..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


واقعية ولكن...قراءة في لوحة (القارئة) للدكتور خليف محمود

د. وجدان الخشاب

 

 

عبر مسيرته الطويلة والحافلة شكّل الفن تأريخه بنفسه، حيث اعتمده الانسان عبر العصور أداة يُفرّغ من خلالها انفعالاته ومواقفه، طموحاته وآماله، انتصاراته ومآثره، وبهذا التراكم وصل الى الحاضر المعاش مُحمّلاً بدلالاته التي لا تعرف سوى الظهور والانكشاف مثيرة التأمل والجدل... الجدل الثري الذي يحاول أن يقولب ما يراه من نتاج فني... ثم لا يلبث أن يبحث عما هو خارج القولبة، وخارج الاُطر الآسرة، لأنّ الفن الذي عاش هذا العمر الغارق في القِدم كان حيًا دائماً، ولا يعترف بالقوالب إلاّ ويعود الى الخروج عنها، واستحداث ما يقع في دائرة الاختلاف والمغايرة، وهذا واحد من معطيات الفن التشكيلي الذي ابتدع أكثر من مدرسة ومذهب حاول الفنان أن يُكسب تمظهراتها حدوداً لفترة ما، ثم يعود الفنان نفسه غالباً الى كسر هذه الحدود، والدخول الى عالم التجريب، وهذا ما نجده في تجارب الكثير من الفنانين في مختلف بقاع العالم وعبر أزمنة متوالية، حيث عمدوا الى تجريب أكثر من مذهب وابتداع مذاهب مغايرة ليظل الفن رائداً وكاشفاً لموقف الانسان - الفنان- من واقعه العياني المحسوس والمباشر معاً، وكذلك ما تختزنه ذاكرته ليعيد انتاجه ثانية، وفي اعادة الانتاج هذه تكمن تجربة فريدة يعيشها الفنان فتحاوره، تؤرقه، تشاغله زمناً الى أن توصله الى نقطة الانطلاق على قماشة اللوحة ساكباً فيها معين ذاكرة ثرية تحاور متلقيها، لتدفع به الى حوارٍ آخر مثير لذاكرته التي ستشتغل باتجاه محاولة تفكيك هذا المنتج، واعادة ربط تكويناته من خلال ما يثيره من مواقف توقظ الخيال الخلاّق الذي سيعمل على اثارة متعته الخاصة، هذه المتعة ستشكل بالتالي موقف المتلقي من هذا النتاج، موقف ربما يكون اعجاباً... وربما يكون نفوراً إذا لم يحصل المتلقي على تواصل مع المنتج الابداعي المتمثل باللوحة الفنية.

تُعدُّ المفردة واحدة من عناصر التكوين في اللوحة الفنية، وتؤدي دوراً دلالياً واضحاً، ففي لوحة (القارئة) تشكلت المفردات من فتاتين بيد احداهما كتاباً تقرأ فيه، فيما تلتفت اليها الأُخرى، في مكان هو أقرب الى الغرفة بدلالة جلوس الفتاة القارئة على ما يشبه الاريكة ساندة احدى يديها على حافة المسند.

يؤشر انسدال جفني الفتاة القارئة دلالةً على استمرارها في القراءة، وكذلك اتجاه رأسها الذي يحيل المتلقي في الوقت ذاته الى تأشير وضعية هذه الفتاة، فهي لا تستغرق استغراقاً كاملا ً في القراءة، بدليل عدم انحناء الرأس الى الأسفل باتجاه الكتاب، ولكنه انحناء خفيف يؤشر تواصلها مع الفتاة الأُخرى التي - ربما- تبدو أُختها، وهذا ما يؤكده اكتفاء الفنان برسم كفيّ الفتاة وهي تمسك بالكتاب بطريقة لا تؤشر محاولتها لإخفائه أو الاستئثار به، بل بطريقة توحي بالتواصل بينهما، فالأُولى تقرأ والثانية تستمع باستغراق.

تتموضع الفتاة المستمعة في الجهة الأمامية من اللوحة أي الجهة الأقرب الى المتلقي، ورغم أن تمظهرها كان جانبياً إلاّ أنّ كتلة جسدها تستدير بعيداً عن المتلقي باتجاه الفتاة القارئة، وتبدو هذه الكتلة متكورة على بعضها وتلمُّ يديها وتشبكها أمام جسدها بحيث لا تكاد تظهر للمتلقي، كما أنّ جسدها يستدير تماماً مما يؤشر استقبالها المستغرق لما يُقرأ، وانصرافها عن غيرهِ.

إنّ قراءة الفارق بين حجمي الكتلتين يحيلنا الى وعي عالٍ للفنان تمكّن من طرحه بشكل جليّ يتمثل في أنّ النقطة الذهبية لهذه اللوحة هي الفتاة القارئة وليست المستمعة، فهي العنصر الأكثر ايجابية في هذه اللوحة بدلائل قدّمها الفنان للمتلقي منها الظهور النصفي لكتلة جسدها، والعناية الفائقة برسم تفصيلات أجزائه وتناسقها والتي أغنت عن ظهور النصف الثاني من الجسد، بل كان لإخفائه خلف كتلة جسد المستمعة اشارة من الفنان لمحاولته الواعية في دفع المتلقي الى تركيز رؤيته العيانية على هذا الجزء فقط.

وكذلك تشي ملامح القارئة بأنّها الأصغر عمراً والأكثر شباباً وجمالاً بدلالة صغر حجم كتلتها مقارنة بحجم كتلة المستمعة. كما تلعب القارئة هنا دور المرسل لما تقرأ، وهو دور يحمل ملامح ايجابيتها، فيما تلعب المستمعة دور المتلقي السلبي رغم ملامح الانصات التي أبرزها الفنان.

تلعب المنظومة اللونية هنا دوراً تفاعلياً حيث اعتمد الفنان الألوان الفاتحة لملابس الفتاة القارئة، فكان اللون البيج هو الطاغي على ملابسها، ولكنه متداخل مع ضربات لونية خفيفة من الأصفر والأحمر المغبر، فيما تأخذ مناطق الظل اللون الأحمر الفاقع مما يؤشر حيوية وحركية تتميز بها هذه الفتاة، أمّا جزء فستانها في منطقة الجلوس فيتخذ اللونين الزيتوني والبني المتدرجان منطقة ظلال ليؤكد جلوسها على الاريكة.

وبالمقابل اتخذ فستان الفتاة المستمعة تدرجاً لونياً أقرب الى الأبيض في مناطق الضوء، واتخذت مناطق الظلال تداخلاً لونياً يتمثل في الأصفر والأصفر المخضر، ولمسات من الأحمر المغبر وصولاً الى البني الفاتح المشوب بالأحمر المتمظهر في ثنيات فستانها أو مناطق ظلالهِ، إنّ هذه المنظومة اللونية التي اعتمدها الفنان تؤشر وعياً دقيقاً بدلالاتها، فاللون الأصفر هو لون الشمس ويرمز الى الفرح والتفاؤل والحيوية، واللون الأحمر هو الآخر يرمز الى الحيوية والحياة والعاطفة، ولهذا اتخذ الفنان هذين اللونين الدافئين للقارئة، ليؤشر حيويتها وحركيتها، وهذا ما تؤكده قراءتها للكتاب الذي يتلّون غلافهُ باللون الأخضر, الأخضر الذي يرمز الى دلالات منها الخير والسلام والأمل والبعث من جديد والتفاؤل، ولكن لا بدَّ لنا من التوقف للإشارة الى أنّ الأصفر هنا ناقص التشبع، والألوان الناقصة التشبع يختلف مدلولها عن الألوان النقية الكاملة التشبع، أي أنّها تؤشر نقصاً في دلالاتها كذلك، وبالمقابل اكتسب اللون الأحمر تشبعاً واضحاً وهذا سيحيل المتلقي الى التقاط الاشارة الذكية التي أرسلها الفنان هنا وهي أنّ الفتاة القارئة محدودة الحيوية كما أنّها محدودة الانفعال والعاطفة.

 

أمّا المنظومة اللونية التي اعتمدها الفنان للفتاة المستمعة فهي الأصفر والأصفر المخضر والأحمر ناقص التشبع (المغبر) والبني الفاتح المشوب بالأحمر، فالأصفر هنا تتغير دلالته الى الغيرة والحسد بسبب الدكنة التي منحها إياه اختلاطه باللون الأخضر، وإذا حاولنا تأكيد صفة انعدام الحيوية لوجدنا لها تأكيداً في التضخم الحجمي الذي منحه الفنان للمستمعة، ليس بسبب موقعتها في مقدمة اللوحة فقط وإنّما للتدليل على ثقلها كتلة وتفكيراً وحيوية وهذا أيضاً يؤازره ما تعمده الفنان من اظهار شعر الفتاة بشكل يدلُ على الاهمال واللامبالاة، فهي إذاً فاقدة لما يمنحهُ لها اللون الاصفر وكذلك الاخضر من دلالات.

إنّ المشهد المعروض في هذه اللوحة مشهد واقعي يؤكد فيه الفنان توجهه الواقعي، حيث نجد مثل هذا المشهد في الواقع العياني وفي أي بيت، ولنا أن نتساءل: هل اكتفى الفنان بنقل المشهد الواقعي كما رأتهُ عينه؟ وهل كان الفنان متقيداً بما طرحته الواقعية من أفكار تحاول التأكيد على النقل الأمين الصادق للواقع؟

سأقول: لا، لأنّ الفنان كان محكوماً بوعي متيقظ تماماً أبعده عن الوقوع في المباشرة التي ربما تقتل المشهد وتنفي عنه صفة الابداع، وهذا ما سنجده متمثلاً في مجموعة من الأُمور التي طرحها في هذه اللوحة، ومنها:

ابداع الفنان في تركيب جزئي المشهد: الفتاة القارئة التي اعتنى بإظهار تفاصيل ملامحها المتناسقة، وطريقة اتكائها على حافة الأريكة وميلان الرأس بحركية بعيدة عن الجمود، وكذلك طريقة امساكها بالكتاب، وثنيات ثوبها واتخاذها المكان الأعلى (الأريكة) التي تسندها أريكة ثانية، أمّا الفتاة المستمعة فتتخذ الأرض مكاناً للجلوس ولا تستند الى شيء، بل تستند على نفسها فقط، مما يؤشر تجردها من المكانة التي تتمتع بها الأُخرى، وهذا يؤازرهُ موضعتها بالتفاتةٍ لا تظهر منها ملامح وجهها وتفصيلاته، مما يؤكد فهماً واضحاً لما هو متعارف عليه في رسم البورتريه{ الصورة الشخصية } والذي يؤكد على أنّ هذا النوع من الرسم عليه أن يطرح القاسم المشترك بين السمات الخارجية للشخصية المرسومة وبين عالمها الداخلي، وايضاح هذا القاسم المشترك إنّما هو اشارة للمتلقي لاكتشاف القيمة الانسانية التي يطرحها الفنان.

كما أنّ اللوحة تشي بفقر هذه العائلة بدليل الملابس البسيطة والجدران العارية، بل يمكن لنا أن نقول: الغرفة التي تكاد أن تكون عارية، ولكن في ذاكرة مبدعة مثل ذاكرة الفنان خليف تحولت الجدران الى مساحات لونية يبرز فيها الأبيض متموضعاً في الجزء العلوي من الجدار ليكون بديلاً للفضاء، يتلوه الأحمر الفاقع دلالةً على رغبة الحياة والديمومة التي تتآزر مع وضعية الفتاة القارئة، فيما ينشر الأزرق الحبري البارد وجوده خلف الفتاة المستمعة ليؤشر برودها وانقطاعها عما حولها، وتكمل المشهد وضعيتها المنكفئة في الجلوس.

إنّ الفراغ الذي امتلأ لوناً من الجهات الثلاث للوحة يؤشر رغبة الفنان في اختزال مفرداتها ليثير متلقيه بالتركيز على المشهد المعروض من جهة، وخروج على واقعية المشهد من جهة ثانية، مما يدلل على توجه الفنان هنا الى الخروج عن قيود الواقعية التي ستفرض عليه أن يؤثث الغرفة بما تحاجه من تأثيث، لكنّ الخيال هنا أثبت وجودهُ وأحال الأثاث المفقود والفراغ المفترض الى مساحاتٍ لونية محمّلة بدلالاتها، مما أكسب اللوحة جمالية مضافة.

يضاف الى ما سبق أنّ التحديد الزمني لهذه اللوحة يؤشر زمناً نهارياً يشرق فيه ضوء الشمس الصيفية التي ترمي بأشعتها لتكوّن مناطق للضوء ومناطق للظلال، وهذه مسألة معروفة عن الفنان خليف ألا وهي قدرته على نقل الضوء وتوزيعه اسقاطات شعاعاته على كتل اللوحة بحيث ينتشر من أكثر من مسقط، وهذا بالتالي يحيلنا الى عين الفنان اللاقطة وذاكرته التي تعيد انتاج مشهد عائلي مُحّمل بدلالات عدة أبرزها ما جسدته اللوحة من علاقة بين الأُختين في لحظات من الزمن.

د. وجدان الخشاب


التعليقات




5000