..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الرمز في انشودة المطر للشاعر بدر شاكر السياب

د. صدام فهد الاسدي

 

  المدرسة

آيات عبد الكريم مجيد

  

الاستاذ الدكتور صدام فهد الاسدي

 

ان الرمز فهو تسرب الى ثنايا النص الشعري و يسري في مفاصله حين تكون اللغة الموضوعة عاجزة عن استنفارات حدود العالم الباطن و هو يعمل على اكساء الفكرة شكلا " من الاشكال المحسوسة على ان ذلك لا يعد هدف الشعر في حد ذاته .

و اذا كانت هذه الوظيفة اكثر التصاقا بالتقنية الشعرية الحديثة , فللرمز وظيفة اكثر ارتباطا هي بالبيئة الثقافية و الاخلاقية للشاعر هي الوظيفة الايدلوجية و الفكرية .

و اضافة الى ذلك فالرمز ذو صلة عميقة بالتفكير الشعبي كما يقول فرويد فهو ماثل في اغاني الشعب و اساطيره و رواياته المتوارثة .

وحلل الكثير من النقاد اسباب لجوء السياب الى الرمز , و هي اسباب سياسية ناجمة عن ميل الشاعر الى الرمز بسبب تأزم الاوضاع السياسية و خشية من غضب السلطة اولا .

اما الطائفة الاخرى من النقاد فترى ان السياب لجأ الى الرمز لتأثره بالدب الغربي .

و الطائفة الثالثة هي التي ترى ان السياب يستخدم الرمز استعراضا لعضلاته الثقافية . و هناك تفسيرات اخرى بعضها ففسي و الاخر فكري .

فلقد استخدم السياب رموزا كوسيلة لتصوير فشل اهداف ثورة تموز فاستعاض عن اسم تموز باسم ادونيس اليوناني الذي هو صورة فيه .

كما حظيت لفظة ( المطر ) بتفسيرات عديدة عند السياب , فلقد قام النقاد بطرح ارائهم حول هذه الكلمة حيث يرى لويس عوض ان المطر كان رمزا " للثورة انا و للجوع انا اخر اما محمد اسماعيل الاسعد انه مرادف للخصب و النماء فهو رمز لتموز تارة و لعشتار اخرى و يرى عبد الجبار البصري في المطر رمزا للثورة .

و سوف نستعرض اراء اخرى لكنها تدلنا على ان اغلب دارسي السياب يميلون للاعتقاد بانه استعمل المطر رمزا " للحياة و الموت معا " و تعاقبهما و ان دلالة هذا الرمز لاحدهما يتغير تبعا لحالة السياب النفسية و الاوضاع العامة المحيطة به .

فضلا ً الى دراسة تحليلية لأنشودة المطر .

 

الرمز و دلالته اللغوية

 تصويت خفي باللسان كالهمس و قيل اشارة و ايماء بالعينين و الحاجبين و الشفتين و الفم , و لكل ما استشرق اليه مما يبان بلفظ باي شيء اشرت اليه بيد او بعين )[1]

اما الرمز في المفهوم الحديث يعني (( الدلالة على ما وراء المعنى الظاهر مع اعتبار المعنى الظاهري ايضا ))[2]

و قال عنه مليش ذلك الصاروخ الهائل في سماوات الادب الحديثة [3] , و تحدث لويس هورتك عن اهميته فقال ( لا شعر دون مقدار من الرمز )[4]

و هو يختلف عن الصورة في كونها تميل الى التجسيد بينما محور الرمز يقوم على التجربة [5]

فالرمز هو المعنى الكامن وراء تشابه شيئين ( الرمز و المرموز اليه ) تشابها يعتمد الاثر النفسي و الواقع المشترك اكثر من اعتماده التشابه الحسي و الواقع المعاش .

وظائف الرمز الشعري :

يتسرب الرمز الى ثنايا النص الشعري و يسري في مفاصله حين تكون اللغة الموضوعة عاجزة عن استغراق حدود العالم الباطن .

ليضفي عليها طابع التجسد و يمنحها القدرة على المثول امام الادراك فتصبح قابلة للفهم و التأويل الا ان ذلك التجسد لا يسلك طريق المباشرة و التعريج ,, انما سبيل الرمز و الصورة المجازية التي تتعاقب في السياق الشعري و ان تم ذلك بعناية فانه يكون افضل سبيل لبث موقف ذاتي يكون من المستحيل التعبير عنه [6] بالكلام اليومي المعتاد .

و لعل تلك الحقيقة متضمنة فيما ذهب اليه ( جون مورباس ) من اعتقاد بان الشعر الرمزي يعمل على اكساء الفكرة شكلا من الاشكال المحسوسة على ان ذلك لا يعد هدف الشعر في حد ذاته[7] و اذا كانت الوظيفة السابقة اكثر التصاقا بالتقنية الشعرية الحديثة , و اعمق ملامسة للبناء الفني و الذهني للشاعر فان للرمز وظيفة اخرى اكثر ارتباطا بالبيئة الثقافية و الاخلاقية للشاعر , يمكن ان نطلق عليها وظيفة ايدلوجية او فكرية حين يكون الشاعر عامدا الى التعبير عن فكر انتقادي للاوضاع السياسية و الاجتماعية ففي هذه الاحوال تكمن وظيفة الرمز في اختفاء سمة الغموض و التعقيد على النص الشعري بما يفسح المجال واسعا لتعمق الدلالات و تباين التأويلات , و تشمل هذه الوظيفة الرموز ذات الطابع الخاص او الفردي و الرموز ذات الدلالة العامة كالرموز الاسطورية و رموز التراث الدينية اي ان السبب الكامن وراء هذا النمط من الرمز هو الخشية من التصريح الذي قد يجر الى التعرض للأذى[8]

ولا يخلو الرمز من الاهمية الجمالية التي تتمتع بأهمية كبرى في العمل الابداعي الشعري و تختلف تلك الوظيفة في طبيعتها عن الاشكال البلاغية الاخرى كالمجازات و الاستعارات و التشبيهات , و انها ليست وسيلة للتجسيد و التصوير بل وسيلة للإيحاء بالمضمون العاطفي او الفكري الكامن خلف اللفظ المستعمل بوصفه رمزا[9] و الرمز ينفي الى ايصال استجابة نفسية و ذهنية تولد في طريقها الكثير من المعاني ربما اكتشف البعض ما يكمن وراءها و ربما خفيت على البعض الاخر .

و اذا كانت من شأن الرمز ان يجعل من النص الشعري اكثر امتلاء و اعمق دلالة و يكتب الجزء من خلاله طابعا كليا فانه يتسم بقدرته على التأثير و ملامسة المشاعر العميقة فيمنح المتلقي تلك الهزة التي تجتاح كيانه جراء التعرف على الشيء و استحضاره الى الذاكرة[10] .

فضلا عن ان الرمز ذو صلة عميقة بالتفكير الشعبي كما يقول فرويد فهو ماثل في اغاني الشعب و اساطيره و رواياته المتوارثة و في التعابير الدارجة و الحكم المأثورة و النكات [11] .

لقد تمتع السياب بقدرة فترة على استيحاء الرموز و خلقها و الارتقاء بدلالاتها و التوحد معها و ايصال افكاره من خلالها بأسلوب رائع و نجح في التعبير من خلالها تعبيرا شفافا يوميء الى المقصود من طرف خفي و لذلك وقف النقاد طويلا عند استخدام السياب للرموز و دواعي لجوءه اليها و المنابع التي استسقى منها تلك الرموز و مدى نجاحه في الاستفادة منها كما عالجوا اهم الرموز التي استخدمها و علاقة ذلك بمراحله الادبية و مراحل حياته فضلا عن اثر حالته الصحية في انتقاء الرموز الملائمة .

لقد تباينت اراء النقاد في تفسير الاسباب التي الجأت السياب الى الرمز و تعدد نصوص النقاد مما يجعل ايرادها امرا عسيرا يحتاج الى صفحات عديدة و لعل اهم الاسباب التي عرض لها النقاد ما يلي :

•أ‌-       اسباب سياسية ناجمة عن ميل الشاعر للرمز بسبب تأزم الاوظاع السياسية و خشية من غضب السلطة اولا و يستطيع ايصال شعره و نثره على الملأ دون ان تمنعه الرقابة او تصادره السلطة و قد رأى ذلك عدد كبير من الدارسين و منهم د. محمد التوتجي .

•ب‌- رأت طائفة اخرى من النقاد ان السياب لجأ الى الرمز لتأثره بالادب الغربي الذي استخدم الرمز بعد اطلاعه على اشعار ن . س . اليوت و ايدت ستويل الامر الذي دفعه الى تقليدها بدافع الاعجاب طورا و لاستعراض عضلاته الثقافية .

•ت‌- و اتى عدد من النقاد و الدارسين ان السياب لم يستخدم الرمز استعراضا لعضلاته الثقافية بل اطلع على تجارب الغربيين في هذا المجال و افاد من جوهرها لكنه تميز باستخدامها على وفق حاجات فرضتها طبيعة تجربته الشعرية .

•ث‌- تفسيرات اخرى بعضها نفسي و الاخر فكري .

و قد لجأ الشاعر ما الى الرموز الاسطورية , او الحكاية الاسطورية في شعره لانه يراها شديدة الصلة بالحاضر فذلك لقاء طبيعي , لان الاسطورة التي هي فكر و عطاء انساني كبير , قابلة للتحول و لان ملامس الواقع المعاصر اما لجوؤه اليها لأغراض التستر و التخفي , فهذا فهم مغاير لما تحدث عنه النقاد و الشعراء الكبار .

يقول ارنولد هوسر في كتابه ( فلسفة تاريخ الفن ) : (( انه لمن العسير ان تزعم ان الهدف من الرمز و القول بان الفنان يتخذ من الرموز وسيلة للاخفاء او المراوغة انما هو انتقاص بالغ لما يجدر بالفنان ان يفضي اليه ))[12]

و لم يذهب الى ما ذهب اليه السياب شاعر او ناقد ممن تعلم هو عليهم او افاد منهم كاليوت و ستويل لقد تحدث السياب عن الدافع الذي حدا به لان تكون الاسطورة مادة يعفي شعره صحفيه مع كاظم الخليفة فقال : (( لعل اول شاعر عربي معاصر بدأ بأستعمال الاساطير لنتخذ منها رموزا كان الدافع السياسي اول ما دفعني الى ذلك فحين اردت مقاومة الحكم الملكي السعيدي بالشعر اتخذت من الاساطير التي ما كان زبانية نوري السعيد ليفهمونها ستارا لاغراضي كما اني استخدمتها للغرض ذاته في عهد عبد الكريم قاسم . ففي قصيدتي ( سريروس في بابل ) هجوت قاسما و نظامه ابشع هجاء دون ان يفطن زبانيته لذلك . كما هجوت النظام ابشع هجاء في قصيدتي الاخرى ( مدينة السندباد ) و حيث اردت ان اصور فشل اهداف ثورة تموز استعضت عن اسم تموز البابلي باسم ادونيس اليوناني الذي هو صورة منه)) .

و الواقع ان استخدام الشاعر الرمز كوسيلة للتخفي او لهجاء شخص بعينه قد يضر الشعر اكثر مما يثريه و يغنيه , لان قيمة القصيدة من الناحية الموضوعية ستكون محددة , ضيقة و ليست عامة او شمولية , و لان تأثيرها بالتالي سيكون محدودا ايضا , فالسياب حين هجا قاسما لم يرد عن ان يقول له : انك كسر بروس الذي يحرس بوابة الجحيم , تعوي في دروب بغداد انك تنبش تراب قبر تموز الاله الطعين , و تركض وراء عشتار لتعضها , او تمزق النعال التي في اقدامها و تنهش سيقانها اللدات[13]

استأثرت الرموز اهتمام السياب فقد وظفها بهدف فني او سياسي لتكون بديلا عن مواقف معينة بحيث شكلت ظاهرة متميزة في شعره انعطفت بالصورة الشعرية الى الايحاء و الدلالة[14]ات البعد الرمزي كما هي الحال في رموز المخير و تموز و عشتار و الاساطير العديدة التي وجدت سبيلها الى قصائد منسجمة مع الظروف الموضوعية التي اكتنفت الجو العام , و ذلك عبر التفاتة ذكية لتوظيف الرموز بانواعها المختلفة من ذلك الرموز الطبيعية و هي قريبة من نفس الانسان العادي يستعملها في تعامله اليومي مع الاخرين , من ذلك رمز الخير او المعرفة و الظلام رمز الشر او الجهل , الدفيء رمز الحياة او الراحة البرد رمز الموت او عدم الراحة .

كما ان السياب حريصا على ايراد رموز العدوان و العذاب و الموت من العهد القديم , حيث يسبغ على تلك الرموز رؤيته العصرية القائمة على ان دلالات التاريخ الانساني كانت و ما زالت تحمل البشر مسؤولية ما ينجم من خراب و ضياع , اما عن ( العهد الجديد ) فقد كان حرصه منصبا على الافادة من رموزه المتعلقة بالتضحية و الفداء .

فهو يستعين بقصة ( قابيل و هابيل ) التوراتية من اجل ان يشير الى العدوان ما زال يؤجج النار بين البشر اذ كان ( هابيل ) اول ضحية على سطح الارض فان الارض ما زالت نقدم امثاله يوميا لوجود مئات منه عليه .

و السياب يتخذ من رمزي ( قابيل و هابيل ) دليلا على بقاء الصراع سواء كان هذا الصراع بشكل حرب ضروس او كان بشكل صراع سياسي بين احزاب الوطن الواحد فحين يقول في ( هابيل و قابيل ) :

( قابيل ) باق و ان صارت حجارته     سيفا و ان عاد نارا سيفه الحرم

و رواها ( هابيل ) ما فاض بارئه     عن خالقه ثم ردت بأسه الالم[15]

فإنما يرمز بقابيل الى قوى الفتك و الحرب من الاستعماريين اللذين هم احفاد قابيل .

و لعل من اكثر الرموز التي نالت عناية نقاد شعر السياب هو ( رمز المطر ) الذي اقترن بالسياب حتى سمي شاعر المطر فمن استخداماته للفكرة السائدة عن المطر قديما من انه امل الحياة , يحاول السياب يلمح الى ان حلول الجدب اقترن بتقديم الاضاحي البشرية رغبة في استنزال المطر الذي سيحيل الجدب و الارض الموات الى خضرة و خصوبة مشيرا الى ان المطر لن يأتي دون اضاحي , مهما اختلفت الازمنة .

جاء زمان كان فيه البشر

يغدون من ابنائهم الى الجحيم

يا رب عطشى نحن هات المطر

و العطاشى منه رمز الشجر

و جلي ان تأكيد العطشى على لسان البشر و تكراره يزيد من حرارة الطلب و يجعله اقرب الى تصوير عظم ما يعانونه و ربما اراد السياب ان يلمح الى ان عطش الانسان العربي الى التحرر لن يتم دون تقديم الضحايا .

3- رؤيا فوكاي

اما حين يعمد الى تحميل مدلول المطر معنى الثورة على القهر الاجتماعي و السياسي , فقد غناه في كل ظرف ثار عليه , و خلال معظم مراحل حياته السياسية .

في مرحلة الحكم الملكي في العراق صورت قصائد المطر حالة الضير و القهر التي كانت تعانيه جماهير الشعب العراقي متمثلة في كادحيه و فلاحيه , و ربط بين المطر و بين الجوع في العراق و المح الى ان دموع الجياع و العراة و المحرومين , و دماء المستغلين المضطهدين يتكون ابتساما اتيا و حلمة تثور في فم الوليد , الذي يزخر بالرعود و يخزن البروق في كل ارجائه و لم يبق الا ان يفيض الرجال اختام هذه الرياح اكاد اسمع العراق يزخر بالرعود .

و يخزن البروق في السهول و الجبال

حتى اذا ما قضى عنها ختمها الرجال

في الواد من اثر

ان انين قرى العراق و مهاجريها كان بمثابة الدعاء كي ينزل مطر الثورة اذ يبين النشيد ان العراق جوعا على الرغم من كثرة الغلال و الحصاد لان هذه الغلال تذهب الى الاقطاعيين في كل موسم و لهذا يبقى الفلاح جائعا حتى حين يعشب الثرى و تشبع منه الغربان و الجراد لان رحى الفلاحين لا تطحن سوى الحجر و الحشف البالي و هي في دورتها تدعو ايضا الى حلول المطر لان المطر ( باعتباره رمزا يشير الى الجانبين المتناقضين في العراق و بلورة الصراع بينهما فهو يحمل في طياته دلالة مزدوجة على الموت و الميلاد و الظلام و الغبار)[16] محاولا في هذا الجمع ان يجعل المأساة تبدو اكثر هولا , اعمق دلالة , و بالتالي يكون المطر مسؤولا عن الحياة التي ينتظرها الجياع في كل مكان , حيث يخرج التجربة من واقعها المحلي لتعانق واقعا انسانيا اشمل و لتعبر عن تطلعات المضطهدين و المهاجرين و الجياع و العراة على امتداد المساحة الانسانية الى تحقيق حياتهم الفاضلة التي تشعرهم بأنسانيتهم و قد ظل رمز المطر في هذه القصيدة يحمل تطلعات انسانية شاملة من خلال تطلع انساني خاص و لعل السياب كان على دراية اكيدة بالنظرة القدسية التي كان اهل الريف في العراق ينظرونها الى المطر فهم يعدون له العدة و يخططون مستقبلهم و يكرسون له الطقوس و الاحتفالات باعتباره الملاذ من عالم الجفاف .

اما اعتبار المطر رمزا للدم فهي فكرة انسانية قديمة ظن البدائي انه قادر فيها على جعل الطبيعة تستجيب لحاجاته الى الماء فاتخذ من هذا الترميز طقوسا مارسها في اماكن متعددة .

د. جابر عصفور , دراسة قصيدة انشودة المطر , كتاب حركات التجدد في الادب العربي .

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

اراء النقاد في رمز المطر عند السياب

اما اراء النقاد فيما يرمز اليه المطر في اشعار السياب فهي :

ان المطر رمز للعلاقة بين الذات و المجموع.[17]

و يرى لويس عوض ان المطر كان رمزا " للثورة انا و للجوع انا " اخر [18] ,فيما يرى محمد اسماعيل الاسعد انه رمز مرادف للخصب و النماء فهو رمز لتموز تارة و لعشتار اخرى[19] و يرى عبد الجبار البصري في المطر رمزا للثورة [20] , اما احسان عباس فيراه رمزا للخصب و غسولا للخطايا و الاثام[21] , و يراه في مكان اخر رمزا مرتبطا بالطفولة و مرافقا للدموع [22] , اما روز غريب فتراه رمزا للبعث و التجدد[23] , و يرى عبد الجبار عباس ان المطر يمثل احوالا نفسية مختلفة فهو رمز للحزن و الام تارة و رمز للثورة و الانتصار تارة اخرى [24] , و ترى ريتا عوض رمزا يجمع التناقضات فهو رمز الطبقات الفقيرة الجائعة ... و رمز الحب الذي يهب الحياة و رمز البراءة و هو رمز الموتى الذين يرقدون بانتظار البعث[25] , لكنها تراه في مكان اخر رمزا للحياة فالمطر يعطي الحياة للارض و الشاعر يردد كلمة المطر كما يردد الانسان البدائي شعائر الاستسقاء [26] , و يرى د. احمد كمال زكيفي المطر رفدا يتغير حسب الحالة السياسية فهو رمز للثورة المرتقية مرة اخرى و لارواح الشهداء المخضبة بالدوم و طورا و طورا رمزا للخصب و الحياة [27] , و تكاد تكون هي الدلالات التي رأها د. نسيب تشارل[28] , اما ايليا حاوي فيرى في المطر تعبدا وثنيا للطبيعة و تعبيرا وجوديا عن تجميد الحياة [29] .

و يرى د. اكس داود ان للمطر دلالات ترتبط بالبعث و التجدد و تمتزج بالحالة الشخصية للشاعر لتغدو حالة عامة ذات ارتباط وثيق بالحالة السياسية حتى تكاد الرموز تلتقي عند هدف واحد[30] , و يعتقد د. محمد فتوح احمد ان المطر رمز للخصوبة و النماء يحمل في القوى الكامنة ما يشير بمستقبل جديد[31] , و يرى عبده بدوي ان المطر تعبير عن الامل و صورة في التلاحم بين الخصب و الجوع[32] , فيما يراه في مكان اخر يحمل تعبيرات مختلفة عن حالات تتسم بالتناقض فهو رمز للخوف و الامل للحزن و الفرح للخصب و الجوع للولادة و الموت [33] , و يعتقد حسن توفيق ان المطر كان احب الرموز للسياب و انه يرمز الى ازاحة الخطايا و تقويض العالم القديم و انبعاث الحياة الجديدة[34] , و يرى د. جابر عصفور ان المطر يمثل دلالة مزدوجة على الموت و الميلاد و الظلام و الضياء [35] , اما هاشم ياغي فيرى ان المطر رمزا لكل ما يزيل عوامل الجفاف المختلفة المعقدة لازالة حاسمة عنيفة[36] ,

و يرى الياس خوري ان المطر يمثل اطارا للمشهد العام و هو الطبيعة التي تمتزج بالرمز الطبيعي و اليه تعود جميع العناصر الرمزية في تحولاتها[37] .

و اذا كان السياب قد اخفق فينا حين نقل الاسطورة و الرمز و ربطها بهجاء شخص بعينه او جماعة كما فعل في هجائه للشيوعين في قصيدته ( مدينة السندباد ) و جعل الرمز مادة لكل الشتائم و للتنفيس عن الغضب المحتدم في داخله فانه من الناحية الاخرى استطاع ان يبني قصائد تفيد من الرمز و الاسطورة افادات رائعة , و تتحول فيها الرمز و الاساطير الى نسيج شعري متدفق شديد الارتباط بالحاضر و بالحياة المعاصرة , هنا تتحول الرموز و الاساطير الى مادة تسهم اسهاما ( فعالا ) في اضاءة الواقع و تشخيص الماضي حاملة معها دلالاتها الانسانية الشاملة , و من قصائده تلك ( مدينة بلا مطر ) حيث بدأ الشاعر بتصوير مدينة بابل التي هي العراق و هي الامة كلها , و يرسم السياب صورة تلك المدينة فيقول في مفتتح القصيدة :

مدينتنا تؤرق ليلها نار بلا لهيب

تحم دروبها و الدور ثم تنول حماها

و يصبغها الغروب بكل ما حملته من سحب

فتوشك ان تطير شرارة و يهب موتاها

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

او شرفتان راح ينأى عنهما المطر

عيناك حين تبسمان تورق الكروم

و ترقص الاضواء .. كالاقمار في نهر

يرجه المجداف وهنا ساعة السحر ..

كأنما تنبض في غوريهما النجوم

و تغرقان في ضباب من اسى شفيف

كالبحر سرح اليدين فوقه المساء

دفء الشتاء فيه و ارتعاشة الخريف

و الموت و الميلاد و الظلام و الضياء

فتستفيق مليء روحي , رعشة البكاء

و نشوة وحشية تعانق السماء

كنشوة الطفل اذا خاف من القمر

كأن اقواس السحاب تشرب الغيوم

و قطرة فقطرة تذوب في المطر

و كركر الاطفال في عرائش الكروم

و دغدغت صمت العصافير على الشجر

انشودة المطر

مطر ... مطر ... مطر

المفردات :

السحر : قبل الصبح (ج) اسحار , ينأى : يبتعد : , تورق : تكثر اوراقها ( دلالة على الازهار و الثمر ) , الكروم : شجر العنب , يرجه : يهزه بشدة و يحركه , المجداف : خشبة يحرك بها القارب (ج) مجاديف , وهنا : نص الليل و وهن بمعنى اصابه الوجع ويقال (دخل في الوهن من الليل ) , ( تنبض : تحرك الشيء في مكانه , غور : القعر و العمق (ج) غيران و اغوار , تغرقان : يغلب عليها الماء حتى يهلكها , الضباب : سحاب يغشى الارض كالدخان , اسى : حزن , شفيف : شديد , سرح : ارسل , ارتعش : ارتجف و اضطرب , تستفيق : افاق فلان اي عاد الى طبيعته من غشية لحقته , ملء : قدر ما يأخذه الاناء , رعشة : رجفة , نشوة : اول السكر و الارتياح للامر و النشاط له و المراد بها الرغبة , وحشية : عارمة لا يسيطر عليها , تعانق : تحتضن حبا , اقواس : مفردها قوس و هو جزء من محيط الدائرة , الغيوم : السحب مفردها غيمة , كركر : ضحك بشدة , عرائش : مفردها عريشة و هو ما يستظل به , دغدغ : غمزة تسبب انفعالا , انشودة : الشعر المتناشد بين القوم (ج) اناشيد .

الشرح :

يتخيل الشاعر العراق حبيبة له و يتذكر من خلالها ذكرياتها الجميلة فيها فيتذكر غابات النخيل الشامخة في اواخر الليل بهدوءها و سكونها , فعندما يعم السلام و السعادة في العراق تتحرك كل مباهج الكون و تعزف انشودة الحياة التي يراها في شجر الكروم الذي كثرت اضواءه و كذلك في الاضواء المنبعثة من القمر التي تتراقص و تتلألأ على سطح الماء عندما يتحرك المجداف بضعف قبيل الصباح .

و يتذكر الشاعر لمعان النجوم الخافت الذي يكاد يختفي في الضباب الشديد مما يسود البلاد من حزن شديد للاوضاع العامة فيعم الظلام على البحر و البر و بدأ الشاعر يستشعر بالعراق فشعر بدفء شتاء الوطن و رعشة الخريف فيه فتدور بداخله ملحمة عظيمة يروي من خلالها قصة الحياة بين الموت و الميلاد , بين النور و الظلام , مما افاق بداخله الشعور الجارف بالبكاء على هذا الوطن فيشعر بالرغبة الشديدة للتحرر و الارتباط بعالم السماء الرحب فيرى بصيص من امل المتمثل في المستقبل و الطفل , و يعود مرة اخرى فيتذكر طفولته في العراق و قد امتلأ الجو فيها بالسحب الماطرة التي بدأت تقضي على الغيوم فيسقط المطر قطرة قطرة و قد تهلل الاطفال فرحين في عرائش العنب و بدا المطر محركا لصوت العصافير على الشجر يعزف انشودة الحرية و الخصب و النماء " مطر ... مطر ... مطر " .

 

 

مواطن الجمال :

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر : شبه عينا الحبيبة بغابتا النخيل وقت السحر للدلالة على الهدوء و السكون .

او شرفتان راح ينأى عنهما القمر : شبه عينا الحبيبة بالشرفتين اللتين بعد عنهما القمر للدلالة على الامل في التحرر من الليل .

يلاحظ استخدام الشاعر للجمل الاسمية مما يوحي بالهدوء و السكون ثم يعقبها بالجمل الفعلية التي تسبب الحركة و بدء الحياة و تجددها مثل : " تورق الكروم , ترقص الاضواء , يرجه المجداف , تنبض في غوريهما , ...... "

استخدام الشاعر للأفعال المضارعة للدلالة على الاستمرارية و الدوام :

عيناك حين تبسمان : تراسل حواس حيث اعطى وظيفة الفم للعين , استعارة مكنية شبه العين بالإنسان الذي يبتسم .

ترقص الاضواء : استعارة مكنية شبه الاضواء بانسان يرقص .

ترقص الاضواء كالأقمار في نهر : شبه رقص الاضواء باهتزاز القمر في النهر عندما يتحرك المجداف فوق الماء .

كأنما تنبض في غوريهما النجوم : استعارة مكنية شبه النجوم بالقلب الذي ينبض .

و تغرقا في ضباب من اسى شفيف : استعارة تمثيلية شبه النجوم التي تختنق بالضباب بالإنسان الذي يغرق في الحزن الشديد .

كالبحر سرح اليدين فوقه المساء : استعارة مكنية شبه المساء بالانسان الذي ارسل يده فوق البحر .

الموت و الميلاد , و الظلام و الضياء : طباق يوضح المعنى و يبرزه .

و نشوة وحشية تعانق السماء : وصف النشوة بالوحشية دلالة على عدم قدرته على السيطرة عليها , و فيها استعارة مكنية شبه النشوة بالحيوان المفترس , و شبه السماء بالانسان الذي يعانق , و شبه النشوة بالانسان الذي يعانق .

و نشوة وحشية كنشوة الطفل اذا خاف من القمر : شبه النشوة الوحشية بنشوة الطفل عند خوفه من القمر , و هنا اشارة لاسطورة خسوف القمر و الخوف الذي يدفع الاطفال للغناء و الانشاد , و الطفل هنا يرمز الى المستقبل الذي يبشر بالامل .

كأن اقواس السحاب تشرب الغيوم : استعارة مكنية شبه السحاب بالانسان الذي يشرب الغيم .

و قطرة فقطرة تذوب في المطر : تقديم ما حقه التأخير .

و كركر الاطفال في عرائش الكروم : كناية عن السعادة التي يحملها المستقبل و تجدد الحياة و ولادة العالم الفتي الذي بدأ يلوح في الافق .

و دغدغت صمت العصافير على الشجر : كناية على الحرية و الانطلاق .

تكرار كلمة مطر يدل على حرص الشاعر على اظهار اثر المطر في الخصب و النماء .

المناحي التي تبعث السرور و الحزن في نفس الشاعر .

 

تثاءب المساء و الغيوم ما تزال

تسح ما تسح من دموعها الثقال

كأن طفلا بات يهذي قبل ان ينام

بان امه التي افاق منذ عام

فلم يجدها , ثم حين لج في السؤال

قالوا له " بعد غد تعود " ...

لابد ان تعود

و ان تهامس الرفاق انها هناك

في جانب التل تنام نومة اللحود

تسف من ترابها و تشرب المطر

كأن صيادا حزينا يجمع الشباك

و يلعن المياه و القدر

و ينثر الغناء حيث يأفل القمر

مطر ... مطر ... مطر

اتعلمين اي حزن يبعث المطر؟

و كيف تنشج المزاريب اذا انهمر؟

و كيف يشعر الوحيد فيه بالضياع؟

بلا انتهاء- كالدم المراق كالجياع

كالحب كالاطفال , كالموتى

هو المطر

و مقلتاك بي تطيفان مع المطر

و عبر امواج الخليج تمسح البروق

سواحل العراق بالنجوم و المحار

كانها تهم بالشروق

فيسحب الليل عليها من دم دثار

اصيح بالخليج " يا خليج

يا واهب الؤلؤ و المحار و الردى "

فيرجع الصدى

كأنه النشيج

" يا خليج يا واهب المحار و الردى "

المفردات :

تشاءب : تصنع الثوباء , الثوباء حركة للفم لا ارادية من هجوم النوم او الكسل , تسح : تنزل و تنصب , الثقال : الشيء الكريه للنفس , يهذي : تكلم بغير معقول لمرض , افاق : تنبه , لج : الح و لزم الشيء و لم ينصرف عنه , تهامس : تكلم بصوت منخفض , التل : ما علا من الارض (ج) تلال , اللحود : مفردها لحد و هو القبر , تسف : تأكل , يلعن : يسب , القدر : قضاء الله , ينثر : ينشر , يأفل : يغيب , تنشج : و نشج الباكي ينشج نشجا و نشيجا , اذا غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب , المزاريب : مفردها مزراب و هي مجاري للماء , انهمر : سال بشدة , الضياع : الفقد و الهلاك , المراق : المسال , مقلتاك : عيناك , تطيفان : تأتيان كالخيال , المحار : حيوان بحري ينتج اللؤلؤ , تهم : تشرع , دثار : ما يتدثر به ( يتغطى به ) الانسان من كساء او غيره , واهب : معطي , الردى : الموت و الهلاك , الصدى : رجع الصوت .

 

 

التحليل  :

يستمر الشاعر في تداعي الذكريات التي تربطه بالوطن في تعبيرات رمزية رائعة فيرى دخول الليل و ما زالت الغيوم تنزل المطر الذي اثقل كاهلها فيرى ابناء العراق اللذين استفاقوا من غفوتهم للتحرر يحملون معهم الامل الذي سيتحقق طالما اصروا عليه و قد اخذ بعض الرفاق البعيدين عن الوطن يتكلمون همسا ان العراق ما زالت في رقادها و ذلها و هوانها فالشعب يعاني فيها في يأس و حزن ينعى حظه و قدره يحاول ان يتغلب على قهره بالغناء عندما يغيب القمر منشدا مطر... مطر "

ثم يوضح الشاعر ان المطر يبعث الحزن في نفسه , فعندما ينهمر المطر و يسمع صوت وقع الماء من المزاريب و كأنه بكاء عنيف يشعر الانسان الوحيد بالضياع و الهلاك و لا ينتهي هذا الشعور كالشعور الناجم من رؤية الدم المسال و الناس الجوعى او الشعور بالحب المتجدد و الحنين للوطن و الشعور النابع من رؤية طفل او ميت , فالمطر يطلق هذا الشعور باستمرارية .

تمر علي هذه الاطياف اطياف الوطن مع هطول المطر فاقف اتأمل امواج الخليج التي تحمل معها الامل من جديد و قد رأيت الاحرار الذين يعدون انفسهم لتخليص العراق من الظلم و استرداد ثرواتها المسلوبة و كأنهم سيشرقون بعراق جديد و لكن هذه المحاولات انتهت بالفشل و سالت دماء هؤلاء الاحرار و من بقي منهم لاجئا بعيدا عن وطنه ليس له الا ان ينادي على الخليج الذي يهب الخير و العطاء و كذلك الهلاك لصعوبة الحصول على خيراته و لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن و تفشل هذه الحركات التحررية .

مواطن الجمال :

تثاءب المساء : استعارة مكنية شبه المساء انسانا يتثاءب .

الغيوم ما تزال تسح ما تسح من دموعها الثقال : استعارة مكنية شبه الغيوم بالمرأة التي تبكي بشدة .

دموعها الثقال : كناية عن شدة ما يعانيه من ظلم و قهر .

كان طفلا بات يهذي قبل ان ينام : يربط الشاعر صورة الغيوم التي تذرف الدمع بصورة الطفل الذي فقد امه و يبكي سألا عنها .

يستخدم الشاعر الطفل رمزا للمستقبل الذي يحمل الامل في الحرية .

و يستخدم الشاعر الام رمزا للوطن المستعمر .

حين لج في السؤال

قالوا له بعد غد تعود

لابد ان تعود : نلمح اصرار الشاعر و تحدي المناضل الطريد على تحرير الوطن و عودة العراق حرة كما كان .

و ان تهامس الرفاق : الهمس هنا يدل على مدى الخوف و القلق الذي يملأ النفوس .

تنام نومة اللحود : كناية عن الموت و الخراب الذي حل بالوطن .

تسف من ترابها و تشرب المطر : كناية عن الذل الذي تعيش فيه العراق .

كأن صيادا حزينا يجمع الشباك

و يلعن المياه و القدر

و ينثر الغناء حيث يافل القمر : ربط الشاعر حال العراق بحال الصياد الذي نصب شباكه للصيد و اتى المطر و خرب عليه فاخذ يجمع شباكه لاعنا القدر الذي لم يمكنه من صيده .

فالصياد رمز للشعب اليائس الحزين الذي يصارع الحياة .

و ينثر الغناء حيث يأفل القمر : كناية عن الالم الذي يعانيه الشعب في وجود الظلم و الاحتلال .

و تكرار كلمة " مطر " يدل على الثورة العارمة و الصراع .

اتعلمين اي حزن يبعث المطر ؟ و كيف تنشج المزاريب اذا انهمر و كيف يشعر الوحيد فيه بالضياع ؟ اساليب انشائية استفهام غرضها التقرير .

كالدم المراق .. كالجياع .. كالحب .ز كالاطفال .. كالموتى : كلمات تحمل ترسبات الماضي في نفس الشاعر مما يوحي بالمفارقات الكامنة بنفسه .

تمسح البروق سواحل العراق : استعارة مكنية شبه البروق بالانسان الثائر ضد الظلم .

النجوم و المحار : كناية عن الثروات الموجودة بالعراق .

كأنها تهم بالشروق : كناية عن الامل في زوال المستعمر .

فيسحب الليل عليها من دم دثار : شبه الليل بالانسان الذي يغطي , و الدم بالغطاء , دلالة على العنف المتواجد في العراق .

يا خليج يا واهب الؤلؤ و المحار و الردى : اسلوب نداء يدل على بعد الشاعر و غربته عن الوطن .

اللؤلؤ و المحار و الردى : اللؤلؤ و المحار كناية عن مهنة الغوص و التي ارتبطت بالموت للدلالة على صعوبة العيش في العراق .

كأنه النشيج : كناية عن الالم الذي يعتصر العراق من المستعمر .

عودة الصدى " يا واهب المحار و الردى " تحمل دلالة ضياع خيرات العراق و ثرواته  الهم الذي يؤرق السياب :

اكاد اسمع العراق يذخر الرعود

و يخزن البروق في السهول و الجبال

حتى اذا ما فض عنها ختمها الرجال

لم تترك الرياح من ثمود

في الواد من اثر

اكاد اسمع النخيل يشرب المطر

و اسمع القرى تئن و المهاجرين

يصارعون بالمجاذيف و بالقلوع

عواصف الخليج و الرعود منشدين

مطر.. مطر .. مطر

 

المفردات :

يذخر : خبأ لوقت الحاجة , الرعود : صوت السحاب المصطدم المحمل بالمطر , البروق : مفردها برق و هو اللمعان الناتج من اصطدام السحب ببعضها , فض : فض الشيء فرقه , ختمها : ختم النحل اي ملأ خليته عسلا و اختم الشيء اي اتمه , ثمود : اشارة الى قوم ثمود اللذين اخذهم الله بالصيحة و الرجفة و الزلزلة , تئن : تتألم , المهاجرين : المستعمرين , يصارعون : يقاتلون , المجاذيف : مفردها مجذاف و هو ما تتحرك به السفينة , القلوع : مفردها قلع و هو الشراع , عواصف : مفردها عاصفة و هي الريح الشديدة .

 

 

 

التحليل  :

في هذا المقطع يوضح السياب الهم الذي سبب له الارق و هو المستعمر الذي غزا بلاده فنجده يعايش الموقف بالعراق فالثورة قائمة و العراقيون يستعدون للقاء المستعمر و حربه لكن تفرقوا و تشتت امرهم فلم يبق الا صوت المطر الذي يضفي الحزن في النفس و كذلك القرى التي لحقها الدمار من جراء الصراع الذي دار بينهم و بين المستعمر لاقتلاع خيرات الخليج .

مواطن الجمال :

اسمع العراق : شخص الشاعر العراق بالإنسان الذي يتكلم .

يذخر الرعود , يخزن البروق : اساليب خبرية تدل على الثورة الموجودة داخل العراق .

لم تترك الرياح من ثمود

في الواد من اثر : اشارة الى قوم ثمود الذين اخذهم الله بالصيحة و الرجفة و الزلزلة و قد التبس الامر على الشاعر بين قوم عاد و ثمود فعاد هم من اخذوا بالريح الباردة " و هنا لجأ الشاعر الى الاستخدام معاني القران الكريم "

اكاد اسمع النخيل يشرب المطر : استعارة مكنية شبه النخيل بالانسان الذي يشرب .

اسمع القران تئن : استعارة مكنية شبه القرى بالانسان الذي يئن .

المهاجرين يصارعون عواصف الخليج : شبه اهل العراق بالعواصف في ثورتهم .

 

 

 

نقد القصيدة :

التمهيد:

يعد بدر شاكر السياب من الذين وظفوا المطر ليكون رمزا واسعا على حمل هواجس النفس الانسانية و عرض همومه الفردية منطلقا منها الى عدد من الهموم الاجتماعية مثل الفقر و الجوع على الرغم من وجود الخير الكثير في بلده , فقد حول المطر الى قيمة ثرية غنية بالدلالات .

و لعل المحور الرئيس الذي تدور حوله هذه الابيات من القصيدة هو قضية العراق و الاستعمار الذي طالما حاول النيل منها و لا عجب ان تتفق هذه الرؤيا مع الواقع الحالي الذي يعيشه العراق فقد استبد فيه الطامعين و حولوه الى ساحة قتال لهدف واحد و هو الثروات العراقية التي تزخر بها .

الافكار :

افكار القصيدة مترابطة , و قد ابرز الشاعر افكاره من خلال التشخيص و التجسيم و الرمز فلم يعبر عنها صراحة و لكن ضمنا حيث نجده يبدأ القصيدة بذكرياته الجميلة في العراق ثم يبين المناحي التي تبعث السرور في حياته و المناحي التي تثير الحزن فيها و الاسى , فينطلق مباشرة الى الهم الذي يؤرقه و يؤرق العراق كلها و هو طمع المستعمر فيها .

العاطفة :

عاطفة الشاعر في هذه القصيدة انسانية عامة , فهو يريد ان يدفع الخطر عن وطنه المتمثل في المستعمر الغاصب لخيرات بلاده فحب الوطن و الانتماء الى الارض يشترك فيه جميع الناس , فالعاطفة صادقة " بين الالم و الحزن و الامل و الفرحة " نابعة من حب الشاعر لوطنه و ارضه و شعبه المقهور .

 

 

الالفاظ :

استخدم الشاعر الالفاظ السهلة الواضحة موحية فجاءت ملائمة للموضوع , و قد استخدم الشاعر الرمز للتعبير عما يريد دون خوف مثل :

الطفل : رمز للمستقبل الذي يبشر بالامل , و الام : رمز للوطن , و الصياد : رمز للشعب اليائس الذي يصارع الحياة , و المهاجرين : رمز للمستعمرين الذين يغتصبون ثروات العراق .

 

الاساليب :

تنوعت الاساليب في القصيدة بين الخبرية و الانشائية التي توحي بالصراع المرير و الحزن فمن الاساليب الندائية اكثر من النداء و الاستفهام للتعبير عن الجو النفسي الذي يعيشه الشاعر .

و بالنسبة للأساليب الخبرية نجد الشاعر وفق في استخدام الجمل الاسمية التي توحي بالسكون و الهدوء و يعقبها بالجمل الفعلية التي تسبب الحركة و بدء الحياة و تجددها

و كذلك استعان الشاعر بأسلوب التقديم لما حقه التأخير مثل تقديم الحال .

كما ضمن الشاعر بعض الاساليب القرآنية و يعاب عليه الخلط بين عاد و ثمود .

الصور و الاخيلة :

جمع الشاعر بين التصوير الكلي و الجزئي لتوضيح الفكرة و التعبير عن المشاعر فنجده يفصل الصور الكلية بصور جزئية تثري العمل الفني مثل : " عيناك حين تبسمان " صورة كلية فسرها بعدة صور جزئية  مثل : " ترقص الاضواء كالاقمار في نهر , كأنما تنبض في غوريهما النجوم , و تغرقان في ضباب من اسى شفيف , كالبحر سرح اليدين فوقه المساء "

فنلاحظ تداعي الصور الشعرية فالصور تتوالد داخليا لتشكل حشدا هائلا من الصور المبنية على التشبيه و التي تعد بمثابة اشعاعات تومض بصفة دورية .

المحسنات البديعية :

غير متكلفة و قد استخدم الشاعر بعض المتناقضات للتعبير عما بداخله من احساس

كالموت و الميلاد , و الظلام و الضياء , دفء و ارتعاشه

في القصيدة نوعان من الموسيقى :

أ - ظاهرة : و تتمثل في المحسنات البديعية و المتناقضات .

ب- خفية : تتمثل في حسن اختيار الالفاظ الموحية التي تعبر عن الحالة الوجدانية , و المتواليات الصوتية التي تحدث ايقاعا يتوافق مع الايقاع النفسي و الصور الحية الرائعة و ترتيب الافكار مع صدق العاطفة و قوتها .

الوحدة العضوية :

تتحقق الوحدة العضوية حيث نرى ان حب الوطن و الانتماء اليه يدفع الشاعر لدفع خطر المستعمر عن بلاده , و وحدة الجو النفسي و التي تمثلت في الفاجعة و الحزن لما ال اليه الوطن الجريح .

 


 


 

[1] - لسان العرب المحيط , ابن منظور , اعداد و تصنيف يوسف الخياط , دراسات لسان العرب , بيروت , ون , مادة رمز .

[2] - فن الشعر , د. احسان عباس , دار بيروت للطباعة بيروت , 1959م , ص328 .

[3] - الشعر و التجربة , ص88 .

[4] -تمهيد في النقد الحديث , ص229 .

[5] -الرموز الرمزية في الشعر العربي المعاصر .

[6] -د. رجاء عبد , دراسة في لغة الشعر , ص23 .

[7] - د. درويش الجندي , الرمز في الادب العربي , ص463 .

[8] - نفسه .

[9] -د. محمد مندور , الادب و فنونه .

[10] - ارشد يالدمكيش , الشعر و التجربة , ت : سلمى الخضراء .

[11] -س - فرويد , تفسير الاحلام , ترجمة مصطفى صفوان , ص358 .

[12] - فلسفة تاريخ الفن , ارنولد هوسر , ترجمة : رمزي عبده بدوي , مطبعة جامعة القاهرة , 1968 , ص57 .

[13] - انشودة المطر , ص168-170 .

[14] -

[15] -

[16] -

[17] - دراسات في الشعر العربي الحديث وفق المنهج الديالكتيكي .

[18] -الثورة و الادب , ص57 .

[19] -السياب و الصراع مع الزمن , الاقلام , م 5 , س2 , 1966 , ص70 .

[20] -بدر شاكر السياب رائد الشعر الحر , ص12 .

[21] -بدر شاكر السياب , احسان عباس .

[22] -المصدر نفسه .

[23] -تمهيد في النقد الحديث , روز غريب , ط   , دار المكشوف , بيروت , 1971م , ص333 .

[24] -السياب , عبد الجبار عباس , ص204 .

[25] -اسطورة الموت و انبعاث في الشعر العربي الحديث, ص107-108 .

[26] -بدر شاكر السياب , ريتا عوض , ص35 .

[27] -دراسات في النقد الادبي , د. احمد كمال زكي , ط2 , دار الاندلس للطباعة و النشر , القاهرة , 1980 , ص58 .

[28] -المدخل لدراسة المدارس الادبية في الشعر العربي المعاصر , ص 3 و 16 .

[29] -بدر شاكر السياب شاعر الاناشيد و الرأي , ص135 , 2 .

[30] -الاسطورة في الشعر العربي الحديث , ص273 .

[31] -الرمز و الرمزية في الشعر العربي المعاصر , هامش ص373 .

[32] -دراسات في الشعر الحديث , ص160 .

[33] -في الشعر الشعراء , 1/89 .

[34] -شعر بدر شاكر السياب دراسة فنية و فكرية , 326 .

[35] -حركات التجديد في الادب العربي , د. عبد العزيز الاهواني و اخرون , دار الثقافة للطباعة و النشر , القاهرة , 1979 , ص214 .

[36] -الدراسات و النشر , بيروت , 1981 , ص4 .

[37] - دراسات في نقد الشعر , 35 , 5-35 .

 

 

 

 

د. صدام فهد الاسدي


التعليقات

الاسم: أميمة
التاريخ: 13/03/2018 15:50:30
شكرا جزيلا على هذه المقالة

الاسم: koki
التاريخ: 28/12/2017 08:24:24
شكرا على مجهوداتك القيمة

الاسم: عائشة
التاريخ: 17/11/2017 17:46:30
شكرا على مجهوذك العظيم

الاسم: عائشة
التاريخ: 17/11/2017 14:58:24
أحسنت مقال رائع

الاسم: anissa16
التاريخ: 15/04/2016 14:57:58
شكراااااا جزيلا على هذه الجهود الجبارة شكراااااااااااااااااا




5000