.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
.
....
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
رفيف الفارس
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قراءة في راوية متاهة إبليس للروائي العراقي برهان شاوي

د. كاظم حبيب

الكتاب: رواية تحت عنون "متاهة إبليس"

المؤلف: د. برهان شاوي

دار النشر: الدار العربية للعلوم ناشرون-بيروت

سنة الصدور: 2014

حين انتهيت من قراءة رواية "متاهة إبليس" للكاتب والشاعر والروائي المبدع برهان شاوي أدركت المخاطر المحتملة التي يمكن أن تواجه هذه الرواية في الدول العربية حيث يقرر موظفو الرقابة على الكتب منعها من دخول أسواق الكتب في هذه البلدان وتحريم قراءتها وتداولها، كما حصل لها أخيراً بالأردن، أو كما حصل لروايات أخرى للكاتب نفسه في بعض دول الخليج. وهنا تذكرت معاناة الكاتب والروائي المصري المميز علاء الأسواني في نشر روايته الموسومة "أوراق عصام عبد العاطي" مع "لجنة القراءة في هيئة الكتاب، وهي لجنة رقابية تساعد في نشر الكتب أو توقف نشرها على وفق ما يرتأيه الموظف المسؤول. وبسبب هذه المعاناة حذر الكاتب قراء رواياته من ثلاث مسائل جوهرية غالباً ما تخلط فيها لجان الرقابة الحكومية على الكتب أو بعض القراء أيضاً. فعلاء الأسواني، الذي اصدر سلسلة روايات رائعة مثل "عمارة يعقوبيان" و "شيكاجو" و "نادي السيارات" و"نيران صديقة" وغيرها من القصص القصيرة والكتب الثرية، حيث تسنى لي قراءة رواياته الممتعة، يؤكد للقارئ ضرورة الابتعاد عن الخلط أو عدم التمييز بين الأفكار والرؤى التي ترد في رواياته على لسان شخصياته وبين أفكاره وأرائه الشخصية، فهي ليست واحدة بالضرورة، إذ هو يعيد كتابة ما تنطق أو ما تفكر به شخصيات رواياته أولاً. كما يفترض في القراء أن يميزوا بين الواقع، أو الحقائق الواقعية النسبية، وبين الخيال، إذ بدون خيال خصب وحيوي متدفق تفقد الرواية الكثير من جماليتها ومتعتها، فالواقع والخيال في الرواية صنوان لا ينفصلان، ويفترض في القارئ أن يميز بينهما بحسه الثقافي وخبرته الحياتية ثانياً. وأخيراً يرجو الروائي علاء الأسواني من القراء أن يبتعدوا عن تعميم شخصيات رواياته وكأنها تعبر عن مجموع الشعب المصري. ولكن مثل هذه الشخصيات التي ترسمها ريشة الروائي موجودة في واقع الحياة اليومية، فهو لا يختلقها، ويمكن أن يساهم خياله في رسمها، ولكن في مجملها موجودة في المجتمع المصري. ويفترض في القراء أن يناقشوا الأفكار والآراء الواردة على لسان شخصيات رواياته ويقرروا مع أنفسهم القبول بها أو رفضها أو توجيه النقد لها أو رفض بعضها وقبول البعض الآخر. إنها قضية القارئ والقارئة لا غير.

كانت معاناة علاء الأسواني غير قليلة في نشر رواية "أوراق عصام عبد العاطي" أو "عمارة يعقوبيان". فقد ورد على لسان بطل رواية "أوراق عصام عبد العاطي" تسفيهاً لقول مصطفى كامل " لو لم أكن مصرياً لوددت أن أكون مصرياً"، إذ اعتبر الرقيب إن النقد الموجه لهذه العبارة إساءة كبيرة للشخصية السياسية الوطنية المصرية وتجاوز على الشعب المصري وتراثه الحضاري وتاريخه!!

واستناداً إلى هذه وغيرها من المطبات يبدو ضرورياً التنبيه إلى أن رواية "متاهة إبليس" تتضمن العناصر الثلاثة التي حذر منها الروائي علاء الأسواني بعدم السقوط في فخ الخلط بين آراء الكاتب وشخصيات رواياته، وبين الواقع والخيال أو الرغبة الجامحة لدى رقباء الكتب وبعض القراء في التعميم.  

والأسئلة التي تتبادر إلى الذهن هي: لماذا تُفرض الرقابة على الكتب، وأين تكمن المشكلة، وما الهدف منها؟ يبدو لي إن المشكلة تكمن في خمس نقاط جوهرية تعاني منها مجتمعاتنا ودولنا الشرق أوسطية، هي:

•1.      غياب الحياة الدستورية والحريات الديمقراطية والتجاوز الفظ على حقوق الإنسان وحقه في اختيار ما ينبغي أن يقرأه الفردي وما يجب عليه الابتعاد عنه.

•2.      اعتبار القارئ في هذه الدول لا يملك حساً نقدياً وقدرة على التمييز بين الصالح والطالح، بين النافع والمضر، بين الجميل والقبيح في ما يقرأ، وبالتالي فأن الرقيب يريد أن يفرض عليه سلوكاً ووجهة وأخلاقيات معينة فيها الإجحاف الشديد والضرر البالغ بحقوق القراء في هذه الدول.

•3.      الخشية من أن تحمل هذه الروايات أو الكتب أفكاراً جديدة تسمح بتفتح عقول وقلوب الناس وتكشف لهم واقع الحياة البائسة والفاقة الفكرية التي يعيشون تحت وطأتها أو الظلم الذي يتعرضون له أو التمييز والتهميش وما إلى ذلك، وبالتالي يدركون واقع التجاوز على حقوقهم، حقوق الإنسان.

•4.      وأن الموظفين الذين يمارسون دور الرقيب على الكتب يعانون من فاقة فكرية واجتماعية ومن مستوى ثقافي لا يؤهلهم احترام إرادة القراء أو احترام الكتاب والكتب بما يساعدهم على تجنب فرض الرقابة على الكتب، وهم أبناء مخلصون للحكم الاستبدادي ورغباته في قهر إرادة وحق الشعوب في الحرية وفي اختيار ما يقرأون.

•5.      وفي هذا تعبير صارخ عن رغبة الحكام الاستمرار في حكم البلاد وتجنيب المجتمع أي نوع من الإثارة ضد حكمهم القائم. 

وعن مثل هذه المجتمعات والنظم الحاكمة السائدة فيها وما ينجم عنها من أوضاع اجتماعية وثقافية وسياسية تحدثنا رواية "متاهة إبليس" للروائي برهان شاوي حيث تجري أحداثها فيها. كما إن رواية المشرحة للكاتب نفسه تحدثنا عما يجري في مدينة بغداد المستباحة بالكامل من قوى الإرهاب والميليشيات الطائفية المسلحة، أو "رواية متاهة قابيل" و"متاهة حواء" على سبيل المثال لا الحصر، إضافة إلى مجمل الأوضاع الشاذة والاستثنائية التي يعيش تحت وطأتها العراق التي جعلت الكاتب العراقي اللامع والمبدع أحمد سعداوي أن يكتب للقراء بخياله الخصب من واقع الحياة رواية "فرانكشتاين في بغداد" التي حازت على الجائزة العالمية للرواية الغربية "البوكر" لعام 2014. لقد تمتعت كثيراً بقراءة رواية أحمد سعداوي والتي حازت على تقدير الكثير من القراء والنقاد في آن واحد، رغم المرارات التي حملتها للكاتب نفسه وما تحمله معها للقراء أيضاً.

لقد تمتعت بقراءة رواية "متاهة إبليس" لقدرة الكاتب على رسم شخصياته وبث الروح فيها ومتابعة حركتها وفعلها، وعلى دمج الواقع بالخيال وترك القارئ، لعمق الكوارث وسعتها وشموليتها بالعراق، يحتار في التمييز بين الواقع والخيال، إذ ما يجري على أرض العراق حقاً ينتمي إلى صنف الخيال المريض. وقد وددت بهذا المقال أن أجلب انتباه القراء إلى هذه الرواية، لأنها تضع القراء أمام حقائق الأوضاع المتشابكة بحيوية فائقة وخيال خصب للكاتب بما يسهم في تعبئة النص بالمزيد من المضامين الصارخة وتوفر للقارئ متعة القراءة.

الرواية تدور في أماكن عدة، تبدأ ببغداد حيث الشخصيات الرئيسية للرواية، لينتقل بنا الروائي معهم إلى دمشق، ثم إلى إيطاليا ليستقر فيها قليلاً، ثم يغادرها إلى باريس دون أن يتوقف فيها، ولكنه يمر على دول عديدة ليلتقط منها بعض شخصيات الرواية. الفترة الزمنية إلى حد ما محدودة، ولكنها مفتوحة بسعة رحبة على الماضي والحاضر وعلى المستقبل أيضاً. فالأحداث التي ترويها الرواية هي نتاج العلاقات السياسية والاجتماعية في هذه البلدان، وبالتالي فتكرارها ممكن وإن كان بصيغ أخرى مقاربة لها أو مختلفة عنها نسبياً. أي إن الأساس المادي لحصول هذه الأحداث هو الذي يسمح بتكرارها ما دام الأساس مستمراً في وجوده.

رواية "متاهة إبليس" تقدم لنا مجموعة من الشخصيات الواقعية الموجودة في حياتنا العراقية اليومية المعاصرة، فهذه الشخصيات عراقية عاشت طيلة أربعة عقود تحت وطأت الاستبداد القومي والبعثي الشوفيني وعانت مع بقية المجتمع من أساليب النظام الفاشية في الحكم، عرفت الحروب والدمار والخراب والحصار الاقتصادي، وعاشت الإرهاب الحكومي والتهجير القسري والتعريب والقتل الجماعي ومجازر الأنفال، عاشت القتل اليومي على أيدي جلاوزة الحكم وعرفت الفساد المالي والإداري. ولكنها عرفت أيضاً، ومعها المجتمع بأسره، بعد سقوط تلك الدكتاتورية، النظام الطائفي المحاصصي واستبداد الحاكم بأمره والإرهاب الدموي والفساد السائد على أوسع نطاق. ومثل هذه الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية تنتج شخصيات من هذا النوع، شخصيات هزيلة ومهزوزة وانتهازية ونذلة، تعيش الصدمات وتساهم فيها للآخرين.

وأبرز الشخصيات التي تروي الرواية حكايتها يلتقي القراء بشخصيتين نسويتين هما حواء الكرخي وحواء ذي النورين. كلاهما هاربتان من بغداد تلتقيان في حافلة تنقلهما إلى الشام. إحداهما تحمل مالاً كثيراً والأخرى تحمل طفلاً رضيعاً ليس طفلها. امرأتان تختلفان في العوامل التي دفعتهما للهروب من بغداد، ولكنهما مطاردتان من مسؤولين في النظام الجديد أو من مليشياتهم المسلحة أو الأجهزة الأمنية. حواء الكرخي تحمل طفل صديقتها التي قتلت في انفجار مقصود لسيارة كانت تقلهما وآخرين معهم انتقاماً منها. وحواء ذي النورين تعرضت للاغتصاب الجنسي بأمل إنقاذ أبنها المعتقل، وحين يطلع الابن على  فيديو الاغتصاب وأسبابه ينتحر في مرحاض السجن. الأم المنتحرة متزوجة من مسؤول كبير وكادر في الأحزاب الإسلامية السياسية الحاكمة، زوج ظالم وشرس ومرتشي في آن واحد ولديه جلاوزته. تأخذ من أموال زوجها ما استطاعت وتهرب بها إلى الشام. شخصيتان نسائيتان مختلفتان في المشكلة وفي الموقف والسلوك والمستوى الثقافي وفي الانتماء أو الموقف السياسي تلتقيان في الحافلة المغادرة إلى دمشق، الشك يسود بينهما بسبب انعدام الثقة بين الناس ودور المخبرين السريين وأجهزة الأمن والخشية من الاعتقال. ومع ذلك ينشأ نوع من التضامن العفوي بين المرأتين والاستعداد للمساعدة. فمعاناة المرأة عموماً ومعاناة كل منهما بالعراق جعلتهما غير بعيدتين عن بعضهما. وبعد وصولهما الشام افترق دربهما. حواء الكرخي يساعدها مختار العراقيين الديمقراطي بالشام، والأخرى تساعدها إيفا سميث اللبنانية القادمة من باريس لتساعد صديقتها السورية، حواء الدمشقية، التي تواجه ورطة اجتماعية. ورغم إنهما بعيدتان عن بغداد فإنهما كانا يشعران بجواسيس وعيون النظام العراقي تطاردهما.

حواء الكرخي، المرأة الديمقراطية الواعية والمثقفة، تقتل في وضح النهار وفي أحد شوارع دمشق وهي في طريقها إلى الطفل الرضيع في الشقة التي استأجرتها دون أن يتسنى لها توفير الحماية للرضيع. تقتل وتدفن ويسدل الستار على القتلة، تماماً كما يجري ببغداد وتسجل الدعوى، إن سجلت أصلاً، ضد قاتل مجهول!

وحواء ذي النورين تتعرف على مدير الفندق أدم الشامي، المنتمي إلى حزب البعث الحاكم بسوري، وهو جاسوس وقواد للمسؤولين الكبار في المباحث والجيش والشرطة وفي الجهاز المدني. شخصية معدومة الأخلاق والضمير، كما إن عائلته تمارس القوادة للمسؤولين أيضاً. وهنا يشعر الإنسان بالعلاقة التي تشد النظامين في كل من سوريا والعراق، سواء أثناء وجود البعث بالعراق أم بوجود النظام المحاصصي الطائفي وممارسات جمهرة من الحكام والمسؤولين. يوفر أدم الشامي جوازاً مزوراً لحواء ذي النورين في مقابل مبلغ كبير من المال واغتصابها في شقته في الفندق. بعدها تغادر بالجواز إلى إيطاليا وتهرب من مطارديها الذين وصلوا إلى الشام بأمر من زوجها، أحد كبار المسؤولين ببغداد.

الريشة التي رسمت هاتين الشخصيتين النسويتين ذات حرفية عالية، ذات ماهرة فنية وخيال خصب، دقيقة وحساسة وواعية لما يجري في أعماق النفس البشرية وما تعاني منه المرأة في المجتمعات الذكورية. وحين يتحدث أدم الشامي عن نفسه وعن آماله وطموحاته وعن مشاريعه يلتقي بإبليسه مباشرة، يتحاور معه، يحاول أن يهرب منه أو أن يتقمصه بالكامل، أو ينفي علاقته به, إنه إبليس أو أدم الشامي ذاته، فالشر ينطلق منه ليلقى على عاتق إبليس الذي هو وليس غيره. النسوة يعشن الخشية من أدم الشامي، ويرون إبليس  بعينه يلاحقهم في كل مكان، إنه جليسهم في مقهى الفندق أو في شوارع دمشق أو في دكاكين وأزقة إيطاليا، إنه هم لاغير!!

إن الرواية تضعنا وجهاً لوجه مع المتاهات التي تواجه حواء ذي النورين وحواء الدمشقية، وقبل ذاك واجهت حواء الكرخي. هذه المتاهات ليست سوى الرثاثة الكاملة التي يعيش فيها المجتمع بالعراق وبسوريا وببقية الدول الشرق أوسطية، إنها الرثاثة في الفكر والسياسية والحياة الاجتماعية والثقافة والبيئة، إنها الثقافة الخائبة الناتجة من الواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الذي تعيش فيه هذه المجتمعات ونظمها السياسية ودولها، إنها الرثاثة التي تخلق الإنسان الرث في متاهاته. بعد ذلك ينقلنا الروائي المبدع برهان شاوي إلى محيط آخر، إلى المجتمع الإيطالي والحضارة الإيطالية، مع حواء ذي النورين ومع الرسام العراقي المغترب أدم بوناروتي، يطاردها إبليسها الداخلي ويقض مضاجعها ويعمق الشبقية المرضية فيها، فتشتهي الرسام وتشتهي إبليسها في آن. والرسام العراقي الذي يعيش على رسم الكاريكاتير والأشخاص يعاني من علل عديدة ويعب الخمرة كما يشرب غيره الماء فيعجز عن ممارسة الجنس ويحس وكأنه مقطوع الذكر ويخيب أمل وشبقية حواء ذي النورين!

يتنقل الروائي بالقارئ وعلى لسان الرسام العراقي بين قمم الحضارة الغربية، بين مبدعي الفن التشكيلي والموسييقيين الكبار وفن العمارة والحياة العامة، ويضعنا أمام إيطاليا كمتحف للفن الإنساني العالمي من جهة وأمام الفجوة الفاصلة بين حضارتين، حضار الشرق المتخلف وحضارة الغرب المتقدم. وبدون أن يشير إلى ذلك يدرك القارئ عمق هذه الفجوة الحضارية الراهنة وسعتها بين الشرق والغرب, والذي يتجلى بصورة صادمة في تباين الأفكار والمنطق والسلوكيات والممارسات اليومية والأجواء النفسية وسبل التعامل والعلاقات بين الناس. وفي عرضه السردي الممتع والنقاشات الفكرية والاجتماعية بين شخصيات الرواية أو مع أنفسهم أو مع أباليسهم، يضعنا الكاتب أمام مستويين من الوعي العام لدى الإنسان الشرقي المرتبط مباشرة بواقع المستوى الواطئ جداً للقوى المنتجة المادية والبشرية، ولدى الإنسان في الحضارة الغربية التي قطعت شوطاً بعيداً في تطور القوى المنتجة وفي الوعي الاجتماعي العام.

فهنا نلتقي بالحضارة الشرقية التي تعاني من التخلف والانقطاع عن مسيرة الحضارة البشرية وما قدمته هذه المنطقة في العهود الغابرة من منجزات حضارية رفيعة المستوى ومتقدمة، ولكنها عرفت الانقطاع ولم تعرف التنوير منذ قرون وحتى الآن، وهناك نلتقي بحضارة غربية متقدمة تخلصت من الانقطاع الحضاري الذي عاشته في القرون الوسطى وعرفت التنوير منذ أكثر من أربعة قرون ومعها عرفت التحول من الإقطاعية إلى الرأسمالية ومن الفلاحة إلى الصناعة المتقدمة والزراعة الحديثة. وحين يحدثنا عن سلوكيات غريبة في المجتمع الغربي نجدها تنطلق من شخصيات قادمة من الشرق المتخلف من أفريقيا أو آسيا، إنها محنة التطور والوعي الفردي والجمعي للمجتمع.

الحوارات والنقاشات التي تدور بين شخصيات الرواية من عراقيين وغيرهم متنوعة وعديدة والآراء حولها متباينة. إنها حوارات المجتمع ذاته .. حول الدين والدنيا، عن شيوخ الدين المعممين وسلوكيات الحكام منهم .. عن المال العام والجنس، حول البؤس والفاقة والخراب الاجتماعي، حول الفساد ونهب المليارات من الدولارات.. عن الفراغ القاتل للشباب عن المنافسة والاغتيالات وعن عبء كل ذلك على الإنسان الفرد والمجتمع. والسؤال الذي يفرض نفسه هو: هل ما تتحدث به شخصيات الرواية يجسد الواقع القائم أم أنهم يعبرون بذلك عما يدور في نفوسهم، سواء أكانت مريضة أم سالمة؟ أنها في الواقع تجسد آراء وأفكار وسلوكيات شريحة واسعة من المجتمع .. عما يدور في خلد أفرادها، عما يسعون إليه وما يؤرقهم أو يضعهم أمام مشاكل عسيرة الحل. إن مثل هذه الرواية حين تمنع في بلد ما، يعني أن هذا المجتمع يعاني حقاً من علل كثيرة ويخشى المسؤولون عنها كشفها للناس، رغم إنها مكشوفة حقاً للجميع.

الرواية تبحث في مستويات عدة وأصوات عديدة وهي بهذا تضعنا أمام شخصيات باهتة مريضة، رغم عمق معلومات بعضهم الثقافية: كما في حالة الرسام العراقي أدم بوناروتي أو أدم البغدادي (أدم أبو التنك)، الأديب العراقي الذي كان شيوعياً درس في بلغاريا، ولكنه لم يعد كذلك وفقد القيم والمعايير التي تربى عليها وتحول شخص بخيل ونهم، نسى كل المبادئ التي تعلمها وفقد كرامته أمام بخله وشهية الأكل المجاني. وهو الذي خان صديقه الرسام بممارسة الجنس مع زوجته الإيطالية حين سكن في شقة زوجته بإيطاليا. من هنا يمكن أن نلاحظ بأن الكاتب قد وضعنا أمام شخصيات رثة نشأت في رحم هذا المجتمع الرث والدولة الرثة والنظام السياسي الرث.

إن ما قدمته الرواية يشكل رؤية بانورامية لما يجري اليوم بالعراق دون أن يعمم القضية على البشر العراقي كله، ولكن هذه النماذج موجودة وتمثل جزءاً من الفئة الرثة الواسعة التي نشأت في ظل الدكتاتورية والحروب والظلم والظلام. إنها رواية تستحق القراءة.

 

د. كاظم حبيب


التعليقات




5000