..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الخروج من التابوت نهاراً

د. وجدان الخشاب

خيط شمسي رفيع تسلل عبر شقٍ صغير في جدار الهرم العتيق ... تحرّك ببطء شديد داخل فراغ المدفن الرملي ، اصطدم بأصابع غافية تراكم عليها الغبار واللفائف ... تسآءل :

ـ مَن هذا الجسد الغارق في عتمة وبرودة ألِفها هذا الجسد المؤطّر بلفائف تغرق هي الاخرى في عتمة المكان ..

دار الشعاع حول الجسد والاسئلة تعوث في ذاكرته ، فبدأ يدفع شيئا من الدفء ليطرد برودة المدفن ويوقظ الانفاس ـ أنفاس المكان وأنفاس الجسد ـ تسلل ليعلن وجوده للأصابع التي تتمدد في تابوت ذهبي بلا غطاء ... حاول أن يحاورها ... انحنى بحنوِّ ليلفَّها بيديه الدافئتين ... فتحركت بهدوء ، أشرق الشعاع أكثر ليدفع الجسد الغافي الى يقظة ... مسّدهُ بدءاً من الأصابع وصولاً الى الرأس ، تعثرت أصابعه بالتاج ، أزاحهُ فارتكن الى زاوية التابوت
الذهبي ... الآن ذهب يحاور ذهباً ، يبكيان ويشهقان معاً ... يهمس التابوت للتاج بخوف :

ـ هل يفكر الشعاع بإيقاظ الجسد ؟                               

ينكمش التاج ويتجعد باحثاً عن حروفٍ يرصفها ولا يجد ... تعثرت حروفه وتساقطت الى جوفه فتثاقلت أنفاسه ، في الوقت ذاته كانت ذاكرته تتقيأ الكلمات لتصطف بنسقٍ جُمَليّ يعلن عن خيبته ... بحثت ذاكرته عن حباله الصوتية علّها تدفع صوتاً ما خارجها ، لكنها تقطعت وترامت في مدخل
بلعومه ... يأكلها الخوف ، فيما تهاربت حنجرته دون أن تترك رسالة ، ظلَّ التابوت وحيداً يرقب الشعاع وهو يبعث الحياة في الجسد الميت حتى تململ الجسد وأخذ يتمطى وينكمش ... مد َّ الشعاع أصابعه وأمسك باللفائف ... فكَّ التفافها ورمى بها الى العتمة ... فتح الجسد عينيه ... أدارهما في الفراغ ... تسآءل :

ـ مَن أيقظ زمني وحمله عبر المسافات المفتوحة التي ألغت حدودها واستلقت بلا ذاكرة ؟

ـ مَن همسَ في اذني لحناً هادئ القسمات ؟

مَن أيقظ الروح لتجول في هذا الجسد المفرَّغ الأحشاء ؟

بدأ الجسد الفرعوني يتململ أكثر .. ينفرش وينكمش ... دارت عيناه لتسقطان على التاج ... ظلّت ترمقانه للحظة .. تدققان في تفاصيل انحناءاته والتماعاته ، امتدَّت الأصابع لتقبض هذه الالتماعات فلسعتها برودته ، تنبَّه الجسد فيما كانت الذاكرة تقلِّب أوراقها التي بدأت تضئ ، قرأت العينان بعض سطورها بوضوح شفاف تقريباً ، وبدأت تتذكر شيئاً من تاريخها :

 تاج وعرش وصولجان ... خيول تصهل وتعانق الريح .. حسان الطرف موكولات بكل جميل ... نيل يشرب شباب حسناء فيغرق في المتعة ويفيض ... تخضَّر الارض وتستيقظ أزهارها وتفرش ألوانها وروائحها في الهواء ...

تحرَّك الجسد الفرعوني ... اعتدل ... مد َّ يديه ... لسعته برودة التابوت ... تناهض واندفع خارجه ... جال في حيز المدفن الضيّق ... لَََفتَ انتباهه باب ترامت عتبات صغيرة أمامه ... تقدَّم الجسد ، صعد العتبات بحذر أزَّ الباب حين امتدَّت يده لتفتحه ... لكنَّ الجسد كان مشغول الفكر بهذه الصور التي تنهال على ذاكرته بالتماعات ملوَّنة تشرق في كل مكان ... ألوان تعلن زهوها ، حوائط وسقوف وأجساد تفيض شباباً ... عيون يحدد مسارها المنحني كحل مسوَّد الملامح ... فتلتمع وتحكي بصمت ... بخور وتراتيل تعلو ... تترنم بها الشفاه لتعانق حرائق القرابين ...

ـ مَن أنا ؟

تسآءلت شفتاه فيما كانت قدماه تعبران الممر الضيِّق المنخفض ... التقطت عيناه باباً آخر يشخص في نهاية الممر .. تسارعت خطواته ، وما إن وصله حتى ارتمت لهفته لتفتحه فتعالى أنينه وهو ينفتح متثاقلاً ... خطا الجسد داخل الغرفة ... أضاء الشعاع وجودها وهو يبتسم ليكشف لعينيه موجوداتها :

 عرش ذهبي وصولجان مرصَّع ... أردية موَشاة القسمات بألوان
تزهو ... أساور ومحابس وماسات تشرق بانكسار الضوء في جوفها ... جمال له حضور مُعلَن تمسُّه يداه وتستغرب ، فيما تغرق ذاكرته في الصور التي تنهال منها ... لكن جسده محشور في هذا الحيّز الضيِّق الذي يستكشفه ولا يتعرَّفه ... دفعت حباله الصوتية سؤالاً الى شفتيه :

ـ لماذا أنا هنا ؟

ـ ما هذه ال ( هنا ) التي تضيق بي وأضيق بها ؟

ـ مَن أنا ؟

 سؤال يطرق ذاكرته المضببة .. ولا يجد حواباً ...

 في هذا الوقت كان الشعاع يرقب ويبتسم .. ولكنه طار ليحط في ميدان هيبو دروم حيث كانت المسلَّة المصرية تنتصب ... تحاور الهواء وعيون الغرباء التي تستطلعها ثم تحبس ملامحها في وميض الكامِيرات ... ترمقها الشمس فتتراقص الرموز المرسومة على وجوهها الاربعة مع خيوط الشمس الذهبية ... إنسلَّ الشعاع بهدوء وبدأ يتفحص المسلَّة صعوداً ونزولاً .. دار حولها .. دقق في تفاصيل ثنياتها باحثاً... التقطت عيناه شقاً في جدارها الشرقي، غمرته فرحة وهو يتسلل بهدوءٍ عبرها الى داخل المسلَّة ، اصطدم بالجسد الذي يغفو واقفاً بانتصاب يوازي انتصابها ليعلن الموت وقوفاً وليس تمدداً ... إنَّه هامان الذي لملم جسده من حفرة الدفن ليستقر في عمق المسلَّة وَلهاً بها ... وحين امتدَّت يد الغزاة وحملتها عبر الحدود ، غفا بهدوء مستسلم داخلها ، يلتحف بجدرانها ويبكي ، منتظراً زمناً آخر يحمله الى وادي النيل ..

مدَّ الشعاع يديه بحنوٍ الى رأس هامان ، مسَّده ليوقظ الذاكرة التي غفت عارية ، لا لفائف تلتف حولها ولا تيجان تلتمع ولا نطرون يفوح منها ، مسَّد العينان ليفكَّ انطباقهما لكنهما ظلَّتا عصيتين عليه . وَخز الألم قلب الشعاع ، عاد الى رأس هامان يمسِّده بدفء ليدفع عينيه الى انفتاح .. مدهوشاً فتحهما ليعلن :

ـ مَن أيقظ غفوتي ؟

ـ مَن أضاء ضوء ذاكرتي ؟

ابتسم الشعاع ليعلن بصوت آمر :

ـ ياهامان ... تعال ...

ـ يا هامان ... تعال ...

تنبَّه هامان .. دارت عيناه وقبل أن تستقرعلى شئ كان جسده ينسل ُّ محمولاً خارج المسلَّة ... فآجأه ضوء شمس النهار ، انكمش لينسحب ... ناداه الشعاع :

ـ يا هامان لِمَ تنسحب وحيداً ، وعيناك ترسمان عالماً آخر لا يتوقف
ولا ينطلق ... أنتَ مَن حاول تخطيط الأفق ... ودفع الحلم الى حضور آخر يشرق في أُفقٍ شفّاف ...

فتح هامان عينيه وذاكرته معاً... مدّ َ يديه لتطبقان على الشعاع ... الان ياهامان يشتبك المكان والزمان معاً بيد وقب وذاكرة تموج بما تلتقط .. التفت .. اصطدم بالشعاع الذي بدأ يدفع السؤال الى ذاكرته :

ـ هل غرقت يوماً في بحر مرمرة ...؟ بحر مزرق القسمات .. تتآكله قذارات ودخان السفن .. ضحكات الوجوه تتعالى وصيحات الفرح تمرح هنا وهناك، نهار مرمرة أزرق وليله فضي الملامح .. تتراقص قناديل البحر عن قرب لتعلن وجوداً شفافاً .. والليل يرقد عند قدمي مرمرة خابياً تفضحه الأنوار .. يخاتله ولكنه يكشف عن وجوده .. يهرب منه هرب مجرم مكشوف القسمات .. ليل مرمرة وهج ونهاره وهج ..

ـ تعال .. ياهامان .. نتألق فيه تألق قناديله ونوارسه المحلقات ..

ـ ألا يكفيني الموت .. لا.. لا أريد الغرق .. ولكن ما تلك الأنوار في الجنوب ؟

ـ إنّها ميرسين تغفو على ذراع البحر .. أترى ؟

ـ ماذا ؟

ـ أنوارها تتألق وتحضن العتمة .. شوارعها تطرد عابريها فيما الساعة تدق الثانية عشرة .. والبحر يمتص العتمة ، ويدفع بها الى جوفه .. ليبدأ حوار السفن الكبيرة الراسية على مبعدة مع قوارب الشاطئ ، ترسل إليها شارات العشق عبر نسيم يتهادى ... لكنّها القوارب تتمانع عن الرد ، وتترك البحر ليموج بهدوء ...

ـ ياميرسينياهادئة الليل .. يناديني البحر وقطراته تصرخ بي :

ـ تعال ياهامان .. تعال اغتسل من النسيان

تعال .. اغرق علّك تستعيد الذاكرة التي هامت بلا اتجاه

ـ أنا لا أغرق ولا أطفو .. أنا وحيد وسفني بلا أشرعة ولا رجال .. وهذه ميرسين تسحب وجودها من عينيَّ لتغفو في حضن الرمل عند أكتاف
البحر ...

مدَّ الشعاع يديه ومسَّد رأس هامان مرة مضافة ، ثم أطبق جفنيه بأصابعه للحظات وسحبهما ... فتح هامان عينيه مبهوراً :

ـ أين أنا ؟

ـ أنت في أنقرة ... أترى ؟ الفجر يشرق بعينين نصف مفتوحتين ... ويطل بهدوء كماء بحر أتعبه المسير الشاق ، والنسمات الباردة تصافح وجوه العمارات التي تنتصب بشموخ مُلوَّن ..

ياهامان .. أيّها الناهض من عمق تراب التاريخ البعيد .. هذه أنقرة التي تزهو بشموخ مبانيها وبرج التجارة يناديك ، يمدُّ إليك يداً من عليائه تقول :

ـ اِصعد ياهامان .. اِصعد ..

الأقزام يرتفعون عن الأرض ليستقروا في منتصف الطريق بين الفضاء والأرض ..

ـ اِصعد ياهامان ... اِصعد

وأنقرة تشمخ تحت ناظريك ... ساكنة في الهواء والألوان

اِصعد ياهامان ... اِصعد

أنقرة علب تتراكب على بعضها كمكعبات يلهو بها الأطفال حين يبنون قصوراً وعمارات ..

بكى هامان وانسحب منكفئاً تحت حائط برج التجارة حين أشرقت ذاكرته بومضة أعقبتها صرخة :

( ياهامان ابن لي صرحاً لعلي الأسباب )

لم يعرف مَن صرخ ... لكنَّه بكى لأن أنقرة الجميلة هي الأخرى لم تجعله يبلغ الأسباب ...

تنبَّه الشعاع ... اقترب وجلس أمام هامان ... مدَّ يديه ورفع رأسه فالتقت العيون:

ـ ياهامان ... لِمَ تنسحب وحيداً ... تبكي وعيناك تبحثان عن عالم لم ينطلق من مدفنه ؟

أنت مَن حاول تخطيط الأفق بالهرم العتيق ، وتحديد زواياه وغرفه و ممراته ..

أنت مَن هيأ النطرون واللفائف والتمائم والتعاويذ والتماثيل الذهبية ..

 أنتَ مَن أحرق البخور وزيَّن التابوت ليرقد فيه الفرعون بسلام ...

اِسمعها ..

اِسمعها التراتيل تتردد ..تعلو وتهبط لتملأ الفضاء ..

وتطارد رائحة الموت التي استيقظت لتسكن الجسد الفرعوني.

ـ كأني أسمعها ... تقترب .. تتراكض .. تطوي الزمن .. أسمعها .. تصرخ بي:

ـ ياهامان عُد الى ترابك .. ياهامان عُد الى ترابك ..

نهض الشعاع وحمل جسد هامان طائراً :

ـ ياهامان أنقرة تبعد .. واسطنبول تنتظرك عند بواباتها المفتوحة لزمن متوهج الألوان ..

ـ اسطنبول ؟

ـ نعم ، لنذهب الى توب كالي ...

ـ لا.. لا أريد

انسحب الشعاع حزيناً لينكفئ في زاوية الحديقة السلطانية ، فيما خطا هامان أولى خطواته في توب كالي .. جالَ في ردهاته وممراته .. ثم ركن الى جذع نخلة عتيقة تفيأ في ظلها ... فيما كانت ذاكرته تحاول استعادة مخزونها ، لكنَّها بدت له معتمة تماماً ..

رنا الشعاع إليه .. حائراً يبدو .. غارقاً في لُجة عابثة لم يمسك منها بمعلومة واحدة تضئ الذاكرة الخابية ..

نهض وخطا بهدوء نحو الشجرة ، وبدأ يدفع الى ذاكرة هامان صوراً لأزمنة غرقت في قاع تاريخ يَرحَلُ ويُرحِّل الأشياء :

ـ ياهامان .. السلاطين تواريخ تشرق وتكتب سطوراً من ذهب يركن الى البوابات والشبابيك فيرسم لها ملامح واشراقات ذهبية ... انظر اليه توب كالي وسقوفه المنقوشة بزخرفات ملوَّنة تحفظ بصمات ليل ونهار أشرق وأخفى .. لكنَّه التاريخ ينسلُّ من غفوته ليعلن وجوده في ردهات وممرات غرفٍ تخفي خلف زجاجها سلاطين الأشياء .. جوهرة هنا وخوذة وسيف هناك ، والتخت السلطاني يغفو الآن تحت قبة ذهبية النقشات ، ومفارش ذهبية القسمات ، وأنفاس لم تعد هوائية بل هي الآن ترابية .. ألا تُذكِّركَ بتاريخٍٍ ما ؟

رفع هامان عينين مطفأتين وهزَّ رأسه حائراً ... فعاد الشعاع الى الإرسال :

توب كالي .. أنفاس السلاطين والأميرات ، الجواري والعبيد تتراكم في الزوايا ، تبحث عن إشراقٍ ما يعيد إليها الهواء والشمس ، أنفاس ترى الى الغرباء يدوسون القصر الذهبي ، يجوسون في ثنياته ، يُخرِجون اشياءه من ظلال العتمة الى نور الكاميرات ، لكنَّهم الآن سلاطين بلا سلطان ... ألا تذكر أنَّ للسلطان سلطوية مطلقة القسمات .. لكنَّها الآن مطلقة الضياع .. انظرها هذه الوجوه ... سُمر.. شُقر ..صُفر ... لا شئ اليوم يشبه البارحة .. والسنوات عجاف حوَّلت الذهب السلطاني الى نحاس يغفو هو الآخر تحت ظلمة الغبار ...

ـ يكفيك .. يكفيك .. ذاكرتي مطفأة لِمَ تحاول ايقاظها ..

ـ ستشرق .. نعم ستشرق .. مدَّ لي يداً أمدُّ لك يقظة

ـ لا .. لن تشرق ..

ـ بل ستشرق .. تعال ..

تلاقت الأيدي وانطلقا معاً :

في جناح الأميرات .. الأضواء تكشف الأسرار .. تتسلل الى الممنوع والمسموح لتتركه في عراء الشمس تحت عيون بشرية تتفحص وعيون

آلية تسجل وتعلن ..

ـ مَن سمح للغرباء أن يدوسوا هدأة غرف الأميرات ؟

ـ مَن سمح لعيون لعيون الرجال استطلاع أسرار الأميرات ؟

ـ لا ذنب لعيون سُمِح لها أن تقرأ أسرار وخفايا غرف الحريم التي كانت يوماً مقفلة الملامح ترنو الى الداخلين من خلف شقوق الستائر والبوابات .. لكنَّها الآن مكشوفة الجذور لسطوة شعاعات الشمس ..

ـ ألم تشرق ذاكرتك بعد ..؟

ـ لماذا تؤلم ذاكرتي الغافية بوخزك هذا ؟ أعدني الى مدفني فأنتصب هناك وأغفو ..

ـ بل سأدفع بك الى تلك العربة

ـ ماذا ؟

ـ نعم .. تلك العربة .. أَسرعْ .. أَسرعْ .. ستنطلق ..

ـ الى أين ؟

ـ أسرعْ ..

ـ أترى ؟ بدأت العربة تشقُّ الصمت المطبق بصوت محركها الذي بدأ يئن تحت وطأة الارتفاع .

ـ الى أين ؟

ـ ها أنا أدعوك الى الصعود الى ما بعد الألفي متر ، باتجاه غيمة ثلجية
الملامح .. انظر .. الطريق الوحيد يحتضن أشجاراً شبابية الخضرة .. معتَّقة الوجود .. تتشابك لتحتضن بعضها وترد عنها الغرباء .. وترتفع مع ارتفاع الطريق الأوحد

ـ هل الجبل مثلث القمة ؟

ـ لا ياهامان ، ليس هو كالهرم المصري العتيق الذي قرأتَ فيه تراتيلك .. ونشرت فيه روائح بخوركَ وحصَّنته بالتمائم ..

 اِصعدْ يا هامان .. اِصعدْ

ـ الليل هنا يطبق بعتمة باردة صامتة ...

ـ مَن قال أنَّ الليل والصمت لا يتطابقان ؟ إنَّهما يتآلفان هنا كعاشقين التمّا في هدأةٍ تغفل عن كل شئ .. القمة تنتظرك ..وممراتها تتلوى لتسقط عند أقدام فنادق شاهقة ...

ـ ياهامان .. الآن أُولوداغ يعانق الغيمة .. يمدُّ لها يداً دافئة تضمها وترقص معها على أنغام دافئة فيرقص الليل والجبل والهدأة والعتمة ، ليشكِّلوا أزواجاً من جمال يوقظ حفلات سلاطين غفوا في ظل ذرات ترابٍ هائمةٍ على الأرض السلطانية ..

ـ وصلنا ؟

ـ تَرجَّلْ ياهامان .. تَرجَّلْ

هذه قمة اولوداغ .. وهذه تركيا ترتمي عند قدميه .. تَرجَّلْ

ـ ما بك؟

ـ أسمعُ صراخات من عمق البعد ولا أُميزها

ـ ماذا ؟

ـ اِسمعْ .. اِنصتْ لتسمع

ـ تلفتا معاً بدا الصوت واضحاً.. الفرعون يزأر بجنون :

( ياهامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب )

اِلتفتَ الشعاع فأبصر الفرعون بوضوح .. حدقتاه تتفجر ألماً .. يداه تنكمش وتتكسر .. يتآكله الغضب والرعب معاً .. وصراخاته تتعالى ... صداها يزلزل المدفن الرملي .. يتساقط الرمل بانثيال أعمى ويلاحق جسده .. يرتعب .. يركض .. يصطدم جسده بالتابوت .. يتحامل ليتمدد فيه ويطبق شفتيه وجفنيه .. فيما ذرات التراب الهائجة تتكوم عليه فتنطفئ العينان والذاكرة معاً ..

ينتبه الشعاع يلملم هامان ويطير عائداً الى المسلَّة ، بحنوٍّ ينسلُّ عبر الشق ليعيده داخلها ، هامساً في ذاكرته :

نَمْ .. ياهامان .. نَمَْْ الفرعون لم يستيقظ بعد .. الليل طويل .. والحلم تساقط تحت تراب عتيق ...

انسحب الشعاع بهدوء فيما كان هامان يطبق جفنيه وذاكرته معاً ويغرق منتصباً في عمق المسلَّة ...

 

د. وجدان الخشاب


التعليقات




5000