..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


السخرية السياسية في شعر عبد الوهاب البياتي

د. صدام فهد الاسدي

السخرية السياسية  في شعر عبد الوهاب البياتي

اعداد الاستاذ الدكتور : صدام فهد الاسدي  

و الباحث طالب الدكتوراه باسم حساب راشد

المقدمة :

تعددت الدراسات التي تناولت النتاج الشعري للشاعر عبد الوهاب البياتي , لتشمل العديد من الجوانب المهمة في شعره , الا انها اغفلت موضوعا لا يقل اهمية عن الجوانب المدروسة و هو ( السخرية ) , فالشاعر لم يعرف في الوسط الادبي بانه من الشعراء الساخرين , كون اغلب الدراسات التي تناولت السخرية تربط الموضوع بالضحك و تنسى جوانب مهمة في السخرية قد تكون مأساوية , لذلك اظن ان رؤية السخرية من منظور اخر فضلا عن النظرة السائدة , يجعلنا نعيد النظر في قراءة شعر البياتي للكشف عن طبيعة النصوص الساخرة و موضوعاتها .

سنحاول في هذا البحث تسليط الضوء بصورة موجزة على السخرية السياسية عند الشاعر كونه معروفا في الوسط السياسي بأتجاهه الايديولوجي , و مواجهته للسلطة في نصوصه الشعرية , سنحاول التعرف بمفهوم السخرية في اللغة و الاصطلاح , و علاقتها بالسياسة و موضوعات السخرية السياسية في شعر عبد الوهاب البياتي .

السخرية لغة و اصطلاحا :

السخرية في اللغة :

عند الرجوع الى معجمات اللغة بغية تحديد مفهوم السخرية نجد انها تنحصر في ثلاثة معان هي ( الهزء , و الضحك , و الاذلال او التحقير ) فقد ورد في معجم مقاييس اللغة ( سخر ) السين و الخاء و الراء اصل مطرد مستقيم يدل على احتقار و استذلال . من ذلك قولنا سخر الله عز و جل الشيء , و ذلك اذا ذلله لامره و ارادته . قال الله جل ثناؤه : (( و سخر لكم ما في السماوات و ما في الارض )) [1]

و في لسان العرب : " سخر منه و به , و سخرا و مسخرا و سخرا بالضم , و سخرة و سخريا و سخرية : هزيء به و يروي بيت اعشى باهلة على وجهين :

اني اتتني لسان لا اسر بها     من علو لا عجب منها و لا سخر

و يروى و لا سخر ...

الجوهري : حكى ابو زيد , سخرت منه و به و هو اردأ اللغتين . قال الاخفش : (( سخرت منه و سخرت به و ضحكت منه و ضحكت به و هزئت منه و هزئت به كل يقال . و الاسم السخرية و السخري و قريء بهما قوله تعالى : (( ليتخذ بعضهم بعضا سخريا )) .[2] و في اساس البلاغة : (( سخر فلان و سخرة سخرة : يضحك منه الناس و يضحك منهم .. و تقول رب مساخر يعدها الناس مفاخر ))[3] و يقال : " هؤلاء سخرة للسلطان يتسخرهم : يستعملهم بغير اجر " [4] , و يقال " السخرة ما سخرت من دابة او خادم بلا اجر و لا ثمن و يقال : سخرته بمعنى سخرته اي قهرته و ذللته ... و سخره تسخرا كلفه ما لا يريد و قهره و كل مقهور مدبر لا يملك لنفسه ما يخلصه من القهر فذلك مسخر "[5] و السخرية في القران الكريم امر منهي عنه اذا كان الغرض منه تحقير الاخرين و تجاوز الحدود و ايات القران واضحة بهذا الشأن قال تعالى : (( زين للذين كفروا الحياة الدنيا و يسخرون من اللذين امنوا ))* . و قال في كتابه العزيز : (( فحاق باللذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزءون )) * هذه السخرية التي يصفها د . حامد عبد الهوال بقوله : (( انها السخرية ذات الطابع الجماعي الذي يهدم المجتمع الاسلامي و يزعزع وحدته )).[6]

السخرية في الاصطلاح :

تعد السخرية من المواضيع التي يصعب اعطاؤها تعريفا محددا , لاسباب عدة اهمها ارتباط موضوع السخرية بالعديد من المواضيع كــــــ ( التندر , و التهكم , و الطرفة , و الفكاهة , و الهزل ) [7] . فضلا عن تداخلها مع بعض الصور البلاغية كالابهام و التعريض و التوجيه و الهجاء في معرض المدح و نفي الشيء بايجابه .[8]

و في اغلب الاحيان لا يمكن الحكم على العمل اهو هجاء ام تهكم ام غير ذلك . و يقول احد الباحثين : ( يمكن ان يتفق ناقدان ادبيان اتفاقا كاملا في تقديرهما للعمل الادبي , غير ان احدهما قد يدعوه عملا ساخرا في حين يدعوه الثاني عملا هجائيا .. , او هزليا .. , او فكاهيا .. , او مفارقا .. , او غامضا ) [9] و على الر غم من ذلك هناك العديد من التعريفات التي تعطينا تصورا عن هذا الموضوع , فهماك من عرفها بــ " الهزء المخفي المسر " [10] . و يرى اخر انها نوع من انواع المأساة يحولها الاديب الى ملهاة تنتج عن اسباب سياسية و اقتصادية و اجتماعية و قد تكون صريحة او سرية [11] . و هي في التعريفين السابقين تقترن بالضحك و الملهاة , بينما يرى د . نبيل راغب ان السخرية ليست بالضرورة ان تكون مثيرة للضحك , لانها يمكن ان تكون مرة [12] . نستنتج من ذلك ان هناك نوعا من السخرية ليست مرتبطة بالضحك فضلا عن السخرية المثيرة للضحك .

و هناك من عرفها بـــ :" نوع من التاليف و الخطاب الثقافي الذي يقوم على اساس الانتقاد للرذائل و الحماقات و النقائص الانسانية الفردية منها و الجمعية كما لو كانت عملية الرصد او المراقبة لها تجري هنا من خلال وسائل و اساليب خاصة في التهكم عليها , او التقليل من قدرها او جعلها مثيرة للضحك او غير ذلك من الاساليب التي يكون الهدف من ورائها محاولة التخلص من بعض الخصال او الخصائص السلبية "[13] . و هذا التعريف يعد اشمل من التعريفين السابقين , بسبب توسعه في اساليب السخرية , اذ اخرجها من المنطق الضيق المتناقض مع طبيعة الادب الذي يتميز بخلق منطقه الخاص , و من ثم فان كانت السخرية عملية رصد للنقائص الانسانية فان السياسة ميدان رحب للسخرية , و شواهد التاريخ السياسي السلبية كثيرة لا يمكن حصرها .

  

العلاقة بين السخرية و السياسة :

ترتبط السخرية بالسياسة ارتباطا وثيقا يمتد لتوغل في عمق التاريخ الادبي , فقد عد ارسطو فانيس ( تـــ 385 ق. م ) " سيد المسرحية الهزلية التي تبطن النقد السياسي و الاجتماعي ... "[14]. اضافة الى ذلك يرى الدكتور نعمان محمد امين طه ان الكتاب الساخرين كانوا دائما رواد الحركات الاصلاحية في التاريخ و قد عد فولتير          ( تــ 1778م ) بانه من المقدمين للثورة الفرنسية .[15]

و اذا كان عند العرب شعراء قتلهم شعرهم نجد عند الغرب ادباء نبشت قبورهم , بسبب افكارهم التي كانوا يبثونها عن طريق اعمالهم الادبية الساخرة . فجان جاك روسو و فولتير اللذان توفيا عم 1778م عرفا بسخريتهما و مواجهتهما للكنيسة و للنظام السياسي . يذكر انه نبش قبرهما و وضعت عظامهما في كيس و القي بها في القير على قارعة الطريق جزاءا لهما على سخريتهما من الكنيسة و رجال الدين .[16]

اما العرب - و قد اخرهم الباحث عن الغربيين بسبب قدم النصوص الغربية الساخرة عن النصوص العربية - فقد بدأت ملامح السخرية السياسية تظهر بوضوح مع بداية العصر العباسي فكان من اشد الساخرين وقعا الشاعر بشار بن برد اذ سخر من كبار رجال الدولة [17] قال مخاطبا المنصور :

ابا جعفر ما طول عيش بدائم      و لا سالم عما قليل بسالم

على الملك الجبار يقتحم الردى      و يصرعه في المأزق المتلاحم

كأنك لم تسمع بقتل متوج          عظيم و لم تسمع بفتك الاعاجم

لحى الله قوما رأسوك عليهم    و ما زلت مرؤوسا خبيث المطاعم .[18]

كذلك عرف هذا اللون عند المتنبي الذي سخر من السلطة و المجتمع في عصره و قيل عنه انه " كان يغالي في احتقاره للحكام و الخانعين اللذين رضوا بحكم الظالمين "[19] فسخر من كافور الاخشيدي في قوله :

من علم الاسود المخصي مكرمة    اقومه البيض ام اباؤه الصيد

ام اذنه في يد النخاس دامية    ام قدره و هو بالفلسين مردود

اولى اللئام كويفير بمعذرة    في كل لؤم و بعض العذر تفنيد[20]

لقد اوقع اقسى انواع السخرية على كافور بتذكيره بأصله و انه ليس كريما و لا من اصحاب المكرمة " فهذا اسلوب المتنبي عندما يسخر من انسان عصره يصوره في اقبح الصور و يهزأ من كل افعاله و يضع من قدره في الدرك الادنى و يجعل منه نموذجا للحقارة و الضعف "[21] . و هكذا بدأت السخرية تتوسع و تظهر في ميدان الفن بكل انواعه ..

من خلال هذا العرض المختصر يتضح عمق العلاقة بين السخرية و السياسة و مدى ارتباط السخرية بالسياسة , فاين ما كان الظلم تكون السخرية وسيلة موضوعية و فنية للقضاء عليه و بالتالي ينتج عن التناقض بين الفنان و البيئة ذلك الفن الراقي الذي يتصف بالديمومة و الاستمرارية .

  

موضوعات السخرية السياسية عند البياتي

•-         السخرية من الواقع السياسي

عانى المواطن العربي بصورة عامة و المثقف بصورة خاصة منذ مطلع القرن العشرين من انكسارات و عنف سياسي القى بظلاله على طبيعة الحياة السياسية , فعلى الصعيد الوطني عاش العراق معاناة سياسية فقد كان هناك ارتاج و عدم استقرار في الشارع العراقي بدءا من ثورة العشرين و ما تلاها من " ثورة مايس 1941م , و وثبة 1948م , ثم انتفاضة 1952م حتى قيام ثورة 14 تموز 1958م وما صاحبها من سياسة بطش و اضطهاد و زج في السجون ...".[22]

اما بالنسبة للواقع القومي العربي " فقد كان هناك ميلاد مأساوي جديد بالنسبة للعرب تمثل في هزيمة العرب العربية - الاسرائيلية الاولى عام 1948م و قيام دولة اسرائيل عام 1948م و قيام دولة اسرائيل "[23]. و ما ان استفاق العرب من الانتكاسة الاولى حتى جاءت " هزيمة 5 حزيران عام 1967م هزيمة قاموس الحياة العربية باركانه السياسية و العقلية السائدة "[24] فكان نتيجة لهذه الظروف ان تتعدد ردود فعل المثقف باشكال شتى تراوحت بين " الانسحاب من الواقع الى هامش الحياة , او الرضوخ للنظام القائم و الاندماج في مؤسساته , او التمرد بنوعيه : الفردي و الثوري الجماعي ..."[25]

و ما كان من البياتي غير ان يرفض ذلك الواقع , و يتمرد عليه , و يسخر منه و ينتقده انطلاقا من تناقضات ذلك الواقع .

فعلى المستوى الوطني صور البياتي حالة التمزق في العراق في ديوانه ( يوميات سياسي محترف ) الذي عده عبد العزيز شرف " مرتبطا بالواقع العربي جملة و تفصيلا المطالب بدكه و تدميره "[26] . فقد سخر من ذلك الواقع في قصيدته           ( الباب المضاء ) عبر مشهديه اشتبك فيها الزمان و المكان و الشخصيات نقل من خلالها حجم المأساة قائلا :

الليل و الباب المضاء و اصدقائي الميتون

بلا وجوه يحلمون

بالفجر و الحمى و صناع الظلام

يتاجرون بما تبقى من سموم

(( كل الدروب هنا الى روما تؤدي ))

و الذئاب

تسطو على من لا كلاب له , و سفاكو الدماء

يقامرون بما تبقى من رصيد

(( لا يسلم الشرف الرفيع من الاذى

حتى يراق على جوانبه الدماء ))

و الليل و الباب المضاء

و الشارع المهجور و القتلى و اقنية المياه

و الريح و الدم و المداخن و الهواء

من سطوة الارهاب تزحف في الوحول

محمومة عمياء تزحف في الوحول [27].

يلاحظ في النص هيمنة الصور الساكنة و الظلام على المشهد , ففي جانب ( الليل ) و في اخر ثمة بصيص امل يتمثل في ( الباب المضاء ) , لكن المفارقة في صورة الاصحاب الميتين التي تلغي الامل . ثم يلاحظ حشد الالفاظ المعبرة عن المأساة            ( الظلام , السموم , الذئاب , سفاكو الدماء , ... ) كل ذلك يخلق عالم يسيطر عليه الموت . و قد افاد البياتي من التراث في بناء الاسلوب الساخر , لكي يعطي بعدا اوسع لقصيدته بحيث تعبر حدود الزمان و المكان " فالتراث محرك .. طاقة مستمرة " [28] اذ اقتبس بيت المتنبي :

لا يسلم الشرف الرفيع من الاذى

                                حتى يراق على جوانبه الدم [29]

نلاحظ اقتباس بيت المتنبي الذي وضع له علامات تنصيص دون تغيير , لكن الشاعر لم يجعله بيتا جامدا , بل حاول ببراعته الفنية ان يطوعه لخدمة الغرض عن طريق افراغه من مضمونه عندما حوله على لسان سفاكو الدماء الى " متاجرة شعارية تقلب المعنى بغية تدمير و قتل المعارضين "[30] . كذلك نجد التركيز على حرف العطف ( الواو ) لاكمال مشهدية الصورة المعبرة عن الواقع بسوداوية تامة لا تفاؤل فيها . ثم ينتقل الى الوسائل القمعية لهذه الحكومات قائلا :

و الشارع المهجور تذرعه الكلاب

و فصائل الجند المدجج بالسلاح

(( قف في مكانك , ايها الوغد الزنيم

باسم النظام ! ))

و يهر اخر : ايها النذل اللئيم

(( من انت ؟ ماذا كنت تهتف ؟ ايها النذل اللئيم ))

                         .....

و الليل و الحمى و اضواء المقاهي الخاويات

و عصائب البوليس تقتحم البيوت :

(( باسم العدالة , ايها الجرذ الحقير

الباب افتح ! )) و الصدى و الهاربون [31]

انه مصور لكل افعال البطش ليكون شاهد العصر ينقل الاحداث بموضوعية دون تدخل , فمن المفارقات الساخرة التي يصورها ان كل ما يرتكب بحق الانسان                ( باسم النظام ) , و ( باسم العدالة ) فياتي التعجب ليفجر السخرية المرة التي تضمر رفضا غير مصرح به , فضلا عن تتابع الاستفهامات غير المبررة , و الالفاظ البذيئة التي عكست مدى استبداد الانظمة .

و لم تكن القضايا القومية بعيدة عن نقد البياتي و سخريته فقد احتلت القضية الفلسطينية القسم الاكبر من اشعاره فهو يرى " ان المصير المأساوي للشعب الفلسطيني ليست قضية عربية فقط تخصنا وحدنا , و انما هي قضية كل العالم و كل التاريخ المستقبلي للانسان .[32]

و لا يجد الشاعر ما يثور به على ذلك الواقع الذي خلفته المساومات السياسية العربية غير الكلمة التي لا تقل شأنا عن حمل السلاح , لذا نجده في قصيدة             ( عيون الكلاب الميتة ) يصور مهزلة العقلية العربية السياسية عبر عرض ما يحدث في العالم من تغييرات حيث تسافر سفن الفضاء و تعود و تكتشف نجوم و تختفي فيقول :

سفن الفضاء تعود من رحلاتها

عبر الفراغ الموحش الابدي

و الضوء البعيد

ينهل من نجم الموت

و كواكب اخرى تموت

عبر الاف السنين

و كائنات لا ترى بالعين

تولد من جديد .[33]

في مقابل هذا العالم و هذه الاكتشافات و الاهتمامات فان العربي يعيش على انقاض الماضي و الموت و الخواء و تبادل الشتائم :

و نحن ما زلنا على صهوات خيل الريح

موتى هامدين

عميا نزيد و نستزيد

و نموت في ( حتى )

و في انساب خيل الفاتحين

نتبادل الادوار

نشتم بعضنا بعضا

و نستجدي على بوابة الليل الطويل .[34]

يركز الشاعر في سخريته على حقائق استقاها من التاريخ العربي لا بواقعها الماضي , بل بتبعاتها الحاضرة , فهو يسخر من العقلية العربية التي تعيش على ركام الماضي السيء , بالمقابل فالعالم في تقدم مستمر , و يرجع الشاعر سبب كل الانتهاكات الى ( المازوخية ) العربية الخانعة , لذا يعلن هذا العار , كما يقول كارل ماركس " ينبغي جعل العار عارا بجعله علنيا " [35] .

و يتوجه الى ربه بعد يأسه :

رباه ! اخرجنا الظلمات

من شرك اللصوص

و من مخالب باعة الانسان في الشرق القديم .[36]

فيأتي الدعاء مثيرا للسخرية و التي عبر عنها التعجب و اظن ان هذا التعجب يحمل يأسا لان الخلاص يحتاج ارادة قوية من الشعب .

اما ( بكائية الى شمس حزيران ) فقد عبر عنها محي الدين صبحي بقوله : " تمثل صورة فضلى من صور الشعر القومي المرتبط بمرحلة حزيران , و المعبر عن واقع فاسد لم تكن الهزيمة سوى ابرز نتائجه " .[37]

فنراه يسخر البياتي من حرب الكلمات في الشرق بقوله :

طحنتنا في مقاهي الشرق

حرب الكلمات

و السيوف الخشبية

و الاكاذيب

و فرسن الهواء .[38]

ان حرب الكلمات تعبر عن الشعارات و التصريحات التي يصرح بها السياسيون بعد كل هزيمة يمر بها العالم العربي , فالبياتي يكشفها ساخرا منها و من السياسيين معبرا عن قوتهم بالسيوف الخشبية ..

ثم ينتقل الى ما يمكن ان نسميه جلد الذات الذي يخرج منه للاخر فيقول :

نحن لم نقتل بعيرا

او قطاة

لم نجرب لعبة الموت

و لم نلعب مع الفرسان

او نرهن الى الموت جواد

نحن لم نجعل من الجرح دواة

و من الحبر دما

فوق حصاة

شغلتنا الترهات

فقتلنا بعضنا بعضا

و ها نحن فتات

في مقاهي الشرق نصطاد ذباب .[39]

الشاعر عن طريق جلد الذات الذي عبر عنه بــ ( نحن ) , يسخر من الواقع العربي و يحاول تقويض النظام العربي السياسي و حتى الاجتماعي , و قد عمق السخرية اداة النفي ( لم ) التي كررها عدة مرات , لتعبر بفاعلية عن هذا الهدم للواقع المهزوم المتمثل بــ " جماهير غير منتظمة , التفرقة العربية , كذب سياسي , ادعاء عسكري , ضعة التردد و الالم " .[40]

  

السخرية من الحكام :

تعد السخرية شكل من اشكال التمرد و الثورة على الحكام فهي وسيلة لا تقل اهمية عن فعل الثورة , لما لها من دور في تحشيد الثورة عن طريق كشف مساويء رموز السلطة السياسية امام المجتمع , لذا سخر البياتي من الحكام في العديد من النصوص الشعرية , يقول غازي العبادي ان البياتي " هجا كافة السلاطين و اعلن وقوفه و اصطفافه الى جانب فقراء العصر ".[41] فقد سخر البياتي من ( العمدة )[42] و ( القيصر )[43] و ( الامير )[44] و ( الملك )[45] و ( السلطان )[46] و ( الشاه ) [47] ...

في قصيدته ( الليل فوق عمان ) يسخر من ( القيصر ) و هو لقب يدل على الفخامة و السلطة , احاله البياتي الى مسخ اذ عمد الشاعر الى خلخلة توازنه بضرب عناصر قوته في قوله :

يا قيصر عمان الاعمى

يا حمى

يا اسطورة

زائفة مكرورة

يا سارق نوم الطفال

و دم العمال

سنصيدك كالارنب

و سنسحق رأسك كالعقرب

يا لصا اجرب

يا قيصر

يا خنجر

في ايدي الدخلاء

في ايدي الاعداء

اين المهرب .[48]

بدأ الشاعر بتوجيه ضربات متتالية للقيصر بتوظيف حرف النداء ( يا ) , نداء ارتفع فيه صوت المواجهة و القوة لتكرار مساويء القيصر غير المنتهية , فضلا عن ذلك لجأ الى عملية قلب الادوار تمثلت في تجريد القيصر من الفخامة المعهودة فصوله و صوره كمجرم فار من العدالة , و بدأ الشاعر بالوعيد منه ( سنصيدك كالارنب ...) و القيصر اسطورة زائفة مكرورة , و زمن الاساطير ولى و هو يلغي القيصر تماما , و نجد الشاعر قد اضفى على سخريته نوعا من الفكاهة وفرتها اجواء ملاحقة القيصر , ليخرج المتلقي من الجو الرسمي المعهود في حضرة الملوك و القياصرة الذي يصنعه المتملقون في مدحهم و تسجيل امجادهم المزيفة .

و يصور تفاهة ( الاقزام ) كما يسميهم و هم يعظمون الامير على الرغم من مساوئه قائلا :

فالأسد الهصور عندما يشيخ يضحك الصبيان

عليه و الغربان

و الاحدب الامير ذو الاظلاف و السلطان

تخطب ود كلبه الحسان

و يرتمي الاقزام في طريقه

مقبلين الثوب و الاردان .[49]

تأتي السخرية من الامير في تشويه خلقه و اضفاء صفات قبيحة عليه تعطيه شكلا       ( كاريكاتوريا ) , فهو احدب ثم يهجن صورة الامير فيسند له صفات حيوانية              ( ذو اظلاف ) , و على الرغم من كل هذه الصفات التي تدعو للنفور , الا ان المفارقة بوجود من يعظم هذا الحيواني الصفات , فالحسان تخطف ود كلبه , و يرتمي الاقزام من صغار النفوس في طريقه , و كل هذا يخلق عالما قائما على المصلحة و التملق يحيط بالأمير .

و قد استعمل البياتي للنيل من رموز السلطة العديد من الاساليب منها الاعتماد على قصيدة ( القناع )[50] اذ اتخذ من الحلاج قناعا له في مواجهة السلطان لما يحمله هذا الشخص من بعد رمزي تتجلى فيه قيم الرفض , في قصيدة ( المحاكمة ) يقول :

بحت بكلمتين للسلطان

قلت له جبان

قلت لكلب الصيد كلمتين

و نمت ليلتين .[51]

يتشفى ( الحلاج \ الشاعر ) من السلطان بان يواجهه بحقيقة لم يسمعها السلطان الذي اعتاد المدح , فيخبره بانه ( جبان ) , تلك الكلمة التي تمثل كسر حاجز الخوف و اعلان التمرد و الثورة على السلطان , ان ما يعمق السخرية و يجعلها تتفجر قلب الادوار في ان يصبح السلطان في وضع المحاكمة .

كذلك لجأ الشاعر الى اسلوب التناص في بعض سخرياته من الحكام و قد استقى تناصياته من مصادر عدة منها الموروث الشعبي في قصيدته ( الى ثوار اليمن ) يقول :

امر الملك البكاء

ان يحفر في ابرة

بئرا في الصحراء

ان نضرب اعناق الكلمات

ان يطفأ ضوء النجمات

لكن الثوار

في صنعاء

حفروا للملك البكاء

قبرا في الصحراء

هزموا الاقزام العور

اعداء الثوار .[52]

اعتمد الشاعر في سخريته على توظيف وسيلة لفظية هي عبارة ( امر امير الامراء ان يحفر بئرا في الصحراء ) و هي من الالعاب الشائعة و الدالة على الالعاب اللفظية , و عمد الشاعر الى توسيعها في سياق ساخر من حاكم اليمن [53] , اذ اضاف بعدا تعجيزيا للامر ( ان يحفر في ابرة ) لتأتي النتيجة كرد فعل طبيعي لهذا الامر :

حفروا للملك البكاء

قبرا في الصحراء

و يستعمل الشاعر اسلوب الشتم , الذي يعد من اقصر طرق السخرية [54] كما يرى عبد الكريم البو غبش , بقوله :

اوهت قرون الناطحين

ما بين سمسار

و قواد

و شيخ قبيلة

و امير بترول بطين

و كلاب صيد الحاكمين .[55]

فهؤلاء بلا مباديء كما يرى البياتي و من ثم فان التعامل معهم مفروغ منه و لا فرق بينهم فجميع الالقاب تؤدي الى الشخصيات نفسها , فهم على امتداد الثورات ينتشرون فيبسون جلودا جديدة توصلهم الى ما يصبون اليه فتعاد دورة حياتهم .

•-         السخرية من الانموذج السياسي الادنى

( الخائن , السياسي المحترف , المخبر )

الموضوع الاخر في السخرية السياسية عند البياتي تمثل بالسخرية من الانموذج الادنى في عالم السياسة , متخذا من اشكالها السيئة موضوعا لسخريته , تلك النماذج التي تسعى الى كسب رضا السلطة السياسية بكل الوسائل , و قد تمثلت هذه الشخصيات بــ ( الخائن ) , و ( السياسي المحترف ) , و ( المخبر ) .

فنجد الشاعر يشخص الخائن في قصيدة حملت عنوانا لا يخلو من سخرية مرة تحمل الما مضمرا و هي ( الخيانة ) التي عبرت عن طبيعة الخائن المزدوجة و غير المستقرة , اذ خاطب الخائن خطابا مباشرا في قوله : و رفعت رايتك الصغيرة في طريق الطيبين

و همست (( اني منكمو ))

و مضيت مرفوع الجبين

سغبا تغني الشمس , شمس ظهيرة الفجر القريب

و يداك , حبا , ترسمان حمامة بيضاء تحتضن الصليب

و غصن زيتون خضيب .

و لكنها الايام دارت و السنين

فاذا برايتك الصغيرة في الوحول و في طريق الميتين

و اذا , ( بأني منكمو !! ))

تنصب في اذان اعداء الرجال الطيبين [56]

ان النص استطاع و بتقريرية ان يصور لحظة سقوط الخائن التي يمكن ان تصور مصير كل خائن , و قد ركز البياتي على التناقض و التخلخل في نفسية الخائن الذي تجلى بــ ( اني منكمو ) التي عكست اكبر انواع الانخذال الاخلاقي , فبعد ان اوصلت ذلك الخائن الى مبتغاه رجعت لتسحق الخائن على المستوى الاخلاقي و تنكس رايته في الوحول لتجرد الخائن من المباديء , فتلك الازدواجية اسهمت في خلق السخرية .

كذلك رسم البياتي صور كاريكاتورية حسية للخائن يقول :

يخرج من معطفه الارانبا

و يركب الحمار بالمقلوب

رأيته هرا بلا نيوب

(( يحكي انتفاخا صولة الاسد ))

يأكله الحسد

يطاول الايوان

و حامل الاختام و السياف

من ظله يخاف

يلفق البكارة

للببغاء المومس الشمطاء .[57]

يمعن الشاعر في سخريته معتمدا على زج الافعال ( يخرج , يركب , يحكي , يطاول , يلفق ) التي تعكس صورا حسية و معنوية ( كاريكاتورية ) متحركة تتسق مع عمل الخائن لتحقيق مبتغاه , فضلا عن ذلك فقد جعل الخيانة امتيازا و منصبا رفيعا في قصر الملك و يمتلك صاحبها من الامتيازات ما يجعل صاحب الاختام و السياف يخاف من ظله , فنلاحظ تلك الحركة التي اضفتها الافعال المضارعة على الخائن و التي جعلته شبيها بالمهرج الذي يعتمد في اضحاك الناس على فرط الحركة .

في ( يوميات سياسي محترف ) يتحدث البياتي عن السياسي المحترف و هو انموذج حقيقي كان قد التقى به البياتي , اذ يقول : " هذه اليوميات صورة طبق الاصل لحياة و افكار سياسي محترف كان يدعي الثورية قابلته في سنوات المنفى و الغربة , و لكنه لم يلبث ان تداعى و سقط و انتهى و باع نفسه "[58] . لذلك نرى البياتي يحاول ان يسجل كل تصرفات ذلك السياسي باسلوب هزلي يقول :

اخرج للجمهور

لسانه , و بحلقت عيناه في السطور

و اعتدل الخطيب في وقفته , و مال نحو النور

و ارتفعت يداه كالهراوة السوداء

فوق رؤوس الجالسين العور

و مال نحو النور

ثانية و هر في استعلاء

كان اللئيم يمضغ السطور

كان اللئيم ثعلبا مغرور .[59]

شكلت حركات السياسي المحترف لقطات سجلها البياتي ليحيلها الى كوميديا ضاحكة تلك الحركات التي عززت روح السخرية و التي نقلها البياتي بتقريرية واضحة اعتمدت التفاصيل الدقيقة كــ ( اخرج لسانه ) , ( بحلقت عيناه ) ... , اضافة الى ذلك فان البياتي و بذكاء خلخل مفهوم لفظة الخطيب , كون الخطيب يوحي بالرزانة و القدرة على الاقناع , لكن الشاعر افرغ هذه الكلمة من محتواها الاخلاقي ليحيلها الى مفردة كوميدية , فالخطيب هنا لئيم و ثعلب مغرور و هي صفات معاكسة مع صفة الخطيب التي كان من المفترض ان تكون ايجابية .

و يسخر البياتي من افكار ذلك السياسي المحترف التي ينقلها نقلا ساخرا على لسان السياسي المحترف :

اذا اردت ان تغش فاختر الضحية
و لتحذر الصديق

و الزوجة الوفية

اقولها لك من كل قلبي يا رفيق

لاننا في خدمة القضية

اقولها من كل قلبي و عليك ان بالبقية.[60]

ان مضمون الوصية يحمل مفارقة ساخرة , تكمن في تعامل السياسي مع اللاواقعي على انه واقعي .[61]الحذر من الصديق و الزوجة الوفية امر غير واقعي و الصحيح عكس ذلك تماما , فضلا عن ذلك فان قضية السياسي المحترف التي تعتمد على عدم الثقة لابد ان تكون قضية سلبية بالنسبة للجمهور , لان النتيجة ان من يسقط من اتباعه يسقط بمفرده .

و بعد ان يسقط السياسي المحترف يبدأ بتذكر امجاده الفارغة التي لا تقل سخرية عن سابقها :

و ها انا ابط في الجدار

رأسي و كنت الفارس المغوار

كنت اذا اخرجت لليل لساني طلع النهار

كنت اذا اركب ظهر السلحفاة اسبق القطار

كنت اذا عطست قلتم زأر الضيغم في القفار

كنت , و كان في يدي الجمهور و السلطة و الدينار

فما لكم يا ايها الاصفار

تبارحون المعبد المنهار

و تتركون الثعلب المغلوب في الاطمار

سكران تحت الثلج و الامطار

هذا انا اضحوكة الصغار و الكبار

اضرب باليمين و اليسار

اخبط في الجدار .[62]

يلاحظ السخرية القائمة على الانتقال بين الماضي بكل ما يحمله من قوة و بطش و الحاضر الذي يمثل السقوط و الانكسار الذي يعد نتيجة طبيعية و حتمية لتلك الشخصية السلبية , و هذا بمثابة تحذير يبثه البياتي في نصه الساخر للنماذج المشابهة للسياسي المحترف .

من النماذج السياسية التي سخر منها البياتي شخصية ( المخبر ) الذي يمثل اداة القمع الخفية للسلطة , لذلك ادخله البياتي في بؤرة السخرية لينقل لنا صورة مضحكة تجتمع فيها المتناقضات و التشبيهات غير المتجانسة التي اضفت على السخرية روح الفكاهة و الضحك و قد ضمن ديوان ( يوميات سياسي محترف ) قصيدة تحمل عنوان ( المخبر ) يقول فيها :

السيد البرميل

قفاه بطنه و بطنه قفاه ذرب اللسان

يحفظ شعر المتنبي و يقول الشعر احيانا بلا اوزان

لكنه يخطيء في الاملاء و الاعراب

يلقط في عيونه الحروف و الخطوط و الارقام

يحصي نقود العابرين و هي في جيوبهم تنقص او تزداد

يعيد ما يقوله او قاله الامام

في خطبة الجمعة او في مأتم يقام

يتقن فن الكذب و التزوير في لاحكام

يركب كل موجة لكنه يسقط قبل شاطيء الامان [63]

ان اول وصف اطلقه على المخبر ( البرميل ) و هو وصف يحمل معنى البلاهة و الغباء , ثم يرسم للمخبر ملامح انثوية ليسلبه رجولته و يسبغ عليه صفات خنثوية .[64]

بعد ذلك ينتقل الشاعر الى عرض امكانيات المخبر معتمدا ( التداعي الحر )[65] في عرض هذه الامكانيات التي مثلت محور سخرية البياتي , فلكونه مخبرا فهو              ( يحفظ , يقول , يلقط , يحصي , يعيد , يتقن , يركب ,... ) و المضحك انه لا يفعل هذا بإرادته بل يشبه ( الارجوز ذو الخيوط ) [66] الذي يتحكم فيه غيره .

ثم ينتقل الشاعر الى الاوصاف الحسية فيرسم لنا صورة ( كاريكاتورية ) مضحكة تعتمد رصف الصور الحسية غير المترابطة ظاهرا التي تحمل دلالة نفسية واحدة , يقول :

ثدياه ثديا مومس عارية في الشمس

تفتح ساقيها لقاء فلس

له قرون التيس و الخرتيت

و ضحكة الخنيث

لسانه حبل غسيل في الضحى و في الدجى منشار

تنشر فيه جثث الاموات

و قطع الحديد و الاحجار

و خرقة تمسح فيها كلمات الله .[67]

قد تعكس هذه الابيات الحالة النفسية للبياتي تجاه المخبر , و اظن ان البياتي قد توسع في مفهوم المخبر , ليسخر من الواقع السياسي بكل تجلياته , فالصورة الاولى تعكس بؤس الوطن العربي , فالثديان غالبا ما يرمزان للحياة , لكنها مفتقدة في الوطن العربي , لذا جاء الرمز بعكس ما يحمل من معنى , و قد تعكس الصورة الثانية حالة الاستعمار الذي يسهم فيه قادة العرب كون رمزية القرون واضحة , اما الصورة الثالثة تعكس دور الشعارات التي ترفعها تلك الحكومات و المؤسسات الدينية و التي لا تحمل مضمونا حقيقيا , فالمخبر اصبح رمزا للفساد السياسي بكل تجلياته .

و لما له من دور سلبي جعله محط حقد و كره من قبل المجتمع المتطلع للحرية و المجتمع الذي حدده البياتي المجتمع الشرقي فينقل لنا حال المخبر في الشرق قائلا :

رأيته في مدن الشرق و في اسواقها يبصق في عيونه الحداد

و بائع الخضار و العطار

و هو على الرصيف في مذلة القواد

ممدد يتبع في عيونه وقع خطى الاصوات و الشفاه

و يقرأ المكتوب في دفاتر الاطفال

و مزق الجرائد الصفراء

و كتب الاسفار

و يتبع الطيور للمنفى و يبني دونها اسوار

و ينصب الشراك

لعاشق النور الذي تأكله النسور فوق السور .[68]

صور البياتي المخبر في مدن الشرق على انه شخصية بائسة قذرة لدرجة ان      ( يبصق ) في وجهه ممثلو طبقات الشعب الكادحة الحداد و بائع الخضار و العطار من اللذين يكسبون لقمة العيش بتعب و شرف دون ان يمرغوا انفسهم في الوضاعة .

  

  

الخاتمة :

بعد اتمام البحث يتضح ان مفهوم السخرية ليس مفهوما حديثا انما يرجع الى اقدم النصوص الادبية , و هو اداة فاعلة بيد الفنان المبدع الساعي الى اجراء تغيير في الواقع السياسي و الاجتماعي , اذ رافقت العديد من الحركات الاصلاحية في العالم .

و السخرية لا تتم بوسيلة واحدة بل ان الفنان المتمكن من ادواته يستطيع ان يوظف العديد من الوسائل , بغية الوصول الى نص ساخر يحقق الغاية الاساسية للسخرية , و هي الحط من مكانة المسخور منه و التنبيه الى الجوانب السلبية في الحياة للقضاء على تصلب حاصل في جانب من جوانب الحياة , و من ثم تحدث فعلا موازيا لما يعرف بالتطهير .

ان البياتي عندما يتعرض للشخصية التي ينال منها في سخريته يحاول ان يظهرها في احط صورة , فيلبسها كل ما يمكن ان يجعل المتلقي يتعاطف معها و من ثم يصل الى غايته في عدم التعاطف مع السياسي , فضلا عن ذلك فان النصوص السابقة على الرغم من حس الفكاهة الذي تتمتع به تضمر الما و حزنا يستشف من الواقع البائس الذي يمثله مثل هؤلاء .

  

  

  

الهوامش :

(*) سورة الجاثية \13.

1- معجم مقاييس اللغة \ مادة سخر.

(*) سورة الزخرف \32 .

2- لسان العرب \ مادة سخر .

3- اساس البلاغة \ مادة سخر .

4- المصدر نفسه .

5- لسان العرب \ مادة سخر .

(*) سورة البقرة \212 .

(*) سورة الانعام \ 10 .

6- السخرية ادب المازني , د. حامد عبده الهوال \ 7-8 .

7- ينظر : المصدر نفسه \ 15 - 22 .

8- ينظر : بلاغة السخرية في المثل الشعبي الجزائري , سمير الكنوسي , مقالة .

9- المصدر نفسه .

10- السخرية في النثر العربي من الجاهلية حتى القرن الرابع الهجري , منح الصلح \ 4 .

11- ينظر : الشعر الشعبي الساخر في عصر المماليك , محمد رجب النجار , بحث \ 68 - 69 .

12 - ينظر : موسوعة الابداع الادبي , د . نبيل راغب \ 187 .

13- الفكاهة و الضحك رؤية جديدة , د . شاكر عبد الحميد \ 51 .

14 - موسوعة الشعراء و الادباء الاجانب , د. موريس حنا شربل \ 18 .

15- ينظر : السخرية في الادب العربي حتى القرن الرابع الهجري , د. نعمان محمد امين طـــه \ 54 , و ينظر : السخرية في ادب المازني \ 245 .

16- ينظر : ساعات بين الكتب المجموعة الكاملة لمؤلفات العقاد , عباس محمود العقاد \ 591 .

17- ينظر : السخرية في شعر بشار بن برد , خير الدين قاسم محمد العبادي \ 72 .

18- ديةان بشار بن برد , جمعه و شرحه و كمله و علق عليه , محمد الطاهر بن عاشور 4 \ 169 - 171 .

19- الانسان في رؤية بن الرومي و المتنبي بين المدح و القدح , جمعة بنت سقر سعيد الزهراني \ 216 .

20- ديوان المتنبي \ 508 .

21- الانسان في رؤية ابن الرومي و المتنبي بين القدح و المدح \ 283 .

22- اتجاهات نقد الشعر في ( شعر الرواد 1950- 1998 ) , ازهار عبد الله حماد المشهداني \ 207 .

23- شجرة الرماد المواجد في شعر البياتي , د. رؤوف وفيق \38 .

24- الالتزام و التصوف في شعر عبد الوهاب البياتي , عزيز السيد جاسم \114 .

25- الاغتراب في الشعر العراقي المعاصر ( مرحلة الرواد ) , محمد راضي جعفر \ المقدمة .

26- الرؤيا الابداعية في شعر عبد الوهاب البياتي , عبد العزيز شرف \ 163 .

27- ديوان عبد الوهاب البياتي , 1\ 320 .

28- الشاعر المعاصر و التراث , د. جلال الخياط , مجلة الاقلام , العددان 11 و 12 , ت 2- ك1 , 1989 \ 22.

29- ديوان المتنبي : مصدر سابق \ 571 .

30- خطاب البياتي الشعري \ 379.

31- ديوان عبد الوهاب البياتي , 1\ 321 .

32- عبد الوهاب البياتي نفي طويل من اجل الشعر , داسو سالديفار بالاشتراك مع حامد ابو احمد , حوار مع الشاعر \ 204 .

33- ديوان عبد الوهاب البياتي , 2\ 105 .

34- المصدر نفسه , 2\ 105 .

35- مطالعات في شعر المقاومة العالمي , د. حسنين محمد حسين \ 23 .

36- ديوان عبد الوهاب البياتي , 2\106.

37- الرؤيا في شعر البياتي \ 77 .

38- ديوان عبد الوهاب البياتي , 2\109 .

39- المصدر نفسه , 2\109 .

40- الرؤيا في شعر البياتي \ 73.

41- من انت يا ذا البهاء : غازي العبادي , مقال ضمن كتاب عبد الوهاب البياتي مدن العشق \ 99.

42- ديوان عبد الوهاب البياتي , 1\168.

43- اشعار في المنفى , عبد الوهاب البياتي \ 34- 35.

44- ديوان عبد الوهاب البياتي , 1\ 407 .

45- المصدر نفسه , 1\503 .

46- المصدر نفسه , 2\ 15 .

47- المصدر نفسه , 2\ 36 - 37 .

48- اشعار في المنفى , عبد الوهاب البياتي \ 34-35.

49- ديوان عبد الوهاب البياتي , 1\ 407.

50- القناع كما يعرفه البياتي " هو الاسم الذي يتحدث من خلاله الشاعر نفسه متجردا من ذاتيته , اي ان الشاعر يعمد الى خلق وجود مستقل عن ذاته " , تجربتي الشعرية , عبد الوهاب البياتي \ 39 .

51- ديوان عبد الوهاب البياتي , 2\15.

52- المصدر نفسه , 1\ 503.

53- ينظر : خطاب البياتي الشعري ( دراسة في الايقاع و الدلالة و التناص ) , محمد علي مصطفى حسانين \ 293.

54-ينظر : السخرية في شعر الشعراء الكلاسيكيين ( محمود سامي البارودي و احمد شوقي انموذجا ) , عبد الكريم البو غبش , انترنت .

55- ديوان عبد الوهاب البياتي , 2\ 106.

56- المصدر نفسه , 1\222.

57- المصدر نفسه , 2\176.

58- المصدر نفسه , 1\ 306.

59- المصدر نفسه , 1\306.

60- المصدر نفسه , 1\ 308-309.

61- ينظر : الرؤيا الابداعية في شعر عبد الوهاب البياتي \ 169.

62- ديوان عبد الوهاب البياتي , 1\ 309 .

63- المصدر نفسه , 1\314.

64- ينظر : الصراع القيمي في شعر الرواد ( نازك و السياب و البياتي ) , عبد الهادي جاسم طعان \ 208 .

65- تتابع الصور الشعرية دون وجود ارتباط بينها . ينظر : الرؤيا الابداعية في شعر البياتي \ 174 .

66- فلسفة الضحك ( البحث في دلالة الضحك ) , هنري برجسون , تر : سامي الدروبي , عبد الله عبد الدايم \ 57 .

67- ديوان عبد الوهاب البياتي , 1\ 314.

68- المصدر نفسه , 1\ 314- 315 .

  

  

  

  

  

  

  

  

  المصادر :

•-         اتجاهات نقد الشعر ( شعر الرواد 1950 - 1998 ) , ازهار عبد الله حماد المشهداني , رسالة ماجستير مقدمة الى كلية التربية للبنات , جامعة بغداد .

•-         اساس البلاغة , ابو القاسم جار الله محمود بن عمر بن احمد الزمخشري ( ت 538هــ ) , تح : محمد باسل عيون السود , دار الكتب العلمية , بيروت , ط1 , 1998 .

•-         اشعار في المنفى , عبد الوهاب البياتي , دار الديمقراطية الجديدة , ط1 , 1957 .

•-         الاغتراب في الشعر العراقي المعاصر ( مرحلة الرواد ) , محمد راضي جعفر , منشورات اتحاد الكتاب العرب , 1999 .

•-         الالتزام و التصوف في شعر عبد الوهاب البياتي , عزيز السيد جاسم , دار الشؤون الثقافية العامة , ط1 , 1990 .

•-         الانسان في رؤية ابن الرومي و المتنبي بين المدح و القدح , جمعة بنت سقر سعيد الزهراني , رسالة ماجستير مقدمة الى كلية اللغة العربية , جامعة ام القرى , السعودية , 1997 .

•-         خطاب البياتي الشعري ( دراسة في الايقاع و الدلالة و التناص ) , محمد مصطفى علي حسانين , الهيئة العامة لقصور الثقافة , القاهرة , 2009 .

•-         ديوان المتنبي , دار بيروت للطباعة و النشر , 1983م , د. تح .

•-         ديوان بشار بن برد , جمعه و شرحه و كمله و علق عليه : محمد الطاهر بن عاشور , مطبعة لجنة التأليف و الترجمة و النشر , القاهرة , 1966 .

•-         الرؤيا الابداعية في شعر عبد الوهاب البياتي , عبد العزيز شرف , سلسة الكتب الحديثة , وزارة الاعلام , بغداد , 1971 .

•-         ساعات بين الكتب المجموعة الكاملة لمؤلفات العقاد , عباس محمود العقاد , دار الكتاب اللبناني , بيروت , ط1 , 1984.

•-         السخرية في ادب المازني , د. حامد عبده الهوال , الهيئة المصرية العامة للكتاب , 1982 .

•-         السخرية في الادب العربي حتى نهاية القرن الرابع الهجري , د. نعمان محمد امين طــه , دار التوفيقية للطباعة , الازهر , ط1 , 1978.

•-         السخرية في النثر العربي من الجاهلية حتى القرن الرابع الهجري , منح الصلح , رسالة ماجستير مقدمة الى الدائرة العربية في جامعة بيروت الامريكية لنيل شهادة استاذ علوم , نيسان 1953.

•-         السخرية في شعر الشعراء الكلاسيكيين ( محمود سامي البارودي و احمد شوقي انموذجا ) , عبد الكريم البو غبش , مجلة ديوان العرب , انترنت .

•-         السخرية في شعر بشار بن برد , خير الدين قاسم محمد العبادي , رسالة ماجستير , كلية التربية جامعة الموصل , 2005 .

•-         شجرة الرماد المواجد في شعر البياتي , د. رؤوف وفيق , دار الشؤون الثقافية العامة , بغداد , 1999 .

•-         الصراع القيمي في شعر الرواد ( نازك و السياب و البياتي ) , عبد الهادي جاسم طعان , اطروحة دكتوراه مقدمة الى كلية التربية , جامعة البصرة , 2010 .

•-         عبد الوهاب البياتي في اسبانيا , حامد ابو احمد , المؤسسة العربية للدراسات و النشر , بيروت , 1991 .

•-         عبد الوهاب البياتي في مدن العشق , تأليف مجموعة من الكتاب , المؤسسة العربية للدراسات و النشر , بيروت , ط1 , 1995 .

•-         الفكاهة و الضحك رؤية جديدة , د. شاكر عبد الحميد , سلسة كتب عالم المعرفة , الكويت , عدد : 289 , يناير 2003 .

•-         فلسفة الضحك ( البحث في دلالة الضحك ) , هنري برجسون , تر : سامي الدروبي , عبد الله عبد الدايم , مكتبة الاسرة , 2001 .

•-         لسان العرب , محمد بن مكرم بن منظور الافريقي المصري ( ت 711هــ ) دار صادر بيروت , ط1 , د.ت .

•-         مطالعات في شعر المقاومة العالمي , د. حسنين محمد حسين , موسوعة الصغيرة , دار الشؤون الثقافية , بغداد , 1986 .

•-         معجم مقايسس اللغة , ابو الحسين احمد بن فارس بن زكريا , تح : عبد السلام محمد هارون , دار الفكر , 1979 .

•-         موسوعة الابداع الادبي , د. نبيل راغب , مكتبة لبنان ناشرون , ط1 , 1996 .


 


 

د. صدام فهد الاسدي


التعليقات

الاسم: د. عبدالهادي الطعان
التاريخ: 01/07/2015 21:38:51
أحيي الدكتور صدام فهد الأسدي الذي عودنا على دراساته وبحوثه القيمة والتفاتته الرائعة لا سيما اهتمامه الخاص بالشاعر الكبير البياتي وتتبعة لتجربته الشعرية

الاسم: د. عبدالهادي الطعان
التاريخ: 01/07/2015 21:33:37
أحيي الدكتور صدام فهد الأسدي الذي عودنا على دراساته وبحوثه القيمة والتفاته النقجية الرائعة لا سيما اهتمامه الخاص بالشاعر الكبير البياتي وتتبعة لتجربته الشعرية




5000