..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
د.عبد الجبار العبيدي
.
رفيف الفارس
امجد الدهامات
.......

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قصة قصيرة//بطشتم جبارين

د. رياض الاسدي

لست أدري لم جيء بي أنا الدريع (*) لأقف بعيدا مربوطا إلى شجرة كاليبتوس قديمة، وإلى خطّ ثلاثة لا أعرف منهم إلا (أبو حرب) وكنت انظر طوال الوقت إلى الجمع المدجج بالبنادق وأصرخ : آني شنو جايبيني؟ لكن تلك الكلمات ما كانت تزيد الواقفين إلا حنقا متزايدا علي. ثم ردّ عليّ رئيس الجمهورية بنفسه : معقولة متدري ليش جايبينك هنا؟ كلب!. والله ما ادري والعقيدة سيدي! ربما كنت أرى (أبو حرب) يضحك مني.. اجل هو يضحك بقوة. ياالهي أية قوة أعصاب لديه؟ صدق من أطلق عليه (أبو حرب).
ولم يكن يرى أبو حرب ما فعله شيئا مشينا. أبدا. كان يعده واجبا حزبيا مقدسا. لاشيء أقدس من الحزب بنظره في هذا العالم. وحتى ذلك الموقف في مواجهة فوهات البنادق أيضا. لذلك لم يحلف (بالعقيدة!) كما أفعل أنا إلا مرات قليلة في حياته وتحت ضغوط كبيرة جدا؛ رغم أن مفهوم العقيدة لم يكن واضحا لديه بما فيه الكفاية كما أظن. وطالما تسأل أمامي : يعني شنو عقيدة؟ محمد جاء بعقيدة للعرب ونحن جئنا بعقيدة.. لا فرق.. قابل هاي شغله كبيرة! وهو لم يحرك في داخله شيء آخر غير ما تدرب عليه مذ كان طالبا مغمورا في معهد التكنولوجيا.. كان الحزب ملاذه الأول والأخير، والغاية من وجوده أيضا.
العالم بفقره المدقع هو من جاء بي إلى مواجهة فرقة الإعدام هذه. أنا كنت أعمل فرانا مساء في (البتاوين)(**) لتوفير مصروفي وإيجار الفندق - شجابني أعمل مراسلا لأبي حرب!؟- وما يتطلبه ربع عرق مسيّح في آخر الليل. لم أعد أفكر بالانتحار مذ عملت معه فقد حدث كلّ شيء بسرعة مذهلة. ولم اخطط لذلك من قبل. كانت أمي تطلق عليّ صفة (الدريع) دائما حتى بعد أن كبرت وبقيت تناديني الدريع أبو رأس. لم أكن أفهم وصفها إلا بعد أن قتلت خلال أقل من شهر بعد مدة التدريب مباشرة سبعة أكراد وثلاثة من الشيعة وآخر(سكوتي) مجهول الهوية تحت التعذيب. لم نأخذ من ذلك ألسكوتي حقا ولا باطلا حتى أسمه كان مزورا. وكان الجميع لا يطاردونني في أحلامي: هذه كذبة اخترعها الضعفاء من الناس. مات السكوتي واخذ كلّ أسراره معه. غضبت من نفسي فقط. فأعجب بي أبو حرب وجعلني مراسله الخاص. ثم أصبحت احتسي نصف عرق وأحيانا ثلاثة أرباع قنينة للعمل والراحة معا. كذب من قال إننا نعذب المعتقلين بشدة لأننا سكارى، أبدا، كنت غالبا ما اكون في كامل وعيي. لكنها لزوم المهنة فقط. المهم كان راتبي جيدا والمكافآت التي يمنحها لي الأستاذ أبو حرب مفيدة لأسرتي.قال أبو حرب:
- ولك أنت ابن جراده الدريع شجابك عليه؟
- الزمن سيدي!
- وما أجيت إلا على درب أبو حرب..؟
- دم لحم عمي دم لحم!
- زين.أنت مخلص إلي ولك دريع؟
- للوحة.جربني.
- شنو رأيك بالتكارته دريع؟
- الرأي رأيك والشوره شورتك عمي أبو حرب!
- التكارته مسيطرين على الحكم
- مسيطرين.
- واحنه (الشروكيه) صفر
- صفر. سيدي.
- مووو؟؟
- إي سيدي إي..
تغيّرت حياتي وأصبح بإمكاني أن أرسل دنانير زرق إلى أسرتي في عمق هور العمارة. كم كانت الدراسة في الجامعة مضحكة. وكانت أمي تحلم أن أكون مدرسا وبعين كبيرة. وينك يما تعالي شوفي ابنك يهرس الناس هرس. لكني لازلت أشعر كوني صفرا ولم أحقق ما اريده. وكل الفضل لأم نظارات. تلك السكوتية. كانت الأخيرة تجلس في نادي الطلبة، وحدها، دائما، على طاولة نظيفة حيث دأب عامل مصري على مسحها بشدة يوميا حتى حجزت لها. ممنوع أن يفكر بالجلوس عليها احد الطلبة أو الطالبات. كانت ترتدي فستانا مشجرا وتضع قليلا من الماكياج: شعر أسود طويل ونظارتان سوداوان كبيرتان. لم يكن ثمة احد يجرؤ على محاسبتها في عدم ارتداء الزي الموحد طبعا. وحينما تقدمت منها حدجني (الحماية) متحسسا مسدسه. قلت متلعثما:
- صباح الخير!
- شتريد؟
- أنا ابن حجي طارش..
- طارش منو؟
- ابن عم السيد الوالد من بعيد.
- أنت من "البزون"؟
- كلهم يسلمون..
- أقعد..
جلست بمسافة عنها كتلميذ مطيع. لم أر عينيها قط. ربما كنت الطالب الوحيد الذي يجلس إلى الطاولة خلال أشهر. ثم شرحت لها ظروفي المادية الصعبة وكيف إني أعمل فرانا في المساء. وقلة الدنانير العشر التي تمنحها لي الجامعة كلّ شهر بعد الوقوف في طابور طويل وهي لا تكفي مصرف أسبوع واحد.
- ليش أبوك ميدزلك فلوس؟
- أبوي مات..
- وهسه شتريد..؟
- أترك الجامعة واشتغل بالحكومة.
- ويه الأستاذ؟
- بلكي أطلع من الصفر..
ناولتني عشرة دنانير مصمت وكتبت أسمي الثلاثي وعنواني في دفترها، ثم أمرتني بالانصراف.. كانت تشبه أخاها أبو حرب كثيرا. حدّقت فيه من جديد كان يشبه أخته كثيرا. يواجه الموت بدم بارد. وقبل إعدامه بلحظات أمسك نظارتيه قائلا : هذه هي القطعة الوحيدة التي اشتريتها من الحزب، ولا املك غيرها. ثم رماها بعيدا كمن يتخلص من حمل ثقيل. في ذلك اليوم عرفت لم أطلق عليه بعض ضباط الأمن سرا كما تناهى إلى سمعي لقب (طنبور طين) : شيء ما قفز إلى الذهن فجأة، واستقرّ في الأعماق.
لم يكن يعرف كيف قفز ذلك الوصف طنبور طين إلى رأسه, وهو يقتاد مع عدد من الرماة بثيابهم العسكرية إلى الحديقة الخلفية من القصر. وبقي ينظر إليه طوال الوقت وهو يحدّق به. صار لعبته في اللحظات الأخيرة. كان يوجد ثمة شجيرات صغيرة زرعت توا في مكان الإعدام. من الصعب التأكد من نوعها وقتذاك. كانوا خمسة عشر من الرماة يحملون كلاشنكوفات نصف أخمص لا تمنح إلا لمن هو ذي شأن في الدولة والحزب. لماذا فصلت عن الجماعة ألآني أعمل مراسلا؟ لست ادري. وبإشارة واحدة قام ثلاثة من الرماة واتخذوا وضع الجلوس أمامي. صحت من جديد : آني شنو جايبيني؟ ثم جلسوا على الركب بانتظار الأوامر ووقف الرجال الثلاثة مقيدين إلى أعمدة نصبت سريعا لهذه المهمة. وقف هو وسط أثنين من رفاقه ممن اشتركوا في المؤامرة.ثم وقف رئيس الجمهورية ونائبه خلفهم مع عدد آخر من الرفاق القياديين وضباط الجيش الكبار وقد علت قسمات وجوههم دهشة ممزوجة بخوف داخلي. قال: رئيس الجمهورية بصوت عال:
)أبو حرب) هل تريد أن تقول شيئا أخيرا؟
- إي.. تفووو عليك! سيدي.
وما أن هبطت اليد المرفوعة حتى كان صوت الاطلاقات مدويا يصم الآذان. لم يترك أية فرصة للصراخ فقد نفدت مخازن البنادق الكلاشنكوف كلها في الأجساد الثلاثة التي لم تتحرك عن أماكن وقوفها كثيرا. دخان البنادق يملأ الفضاء القريب. وبقيت أنا الآخر في الانتظار. لم يخترع ثمة احد شيئا كهذا من قبل: هو من جعل كلّ شيء ممكنا في هذه البلاد. الحزب وصاحبنا العبقري ذاك طنبور طين. قال النسيان أفضل آلة في كل العصور لمحو الذكريات المؤلمة. لولا النسيان لانفجر الإنسان هكذا تقول الحكمة القديمة: ربما سأنفجر في وقت قريب لأني من الصعب أن أنسى الآن كلّ الذكريات تحضر في شريط واحد. ابتعدوا عني مسافة مناسبة تقيكم قذارات ما اختزن إذا. وحدهم العباقرة والحمقى ممن يجيدون استخدام حالة الانتحار لدرء بلادات ما يعيشون وما يعرفون.. كلاهما انتحرا بالطريقة نفسها : وضعا ماسورة بندقية صيد في الفم. أولئك لم يمارسوا حالة الدريع مثلي. لا شيء إلا ضغطة واحدة على الزناد. وحده ذاك الذي استل سيفه واضعا قبضته على صخرة ثم ارتمى على نصله كان أكثر معرفة مني.. أما ذاك الذي وضع البندقية في فمه وأطلق النار ببرود كامل كان يدرك جيدا ماذا يعني العالم؟ كان يجلس بالقرب من الموقد الساكن الذي احتوى على بقايا رماد قديم. أبو حرب. رأيته. أخيرا. لم اهتم لهبوط اليد وإطلاق النار. شيء لا يهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) الدريع : المندفع، والصفرة من الصفر وتعني الجنون.
(**) منطقة شعبية في قلب بغداد بطشتم جبارينرياض الأسدي لست أدري لم جيء بي أنا الدريع (*) لأقف بعيدا مربوطا إلى شجرة كاليبتوس قديمة، وإلى خطّ ثلاثة لا أعرف منهم إلا (أبو حرب) وكنت انظر طوال الوقت إلى الجمع المدجج بالبنادق وأصرخ : آني شنو جايبيني؟ لكن تلك الكلمات ما كانت تزيد الواقفين إلا حنقا متزايدا علي. ثم ردّ عليّ رئيس الجمهورية بنفسه : معقولة متدري ليش جايبينك هنا؟ كلب!. والله ما ادري والعقيدة سيدي! ربما كنت أرى (أبو حرب) يضحك مني..اجل هو يضحك بقوة. ياالهي أية قوة أعصاب لديه؟ صدق من أطلق عليه (أبو حرب).
ولم يكن يرى أبو حرب ما فعله شيئا مشينا. أبدا. كان يعده واجبا حزبيا مقدسا. لاشيء أقدس من الحزب بنظره في هذا العالم. وحتى ذلك الموقف في مواجهة فوهات البنادق أيضا. لذلك لم يحلف (بالعقيدة!) كما أفعل أنا إلا مرات قليلة في حياته وتحت ضغوط كبيرة جدا؛ رغم أن مفهوم العقيدة لم يكن واضحا لديه بما فيه الكفاية كما أظن. وطالما تسأل أمامي : يعني شنو عقيدة؟ محمد جاء بعقيدة للعرب ونحن جئنا بعقيدة.. لا فرق.. قابل هاي شغله كبيرة! وهو لم يحرك في داخله شيء آخر غير ما تدرب عليه مذ كان طالبا مغمورا في معهد التكنولوجيا.. كان الحزب ملاذه الأول والأخير، والغاية من وجوده أيضا.
العالم بفقره المدقع هو من جاء بي إلى مواجهة فرقة الإعدام هذه. أنا كنت أعمل فرانا مساء في (البتاوين)(**) لتوفير مصروفي وإيجار الفندق - شجابني أعمل مراسلا لأبي حرب!؟- وما يتطلبه ربع عرق مسيّح في آخر الليل. لم أعد أفكر بالانتحار مذ عملت معه فقد حدث كلّ شيء بسرعة مذهلة. ولم اخطط لذلك من قبل. كانت أمي تطلق عليّ صفة (الدريع) دائما حتى بعد أن كبرت وبقيت تناديني الدريع أبو رأس. لم أكن أفهم وصفها إلا بعد أن قتلت خلال أقل من شهر بعد مدة التدريب مباشرة سبعة أكراد وثلاثة من الشيعة وآخر(سكوتي) مجهول الهوية تحت التعذيب. لم نأخذ من ذلك ألسكوتي حقا ولا باطلا حتى أسمه كان مزورا. وكان الجميع لا يطاردونني في أحلامي: هذه كذبة اخترعها الضعفاء من الناس. مات السكوتي واخذ كلّ أسراره معه. غضبت من نفسي فقط. فأعجب بي أبو حرب وجعلني مراسله الخاص. ثم أصبحت احتسي نصف عرق وأحيانا ثلاثة أرباع قنينة للعمل والراحة معا. كذب من قال إننا نعذب المعتقلين بشدة لأننا سكارى، أبدا، كنت غالبا ما اكون في كامل وعيي. لكنها لزوم المهنة فقط. المهم كان راتبي جيدا والمكافآت التي يمنحها لي الأستاذ أبو حرب مفيدة لأسرتي.قال أبو حرب:
- ولك أنت ابن جراده الدريع شجابك عليه؟
- الزمن سيدي!
- وما أجيت إلا على درب أبو حرب..؟
- دم لحم عمي دم لحم!
- زين.أنت مخلص إلي ولك دريع؟
- للوحة.جربني.
- شنو رأيك بالتكارته دريع؟
- الرأي رأيك والشوره شورتك عمي أبو حرب!
- التكارته مسيطرين على الحكم
- مسيطرين.
- واحنه (الشروكيه) صفر
- صفر. سيدي.
- مووو؟؟
- إي سيدي إي..
تغيّرت حياتي وأصبح بإمكاني أن أرسل دنانير زرق إلى أسرتي في عمق هور العمارة. كم كانت الدراسة في الجامعة مضحكة. وكانت أمي تحلم أن أكون مدرسا وبعين كبيرة. وينك يما تعالي شوفي ابنك يهرس الناس هرس. لكني لازلت أشعر كوني صفرا ولم أحقق ما اريده. وكل الفضل لأم نظارات. تلك السكوتية. كانت الأخيرة تجلس في نادي الطلبة، وحدها، دائما، على طاولة نظيفة حيث دأب عامل مصري على مسحها بشدة يوميا حتى حجزت لها. ممنوع أن يفكر بالجلوس عليها احد الطلبة أو الطالبات. كانت ترتدي فستانا مشجرا وتضع قليلا من الماكياج: شعر أسود طويل ونظارتان سوداوان كبيرتان. لم يكن ثمة احد يجرؤ على محاسبتها في عدم ارتداء الزي الموحد طبعا. وحينما تقدمت منها حدجني (الحماية) متحسسا مسدسه. قلت متلعثما:
- صباح الخير!
- شتريد؟
- أنا ابن حجي طارش..
- طارش منو؟
- ابن عم السيد الوالد من بعيد.
- أنت من "البزون"؟
- كلهم يسلمون..
- أقعد..
جلست بمسافة عنها كتلميذ مطيع. لم أر عينيها قط. ربما كنت الطالب الوحيد الذي يجلس إلى الطاولة خلال أشهر. ثم شرحت لها ظروفي المادية الصعبة وكيف إني أعمل فرانا في المساء. وقلة الدنانير العشر التي تمنحها لي الجامعة كلّ شهر بعد الوقوف في طابور طويل وهي لا تكفي مصرف أسبوع واحد.
- ليش أبوك ميدزلك فلوس؟
- أبوي مات..
- وهسه شتريد..؟
- أترك الجامعة واشتغل بالحكومة.
- ويه الأستاذ؟
- بلكي أطلع من الصفر..
ناولتني عشرة دنانير مصمت وكتبت أسمي الثلاثي وعنواني في دفترها، ثم أمرتني بالانصراف.. كانت تشبه أخاها أبو حرب كثيرا. حدّقت فيه من جديد كان يشبه أخته كثيرا. يواجه الموت بدم بارد. وقبل إعدامه بلحظات أمسك نظارتيه قائلا : هذه هي القطعة الوحيدة التي اشتريتها من الحزب، ولا املك غيرها. ثم رماها بعيدا كمن يتخلص من حمل ثقيل. في ذلك اليوم عرفت لم أطلق عليه بعض ضباط الأمن سرا كما تناهى إلى سمعي لقب (طنبور طين) : شيء ما قفز إلى الذهن فجأة، واستقرّ في الأعماق.
لم يكن يعرف كيف قفز ذلك الوصف طنبور طين إلى رأسه, وهو يقتاد مع عدد من الرماة بثيابهم العسكرية إلى الحديقة الخلفية من القصر. وبقي ينظر إليه طوال الوقت وهو يحدّق به. صار لعبته في اللحظات الأخيرة. كان يوجد ثمة شجيرات صغيرة زرعت توا في مكان الإعدام. من الصعب التأكد من نوعها وقتذاك. كانوا خمسة عشر من الرماة يحملون كلاشنكوفات نصف أخمص لا تمنح إلا لمن هو ذي شأن في الدولة والحزب. لماذا فصلت عن الجماعة ألآني أعمل مراسلا؟ لست ادري. وبإشارة واحدة قام ثلاثة من الرماة واتخذوا وضع الجلوس أمامي. صحت من جديد : آني شنو جايبيني؟ ثم جلسوا على الركب بانتظار الأوامر ووقف الرجال الثلاثة مقيدين إلى أعمدة نصبت سريعا لهذه المهمة. وقف هو وسط أثنين من رفاقه ممن اشتركوا في المؤامرة.ثم وقف رئيس الجمهورية ونائبه خلفهم مع عدد آخر من الرفاق القياديين وضباط الجيش الكبار وقد علت قسمات وجوههم دهشة ممزوجة بخوف داخلي. قال: رئيس الجمهورية بصوت عال:
)أبو حرب) هل تريد أن تقول شيئا أخيرا؟
- إي.. تفووو عليك! سيدي.
وما أن هبطت اليد المرفوعة حتى كان صوت الاطلاقات مدويا يصم الآذان. لم يترك أية فرصة للصراخ فقد نفدت مخازن البنادق الكلاشنكوف كلها في الأجساد الثلاثة التي لم تتحرك عن أماكن وقوفها كثيرا. دخان البنادق يملأ الفضاء القريب. وبقيت أنا الآخر في الانتظار. لم يخترع ثمة احد شيئا كهذا من قبل: هو من جعل كلّ شيء ممكنا في هذه البلاد. الحزب وصاحبنا العبقري ذاك طنبور طين. قال النسيان أفضل آلة في كل العصور لمحو الذكريات المؤلمة. لولا النسيان لانفجر الإنسان هكذا تقول الحكمة القديمة: ربما سأنفجر في وقت قريب لأني من الصعب أن أنسى الآن كلّ الذكريات تحضر في شريط واحد. ابتعدوا عني مسافة مناسبة تقيكم قذارات ما اختزن إذا. وحدهم العباقرة والحمقى ممن يجيدون استخدام حالة الانتحار لدرء بلادات ما يعيشون وما يعرفون.. كلاهما انتحرا بالطريقة نفسها : وضعا ماسورة بندقية صيد في الفم. أولئك لم يمارسوا حالة الدريع مثلي. لا شيء إلا ضغطة واحدة على الزناد. وحده ذاك الذي استل سيفه واضعا قبضته على صخرة ثم ارتمى على نصله كان أكثر معرفة مني.. أما ذاك الذي وضع البندقية في فمه وأطلق النار ببرود كامل كان يدرك جيدا ماذا يعني العالم؟ كان يجلس بالقرب من الموقد الساكن الذي احتوى على بقايا رماد قديم. أبو حرب. رأيته. أخيرا. لم اهتم لهبوط اليد وإطلاق النار. شيء لا يهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) الدريع : المندفع، والصفرة من الصفر وتعني الجنون.
(**) منطقة شعبية في قلب بغداد

د. رياض الاسدي


التعليقات




5000