..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
 جمعية الراسخ التقني العلمية
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


كتاب (2) كتاب / الأبيض كان أسود / للناقد ناجح المعموري

د. حسين سرمك حسن

  

عندما يصبح النقد الأسطوري قسرا وإفراطا !

عرض ونقد :

                   بغداد المحروسة - 8/7/2014

تناولتُ - بالعرض - في القسم السابق الكتاب الأول للناقد والباحث الأستاذ (ناجح المعموري) من بين الكتب السبعة الجديدة التي صدرت له عن دار تموز بدمشق مؤخّرا ، وهو كتابه عن الشاعر الكبير (موفق محمّد) (قبّعة موفق) . الآن أتناول بالعرض والنقد كتابه الثاني ، وهو (الأبيض كان أسود : دراسات في الفوتوغرافيا) (1) .

ومن الملاحظات على نتاجنا الثقافي التي تقرب من الظاهرة هي قلّة ، بل ندرة البحوث والدراسات والكتب التي توضع في مجال القراءة النقدية العميقة للصورة الفوتوغرافية وفن التصوير الفوتوغرافي . وقد يكون كتاب ناجح المعموري هذا (الأبيض كان أسود) (114 صفحة) من الكتب القليلة النادرة في هذا المجال ، ولكنه ليس الكتاب المؤسّس كما جاء في (التقديم - ص 7) الذي كتبه الشاعر (شكر حاجم الصالحي) . شكر كان منصفاً حين قال :
(أزعم أن (الأبيض كان أسود) لمبدعه ناجح المعموري يجتهد في تأسيس مدرسة عراقية لنقد النصّ الفوتوغرافي المعاصر ، مستندا إلى ذخيرة معرفية ثرة تستنبط أحكامها وتوجهاتها من معطيات المشهد الراهن الذي يشير إلى إبداعات ثلاثة من مبتكري الصورة المعبّرة عن واقع عراقي مُلتبس) (ص 7) .

لكنه كان مُنفعلا ومُفرطا حين قال :

(إن (الأبيض كان أسود) قراءة تأسيسية وضعت أسسها أفكار مبدع كبير وبهذا نستطيع الجزم أن ناجح المعموري بهذا المنجز الرصين برهن لقارئه أصالة وثراء تجربته التي أضافت لنا باحثا ومفكّراً إلى ميدان لم تطأه أقدام غيره من قبل) (ص 7) .

فبهذا الرأي يلغي شكر أي جهد سابق على تجربة ناجح . فالسبق في هذا الميدان قد يعود إلى الكاتب (نجمان ياسين) الذي أصدر كتابه المهم (مراد الداغستاني : جدل الإنسان والطبيعة) في عام 1985 ، والذي أثار موجة عارمة من الإهتمام في الوسط الثقافي آنذاك ، ونفدت العشرة آلاف نسخة التي طُبعت منه خلال مدّة قصيرة . ويبدو أنً كتابة تقديم من قبل زميل ، غير متخصّص بالمجال المعني الذي يتناوله الكتاب أو مهتم به أو باحث فيه ، لا يؤمّن الدقة والموضوعية وغاية الإثراء المطلوبة . ينسحب رأينا هذا على كلمة الغلاف الأخير للشاعر "عادل الياسري" التي لم تضف شيئا لا إلى تعريف الكتاب ولا إلى جهد ناجح البحثي .

تناول ناجح المعموري في كتابه هذا تجربة ثلاثة من المصورين الفوتوغرافيين العراقيين هم :

-الراحل الكبير فؤاد شاكر

-الفنان كفاح الأمين

-والفنان ناصر عسّاف

وذلك عبر خمس مقالات هي :

1-كل صورة تتذكّر عاشقا اسمه فؤاد شاكر

2-الفنان كفاح الأمين : الموجود مطرود من وجوده

3-الوهم النيتشوي في فوتوغرافيا كفاح الأمين (ولا أعرف لماذا تمّ اختيار العنوان الفرعي الثاني المُرتبك (الفوتوغرافيا غامضة الدلالة/رولان بارت) في الفهرس ، وليس هذا العنوان الأول المُحدّد؟!)

4-الفنان ناصر عساف : الهور يودّع صباحه حزينا

5-غروب صباحات الأهوار

وقد تناول ناجح منجز الفنانين الثلاثة وفق منهجه المعروف في البحث الأسطوري وبلغة شعرية جميلة ومنضبطة . عن إحدى صور فؤاد شاكر التي تجسّد كهلا جالسا متكئاً على عصاه في مقهى ، يقول :

(الكرسي المنفرد في مكان معزول رمز الوحدة والعزلة (...) الكرسي في صور فؤاد شاكر متعب هو الآخر ، وحلّت عليه الشيخوخة واندمج مع غيره في مكان عام .. كالمقهى مثلا. تراجيديا الكهولة واضحة، ولاتحتاج كشفاً عن تفاصيلها . فهي متضادة مع الإناقة إلّا ما ندر .. ربما كان الكهل قريبا من مجموعة في المقهى ، لكن الكاميرا عزلته والتقطت صورته وحيدا . هذا هو الموقف الفكري للفنان . الشيخوخة موت منذ لحظة تعطّلها عن المشاركة مع الآخرين . عيناه صامتتان وتوسّله بالعصا واضح ، كوّر كفّه عليها ، فصارت ركيزة ساندة له في جلسته . كفّاه فوق مقبض العصا التي هي ذخيرته . إنّها يده الثالثة وكأنه أعمى) (ص 41 و42) .

وهناك ملاحظة إجرائية مهمة كنّا نقدّمها للعزيز الراحل فؤاد شاكر في لقاءاتنا الخاصة ، وقد توفي ولم يحققها (يجوز بسبب روح الطفولة اللائبة في داخله ، والتي لا يفصح عنها أبدا ، والتي لاحظها ناجح في تضادها الثابت مع الشيخوخة في صور فؤاد) ، وهي ، أي تلك الملاحظة ، كما يؤشر ذلك ناجح بدقّة :

(أن يتنبه فؤاد لوحدة الموضوع الثقافي /الاجتماعي/الفلسفي ويوجد ضمن هذا السياق حتى تتضح أنطولوجيا اللقطات وتفضي بنا نحو وحدات سردية محكومة بوحدة بنائية وتوفر لنا فرصة واسعة لقراءة مترابطة.. فؤاد خسر فرصة مهمة بغياب التبويب) (ص 19) .

أمّأ عن كفاح الأمين فإن رؤياه كما يرى ناجح الذي تعامل مع صوره كنصوص ، تتمحور حول صورة "الأرض الخراب" التي تستدعي إليها حكايات بغداد كلّها ، حكاياتها عن الإندثار والتآكل والموت وانتظارها للحلم منذ لحظة تأسيسها وحتى لحظة تسجيل كفاح لخراب الأرض التي هي سرديات صامتة تأخذ المتلقي إلى حقب وعصور ومجالات اجتماعية وثقافية وسياسية ، هذه كلها مزينات المكان الفخم قبل خرابه (ص 46) .

أمّا عن تجربة الفنان (ناصر عسّاف) فيرى ناجح أنه مهتم بالبعد الإجتماعي في تسجيلاته الفوتوغرافية الخاصة بالمكان الذي قدّمه فارغا يهيمن عليه سكون يطبع عليه الإندثار والتوقّف والتعطّل الاجتماعي الذي يفضي إلى سكون اشتغالات أخلاقية ابتكرها المكان وجعلها جزءاً حيويا من هوية الجماعة (ص 85) .

تبقى ملاحظة ودعوة .

الملاحظة :

----------

تتعلّق بما أشعر به - كلما قرأت كتابا للعزيز ناجح - بهذا الإقحام القسري والمُفرط للموروث التوراتي اليهودي في كل ما يصادفه من عصي وحجارة وأشجار وأشخاص وأسماك وأيام وألوان . بل أن كل شيء في الحياة العراقية صار لزاماً أن تكون له أصول ومعانٍ توراتية يهودية ، أو العكس ، أو وجود علاقة ما بهما مهما كانت طبيعتها . فعلى سبيل المثال - وهذا المثال من بين عشرات الأمثلة - وبقدر ارتباط الأمر بهذا الكتاب ، لننظر كيف يؤوّل ناجح معنى العصا التي كان كهل بغدادي يتكيء عليها حينما صوّره فؤاد شاكر وهو جالس في أحد المقاهي .

يقول ناجح :

(أسطورة السبط يهوذا مع كنّته تمارا معروفة )

ناجح يقول عن "أسطورة" السبط يهوذا وحكايته مع كنّته تمارا إنها (معروفة) . وأنا أضع ألف علامة استفهام . فهي قصّة توراتية خاصة باليهود ، كيف هي معروفة لجميع القرّاء ؟!

يواصل ناجح القول :

(حيث كانت عصاه [= عصا يهوذا] رمزا ذكوريا واضحا ارتهنتها تمارا بعد ممارسة الجنس معها ، عندما وجدها عارضة جسدها كالبغي ، وتحوّلت عصا يهوذا دالاً على خصّبها ؟ وأنقذت نفسها من القتل ) (ص 42) .

ما هي علاقة عصا هذا الكهل البغدادي بعصا السبط يهوذا وحكايته (المعروفة) مع كنّته تمارا في العهد القديم ؟
ما هي علاقة عصا هذا الكهل البغدادي الجالس متكئا عليها لتسند جسمه المتهالك ، بعيدا عن أي مشاعر جنسية أو إخصابية ، بعصا يهوذا ؟

أليس المفروض أن يؤخذ رمز العصا ضمن سياقه ؟ وضمن تفاعلات الكهل معها ؟ هل كل عجوز يتكيء على عصا ، تنطوي عصاه على رموز الخصب والجنس ؟

ونأتي الآن إلى السؤال الأهم والأخطر :

لماذا لا يخبرنا ناجح بتفاصيل هذه  (الأسطورة) ، وهي "قصّة" توراتية - وليست أسطورة - حالها حال قصص القرآن الكريم مع الفارق الكبير طبعا ؟

ولماذا يقتطع ناجح منها عدّة أسطر ويترك بقيّتها ؟

أليس الصحيح أن نأخذ الصورة الكلّية للقصّة (مبدأ الجشطلت) لنعرف بدقّة هل ترتبط عصا "بطلها" بعصا الكهل البغدادي الجالس في المقهى أم لا ؟  

أنا أخبركم بهذه القصة :

 فيهوذا واحد من ابناء (يعقوب - إسرائيل) الإثنى عشر (يُسمّون بالقبائل اليهودية أو الأسباط كما جاء في القرآن) . أقول يهوذا يظهر في هذه القصة ليس إلها للخصب ، ولكن كمتهتّكٍ وزانٍ ومنتهكٍ للمحارم .

ومن جديد : ما هي حكاية السبط يهوذا ؟

ما هي حكاية يهوذا وتمارا ( واسمها في التوراة ثامار) ؟

إنّها حكاية زنى بالمحارم أيها الأخوة . ولا تستعجلوا الحكم ، وانتظروا كي أخبركم بالقصة أولا ومن التوراة نفسه الذي هو كتاب زنى المحارم بامتياز (طبعاً التوراة الذي كتبه كهنة التوراة في بابل وليس التوراة كلام الله المُنزّل المقدّس) . أنتم لا تعرفون هذه القصّة لأنكم لم تقرأوا التوراة في حياتكم في المدارس أو المكتبات ولم تسمعوه من القنوات العراقية ، ولم يحتفظ به آباؤكم في البيوت مثل القرآن الكريم ، فأنتم لستم من أحفاد يهوذا ، ولا علاقة لكم بالثقافة التوراتية ، وموروثكم الأسطوري سومري وأكدي (بابلي) وآشوري .

هذه حكاية يهوذا وثامار حسبما وردت في التوراة :

(1 وكان في ذلك الوقت أنّ يهوذا انفرد عن إخوته فنزل برجلٍ عَدُلامي يُقال له حِيرَة* 2 ورأى يهوذا هناك بنت رجلٍ كنعاني اسمه شُوع فتزوّجها ودخل بها* 3 فحملت وولدت ابنا ودعا فسمّاه عِيراً* 4 ثم حملت أيضاً وولدت ابناً فسمّته اونان* 5 وعادت أيضا فولدت ابناً ودعت وسمّته شِيلَة . وكان في كازيب حين ولدته* 6 واتخذ يهوذا زوجة لعِير بِكره اسمها ثامار* 7 وكان عِير بكرُ يهوذا شريراً في عيني الربّ فأماته الربّ* 8 فقال يهوذا لاونان ادخل بامرأة أخيك فتزوجها وأقم نسلاً لاخيك* 9 وعلم أونان أنّ النسل لا يكون له فكان إذا دخل على امرأة أخيه أفسد على الأرض لئلّا يجعل نسلاً لأخيه* 10 فقبح ما فعله في عيني الرب فأماته أيضا* 11 فقال يهوذا لثامار كنّته أقيمي أرملة في بيت أبيك حتى يكبر شِيلة ابني لأنه قال لعلّه يموت هو أيضا كأخويه . فمضت ثامار وأقامت في بيت أبيها* 12 ولما طالت المدّة ماتت ابنة شوع امراة يهوذا وسلا يهوذا بعدها وصعد الى جُزّاز غنمه في تِمْنَة هو وحِيرة صاحبه العَدُلامي* 13 وأُخبرت ثامار وقيل لها هُوَذا حموك صاعد الى تِمنة ليجُزّ غنمه* 14 فخلعت عنها ثياب إرمالها وتغطّت بالخِمار وتنقّبت وجلست في مأتى العينين على طريق تِمنة إذ رأت أنّ شِيلة قد كبر ولم تُزوّج به* 15 فرآها يهوذا فحسبها بغيّاً لانها كانت مغطّيّة وجهها* 16 فمال إليها إلى الطريق وقال هلمّ أدخل عليكِ لأنه لم يعلم أنها كنّته . فقالت ماذا تعطيني حتى تدخل عليّ* 17 قال أبعثُ بجدي معزٍ من الماشية . قالت أعطني رهنا إلى أن تبعث* 18 قال ما الرهن الذي اعطيكه . قالت خاتمك وعمامتك وعصاك التي بيدك . فأعطاها ودخل عليها فعلقت منه* 19 ثم قامت فمضت ونزعت خمارها ولبست ثياب إرمالها* 20 وبعث يهوذا بجدي معزٍ مع صاحبه العدلامي ليفتكّ الرهن من يد المرأة فلم يجدها* 21 فسأل أهل موضعها وقال أين البغيّ التي كانت عند العينين على الطريق . قالوا لم تكن ههنا قطّ بغيّ* 22 فرجع الى يهوذا وقال لم أجدها وأهل الموضع أيضا قالوا ما كانت ههنا قطّ بغيّ* 23 فقال يهوذا لنذهب بما عندها لئلّا يلحقنا خزي فإني قد ارسلت الجدي وأنت لم تجدها* 24 وبعد مضيّ نحو ثلاثة أشهر أخبر يهوذا وقيل له قد باغت ثامار كنتك وها هي حامل من البغاء . فقال يهوذا أخرجوها فتُحرق* 25 فبينما هي مُخرجة بعثت الى حميّها فقالت مِنَ الرجل الذي هذه الأشياء له أنا حامل . وقالت أثبتْ لمن هذا الخاتم والعمامة والعصا* 26 فأثبتها يهوذا وقال هي أبرُّ مني لأنّي لم أزوجها لشِيلة ابني ولم يعد أيضا يعرفها* 27 ولمّا كان وقتُ ولادتها إذا بتوأمين في جوفها* 28 ولمّا ولدت أخرج أحدهما يده فأخذت القابلة قرمزا فعقدته عليها وقالت هذا خرج أولا* 29 ولمّا ردّ يده خرج أخوه فقالت لماذا انقطع لأجلك السياج فسمي فارَص* 30 وبعد ذلك خرج أخوه الذي على يده القرمز فسمي زارَح) (2).

هذا ما ورد نصّاً في سفر التكوين ، وبإمكان أي قاريء أن يعود إلى كتاب (العهد القديم) أو التوراة - طبعا هو غير موجود في بيوتنا كما قلت - أو الكتاب المقدّس ، ليتأكّد من ذلك . وسأقدّم لكم خلاصتها :

يهوذا إبن يعقوب هو أحد الأسباط الإثنى عشر ، كان لديه ثلاثة أولاد .. الأكبر اسمه (عِير) .. تزوّج من فتاة اسمها (ثامار) . أمات الربُّ (عير) لأنه شرّير فترمّلت ثامار ، فزوّجها يهوذا لابنه الثاني أونان ، أخو عير ، ولم تحبل منه ثامار أيضا ، فقد كان يقذف منيّه على الأرض . وهذا أماته الربّ أيضا ، فوعدها يهوذا أن يزوّجها ابنه الثالث والأخير الصغير شِيلة عندما يكبر !! انتظرت ثامار أن يزوّجها يهوذا من ابنه شِيلة ولكنه نسي ولم يفعل ، وبدلاً من أن تذكّره في جلسة ودّية وبالعتاب ، قرّرت اللجوء إلى حلّ "اسطوري" ، وهو أن تزني بعمّها لتشبع عطشها الجنسي (أو تصبح رمزا للخصب حسب التأويل !!) ، أي تصبح مومساً . ذهبت وجلست في طريق أبي زوجها يهوذا (عمّها كما يسمّيه الكهل العراقي الذي صوّره فؤاد شاكر في المقهى). ولكي لا يعرفها عمّها غطّت وجهها ببرقع . ويهوذا لم يقصّر قال لها تعالي أضاجعك . فقالت له يجب أن تدفع مقدّما . قال لها لا أحمل مالاً . فقالت له أعطني عصاك وخاتمك وعمامتك كرهن عندي إلى أن تسلمني أجري ! ناكها يهوذا وذهب إلى شغله. ولأنّ يهوذا يحب عصاه لأنها رمز للخصب وجزء من النظام الثقافي كما يقول الأستاذ ناجح ، فقد أرسل شخصا ليجلبها من ثامار ويعطيها أجرها ، فلم يجدها ، فثامار كانت قد عادت إلى البيت ، ولبست ثياب الترمّل ثانية . المهم أنً ثامار حبلت بعد مدّة (طبعاً من عمها يهوذا أبو زوجها) وجاء من يخبره بالأمر، فقال يهوذا : أحرقوا هذه الزانية . هنا أخرجت ثامار العصا والعمامة والخاتم التي رهنها عندها يوم ضاجعها كقحبة ، وقالت له : ها .. أنظر ، هذه هي عصاك .. أنت الذي زنيت بي يا عمّي . وهنا عَذَرها يهوذا ولم يحرقها ، كي يستعيد عصاه رمز الخصب ، وليحافظ على النظام الثقافي حسب تأويل الأستاذ ناجح .

 

إنّها ليست أسطورة متخيّلة مثل الأساطير السومرية واليونانية ، مثلاَ ، فيها آلهة خيالية تسكر وتزني وتقتل وتتآمر كما هو معروف . بل هي حوادث فعلية لبشر معروفين في التاريخ اليهودي هم نبي وأولاده الأسباط وأحفاده .

والآن هل هذه العصا - هنا - هي رمز للنظام الثقافي وللخصب ، أم هي سلعة (مكافئة للمال) لأن ثامار عندما مارست دور البغي أخذتها من يهوذا مع خاتمه وعصابته كرهن يستعيده عندما يدفع لها أجر المضاجعة ؟

ثمّ هذه الأدوات عائدة ليهوذا رمز السلطة البطريركية وليست لثامار رمز السلطة المتريركية ، ولهذا فيهوذا هو رمز الخصب وليست ثامار !!!!

ولماذا تصرّفت ثامارا هكذا ؟

يقول النص التوراتي لأن يهوذا لم يزوّجها من ولده شِيلة حسب وعده ، فعطّل مسيرة الإخصاب ، فأرادت أن تذكّر عمّها بأنها من رموز الإخصاب الكوني ، وتحرجه أيضاً . لماذا لم تطلب من يهوذا الوفاء بوعده بحوار صريح وجلسة عتاب كما يفعل الأوادم في كلّ مكان ؟ ولماذا اختارت عمّها لينيكها وتورّطه ؟ ألم تكن قادرة على لعب نفس الدور مع شيلة الإبن وهو الزوج المُنتظر ؟

سيقول قائل إنها أرادت أن تزني وتأمن من عقاب الحرق مادامت تورّط عمّها السبط ؟ لكن هل من المعقول أنّ امرأة تريد إثبات خصوبتها تزني مع محارمها ؟ ولو أتينا بهذه العصا وحكينا قصّتها لهذا الكهل العراقي المُسلم كأكبر احتمال ، والغير يهودي بصورة مؤكّدة ، هل يوافق على استلامها واستخدامها في حياته اليومية كرمز للخصب أم أنه سيعتبرها نجاسة وأداة للإثم والشرّ والمسافحة ، ويقوم برميها في الزبالة ، ثم يغسل يديه ؟ 

طيّب .. الآن ولدت ثامار توأما من عمّها وأثبتت خصوبتها . ما هو الوصف الذي ينطبق على هذين المولودين ؟

لقد ولدت ثامار توأمين هما : فارص وزارح ، وهؤلاء هم أسباط يهوذا الفارصيون والزارحيون. ومن الفارصيين الزناة جاء أكبر ملوك العابيرو وأعظم أنبياء يهوه وهو : الملك داود (وستكون لنا وقفة موسّعة وطويلة قريبة مع الأستاذ ناجح لمراجعة هذه الأمور) .

لنترك هذا الأمر ولنعد إلى السؤال الأساسي :

هل هناك علاقة لعصا هذا الكهل العراقي المُتعب كالعادة والذي صوّره الراحل فؤاد شاكر وحيدا معزولا في المقهى ، بعصا السبط يهوذا التي رهنها لدى كنّته ثامار حين زنى بها وهي من محارمه ؟!

كل إنسان يختزن في طبقات لاشعوره الجمعي دلالات الرموز المرتبطة بالنماذج الأولّية - archetype ، كالماء والشمس والقمر والأرض والعصا وغيرها بمعانيها العامة (الماء رمز الخصب والتجدّد والولادة وليس رمزا لصورة الإله إنكي مثلا) ، ولكي يختزن هذا الكهل معاني هذه الأسطورة (أسطورة يهوذا وثامار) يجب أن يطّلع عليها ، فأين قرأ هذا الكهل البغدادي هذه الأسطورة وأين سمعها في حياته ؟ في المدرسة ؟ في المكتبة ؟ في الصحف ؟ سمعها من الإذاعة العراقية ؟ هل يحتفظ أبوه وأمّه بكتاب التوراة أو العهد القديم في البيت ويثقفونه عليه كل يوم ؟ هل نقرأ المزامير في الإذاعة والتلفزيون في الأعياد كاليهود ؟ أم أن القرآن هو الأساس في التربية الدينية اليومية ، والموروث السومري والبابلي في اللاشعور الجمعي هما الأولى في تكوينه الأسطوري ؟ فلماذا هذه الحماسة والإفراط في إعادة كل حركة ، وكل عصا ، وكل شجرة ، وكل ثوب ، وكل لون ، وكل سمكة بُنّية ، وكل كرسي ، إلى تشبّع وجدان وذاكرة العراقيين بالآيات والسور والمزامير والأسفار اليهودية ؟؟؟!!

حتى الكرسي الذي يجلس عليه هذا الكهل البغدادي في المقهى صار رمزاً لكرسي العرش للإله اليهودي يهوه الذي استراح عليه بعد أن خلق الكون في سبعة أيام كما يقول ناجح (راجع ص 40) حيث ربط كرسي الكهل في المقهى بالأسطورة التوراتية :

(حين خلق الربّ اليهودي السموات والأرض واستكمل خلق الحيوان والإنسان وجعل العالم مكتملا وفي اليوم السابع استوى على العرش/ الكرسي !! - ص 40)

 هل معقول أن كرسي هذا الكهل العراقي له هذا المعنى التوراتي ؟؟!!

وهل أن القصّة التوراتية تقصد بالكرسي كرسي المقهى الذي شاهد فؤاد شاكر هذا العجوز المتهالك يجلس عليه في مقهى "حسن عجمي" مثلا قبل أن يلتقط له الصورة ؟؟!!

أمر غريب لا أستطيع شخصيا أن أقرّه على الإطلاق .

وكل هذه الأخطاء تعود من وجهة نظري إلى سبب رئيسي هو عدم تحديدنا للمعنى الدقيق لـ "الرمز - symbol" ، وخلطه بـ "العلامة - sign" في كثير من الأحوال ، تابعين لتأويلات بعض النقّاد الغربيين "الكبار" ، ونسيان القاعدة الذهبية (كل رمز هو علامة ، ولكن ليس كل علامة رمز)  . عندما يقول زوج لزوجته :

(لقد مللتُ .. كلّ يوم غداؤنا رز ومرق .. إشوي لنا سمكة اليوم) .

هل معنى هذه الرغبة أن هذا الرجل يريد احتضان الإلهة عشتار والنوم في أحضانها ليمثل معها دور الإله الإبن دموزي مادامت السمكة رمزاً من رموزها الأسطورية ؟

على هذا الأساس يكون المشتغلون بالسمك المسقوف في شارع أبو نواس هم أكثر العارفين الثقاة في عالم الأسطورة !!

يجب أن تأتي هذه السمكة ، وهذا الطلب ، ضمن "سياق" محمّل بشحنة نفسية ، وله مرجعياته الثقافية والاجتماعية وحتى الدينية . إنّ الدخان "علامة" على النار ، لكنه يصبح "رمزا" في قصيدة تتحدث عن روح العاشق المهجور المحترقة أو قلب المقاتل الجسور المُلتهب مثلا. ونفس الشيء يُقال بالنسبة إلى عصا الكهل . إنّها "علامة" على التقدّم في العمر والضعف والعجز ؛ أداة معاونة على المشي والإتكاء وحفظ التوازن ، وليست رمزا للسلطة والملوكية وعصا للألوهة والخصب والإنبعاث والقضيب . لكن إذا جاءتنا معلومات عن أن هذا الرجل العجوز يلوّن عصاه ويطليها كل يوم ، وينيمها معه ويتشمّمها كل ليلة .. إلخ .. أو أنه يحلم كلّما نام بأنه يركبها ويطير بها ، أو يستخدمها كأداة سحرية لفتح ما هو مُغلق ، أو للإشباع الجنسي ، أو أنه يكتب القصائد والقصص عنها ، فسوف تتحوّل إلى رمز للرجولة الضائعة وطموح للإنقاذ واستعادة القدرة الإخصابية .

إنّ الحصاة علامة على الأرض الصخريّة ، ولكنها تصير رمزا حين تستخدمها عجوز لمعرفة الحظ أو إذا تبرّك بها شخص وحملها في جيبه .

أمّا أن هذه العصا التي يتكيء عليها هذا العجوز المنعزل في مقهى بغدادي تمثل الخصب والإنبعاث والنظام الثقافي ، فهذا توسيع مروّع لمعنى هذه الأداة ، وتعسّف في إقحامه قسريّأً في "سياق" ليس له أبداً . وأمّا أن عصا العجوز تشبه عصا السبط يهوذا الذي رهنها عند زوجة ابنه المومس عندما زنى بها - فهذه - وليسمح لي صديقي وأخي الأعز الأستاذ ناجح - "شطحة" أسطورية !! وأجلى أشكال خطورة هذه الطريقة في التحليل ومقاربة النصوص تتمثل في أنّ هناك جيلاً من الشباب ينظر إلى طرقنا في التحليل ويعمل على الإقتداء بها .    

# تبقى الآن الدعوة :

---------------------

هي دعوة لتلافي نقص فادح في هذا الكتاب المهم ، وهو عدم وجود قسم للصور التي تمثل تجربة المصوّرين الثلاثة . وعليه أدعو العزيز ناجح إلى إعادة طباعته مع قسم خاص للصور لنرى طبيعة تجربة الفنانين الثلاثة من جانب ، ومدى ارتباط التحليلات النقدية بكل صورة من جانب آخر .   

والله من وراء القصد .

خاتمة عن علاقات المحارم والمسافحة في التوراة :

-----------------------------------------------

قد يستغرب بعض القرّاء ويُصدمون حين يسمعونني أقول أن كتاب التوراة الكهنوتي هو كتاب المحارم والمسافحة . ولردّ أي شبهة أنقل للسادة القرّاء وبتجرّد تام بعض حالات الزنا بالمحارم والمسافحة في توراة الكهنة (العهد القديم) :

(نزح إبراهيم إلى مصر وادعى أن امرأته هي أخته: ( ليكون لي خير بسببك وتحيا نفسي من أجلك ).(التكوين إصحاح 12/ 13) ويعود غنيا: . والغريب في الأمر أن فرعون يعاقبه الإله لأنه اقترب من زوجة إبراهيم. بينما إبراهيم الكذاب، والذي يتخلى عن شرفه بدفع امرأته إلى فرعون، لا يمسه شيء بل يعود غانماً !!

ويكرر إبراهيم تأجير زوجته لملك جرار.

 يطرد إبراهيم الأب امرأته هاجر- وهي جارية مصرية وثنية أعطاها فرعون لزوجته سارة- وابنها إسماعيل ويرميهما في البرية، لغيرة دبت في نفس الحرة ساراي (سارة) زوجته.

لايسعنا إلا أن نسأل عن القدسية في طرد أب لزوجته وابنه، لمجرد مزاج أخرق لدى زوجته الأخرى، وهو قائم على الغيرة والحسد!! وكيف ينزل يهوه إلى مستوى عقل سارة، ويأمر إبراهيم بطرد هاجر وابنه الذي هو من لحمه ودمه!! فيرميهما في برية موحشة!!

ابنتا لوط تسكرانه وتضاجعانه وتحبلان منه، وتلدان من أبيهما! فالبكر تسمي ولدها مؤاب( أبو الموآبيين) والصغيرة تسمي ابنها بن عمي( أبو بني عمون)

إسحق يدعي أن امرأته هي أخته أمام ملك الفلسطينيين أبيمالك، كما فعل إبراهيم قبله، لأنه خاف أن يقول: ( امرأتي لعل أهل المكان يقتلونني من أجل رفقة لأنها كانت حسنة المنظر)

يعجب داود بامرأة متزوجة، فيزني بها وتحمل منه، دون علم زوجها الغائب في ساحة القتال. فيستدعي داود زوجها أوريا الحثي من ساحة القتال، ويتحايل عليه لينام مع زوجته ليستر فضيحتها بحملها منه! ويأبى الجندي أن ينام مع زوجته وساحة المعركة تشغل باله. فيأمر داود أن يوضع في مقدمة الجيش ليقتل.. وتنجح خطة داود اللاأخلاقية ويقتل زوج عشيقته في الحرب. ويخلو له الجو، فيتزوج تلك المرأة وتنجب له سليمان الحكيم.

أمنون بن داود يضاجع أخته " ثامار"

أبشالوم بن داود يمارس الجنس مع سراري أبيه في خيمة على السطح، أمام جميع بني إسرائيل.

يمرض ابن داود( من عشيقته امرأة أوريا الذي دفعه داود إلى الموت) فصام داود وتألم.. ويموت الطفل، فيترك داود الصيام. ويتابع الإصحاح حديثه بأن داود مر على زوجته وعزاها، ثم اضطجع معها!! وكانت أن حملت منه وولدت سليمان.

سليمان الروحاني صاحب الحكم والأمثال، كيف كان يجد الوقت لعبادة الله ومناجاته وله سبعمئة من النساء السيدات، وثلاثمئة من السراري. وأكثر من هذا عبد آلهة وثنية.

ونشيد الإنشاد له ما هو إلا غزل جنسي مبتذل فاضح يتنافى مع توحيده. وليس غزلاً صوفياً في الإله كما يدعي أهل الرمز والباطن. وسليمان كأبيه داود، فهو يحاول أن يسرق فتاة ريفية من حبيبها مستخدماً سلطته كملك، وغزله كشاعر!!) (3).

هوامش :

----------

(1)(الأبيض كان أسود : دراسات في الفوتوغرافيا) - ناجح المعموري - دار تموز -دمشق - 2012 .

(2) الكتاب المقدّس - ترجمة الآباء اليسوعيين - دار الكتاب المقدس في الشرق الأوسط - بيروت - 1983 .

(3) نقد الدين اليهودي - جميل خرطبيل - دار صفحات -  دمشق - 2002 .

 

 

د. حسين سرمك حسن


التعليقات




5000