..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


العامل الأمـّي البسيط الـذي عـلـَّمني أبجـدية الـفـلـسـفـة!

عملت أجيرًا عـند صاحب فـرن. كان معلمي أسمراً، طويلاً، فيه طيبة، وفيه ملاحة، لكنه بسيط، لا يخطر لك، وأنت تراه، أنه في حلقة ما، تعقد اجتماعاتها في الـكـهـوف، على ضوء الشموع. ولأن معلمي عـمـر عـطـيـة أمّي، فقد كان يأخذني، مساء، لأقرأ له بعض النشرات، وفيها، لأول مرة، قرأت كلمة "فـلسفة."

قلت له: ما معنى فلسفة يا معلمي؟!

قال: "معرفة القوانين..."

أي قوانين...؟

"القوانين الغربية التي تحكي عن الدنيا والناس والتاريخ، والفقر، والغنى..."

وأين يبيعونها...؟

"في بلاد برّة".

ولماذا لا يبيعونها عندنا؟

"لأنها ممنوعة...وهي مكتوبة بالفرنجي.."

وكيف عرفت بها أنت؟!

"هذا سرّ...أنت لـسـَّـاك زغـيـر.... لا تسألني عن الأسرار!"

أضاف:

"الفلسفة شيء واسع، عجيب، لا يفهمه إلا المتعلمون ".

ومَن الذي صنعها...؟

"رجل ألـمـاني نسيت اسمه؛ له لحية كبيرة...أنا رأيت صورته فقط."

وكيف فهمت كلامه...؟

"أنا لم أفهم كلامه...الفلسفة، يا بني، علم صعب، والفيلسوف رجل عالم، قرأ كل ما كتب عن العالم، ويعرف كل شيء، رأسه يتسع للمعرفة، كما يتسع البحر للماء."

 

تخيلت عندئذ رأس هذا الفيلسوف كبيرِا كالجبل، وجسمه عملاقًا كجسم الغول في الحكايات التي أسمعها، وأنه يحفظ، في هذا الرأس، كل ما كتب، وأنه عظيم، لا شبيه له بين الرجال الذين أعرفهم.

 

منذ ذلك اليوم، صار للفيلسوف احترام كبير في نفسي،

وارتسمت له صورة أقرب إلى النحول، والشعر المنفوش، والنظرات الشاردة، والإبط الذي تحته كتاب كبير ككتاب "ألف ليلة وليلة"، ورحت أحلم، على طريقتي الصبيانية، أن أصير فيلسوفًا، إذا ما قرأت كثيرًا، على ضوء فانوس الكاز.

 

وذات يوم ، جـلست مع جـمـال سـويـلـم ، أحـد عـمـَّـال التنـظـيف في المـخـيـم ، نتبادل أطراف الحديث، عن المدرسة، والشهادة الابتدائية، وعمّا أقـرأ من كتب... وما إن أنِسَ الرجـل إليّ، وعرف أنني أحبّ المطالعة، وأعـمل أجيرًا عـند عـمـر عـطـيـة، حتى أخرج من تكة شرواله ورقة صغيرة مطوية بعـناية، هي المنشور الأول الذي وقع في يدي، وكان فـيه ذكر للفـلسفة، فدُهـشت لأن "زبـَّـالاً" مثله يحمل منشورًا ولا يخاف، وأنه من جماعة عـمـر عـطـيـة، وعـبد الـباسـط عـويـدات ، وإن لم يذكر هو هذين الاسمين. قرأت المنشور ولم أفهم ما فـيه إلا قليلاً،  فـقـلـت له: يا عـم جـمـال ، أنا أقرأ كتاب التاريخ فأفهمه، لكنني لم أقرأ اسم فيلسوف، ولا كلمة فلسفة.

 

قال العم جـمـال: "في هذه الكتب لا يذكرون الفلاسفة، هذا خطر، ولا يشرحون كلمة فـلسفة، لأنها صعـبة، أنا نفسي لا أعرف ما هي، لكنني، نتيجة التجربة، صرت فيلسوفا على طريقتي، أعني تعلمت أن الفلسفة ليست "أكلة مجدّرة"، بل هي عمل...أن تعمل، كما نعمل نحن، تصير فيلسوفا ولو بغير كتب، تأليف نقابة عـمـال مثلاً، هذا ما تقول به الفلسفة، أن تحـتفـل بأول أيار، عيد العمال، هذا فلسفة، أن تتظاهر ضد النـظـام، هذا فلسفة، أن تثق أن الفقراء لن يبقوا فقراء، وأن أغنياءنا لن يظلوا يمتصون دمهم، هذا فلسفة، أن تعرف أنه في بلاد المسكوب قامت دولة العمال والفلاحين، وأنها معـنا، هذا فلسفة...وأخيرًا أن تؤمن أن العدالة ستنتصر في كل مكان، هذا فـلسفة."

 

أعـتـرف بأنَّ هذا العامل الأمـّي البسيط عـلـَّمني أبجدية الفلسفة، جعـلها مفهومة في نظري. وقد سعـيت، في ركضي وراء الرغـيف، إلى تطبيق نظريته، وهي ترجمة عـملية لمضمون الفلسفة التي قرأتها.

في دكان أبي سـمـيـر الحـلاق ، كان يجتمع بعض طلاب المدارس، ، ونـتـنـاقـش في الكثير من المسائل، وقد أفدت من هذه المناقشات، ومن قراءة الصحف والمجلات كثيرًا...

 

قـرأت "رأس المال" غـيـر مـرَّة، وصارت معـرفتي بالفلسفة أوثق، لكن ما قاله لي ذلـك الـعـامل البسـيط ذات يـوم ونحن نشـرب الشـاي في أحـد زواريب المـخـيـم ظل أساسًا عمليًا لنشاطي الحياتي، ودخل، بأشكال مختلفة، في كتاباتي الأدبية... ولم يخرج!

 

هذه، في سطور، حكايتي مع الفيلسوف الذي "رأسه بحجم الجبل، " وكلما رأيت صورة كـارل مـاركس الآن، بلحيته البيضاء، وجبينه العريض الوضَّاء، وشعره المسترسل، ونظراته النجمية، أبتسم لطفولتي التي بـَعـُد بها العهد، بمقدار ما اقترب هذا الفيلسوف من قـلبي ونفسي، لأنه، بفكره العظيم، أعطاني مفهومًا عن العالم، منحني الرؤية التي فـتحت عيني، وأضفى على مهنتي لا الوعي وحده، ولا المعـرفة وحدها، بل الجمالية أيضًا .يخطئ من يظن أن إنسانًا قادر على فهم العالم دون أن يقرأ الفلسفة، ويخطئ أكثر من يحسب أنه قادر على الكتابة دون الاطلاع على الفلسفة، ليس بصفتها "وصفة" بل كمرشد عمل، في السياسة والأدب على السواء.

 

سـُئل  مـكـسـيم غوركي مرة: "كيف تعلمت الاقتصاد؟"؛  كان عندئذ يعمل حمّالا على نهر الفولغا، فقال: "انظروا ... إنه منقوش على ظهري..!".

 

تسألونني كيف تعرفت إلى الفلسفة؟

أقول لكم: تـعـلـمـتـهـا من "زبـَّـال" في المـخـيـم ؛  

ومنذ ذلك اليوم ، أصبحت مفاهـيمها منقـوشة على قـلـبي، راشحة من مسام جلدي!

 

 

 

 

 

د. عبد القادر حسين ياسين


التعليقات




5000