نمو هواجس الشخصية

المروية عبر ضمير المتكلم أو المخاطب أحيانا ثمة سلسلة

تساؤلات و ظنون و أصناف مريبة من أسلوب القهر الذاتي

للنفس .

 

( زمن ذاتي ملتبس لا قرار له )

 

المقصود بمادة الخطاب هو كل ما يتضمنه مقول الرواية من

حيث الموضوع الذي يشغل المتكلم أمره و من حيث طبيعة

اللغة المستعملة و سماتها المنتجة . فالوصف المروي في

رواية سيمنون نعاين بأنه قائما على أنقاظ السرد الخاص

جاعلا لنفسه بفعل الوصف المروي زاوية ينظر القارىء

من خلالها الى مادة ترتيبية السرد في مسار صلب المماثلة

في حكاية النص : ( كم كانت تكفي كلمة واحدة أو محض

نظرة كما في ذلك المساء .. أنها لا تدرك ما يمكن أن يعنيه

ذلك بالنسبة إليه .. أنها حسنة النية تجد نفسها عاطفية تجاهه

و تتصور أنها تسهر على راحته ) إزاء هكذا صورة من

فضاء أحباطات الشخصية أنتوان ، بحيث تغدو جمالية و حميمية مشاعر جولي نحو الى شكوى بالنسبة الى أنتوان

بيد أنها تتوقف في دواخله كشبح مريب يحاول الفرار منه

ومن أشواقه المخيفة .. فالأمكنة هي الأخرى عبارة عن

ملابسات يشعر من خلالها أنتوان بذلك التسليم القهري

الغريب في قرار نفسه : ( كانت كل حانات شارع سان

ما تزال مفتوحة ولكن ذلك ما كان ليعنيه ) يرى الأستاذ

الناقد سعيد يقطين بأن ( الرأي ) هو الذي يرى الحلم وهو

في حال النوم .. أما الراوي فهو الذي يقوم ب ( رواية )

مرئية وهو في حالة اليقظة .. و تأسيسا على هذا المنطلق

نستطيع أن نميز صيغتين ما للراوي في رواية سيمنون.

الصيغة الأولى هي ( الرائي ) الذي يتلقى رؤياه وهو في

حالة اللاشعور في جملة تعاملاته الباطنية و حواراته المقرؤة

وغير المقرؤة مع جولي وما يحيط به من الناس و الحالات .

أما الصيغة الثانية هي ( الراوي ) الذي يسرد نص رؤياه في

لحظة الشعور الموضوعي الرصين . أي كما الحال في هذه

الفقرات الترسيمية و الاستشهادية : ( الرائي / كيف يتعذر

إيصال حقيقة مثل هذه الى الآخر .. أبصر منذ لحظة شبح رجل يروح و يجيء فوق الرصيف .. وهو يستدير في كل

مرة نحو الفتاة الجالسة عند البار .. قررت هذه أن تغادر ..

لاشك في أن الأثنين سيلتقيان بعد حين في مكان بعيد عن

هذا المكان و في البرد ) و في هاتين الصيغتين يقوم الرائي/

الشاهد الوهمي / الذي يصوغ مكونات رؤياه الفنتازية عبر

ضمير المتكلم الواصف . و غير خاف خارج هذه الكيفية

التأطيرية أن نقول بأن التصنيف المنهجي الذي يعد كلا من

الرائي و الراوي ليسا في المحصلة سوى قناعين للمؤلف الى

جانب صورة ( المؤلف / الرائي / الراوي ) أما بخصوص

صيغة الراوي في رواية سيمنون فقد جاءتنا تحت نوعية هذا

التشخيص في متن الرواية : ( لم يقطع مسافة طويلة على

قدميه .. ففي ذلك الحي بين شارع مونمارتر و حي ربيوبيليك توجد حانات في كل زوايا الشارع .. ما عاد

بوسعه حصر المرات التي يغادر فيها دفء واحدة من تلك

الحانات ليصدمه برد الشارع ) .

 

( الرواية و مشاهد الشخوص الأفتراضية )

 

و نحن نتابع صور التبئيرات الواهمة و وجدان السارد و

الشخوص و خطية الزمكانية في رواية ( انتوان وجولي )

لاحظنا بأن الروائي من خلال فضاء و متن أحداثه السردية

و كأنه لا يحاكي واقعا أو يعيد أنتاجه وقائعيا و روائيا عبر

شبكة من العلاقات و المصائر المتصارعة التي تجد

مرجعيتها فيه ، بل أنه بات يحرص على اظهار حبكة روايته

الشائقة و التي أخذت تستميل شخوصها المحورية نحو عالما

روائيا مفترضا لا علاقة له بالعالم المعيش من حوله ألا في

حدود شحيحة و هلامية . و تبعا لهذا واجهتنا أغلب أقسام

و فصول الرواية و هي تقدم لنا أنتوان و جولي كشخصيات

ذهنية مفترضة . مما جعل الفضاء الزماني / المكاني فضاء

عائم لا يرتبط بمحدداته بقدر ما يفارقها . في محاولة من

المؤلف لقطع صلتهما بالذاكرة الجمعية المرتبطة واضفاء

صلة الغرائبية عليهما بدلا من الخصوصية التي كان يتمتعان

بها سلفا : ( كان نبضه يدق بسرعة و كان عليه أن يذهب

الى مكان ما .. لم يعلم لماذا ترك غرفته التي ينام فيها بهذه

السرعة .. يمكن القول أنه حين أستيقظ كان قد أحس بالذكر..

نظر الى الفتاة الراقد بقربه وصورة واضحة كانت قد عادت

إليه محفورة في ذاكرته .. صورة قاطعة لمشهد إباحي في

لحظة ما كان ضوضاء الشارع ماء بحري قد قطع عليه

نومه .. فتح جفنيه قليلا .. نظر الى الفتاة الراقدة بقربه من

جديد .. كان المصباح مضاء في نهاية السلك الموصل ..

على الرغم من الشمس التي تسللت الى الغرفة .. و أمامه

قريبا جدا منه .. كانت المرأة قد رفعت رداءها حتى منتصف

بطنها وهي تتبول في سطل فخاري أخضر اللون ناظرة إليه

بعين حالمة .. أخذ يبحث عن حاجاته حول بينما كانت

تستيقظ من أغفاءتها و سألته بصوت منكسر : ــ أسترحل !

لن تصر على الأحتفاظ به الى جانبها ولم تلق عليه أية

أسئلة شخصية .. لكنها سألته فقط دونما رغبة في سماع

جوابه : ــ اتخشى زوجتك ؟ عدلت له ربطته و أعارته

مشطها الذي كانت تعوزه بعض الأسنان :ــ ألا تكدر عليك

حياتك كثيرا ؟ ثم و كما كانت قد فعلت في المطعم سحبت

محفظته من جيبه ثم أختارت من بين أوراقه عملة ورقية

واحدة فقط وضعتها تحت الشمعدان .. و حين كانت تسحب

العملة الورقية من محفظته و دون قصد منها سحبت معها

أيضا صورة فوتوغرافية تمثل أنتوان و جولي . )

 

( هل أن موت جولي أنسحاق لحياة أنتوان ؟ )

 

ونحن نستشرف موت الزوجة جولي في شقتها ليلا دون

وجود أنتوان قربها لربما تبدو حادثة كارثية على مسامع

أنتوان هاتفيا ؟ من هنا قد يبدو موتها خاتمة لحياة أنتوان

بطريقة ما ؟ أو لربما يبدو ولادة جديدة في لحظة من لحظات

هروبه اللامجدي من شبح جولي في حياته

الشخصية ؟ : ( كانت تلقى بالدكتور بورجوا في عيادته مرة

في الأسبوع .. أحيانا كان أنتوان يكلمها عن مرضها .. لم

يكن أحدهما يحنق على الآخر ولا يكن أحدهما للآخر الحب

في حد ذاته .. ولسبب ما كان انتوان يحاول تفسير لنفسه كف

فقط عن علاقته الجسدية بجولي و من ناحيتها هي فما عادت

تطلب إليه شيئا .. لم يكن ذلك في طبعها .. و ما عدا ذلك فقد

كانا يعيشان معا مثل أي عائلة أخرى ) لعل من أكثر السمات

الجمالية في رواية سيمنون هو قدرتها على تكثيف اللحظات

الشعورية و النفسية و تمييزها بهالة صورية تتعالى عن

ارهاصات الموقف العابر فيما يمنحها الروائي قوة التواصل.

من هنا نقول هل أستطاع انتوان أن تتحول حياته الى محض

وقائع يومية رسومية مع جولي المرتبطة بأنتوان بجغرافيا

انسانية بذاتها في زمن ما ( أقتضى الأمر أسبوعين الى

ثلاثة من العفة الجسدية لكي تبدأ صورة الفتاة التي رأها

في تلك الليلة تحت ضوء المصباح الكهربائي بملاحقته ..

لم يكن ذلك مؤلما في البدء.. إلا إنه بدأ بالأضطراب

شيئا فشيئا بعد كأسه الأخيرة مساء وهو يقرأ في غرفة

الطعام ) و تبعا لهذا الحد صار الشخصية أنتوان تؤاتيه

من لحظة الى أخرى الرغبة في العودة الى شارع مونمار..

كانت أزمته الحقيقية تكمن في الليل .. كان في الغالب لا

يستيقظ من نومه لأن جولي كانت تتجنب إنارة الضوء ولا

تحدث الضوضاء و حين كان يستيقظ يمكث بعينين مفتوحتين

طوال وقت الأزمة .. كان يفكر في نفسه كثيرا حيث كان

يتصور نفسه بأنه أصبح كالسمكة الحمراء التي تحيا داخل

وعاء ضيق من الماء .. حيث كان يدور حول نفسه بحركة

دائرية و يمارس الحركة ذاتها كل يوم . )

 

( تعليق القراءة )

 

في نهاية رواية ( انتوان وجولي ) ينكشف لنا مصير جولي

وهو الموت و انتوان الحيرة و الشك و التساؤل عن معنى

الموت و الحياة و الكراهية و السأم .. ( مرة في الأسبوع في

يوم معين كان يذهب الى المقبرة حيث كان قد أقتنى رقعة

حجرية مخصصة لأثنين تنقش أسم جولي على جانب منها

أما المكان المخصص له فقد ظل شاغرا ) هكذا تنتهي رواية

الكاتب البلجيكي المبدع جورج سيمنون كتصور وحيد في

تكوين المضمون الأنغلاقي الذي لا يتفق مع طموحات و

محفزات الواقع السردي المتمثل بحياة أنتوان هذه الشخصية

الغرائبية التي سلخت جل أزمنتها في قوقعة العزلة

الشخوصية في الشوارع و الحانات و في حياة الزوجة جولي

هربا من نفسه وهروبا من ذواتية اللاشيء.

 

 

 

حيدر عبد الرضا


التعليقات




5000