..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
 جمعية الراسخ التقني العلمية
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


رواية كم بدت السماء قريبة!! لبتول الخضيري (2)

د. حسين سرمك حسن

مشروع تحليل خمسين رواية عربية نسوية :

 

 

               وقفة :

------

إنّ ضمير المخاطب يمثّل من الناحية النفسية ضمير "الآخر" المكافىء الفعلي وليس ضمير الغائب ولا أي ضمير آخر . وحين يكون صاحبه "غائباً" بمعنى الحضور الفعلي "المادي" ، فإن الأنا ، في الواقع ، يضع ذاته في محلّه ، في لعبة مُتقنة ، تغلق دائرة الإتصال ، وتمنحه الإحساس بـ "القدرة الكلّية - Omnipotence" على الإستعادة ، هذه القدرة التي هي من عطايا الفن السردي التي لا تعوّض والتي تجعله سيرورة خلوديّة . وقد كان استخدام ضمير المخاطب من قبل الراوية خاصّاً بالأب وامتيازاً له ، فطول مسيرة الحكاية كانت الراوية تخاطب أباها بضمير المخاطب حتى في حالات غيابه الوقتية والنهائية بالموت ، عدا مواضع قليلة جداً ذكرته فيها بصيغة الغائب (في الصفحة 193 والصفحة 199 مثلاً) وهذا يعبّر عن الحاجة الملحّة التي لا تنطفىء في نفس الراوية تجاه أبيها ، في حضوره وفي غيابه الوقتي أو النهائي .

عودة :

--------

... ومن الواضح تحامل الأب على الأم في ممارسة عاديّة تقوم بها الأخيرة ، وتتمثل في غسل شعرها بالصورة التي تريحها . ومن الواضح أيضاً انحياز البنت إلى الأب في نقلة سردية لغوية مسمومة لعبت فيها على الألفاظ التي وصفت بها الأصوات الصادرة عن احتكاك الأشياء المختلفة ببعضها وصفا "صوتيا" شديد الدقّة بدأته بمحاولة لإعذار الأب على ثورة أعصابه :

(تُشرع بفركه [= شعرها] بأظافرها : خشت ، خشت ، خشت . لابدّ أن صوت الفرك أثار أعصابك مثلما تُثار بسهولة إن فرك أحدهم كمّية من مسحوق النشأ بين اصبعيه أو قصّ قطعة فلّين أو ورق مقوّى بسكّين حادة : سيخ ، سيخ ، سيخ ) (ص 15)

لتمرّ بتعميم حالة الإعذار حين التساؤل عن السبب بصيغة جمعيّة :

(لماذا نقشعر فجأة لصوت احتكاك ما ؟! ) (ص 15)

ثمّ لترقيق حساسيتنا تجاه الموقف من خلال شمول ذاتها الراوية بالتصرّف المُستفَز :

(أنا .. لا أحتمل صوت مرور ظِفرٍ على ورقة أو قطعة خشب)

ثم لترمى كرّة الإستجابة المُفرطة في ملعب الأم مع وجود "ضحيّة" صغيرة تستدر عطف المتلقي :

(أمّ لا يمكنها احتمالي عندما أصرف بأسناني بصوت مسموع : جزز ، جز ، جز ، أو أن أطقطق مفاصل أصابعي على مقربة منها فتنهرني : "كفى !" . على وجهها تقزّز واضح )

وذلك خلاف الأب الذي سيُبرّر إنفعاله ليس على أساس الإستثارة الصوتيّة الغير مفهومة ، ولكن لتخوّفه من أن تسد كتل الشعر المتساقطة مجرى الماء .. ثمّ توسيع احتداده بصورة غريبة جدا حيث يجعل غسل الأم لشعرها في مغسلة المطبخ أمراً "لا أخلاقياً" ! (ص 15) .

هذه المبالغة التي تصنع من الحبّة قبّة كما يُقال ، هي تعبير عن حفزات عميقة ضاغطة مشحونة بالرفض ؛ رفض الأب للأم ، والأدق رفض الطرفين : الأب والأم ، لبعضهما ، حيث يبدو أنهما قد عبرا خط اللاعودة ، وسارا على منحدر القطيعة النهائية منذ زمن طويل حتى صار أقلّ مؤثر - مهما كان حجمه ومهما بدى بسيطاً مُبتذلاً - كافياً لإثارة شجار حاد بين الطرفين ، وأمام أنظار البنت الصغيرة التي كانت روحها الطريّة تتقطّع في الظاهر ، ولاشعورها الشامت يتلمّظ في الباطن .

لقد تكرّر الشجار بين الأبوين بعد دقائق من شجارهما حول غسل شعر الأم ، وذلك حين جلس الجميع لمشاهدة الفيلم الأجنبي الذي تفضّله الأم في التلفاز حيث بدأ الأب يطق حبّات مسبحته : طق ، طق ، طق (بفواصل تخفّف التأثير وليس مثل تلاحق أوصاف تصرّف الأم : خشت ، خشت ، خشت) ، فثارت ثائرة الأم لتصرخ بالأب : كفى . وهذا هو التصرّف المُستفز فعليّاً لأي شخص ينسجم مع مشاهدة فيلم ويتتبع وقائعه بهدوء . ومن هنا يبدأ تبادل الملاحظات الحادّة ، وتتطوّر التعليقات ، وتتضخم الجمل ، وتتصادم الأصوات الكثيرة لتملأ الفراغ المسكين في أذن البنت التي تنزوي خلف الأريكة قلقة منزعجة وخائفة ، لا تجد ما يواسيها سوى جديلتها التي تدغدغ ذقنها بطرفها ، فتضع وصفاً للطريقة عائداً لأحد أفعال الأب :
(كما تفعل أنت بفرشاة الحلاقة) (ص 16)
لتعبّر عن اللعب الإنحيازي (المُطعّم بالرغبة القضيبية المُنكّرة) نحو جبهة الأب ، هذا الإنحياز - معلناً بصورة خاصة ومستترا بصورة عامة - الذي يتجلى في أغلب المواقف التي تستعيدها الراوية من أعماق الذاكرة ، خصوصاً الشجار الذي حصل في اليوم التالي حين بدأت الأم صباح الجمعة بالصياح في تذمّر متواصل من عادة من عادات الأب لا مُراء في أنّها سخيفة ومُدانة ، وتتمثل في إصراره على أن يبصق - حين يُصاب بالرشح - في "كفّية" ، وليس في المناديل الورقية التي توفرها الأم قريبا منه ، يبصق في المناديل ويحشرها في زاوية أي مقعد يشغله حينئذ ، وينساها محشورة في كل مرّة ليبدأ عناء الزوجة في جمعها وغليها للتخلّص من قذارتها وجراثيمها المُعدية ، لكن البنت تعلق على تصرّف أمّها بنكران صارخ :

(يا له من موضوع تفتتحُ به حديث مائدة الفطور ! ) (ص 17)

ومن جديد ، يأتي المدد من الذاكرة التي أؤكّد على أنها توفّر مُحتوى طفولي مُبهج لمشروع سردي راشد ذي أهداف غير طفليّة . تتذكّر الراوية أنّها بعد توترات يوم الجمعة قد هربت إلى خدّوجة حيث مرحت بركوب الأرجوحة العالية التي نصبها "حاتم" شقيق خدّوجة :

(جاء دوري . ركلتُ الهواء بقدمَيّ .. ارتفعتُ إلى أعلى .. ركلتُ اقوى .. ارتفعت أعلى .. سبحتُ في فضاء .. أطّرتني زرقة حليبية .. كل النخيل تحت قدميّ الحافيتين .. الشمس تسبح في ماء النهر .. أفرد أصابع قدمي .. تنفذ أقلام ضوء بين الفراغات الأربع .. وبالقدم الأخرى أركل أقوى .. أرتفع .. استنشقتُ خط الأفق .. وعندها ... كم بدت السماء قريبة !!) (ص 17) .

وإذا كانت الروائية بتول الخضيري قد فسّرت سبب اختيارها لعنوان روايتها : "كم بدت السماء قريبة !!" على أنّه يعود إلى تلك العادة البغدادية الجميلة في النوم على السطوح صيفاً ، كنّا :
(نستلقي على ظهرنا ونتفرج على النجوم كأنها ماسات سيتسنى لنا قطفها من السماء بين لحظة وأخرى، إنه فضاء من الحرية والخيال) ..
فإن جملة العنوان "كم بدت السماء قريبة !!" تُطلق من عقل نضج التجربة لحظة الكتابة على فعل متحرّر في الطفولة تخفّفت فيه البنت من سطوة توترات الخلاف المستعر أبداً بين أبيها وأمّها ، حيث تبدو الحاجة للتخفّف والإنطلاق والتحليق قويّة قاهرة حدّ "استنشاق خط الأفق" .. وهذا هو لبّ مأزق االكتابة الروائية بعقل الحاضر عن تجارب الماضي ، حيث تنخذل الذاكرة وهي لا تستطيع إلحاق المكوّن العاطفي الإنفعالي الجذل الذي جرّبناه ، آنذاك ، بالمكوّن "العقلي" السلوكي ، فتنبري المهارة السردية اللغوية بعد أن ترصّنت أدواتها ، لوصف المكوّن الأول من خلال الإستعادة البعدية المديدة ، التي لابدّ أن ينجدها الطفل الرابض في أعماقنا حتى اليوم .

الأمر نفسه يُقال عن الذكريات التالية التي استدعتها الراوية ، وهي تراقب مع خدّوجة الألعاب الصبيانية المملوءة شقاوةً للأطفال ، وهم يتسربّون إلى نفايات معمل البيرة ، ويقومون بكسر القناني بطريقة تحافظ على حلقات فوّهتها ، ليلبسوها كخواتم دون أن تجرحهم ، وكيف قام مهرّج المجموعة "حسّون" الملعون بإلباس "شيئه" الصغير إحدى الفوّهات من فوق دشداشته ، وهو يهتف :

-من يلبّس شيئه عمامة زغيرة ؟!" (ص 19)

إنّ الحتمية اللاشعورية التي تتحكّم بتداعي ذكرياتنا وتسلسل حلقاتها وطبيعة ترابطاتها - شكليّاً أو مضمونيّاً - تدفعنا إلى التساؤل ، دائما ، كنقّاد - وليس كقرّاء قد تغيّب انتباهتنا مشتركات إشباع المكبوتات الطفلية مع الراوية - عن "المصلحة" التي لا تمنع الدوافع الشعوريّة المرتبطة بالإنجاز الإبداعي من محاولة النظر الفاحص العميق للإمساك بالدوافع اللاشعورية اللائبة . يشمل ذلك أدق تفاصيل الذكريات ومسارب تشكيلها اللغوي حيث بدأت الإستعادات الأخيرة بوصف البنت للكيفية التي "تعرّي" بها خدّوجة نبتة "شيخ صملّة" كما تُعرّى ثمرة الموز ، وتنتهي بالحركة نفسها بعد أن أثارت غريزة جوع الطفلتين مشاهد لعب الصغار بقناني البيرة وذروتها في الحركة "الجنسية" المكشوفة رغم غطائها اللعبي الطفولي حين "أولج" "حسّون" قضيبه الصغير في "فتحة" الزجاجة .

(2)

يستمر خطاب الراوية في القسم الثاني بصيغة المذكر المُخاطب ، وهو الأب ، حيث نعرف معلومة مهمة تتعلق ببشرة الأب الداكنة التي ورثتها البنت عن أبيها (كانوا يقولون : جاءت العبدة !!" . جاء ذلك في إطار مقارنة صوت أبيها (العميق الذي يشبه بشرته الداكنة) بصوت أمّها (الذي يشبه - حين تنفعل - صفير إبريق ماء يغلي نافثاً بخاره بعصبية) . والجانب المهم هنا هو أن البنت ورثت عن أبيها لون البشرة المُبالغة بسمرتها . ولعل هذا هو السبب الذي يعيدنا إلى مواقف أعلنت عنها البنت في القسم الأول ، وأشارت فيها - بطريقة تشوبها مسحة تهكّم أحياناً - إلى بياض بشرة أمّها . فقد وصفت بياض بشرتها - وهي ترتدي ملابس سودا - بأنّه مُشع بصورة أثارت انتباهها حين دخلت عليها عائدة من جولة لعب مع خدّوجة (ص 11) .. وحين حيّت أمّها أجابتها - كما تقول - بانكليزية بيضاء كبشرتها ، وصولا إلى الموقف التهكمي الملتبس ، وذلك حين وصفت رقبة أمّها التي انحسر عنها الشعر وهي تغسله في مغسلة المطبخ بأنها "رقبة مثل مطّاط أبيض" (ص 15) لتختصر هذا الوصف فيصبح في النهاية "رقبة مطاطية" حسب . 

ومن جديد يظهر الأب شديد التحامل على الأم حتى وهي تردد بعض النوتات والكلمات لانزعاجه من أغنياتها البيتية !! وهو موقف غريب وسلوك لا ينبغي أن يصدر عن شخص تزوّج من امرأة انكليزية ، وكان عليه أن يتوقع النتائج "الطبيعية" لزواج مختلط خصوصا في جانبين : الأول جانب التربية على القيم والسلوكيات التي اعتادتها الأم في مجتمعها المحكوم بثقافة مختلفة تماما عن ثقافة الأب ، والثاني جانب اللغة التي من المتوقع أن تتحدث الأم بلغتها الأصلية مع ابنتها ، وتتعلّم الأخيرة لغة أمّها . لكن الأب العراقي يرفض تماما أن تقوم الأم بتعليم ابنتها أي قيمة من قيم المجتمع الإنكليزي حتى لو كانت تتعلق بسلوكيات يومية ومهارات حياتية بسيطة ، مثلما يرفض أن تتحدّث البنت بأي مفردة من لغة أمّها . فما الذي سيبقى للأم ؟ وما المطلوب منها ؟ أعتقد أن الأم الإنكليزية ، بحرمانها من لغتها ومن قيم تربيتها السابقة ، تتحوّل إلى كائن أنثوي يُسخّر للإشباع الجنسي وللخدمة البيتية ، وهذا ما كانت ترفضه ، بل تثور عليه ، الأم ، وكان سبب التوتر والشجارات الدائمة بين الزوجين . لقد كانت المعارك تنشب بين الزوجين حين تُدخل البنت الصغيرة كلمة إنكليزية واحدة في حديثها : "ماما ، أعطيني صحناً و spoon ! (ص 21) .. وقد يكون "إفلات" بعض المفردات الإنكليزية من البنت والتي تثير أعصاب أبيها وتلهب نقمته على أمّها نوعاً من "زلّات" اللاشعور المرسومة ، خصوصا وهي تذكّر نفسها دائماً بألّا تمزج بين اللغتين في كلامها . إنها شكل من أشكال "ألعاب إلكترا" إذا جاز التعبير . وتتأكّد هذه الإحتمالية المستفزّة عادة حين تنتقل البنت - وهي تروي لنا موقفاً تعبيريا محرجا حصل لها في الصف - من مشكلة مزج اللغتين إلى مشكلة سوء تعبير باللغة العربية الأم ، حين سألتها المعلمة ذات مرّة :

-ماذا يعمل والدك ؟

فأجابت :

-يصيحُ عندما تغنّي أمّي ويخرج كثيراً) (ص 22) .

فتتكشّف نوايا "إلكترا" المبيّتة من خلال "النقلة" التي لا رابط لها بموضوعة اللغتين ، والتي تعرض للآخرين جانباً من نقمة أبيها على أمّها بعيداً عن "فخ لعبة المفردات" كما حاولت تبرير ذلك ، وقريباً جدّاً من الإنطلاق العارم للعدوان المُحتبس ضد الرمز الأمومي الذي "نٌقل - transferred" الآن إلى رمز آخر هو المعلّمة :

(ضحكتْ [= المعلّمة] . تذكرتُ بقرة ملوّنة ضاحكة على علبة جبن فرنسي . حذاء المعلّمة أخضر قبيح يطلقون عليه "أبو كعب الدبابة" . اسمها ست زهور أم الجغرافية . أنا أفضّل تسميتها ست جغرافية أم الزهور.

أعادت سؤالها :

-قلتُ ماذا يعمل والدكِ ، وليس ماذا يفعل؟ أقصد ما هي مهنته ؟

أجبتها بتأن هذه المرّة :

-تاجر مطيّبات ) (ص 22) .

هذه المطيّبات ، التي كانت رائحتها تثير أعصاب الأم ، في حين يعتبرها الأب أفضل من رائحة نيكوتين سكائرها ، في الوقت الذي تفكّر فيه البنت بالكيفية التي تقضي بها على النمل الذي يعشش ويسمن في الحاويات : بالماء والصابون أم بالرشاش المُبيد ؟! (ص 23) .

إنّ "الإنزلاقات" التي تحصل في افكار وذكريات البنت ، وتأتي متناشزة مع المسار الرئيسي لتلك الإرتجاعات (الفلاش باك) ، كثيرة جدا ، وتفصح عن المكبوت أو المقموع الحقيقي في لاوعيها "الصغير" ، لكن هذه "الإنزلاقات" والانحرافات والمناورات تنعدم تماماً حين يكون الأمر متعلّقاً بخدوجة وعالمها وعلاقات عائلتها وطقوسها وتفاصيل عيشها . هنا تكون الذاكرة متّقدة وشديدة الدقّة ومتعلّقة بقوة بالمسار الرئيسي للحوادث لا تحيد عنه أبداً . إنّها تتذكّر كل ملمح من ملامح وجه خدّوجة .. طبيعة البيوت والحجرات .. كيف يتناول أهلها طعامهم ويعلقون ملابسهم .. حتى طبيعة قطرات الماء التي تلتصق بالطريق الترابي المرشوش ، وهنا وصف رائع :

(... أمّأ هي [= خدّوجة] فدخولها بيتنا من أول ممنوعات أمّي ، تسمّيها القذرة وناقلة القمل ، كلّما زادت رفضا لخدوجة زاد انتظاري ، رغما عنها ، للنصف الثاني من النهار ، حيث سألتقي بذات الوجه الأسمر في منتصف الطريق الترابي بين بيتنا والنهر . سيرشّونه بالماء ، وستستلتقي قطرات هائمة على تعرّجات الأرض متماسكة ككرات زئبق تمرّغت في التربة لتنحشر بين مساماتها . تأتي خدوجة بوجهها السنجابي الجاف ، وزوايا فمها المتيبّس ، والكلف الشمسي يبقّع بشرتها لتقودني إلى مأواها) (ص 24) .

إنّها تستعيد كل تفصيل لتلك الحياة المفقودة بالنسبة لها ، حياة "روايتها العائلية" المُتخيّلة .. هي البنت الضائعة التي عثرت عليها عائلة خدّوجة : دلّة الأم وكاظم الأب ، والتي تنتظر أن يعثر عليها أبواها الحقيقيان . والبيوت الطينية التي تصفها الآن بكل دقّة هي - في الواقع النفسي - بيتها الضائع :

(المنظر الخارجي لتلك الكتل الطينية الثلاث المركونة عند حافة النهر يوحي بهياكل منسية قد تُشعر الرائي من بعيد بإحساس الـ "لا شيء" ، لكنها كانت لي كلّ شيء . كنتُ أرقبهم يبنونها بعلب السمن الفارغة . يصفّونها طابوقاً من معدن ، يحشون الفراغات باللِبِن والطين ، ثم يسّدون الفجوات والزوايا بأنواع مختلفة من علب الحليب الجاف وقناني قديمة وقطع حديد مستهلكة . عندما تسقط سهواً لطخة طين عن الجدار ، تظهر كلمة "نيدو" ، أو وجه فتاة علبة "زيت البنت" . كان ذلك ملكهم المتواضع ، فيه كلّ ثقتهم التي تقيهم الشمس والمطر، كما كان فضاءهم الوحيد لاستضافة غريب يفكر بالإقتراب منهم . كم كان هذا الإقتراب يشغل تفكيري . غير أني لم اشعر قط بأنني غريبة . بالرغم من تسميتهم إيّاي ببنت الأجنبية ، كانوا يرحّبون بي في أي كوخ اخترت دخوله. كانت خدوجة ، إن لم تجرّني من يدي ، تدفعني من ظهري حتى اعتدتُ أن أدلف إلى أوكارهم دون حاجة إلى تشجيعها : "تعالي تعالي لا تستحين" ) (ص 23) .

 

د. حسين سرمك حسن


التعليقات




5000