..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


أحنُّ إلى النطرون - نص قصصي

د. وجدان الخشاب

أسدل الليل أستاره على الكون ، الموج ينساب بعذوبة هادئة القسمات ، والبحر يغفو ويتغافل عن ذلك العجوز الذي ارتكن على حاجز السفينة ... جالت عيناه فيما حوله .. البحر الصامت .. النجوم التي أشرقت اشراقة افتقدها في الليالي التي هامت ماضية دون أن تلفت ، والريح غفت هي الأُخرى تاركة أشرعة السفينة تهفف بهدوء شفاف ، من خلال الهدأة الليلة نادته روح :

•-      تعال ..

•-      تعال ..

توقفت النسمات ..

•-      أنا انتظر .. التفت إلي ..

تلفتَ العجوز .. وما رأى ..

انحنى إلى صفحة البحر .. وما رأى ..

جالت عيناه في الهواء ... وما رأى

عادت الروح تناديه :

•-      تعال .. أحنُّ إلى لمسة من يديك ..

ارتفع همسها إلى الفراغ .. التقطته نجمة صغيرة .. بدأت تهبط بهدوء نحو السفينة .. صافحت يده نسمة دافئة  وأخذت تسحبه .. النجمة اقتربت أكثر لترمي بضوئها الخافت أمام قدميه ..

مبهوراً .. جال بعينيه في أرجاء السفينة .. وما رأى ..

لكنها الروح ظلّت تسحبه .. وطأت قدماه السلّم العتيق للسفينة نازلاً إلى جوفها .. تركته الروح لتدور حول تابوت خشبي عتيق .. عتيق .. أضاءه نور النجمة .. تقدّم العجوز باتجاهه .. تجرّأت يداه وتلمّست التابوت .. ازداد نور النجمة سطوعاً ، فقرأ على غطائه ما سطّرته يدٌّ لم يعرفها لكنها أعلنت :

•-  بيديك الحانيتين افتحْ تابوتي .. ادفعْ عني لفائفي .. ضمَّ اليكَ تعاويذي .. افتحْ أوانيَّ الكانوبية.. دعني أتنفس الهواء ..

تراجع العجوز خطوة إلى الوراء .. مرعوباً حابساً أنفاسه ..

•-      افتح تابوتي ...

 

زمَّ شفتيه ليمنع كلمات كانت قد استقرّت في عمق ذاكرته :

لا تفتح التابوت فسوف يطوي الموت بجناحيه

كل من يجرؤ على ازعاج الملك

 

عادت الروح تناديه : تعال ..

•-      لا .. لا ..

•-      تعال .. افتح التابوت .. أحنُّ إلى الهواء ..

 

•-      لا .. لا أجرؤ على لمس أقفاله ..

 

•-      المسها .. أحنُّ إلى الهواء . .

 

اندفعت النجمة لتضئ القفل الكبير .. انحنى العجوز .. لمسه بيده المرتجفة .. وقرأ ما سطّرته يد عليه :

 

لا تفتح التابوت فسوف يطوي الموت بجناحيه

       كل مَن يجرؤ على ازعاج الملك

 

 

•-      افتحه ، أحنُّ إلى الهواء ..

بين التردد والتجرؤ كانت عيناه تناور .. لكنها أصابعه التي تلهفت لاكتشاف ما وراء القفل .. وقبل أن تلمسه تراجع العجوز متأرجحاً بين الرغبة واللا رغبة في فتحه .. ذاكرته تموج بسؤالٍ معلّق بين شفتيه ولا يجرؤ على الاعلان عن حضوره .. رنت عيناه إلى القفل بحزن .. أغلقهما تاركاً المجال لرئتيه لتعبَّ هواءً افتقده في تلك اللحظة ، ورمقت روحه التابوت بلهفة تنمُّ عن رغبتها لاكتشاف ما فيه ...

•-      أعدني إلى البحر .. قالت الروح بهمس تختنق نبراته ..

•-      كيف لي أنا المثقل المبهور أن أُعيدكَ ؟

•-      ادفع التابوت إلى الماء لأرتوي ..

•-       الماء مالح ..

•-      ادفع التابوت ..

•-      البحر غادر ..

•-      ادفع التابوت ..

•-      لماذا ؟

•-      أحنُّ إلى النطرون ..

•-      من سباتك الأزلي تنهض .. لماذا ؟

•-      أعدني إلى وادي الملوك .. أعدني إلى النيل .. أعدني إلى مدفني الهرمي ..

•-      ولكن  كيف أُعيدكَ .. في نبش لفائفكَ ما يؤلم روحكَ .. ويؤلمني ..

•-      ادفع عن جسدي لفائفه ودعني أتنفس الهواء ..

 

امتدت أصابع العجوز وعيناه إلى القفل لتتفحصه .. وما إن قلبه حتى انفتح وسقط على الأرض متناثراً ، رفع غطاءه فوقعت عيناه على بقايا أشياء تلتف على بعضها مثل شرائط منسية في زاوية ما ...

اقتربت النجمة أكثر وألقت نورها .. فأضاء الداخل أكثر .. بدأت أصبعه تفكُّ لفائف المومياء واحدة بعد أُخرى .. أعادت نشر التماثيل الجنازية في جوانب التابوت .. اوزوريس الأخضر عند يمين الرأس ، وايزيس الذهبي عند يساره .. @وتوالت حركاته فاتحة لفافة بعد أُخرى .. حتى كادت عيناه تطيران دهشة حين وقعتا على كفن غار لونه .. وقرأ ما كُتب عليه بحروف ذهبية بارزة :

 

أنا الملك .. ملك الأرضينِ القبلي والبحري ..

ابن الشمس - آتون القوة ..

آتون الضوء ..

آتون طارد الظلام ..                                                                         مُنحتُ الحياة أزلياً ...

مُنحتُ الحياة أزلياً

  

مرتجفاً بدأ يفتح الكفن .. غاصت عيناه في محجريهما حين اصطدمتا بمومياء سوداء تكوّمت على بعضها .. لكنها تضمُّ إلى صدرها صولجان مُلكٍ غاب من زمن عتيق وفوقه علامة الحياة الأبدية .. حمل التماثيل والتعاويذ واحدأً واحداً وأخذ يفركها ثم يعيد توزيعها حول جسد المومياء ، وما إن انتهى حتى التفتَ بهدوء إلى باب الأمان في صدر المخزن وفتحه .. أطلَّ على البحر الذي بدا مرتعباً .. ولكنه يُظهر سكوناً مؤقتاً منتظراً لما سيكون .. والهواء هو الآخر انكفأ متفاجئاً حابساً أنفاسه عند بوابة الشفاه .. وترقبت النجمة حركة العجوز وهو يعيد الغطاء ويبدأ بدفع التابوت إلى صفحة البحر هامسأ :

•-      لكَ أملاح البحر كلها ...

•-      لاأُريد أملاح البحر .. بل أُريد النطرون ..

 

طفا التابوت على وجه الموج الليلي الهادئ ، وروح العجوز الخافقة ترقبه وهو يبتعد عن السفينة .. وما إن بدأت شعاعات الفجر الأُولى ترمي بوجودها على وجه البحر المبهور حتى أخذت الأمواج تفور فورانها الدائري العنيف .. تهيم ويهيم معها التابوت ويغرق .. يغرق حتى غاب عن عيني العجوز ..

سالت دمعتان دافئتان عبر أخاديد وجهه وانكفأ على كرسي مركون قرب باب الأمان يلمُّ بعضه بعضاً حزناً وألما .. وحيداً بدا وخاملاً .. لكنها يده ظلّت قابضة على تمثال خشبي صغير خبّأه في جيبه .. أخرجه وبدأ يشمّه بعمق مرة تلو أُخرى حتى تراخت ذاكرته تماماً ..

 

في عمق الظلام البحري تلقفت موجة التابوت الصغير الغارق .. لفّته بيديها الحانتين .. وتوجهت نحو الشرق .. حتى وصلت جزيرة الشمس المشرقة .. بدأت تصعد ويصعد معها التابوت حيث كانت الشمس تشرق بسطوع ناصع .. ألقته على حافتها .. وعادت تهبط إلى عمق البحر لتغفو بهدوء ..

من فتحة التابوت الصغيرة ألقت الشمس شعاعاً من ضوئها داخل التابوت .. استرخت المومياء تاركة شعاع الشمس الذهبي يغسلها جزءاً جزءاً من غبار السنوات الماضيات .. فتنتعش .. طارت روحها وأضاءت ذاكرة العجوز الغافي .. ليرى المومياء الغارقة في ضوء شمس الظهيرة الحارة .. فنهض ومدَّ يده إلى البحر .. أمسك موجة صغيرة كانت تركن عند حافة السفينة ، ثم أطلقها لتعود إلى البحر حاملة أنفاسه التي نفخها فيها .. ودفعها بيده وهو يعلن :

•-      اذهبي واحملي الجسد باتجاه مشرق الشمس .. باتجاه النيل ..

غاصت الموجة وتحركت بايقاع متسارع تاركةً أمواجاً أُخرى ترقبها وتحسدها حتى وصلت حافة الجزيرة .. مدّت جسدها ليحضن التابوت ويهبط به ثانية إلى البحر ..

أشرق وجه العجوز وهو يرى الموجة تلفُّ التابوت بحنوِّها ، وتسارع مسيرتها ، تحركت شفتاه ناطقة بسؤال كان يدور في ذاكرته ، تلقفت الروح السؤال الهائم في الهواء مابين العجوز وبينها .. لتعلن :

•-      نعم .. أخذتُ يقظتي من آتون .. آتون القوة .. آتون الضوء .. الضوء الذي أشرق على روحي  ..

•-      والآن .. إلى أين المسير ؟

•-      إلى النيل .. إلى النيل ..

•-      والحاجز المائي ؟

•-      مابين البحر والنيل موجات من حنان يتدفق .. سيناديني النيل إليه ..

•-      أيحنُّ النيل إليك ؟

•-      يحنُّ النيل إليَّ .. وأحنُّ إليه ..

 

عند الحاجز المائي ما بين البحر والنهر ، توقفت الموجة .. مبهورة تنتظر وترنو إلى أمواج النيل وهي تتهادى ولا تختلط بأمواج البحر .. تنبّه شعاع الشمس ورنا إلى المشهد المفروش تحت ناظريه .. اندفع نحو موجة كانت ترقب المشهد هي الأُخرى .. ورمى إليها بدفءٍ كانت بانتظاره ، فامتدَّ جسدها ليحمل التابوت .. ويبدأ المسير ..

تألّقت الابتسامات والهمهمات بين أمواج النيل .. عرس وفرح واشراقات غمرت المومياء بضوئها ... انحنى العجوز على البحر هامساً :

•-      أرأيتَ ؟

•-      ماذا ؟

•-      الجسد يعود إلى أرضه ..

•-      الغريب لن يبقَ غريبا ..

ردد العجوز بألم : الغريب لن يبقَ غريبا ..

سارت الأمواج حاملة كنزها الثمين .. وصلت أرض النطرون .. خرج الجسد من تابوته وتمرًّغ حتى ارتوى من ملحها .. وعاد ليكمل المسير .. ساعات وساعات وموجات النيل .. شعاعات الشمس .. الأسماك .. نباتات النيل .. ذرات الهواء .. حاشية ملكية تقيم احتفالاً متألقاً بالعائد اليها .. تعالت ترانيمها .. وبدت أصواتها أجراساً تقرع فيردد الهواء صداها ..

تلفتت أحجار الهرم المغسول باشراقة شمس مصرية القسمات والدفء .. تنادت .. بفرح غامر رمقت ملكها العائد إلى أرضه ، وبدأت ترنَّم ترانيمها الأزلية :

 

الغريب لن يبقَ غريبا

الغريب لن يبقَ غريبا

 

•-      أحنُّ إليك يامدفني العتيق .. أحنَّ اليك .. ردد الجسد

 

تسارعت الموجات حاملة تابوت ملكها العتيد .. عابرة أرض البئر .. صاعدة إلى غرفة المدفن الملكي .. استقرَّ التابوت فيها .. شهق شهقة عميقة ليعبَّ الهواء كلّه ..وعيناه تجولان على جدرانها ورسوماتها التي تحكي قصته ما بين الحياة والموت .. حروبه .. بطولاته .. أسراه .. عرباته الحربية ...

أغمض جفنيه ليرسل صوته عبر المسافات منادياً العجوز :

•-      الغريب لن يبقَ غريبا

 

 

تلفت الرجلان المرتكنان إلى حافة السفينة ، وقال أحدهما متفاجئاً :

•-      هل سقط أحد في البحر ؟

•-      لا .. ليس هناك أحد غيرنا هنا ..

•-      لكنك مثلي سمعت صوت ارتطامٍ بالماء ..

•-      نعم .. ولكن لاأحد غيرنا هنا ..

•-  نظرا إلى الماء وما رأَيا شيئا .. البحر أخفى دوائره ، واحتضن جسد العجوز ليبدأ هو الآخر رحلته إلى وادي النيل .. مترنماً :

الغريب لن يبقَ غريبا ..

ردد البحر والهواء وشعاع الشمس .. الطيور وأوراق الشجر :

الغريب لن يبقَ غريبا ...

الغريب لن يبقَ غريبا ..

 

 

د. وجدان الخشاب


التعليقات




5000