..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
د.عبد الجبار العبيدي
.
رفيف الفارس
امجد الدهامات
.......

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


السيد محمد باقر الحكيم قائد النضال ضد الدكتاتورية / القسم السابع

د.علاء الجوادي

صفحات قد لا تكون معروفة عن حركة السيد الشهيد الحكيم ودوره في اسقاط نظام العفالقة واقامة دولة الانسان في العراق يرويها بمناسبة الذكرى السنوية لشهادته احد اصحابه ومريديه

النظام السياسي العراقي المقترح


   

الحكيم صمود ونضال حتى الشهادة

  

تصورات حول النظام السياس المقترح

منذ سقوط النظام الصدامي المباد ودخول السيد محمد باقر الحكيم الى العراق فقد أكد على ضرورة الاهتمام بتشخيص طبيعة النظام المستقبلي للعراق وثيت انه: في هذه الأيام بصورة خاصة نواجه قضية أساسية ومركزية ورئيسية، هي قضية تشخيص النظام المستقبلي للعراق الذي يمكن أن يتم من خلال تدوين دستور البلاد. هذه القضية من القضايا التي طرحت الآن، وفي الأسبوع الماضي، وفي هذا اليوم بالذات يوجد اجتماع لمتابعة هذه القضية، وتعتبر أهم قضية يواجهها الشعب العراقي. ويمكن إيضاحها عبر أمرين:

الأول: لابدّ أن يعرف العراقيون جميعاً التصور المطلوب للنظام المستقبلي.

الثاني: أن يعرف العراقيون الآلية التي يمكن أن توصل إلى النظام المستقبلي الصحيح، أو تشخيص الآلية والطريق الذي يوصلنا إلى هذا التصور، ومن دونه يصبح العراق في معرض أكبر الأخطار التي يمكن أن يتعرّض لها.

وبين ان: أهم هذه الأخطار هو مسخ هوية العراق وشعبه. ولا أقول هذا الكلام من خلال إدراكي الشخصي فقط ومعرفتي ومتابعاتي، وإنما هو كلام مراجعنا العظام الذين يشعرون الآن بقلق عظيم تجاه هذه القضية، وكذلك هو كلام القوى السياسية في الساحة العراقية، وكلام العلماء والمثقفين والعارفين فيما يتعلّق بأوضاع العراق، ولذلك نحتاج إلى وعي كامل لهذين العنصرين الرئيسين. أما النظام فأشير إليه بصورة مختصرة وأرجو أن يبقى في أذهان الإخوة والأخوات العزيزات اللاتي يشاركن في هذه الصلاة، وهذه العبادة ذات الطابع العبادي الاجتماعي[1].

وتقوم رؤية الحكيم وتصوره للنظام المستقبلي الذي لابدّ أن نؤكد عليه في كل مكان وجانب على أربعة أركان، يحددها رحمه الله وسنذكرها تباعا.

  

الركن الأول: إرادة الشعب العراقي

ويقصد بهذا: أن يكون هذا النظام منبثقاً عن إرادة الشعب العراقي، بحيث يساهم العراقيون من خلال انتخابات حرة نزيهة في انتخاب أي حاكم أو حكم، وهو الذي يعبّر عنه بالمصطلحات السياسية بـ الديمقراطية. نحن لا نريد الدخول في بحث المصطلحات السياسية ومداليلها وإنما نريد التأكيد على المحتوى والمضمون، وهو أن يكون هناك نظام منتخب من العراقيين، ويمثل حقيقتهم في مكوّناتهم وخصائصهم وهويتهم وما يعتقدون به وما يلتزمون به.

  

الركن الثاني: هوية العراق وشعبه الإسلام

ويؤكد الحكيم ضمن هذا الركن انه: لابدّ أن يكون الإسلام ركناً أساسياً ولا يمكن التنازل عنه مهما استخدمنا من مصطلحات، وهو ركن يرتبط بهوية الشعب العراقي.

وعندما يثبت هذا الركن فانه يعترف بالوقت عينه ان: الشعب العراقي مختلف الأعراق، فيه عرب وأكراد وتركمان وفرس وأعراق أخرى لا أريد الإطالة في الكلام عنها كالآشوريين مثلاً. كما توجد في العراق مذاهب مختلفة، فيه شيعة وسنة، مضافاً إلى طبقات اجتماعية مختلفة في مستواها وأوضاعها، والجامع الذي يجمع هؤلاء العراقيين ـ حتى المسيحيين منهم ـ هو الإسلام.

   

القس زيا بوبو دوباتو راعي الكنيسة الاثورية النسطورية في محافظة نينوى يلتقي السيد الحكيم في الثمانينيات من القرن الماضي في مكتبه

ويقول الحكيم: حتى المسيحيين لأنهم وإن كانوا يختلفون معنا في الدين، لكنهم يرون في الإسلام الظل الظليل الذي يحمي وجودهم من الاضطهاد والقمع والمطاردة. المسيحيون عاشوا في العراق أربعة عشر قرناً وليس يوماً أو يومين، وبقوا يحتفظون بشخصيتهم ووجودهم، وعندما جاء النظام المستبد العنصري الطائفي الحاكم المباد، وحكم خمسة وثلاثين عاماً اضطر أكثر الشعب المسيحي إلى الهجرة والخروج من العراق بسبب القمع والمطاردة التي تعرّض لها، فالنظام قمع الجميع ومنهم المسيحيون. ولا أقول هذا الكلام جزافاً، فأنا شخصياً أرعى المسيحيين في إيران، وأرعى علماءهم ورهبانهم عندما لجأوا إلينا، وكانت إيران أحد المعابر الرئيسة التي كان يمر بها المسيحيون المهاجرون إلى بلاد الهجرة. إذن، فالإسلام برحمته الواسعة واعترافه بالديانات الأخرى يرعى هذه الديانات ويمكن أن يجمعها، فضلاً عن أنه دين 95% من أبناء الشعب العراقي على اختلاف انتماءاتهم العرقية والمذهبية، فهوية العراق هي الإسلام... العراق هو البلد الثاني بعد الجزيرة العربية في العالم الإسلامي الذي دخل الإسلام.

ويضيف: عراقنا لا يمكن أن يتنازل عن الإسلام، صحيح أننا قلنا ونقول ونؤكّد أننا لا نريد أن نستنسخ نسخاً للحكم الإسلامي الموجود في هذا البلد أو ذاك، هناك حكم إسلامي في إيران، ويوجد حكم يحكم باسم الإسلام في المملكة السعودية، وهكذا حكم آخر يرفع شعار الإسلام ويقول: إنّه حكم إسلامي في السودان، وغير ذلك من المناطق. نحن لا نريد أن نستنسخ نسخة من هذا البلد أو ذاك، نحن نريد حكماً يحترم الإسلام، ولا نكتفي بهذا، بل ويحترم قيم الإسلام، فلا يمكن أن تتحول مدننا العراقية ذات الغيرة والتاريخ الإسلامي، هذه المدن المقدسة بقدسية وجود أئمة أهل البيت عليهم السلام وأئمة المذاهب الأخرى، تتحول إلى مدن متحللة.

ويؤكد في هذا السياق على خصوصية اخرى فيقول: العراق يمتاز عن غيره أن فيه مدافن أئمة المذاهب الأخرى، كأبي حنيفة  والسيد عبد القادر الگيلاني  الذي يعتبر مقدساً في عالمنا الإسلامي، والسيد أحمد الرفاعي  أيضاً مدفون في العراق. نعم، ليس هناك أحد يوازي أئمة أهل البيت عليهم السلام، وهؤلاء جميعهم يقدّسون أئمتنا ويعترفون بالتلمذة والتبعية لهم.

ويحذر من خطر ماحق لاحق فيقول: فلا يمكن تحول العراق إلى مراكز للبغاء نعوذ بالله، بحجة اعتبار الحضارة الغربية البغاء مهنة من المهن ومن ثم يكون بلدنا مركزاً للبغاء، أو الفساد أو التحلل وشرب الخمر، وغير ذلك مما يمكن أن نراه في البلاد الغربية. العراق له شأن خاص، وفيه قيم الإسلام التي تؤمن بالغيرة والشهامة والحمية، هذه القيم يجب أن تحترم في النظام الذي ندعو إليه. الشريعة الإسلامية جزء من وجودنا، لا يمكن ضربها عرض الجدار والإتيان بشرائع لا تنسجم مع حضارتنا وثقافتنا وسلوكنا.

  

الركن الثالث: خصائص الشعب العراقي

ويؤشر الحكيم على التنوع باعتباره من اهم الخصوصيات التي تتميز بها تركيبة العراق فيشير الى انه: من حق الكردي أن تحترم ثقافته، وكذا العربي من حقه احترام ثقافته، والشيعي من حقه أن تحترم ثقافته ومذهبه في المناطق الشيعية، وتُدرس في مدارسهم ويعلم أبناؤهم، كما أن من حق السنّي أيضاً احترام ثقافته في مناطقه وبلاده، والمسيحي في مدارسه ومجتمعاته، هذه الخصائص والمكوّنات لابدّ من أخذها بنظر الاعتبار في الحكم المستقبلي.

أما أن يُلغى جميع الناس، وتفرض عليهم صيغة واحدة معينة، وأسلوب واحد، ويُقهر الآخرون فهذا أمر غير مقبول. لابدّ أن تعطى للناس حريتهم، أهل السنة في مناطقهم التي يمثلون فيها الأكثرية تدرس مذاهبهم وثقافتهم وتاريخهم، والشيعة كذلك في المناطق التي يمثلون فيها الأغلبية تدرس ثقافتهم ومذهبهم وتاريخهم وخصائصهم، وهكذا المسيحيون، والكرد، والعرب، والتركمان وغير ذلك، هذا ما نعبر عنه بخصائص الشعب العراقي.

  

الركن الرابع: وحدة تراب وشعب العراق

ويؤكد الحكيم على وحدة العراق فيقول: نحن ندعو إلى عراق واحد، وحكومة واحدة، وشعب واحد، وأرض واحدة، لا نسمح ولا نقبل أن يتجزأ العراق أو يتفكك أو يصبح دويلات.

ومن هنا كنا نرى أن الحل الصحيح هو الفيدرالية بطريقة تعبّر عن هذه المضامين والخصوصيات، وهي نظام معروف في العالم. أما ما هي الآلية، وما هو الطريق الذي يوصلنا إلى ذلك؟

هناك الآن اقتراح طرحته الولايات المتحدة الأمريكية وقوى التحالف على القوى السياسية العراقية، والقوى السياسية العراقية أيضاً كان لها اقتراح آخر تصرّ عليه ولا زالت تحاور عليه.

الاقتراح الذي طرحته الولايات المتحدة هو قيام قوات التحالف بتشكيل مجلس تختار عناصره هي، ومهمته تدوين الدستور وطرحه للناس. هذا طريق نحن نعتقد بعدم صحته، والمراجع يعتقدون ويصرحون أنه طريق غير سليم وصحيح. وموقفنا هذا نابع من موقع الشرع والقانون الدولي ومن موقع العزّة والكرامة الإسلامية والوطنية.

فمن الناحية الشرعية يقول الشرع: يجب الرجوع إلى العراقيين في تشخيص المجلس وانتخابه من ذوي الخبرة الذين يمكن أن يضعوا القانون. وكذلك في القانون الدولي، ينص قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1483 الذي تتمسك به قوى التحالف على أن الشعب العراقي هو الذي يقوم بتشكيل إدارة تقوم بعملية الانتخابات التي يقوم بها الشعب العراقي لينتخب من يدوّن هذا الدستور ومن ثمّ طرحه على الشعب. وكذلك منطق العزة والكرامة يفرض الرجوع إلى العراقيين في ذلك.

لماذا يكتب الآخرون دستورنا ويفرضونه علينا؟ هذا الأمر مرفوض ومطعون به من الناحية الشرعية والقانونية والوطنية ولا يمكن أن نقبل بذلك، نحن نعتقد أنه من الضروري جداً أن يكون هناك مجلس للخبراء القانونيين ينتخبه العراقيون انتخابات حرّة، وينعقد هذا المجلس ويدوّن الدستور طبق الأركان التي تحدثنا عنها، ثم بعد ذلك يُطرح للتصويت العام لكي يمكن أن يكون دستوراً عراقياً يشخصه ويدوّنه ويقرّه العراقيون. هذا الأمر لابدّ أن يتمسك به أبناء شعبنا.

كلامنا هذا قلناه منذ بداية الحركة، ولا زلنا نقوله، ونحمد الله ونشكره، ونشكر مراجعنا العظام الذين أيّدوا هذا الكلام وكانوا معه، وهم يصرّون على هذا الموقف.[2]

  

الجيش العراقي جيش الشعب والوطن

ويطرح الحكيم مفهوم ان الجيش العراقي ينبغي ان يكون جيشا للشعب والوطن لا كما كان في العهد المباد جيشا لدكتاتور ظالم لقمع الشعب وإذلال الوطن والتهاون في الحفاظ على اراضيه يقول الحكيم: هناك قضايا أخرى مهمة جداً مطروحة مثل قضية حلّ الجيش  وهي قضية صحيحة إذا أخذنا بعديها وجانبيها، أي: أن يحل هذا الجيش ويؤسس جيش جديد يؤسسه المخلصون من العراقيين على أسس جديدة للدفاع عن الشعب والوطن، لا أن يكون الجيش عصاً غليظة يُضرب بها العراقيون ويُقمعون، أو يكون الجيش جيش العدوان على الجيران، أو على البلاد الأخرى، فإذا كان الجيش بهذا الشكل فهو المطلوب، أما أن يحل الجيش، ويترك أبناؤه هكذا فوضى دون بديل فهذا يمثل مشكلة حقيقية في العراق، وسوف تكون له نتائج وخيمة جداً. هناك قطاع كبير يرتبط بهذه التشكيلات من المستضعفين والمحرومين، ليس كل الجيش من المجرمين، هناك قادة ارتكبوا جرائم، ولابدّ من إقالتهم وإبعادهم عن الجيش، وهم الجلاوزة الذين لم يكونوا من الجيش أبداً هؤلاء لابدّ من إبعادهم، ولكن، ما ذنب القطاعات الواسعة من الجيش العراقي؟! هؤلاء لابدّ من الاهتمام بهم، وأن يكون هناك بديل يوضع على أسس صحيحة أهمها:

أولاً: أن يمثل هذا الجيش الشعب كله، ومن جميع قطاعاته.

ثانياً: يكون مدافعاً عن الشعب.

ثالثاً: يكون مدافعاً عن الوطن، ولا يكون جيشاً عدوانياً أو قمعياً، يقمع الناس ويتدخل في أمورهم السياسية.

هذه المسألة من المسائل المهمّة جداً.[3]

  

الدولة العراقية المرتقبة

ثم يتحدث عن تفاصيل اكثر عن خصائص الدولة العراقية المشودة فيشير الى: ضرورة تشكيل دولة عراقية يشكلها العراقيون، وتشكيل مجلس عراقي يقوم بتدوين الدستور العراقي، ويحافظ على الأسس والأركان المطلوبة في النظام الذي يطالب به أبناء الشعب العراقي. ويقول: الآن تعتبر هذه القضية هي الأولى المطروحة في العراق من الناحية السياسية، حيث إن القوى السياسية العراقية، وجماهير العراقيين، والقوى الشعبية، وحتى القوى الدينية والمراجع العظام ـ كما ذكرت في الأسبوع الماضي ـ كلها تطالب أن تكون هناك دولة يشكلها العراقيون، ومجلس ينتخبه العراقيون. وفي مقابل ذلك تطرح قوات الاحتلال الأمريكية والبريطانية والمتحالفة معها أمراً آخر هو أن تقوم سلطات الاحتلال بتعيين مجلس سياسي يقوم بتشكيل الإدارة وإدارة شؤون البلاد، وكذلك تقوم بتشكيل مجلس دستوري يقوم بمهمة تدوين الدستور وطرحه للاستفتاء العام.

هذا الموضوع يعتبر من أهم الموضوعات المطروحة الآن أمام الشعب العراقي، وأمام القوى السياسية العراقية، والقوى الدينية التي هي فوق كل هذه القوى، وأمام الرأي العام العالمي وحتى في المجتمع الدولي ومن خلال قرار مجلس الأمن، وقلت في الأسبوع الماضي: إننا نقرأ قرار مجلس الأمن قراءة دقيقة، ونعرف النصوص القانونية ونفهمها، باعتبارنا فقهاء متمرسين بالعمل الفقهي والقانوني، ونفهم ما هو قرار مجلس الأمن، الذي ينص بصورة واضحة على أن الإدارة يشكلها العراقيون، وأن الحكومة ينتخبها العراقيون، وأن الدستور لابدّ أن يدونه وينتخبه العراقيون.[4]

  

ديمقراطية الاحتلال الملتوية

ولذلك لا يمكن لسلطات الاحتلال أن تعيّن مجلساً سياسياً، أو تفرض هذا المجلس على الشعب العراقي، أو تقوم بتعيين مجلس دستوري. في الحوار الذي جرى مع سلطات الاحتلال،ـ ونحن نتحدث مع أبناء شعبنا العراقي بصورة واضحة غير خفيّة، ولا نكتم عليهم شيئاً، وهذا واجبنا في العمل الذي نباشره من موقع المسؤولية الشرعية قبل كل مسؤولية أخرى، تحاول هذه السلطات تبرير هذا العمل بمبررّين[5]:

المبرر الأول: أننا في تعييننا للمجلس السياسي والمجلس الدستوري نقوم بإجراء مشاورات مع القوى السياسية والمحافل الشعبية وجميع أوساط الشعب العراقي، ومن خلال هذه المشاورات نقوم بتعيين المجلس السياسي والمجلس الدستوري. فكأنهم يريدون أن يقولوا: نحن لا نعيّن، وإنما من خلال المشاورة يتم هذا التعيين، والعراقيون يمارسون دورهم الطبيعي في التعيين. هكذا يقولون ويبررون.

المبرر الثاني: إن الانتخابات أمر غير ممكن في الوقت الحاضر، لأن الشعب العراقي غير مهيأ لأجراء انتخابات في هذه المرحلة.

ونحن في حوارنا معهم قلنا بصورة واضحة: إن كلا المبررين غير مقبول، ولا يمكن أن تقبلهما القوى السياسية وأبناء الشعب العراقي، فضلاً عن المرجعية الدينية التي هي فوق كل شيء.

  

الانتخابات مطلب جماهيري

بعد ذلك يذهب الحكيم الى تحليل مقولة "الانتخابات مطلب جماهيري" فيقول: أما المبرر الأول، فنحن نعتقد أن مجرد المشاورات لا تكفي، والتعيين لابدّ أن يكون من قبل الشعب العراقي، والقوى النافذة فيه. أما كيف؟ فهذا ما أتحدث عنه ـ إن شاء الله ـ في الأسبوع الآتي ـ إذا وفقني الله سبحانه وتعالى للحضور معكم في هذا الاجتماع ـ وسنبين الكيفية ولكننا نعتقد بأن النص القانوني في قرار مجلس الأمن أولاً، والسيادة العراقية التي يؤكدها مجلس الأمن، وتؤكدها جميع المحافل والقرارات الدولية ثانياً، كلها تؤكد أن التعيين لابدّ أن يكون عراقياً، ولا يمكن أن يكون من خلال سلطات محتلة، وإلاّ فإن ذلك يكون نقضاً لجميع العهود الدولية، وللشعارات التي رفعوها في موضوع الديمقراطية، وهذا فرض على الشعب العراقي وليس اختياراً وانتخاباً من الشعب العراقي للسلطة، أو الدستور الذي يريده الشعب.

وأما المبرر الثاني، فسوف أتحدث عنه تفصيلاً في المستقبل إن شاء الله، ولكن سوف أشير إليها بعض الإشارة هنا، لابدّ أن نعرف أن الانتخابات هي أمر ممكن، والادعاء بأنها غير ممكنة ادعاء لا صحة له، ولا يتطابق مع الواقع. نحن الآن في النجف الأشرف، المحافظة المقدسة التي تنتسب إلى الإمام علي عليه السلام شاهدنا أن النجفيين كانوا على استعداد كامل لأن يجروا انتخابات حرة نزيهة وبفعالية كبيرة جداً، من خلال المرشحين والاجتماعات والتحرك في الأوساط الاجتماعية، بالرغم من كل الضغوط التي مورست ضدهم من هنا وهناك، ولا أريد الدخول في تفاصيلها، ثم أجّلت هذه الانتخابات وأجّلت... وأجّلت... وإلى الآن لم تجر هذه الانتخابات. يسأل الحكيم: لماذا؟!

ويجيب: يقال: إن أبناء الشعب العراقي غير قادرين على إجراء هذه الانتخابات، وقد جرت انتخابات في مناطق أخرى في العراق، وكان من الممكن إجراؤها في كل العراق، وسوف أوضح بعض الملامح في إمكانية إجراء الانتخابات، ولكننا نعتقد بأن الانتخابات أمر يمكن إجراؤه بشيء من الحكمة والعقل والتدبير والتعاون بين أوساط الشعب العراقي، ومن ثم فلا نعتقد أن المبرر الثاني يسوّغ فرض سلطة وإدارة على العراقيين بالتعيين، أو فرض مجلس دستوري على العراقيين بالتعيين، وإن ذلك سوف يكون مجالاً للطعن بكل هذه المقررات في المستقبل، كما سوف أوضح ذلك إن شاء الله في المستقبل[6].

  

الدستور العراقي

يعتبر الحكيم ان موضوع الدستور من أهم الموضوعات التي تواجهها ساحتنا العراقية، ومن الموضوعات المطروحة للبحث على مستوى الحوار السياسي مع سلطات الاحتلال، وكان مطروحاً في أوساط القوى السياسية والدينية قبل الحرب وأثنائها وبعدها وحتى الآن، واهتمت به المرجعية الدينية العامة اهتماماً بالغاً بحيث رأت من الضروري أن تتخذ موقفاً واضحاً وصريحاً تجاهه، وأصدرت الفتاوى أيضاً بهذا الشأن . ويؤكد ان هذا الموضوع تناوله ضروري، والبحث فيه يحتاج إلى فسحة من الوقت، ولكن سأفهرس البحث فيه ضمن نقاط. وأتركه إلى فرصة قادمة:

النقطة الأولى: إدراك أهمية الدستور كي تكون هناك تعبئة عامة في أوساط أمتنا للاهتمام بهذا الموضوع، والمشاركة الفعالة والمراقبة الدقيقة والمتابعة له.

النقطة الثانية: بحث مبادئ الدستور الرئيسة التي تتطلع أمتنا الإسلامية والعربية بصورة عامة لها، وتتطلع أمتنا العراقية وشعبنا العراقي بكل مكوناته إلى هذه المبادئ، فالبحث يكون عن ماهية المبادئ الرئيسة التي يقوم عليها الدستور.

النقطة الثالثة: بحث الآليات والطرق والمناهج التي يمكن من خلالها التوصل إلى كتابة دستور يؤمّن المبادئ في مثل هذه الظروف، ويكون موضع الرضا من الله سبحانه وتعالى ومن أمتنا وشعبنا.[7]

  

الانتخابات

الانتخابات كما يصرح هو الحق المشروع للشعب العراقي ويحذر في الوقت نفسه من ان يحاصر بين التأجيل والإلغاء، ويقول: إن سلطات الاحتلال تحاول التهرب من الانتخابات ؛ بادعاء أن إجراءها أمر غير واقعي وغير عملي في الأوضاع الفعلية والحالية التي يعيشها الشعب العراقي، مع اعتقادنا بإمكانية إجرائها، والشاهد على هذه الحقيقة هو ما جرى في النجف الأشرف، فمنذ أكثر من شهر كان هناك قرار لأبناء النجف الأشرف، ولم يكن قراراً لحزب أو جهة أو شخص، وإنما كان قراراً لأبناء المحافظة كلها، سواء مدينة النجف أم المدن الأخرى التي تنتسب إلى هذه المحافظة الشريفة المسماة بهذا الاسم الشريف الذي يرتبط بعلي عليه السلام والحوزة العلمية ولا يرتبط بجماعة معينة من الناس.

بعض الناس عندما نقول: النجف الأشرف، أو يسمعون بالنجف الأشرف، يتصورون الانتماء إلى مجموعة من الناس سكنوا هذه المدينة. النجف لا ترتبط بهؤلاء السكان، بالرغم من أن شرف هؤلاء وكرامتهم وعزتهم نابع من سكناهم في النجف، لكن ارتباط النجف بعلي عليه السلام وبالحوزة العلمية أعطاها هذه القدسية، ووجود هذه المقبرة الشريفة التي هي مأوى الأرواح المقدسة الشريفة، مقبرة وادي السلام، فالنجف ترتبط بهذه المعاني المقدسة.

كان قرار هذه المحافظة إجراء انتخابات قبل أكثر من شهر ونصف، ثم عينوا وقتاً لهذه الانتخابات، وكان يمكنهم إجراؤها في ذلك الوقت، وكان قبل أكثر من شهر، ثم جاءت سلطات الاحتلال وطلبت التأجيل ثم أُجّلت... وأُجّلت حتى أُلغيت بعد ذلك.

إذن، لماذا يقال: إن أهل العراق غير مؤهلين لإجراء الانتخابات؟!. [8]

  

الانتخاب من منظور إسلامي

وإذا أردنا التحدث عن موضوع الانتخابات لابدّ أن نشير من الناحية الواقعية والعملية إلى طريقين ومنهجين كلاهما إسلامي وصحيح وعرفه التاريخ الإسلامي:

المنهج الأول: منهج أهل الحل والعقد، بحيث يقوم المتصدون للعمل الاجتماعي ـ والمعبّر عنهم في المصطلحات الإسلامية الفقهية بـ أهل الحل والعقد، أي: أهل الخبرة والمواقع الاجتماعية والوجاهة في المجتمع ـ بعملية الانتخاب، فتقتصر عملية الانتخاب على هذه الطبقة من الناس، حيث يقومون بانتخاب مجلس يأخذ على عاتقه انتخاب الحكومة التي تدير شؤون البلد. وهذا ما جرى فيه التحاور، وتلتزم به أيضاً القوى السياسية والاجتماعية.

وأما تشخيص طبقة أهل الحل والعقد من الناحية الخارجية الواقعية فيمكن أن يشخّصوا في نوعين من الناس:

النوع الأول: القوى السياسية المتصدية في ساحتنا العراقية.

النوع الثاني: الوجهاء والشخصيات المعروفة في الأوساط الاجتماعية سواء من رؤساء عشائر أم شخصيات علمية ودينية أم شخصيات مؤسساتية، سواء كانت جامعية أم غيرها. وهذا أمر عملي باشرناه وقمنا بإدارته، وتمكنا من تحقيقه بالرغم من كل الجهود التي بذلت لعرقلته.

إذن، فهذا من الأمور الممكنة، وهو مبدأ إسلامي معترف به في الوسط الإسلامي.

المنهج الثاني: الانتخاب المباشر، وهو منهج معروف أيضاً عالمياً، وفي العراق حرمنا منه لسنوات طويلة بسبب الاستبداد والطغيان، والآن توجد فرصة حقيقية أمام هذا المنهج، وهو منهج إسلامي.

إذا أردنا النظر إلى خلافة الإمام علي عليه السلام وتصدّيه لها، وإن كان عليه السلام منصوباً من قبل الله للخلافة، ونحن نعتقد بأن الخلافة الإلهية هي بالنص الإلهي الذي يأتي على لسان النبي صلى الله عليه وآله، لكن من الناحية الخارجية وما وقع في مجرى التاريخ الإسلامي نجد أن خلافته عليه السلام من دون كل الخلفاء الذين تسلموا السلطة كانت بالانتخاب المباشر للناس، فإن الناس انتخبوا علياً عليه السلام لهذه الخلافة بشكل مباشر.

فهذا منهج إسلامي صحيح، وقد أقرّه الإمام علي عليه السلام في نهج البلاغة  كما وردت النصوص في ذلك، وأقره المسلمون أيضاً بصورة عامة.

الشعب العراقي وإدارة البلد

والآن يمكن للشعب العراقي القيام بانتخاب مجلس يقوم بمهمتين رئيستين:

الأولى: تدوين الدستور، من أجل طرحه على الشعب للتصويت عليه، والمفروض أن يكون في المجلس خبراء من العلماء والفقهاء والقانونيين الذين يتمكنون من التدوين.

الثانية: القيام بمهمة انتخاب الإدارة المؤقتة التي تدير شؤون البلاد إلى حين التهيؤ للانتخابات العامة المستقبلية.

أما آلية انتخاب هذا المجلس، فيمكن أن تُجرى انتخابات في كل محافظات العراق لانتخاب ممثلين لكل محافظة حسب عدد أصواتها، فإذا كانت المحافظة تضم خمسين ألف شخص، فيمكن أن يكون هناك خمسة ممثلين، بحساب أن لكل مائة ألف شخص ممثلاً واحداً، أو أن يكون ـ مثلاً ـ لكل مائة وخمسين ألف شخص ممثل واحد أو غير ذلك من التقديرات. وهؤلاء الممثلون يجتمعون كمجلس يقوم بالمهمتين المتقدمتين.

وأنا اعتقد أن هذا الأسلوب وهذا المنهج أمر ممكن، ولنجربه إذا كانت القضية موضع شك. نحن على يقين أن هذا الأمر ممكن تحقيقه بدون أي ريب. فلماذا تترك الأوضاع بهذا الشكل المنفلت؟ فلا أمن ولا استقرار ولا سوق ولا تجارة ولا زراعة ولا خدمات عامة. لماذا يترك الأمر العراقي بهذه الصورة بادعاء أن الانتخابات أمر غير واقعي؟!

أرجو وأطلب من جميع إخواني العراقيين أن يأخذوا هذا الأمر بقوة ويعملوا من أجله، ليعبروا عن عزتهم وكرامتهم... عن استقلالهم... بل يعبروا عن إسلامهم وعقيدتهم... عن مُثلهم وقيمهم. نحن لا يمكن أن نقبل أن تفرض علينا الحكومات والصياغات والهيكليات، كما كان يصنع معنا في السابق، لقد ذهب عهد الاستبداد والطغيان إلى الجحيم وإلى مزابل التاريخ.[9]

  

مقاومة أم تخريب؟

ويطرح الحكيم منذ فترة مبكرة خطورة ظاهرة الارهاب المتستر باسم المقاومة ويقول: المقاومة المسلحة التي بدأت في العراق وأخذت منهجاً وشكلاً جديدين. وسوف أفصّل فيها بعض التفصيل في الأسبوع الآتي ـ إذا وفقني الله سبحانه وتعالى ـ ولكن سأكتفي بالإشارة الآن إليها ضمن نقاط:

أولاً: لابدّ أن نعرف هوية هذه المقاومة، وما هي خلفياتها؟ وما هي أسبابها؟ فإن معرفة ذلك من الأمور المهمة التي تدخل كعنصر أساسي في وعي الشعب العراقي وفهمه.

ثانياً: لابدّ أن نعرف ـ من الناحية الشرعية والإسلامية والفكرية والنظرية، ما هو موقف الإسلام من هذه المقاومة؟

هذان عنصران مهمان في المعادلة، وهما: تحليلنا السياسي لهذه المقاومة وخلفياتها من ناحية، ثم الرؤية الشرعية للمقاومة المسلحة من ناحية ثانية.

ثالثاً: لابدّ أن أشير إلى توضيح الموقف من هذه المقاومة، هل نشجع على هذه المقاومة؟ هل نهدّئ هذه المقاومة؟ ما هو الموقف الصحيح تجاه هذه المقاومة؟ هذه العناصر الثلاثة لابدّ أن تعالج في موضوع المقاومة، لأن هذه المقاومة مسلحة. فالمقاومة غير المسلحة ذكرنا موقفنا منها، وقلت: إن رأينا في المقاومة غير المسلحة هو رأي إيجابي ولابدّ للشعب العراقي أن يقاوم سلطات الاحتلال بطريقة سياسية، ووجوده؛ ليحكم العراقيون أنفسهم، كما ينص على ذلك، بصورة واضحة وبيّنة لا لبس فيها قرار مجلس الأمن، والقانون الدولي.[10]

  

الفراغ السياسي بعد الاحتلال

اشر الحكيم الى قيام فراغ سياسي في العراق بعد الاحتلال وتناول بالدرس والتحليل العناصر او العوامل المؤثرة على هذا الفراغ وسنشير الى رؤيته في هذا المجال تاليا.

  

الأمم المتحدة والعراق

يقول الحكيم: يجري الآن حوار بين سلطات الاحتلال، والقوى الدينية المتمثلة بالمرجعية الدينية، والقوى السياسية المتمثلة بالأحزاب، وأهمها الأحزاب السبعة  التي تحاور قوى الاحتلال، وكذلك القوى الشعبية التي بدأت تدخل على الخط في هذا الحوار.

حتى الآن يبدو الحوار وكأنه بين طرفين: سلطات الاحتلال، وقوى الشعب العراقي، مع أن هناك طرفاً ثالثاً من المهم جداً دخوله في هذا الحوار، وأن يكون له دور حقيقي، وقد طالبنا بهذا الدور قبل الحرب وأثناءها وبعدها، وأصررنا على هذا الدور من خلال حركة واسعة قمنا بها، حتى تطور هذا الدور إلى إقراره في قرار مجلس الأمن1483 . نحن نعتقد أن دخول الأمم المتحدة، ومجلس الأمن كطرف ثالث في الحوار الجاري حول مستقبل العراق ومصيره، وإنهاء الاحتلال، وإقامة الإدارة العراقية، وتشكيل الحكومة العراقية المعترف بها دولياً في المستقبل، يمثل أمراً مهماً جداً وإيجابياً، وقد أكد قرار مجلس الأمن هذا الدخول.

وكانت زيارة ممثل الأمين العام للأمم المتحدة للنجف الأشرف، والاجتماع المفصّل الذي عقدناه معه في هذا المجال، والبحث الدقيق الذي تناولناه، كان يمثل تطوراً مهماً في هذا الاتجاه، وقد حصل تقدم مهم في الحوار نتيجة لدخول الأمم المتحدة كطرف ثالث.

ولذلك ندعو ونؤكد ضرورة اشتراك الأمم المتحدة؛ لأن دخولها يعني أن قضية العراق تصبح قضية ليست بيد قوات الاحتلال فقط، بل تتحول إلى قضية تحت الرقابة الدولية، وتحت نظر المجتمع الدولي، ومن ثم يمكن للشعب العراقي أن يجد في القوى السياسية الأخرى في عالمنا ومجتمعنا نصيراً له في ما يريده، ولاسيما أن قرار مجلس الأمن يؤكد بصورة واضحة سيادة العراق، والسرعة في إنهاء الاحتلال، وتشكيل الإدارة العراقية التي يشكلها العراقيون، وتشكيل الحكومة العراقية المستقبلية التي تحقق الأمن والاستقرار للعراق. هذه المسألة من المسائل المهمة.

وهناك أيضاً حديث لعلي أوفق له في شرح دور الأمم المتحدة والواجبات الملقاة عليها، ومن جملتها رجوع اللاجئين العراقيين طوعاً لا كرهاً، بعد إعطائهم الفرصة في الرجوع، وتهيئة جميع الظروف المناسبة للاستقرار والبقاء في العراق، ليساهم العراقيون في بناء وطنهم وبلدهم ويمسكوا بأزمّة الأمور في هذا الوطن.[11]

  

القوى السياسية

ينظر الحكيم للوضع على انه دولة في دوامة الانهيار، ويتناول الفراغ من هذه النظرة فيقول: الفراغ السياسي والإداري والأمني الذي يشكو منه العراق منذ انتهاء الحرب وحتى الآن. مضت أشهر ولم يتم ملء هذا الفراغ، بالرغم من الجهود السياسية الكثيرة التي بذلتها القوى السياسية قبل الحرب وأثناءها وبعدها من أجل ملء هذا الفراغ، وبالرغم من المبادرات الكبيرة النافعة التي نثني عليها ونؤيّدها، ونعتقد أن من قام بها له ثواب كبير عند الله سبحانه وتعالى، تلك المبادرات التي قامت بها القوى الشعبية في هذه المنطقة أو تلك من أجل ملء هذا الفراغ. فكثير من القوى الشعبية تعاونت فيما بينها من أجل ملء هذا الفراغ، فتشكلت مجموعات ترعى الأمن والشؤون الإدارية، وتدير هذه المؤسسة أو تلك، جزاهم الله خير الجزاء، وتقبل أعمالهم أفضل القبول، وأدعو جميع القطاعات الشعبية أن تساند هذه المؤسسات. ولكن مع ذلك بقي الفراغ السياسي والإداري والأمني قائماً في مجتمعنا، وإذا بقيت الأمور بهذا الشكل فسوف يتدهور الأمر بصورة فظيعة، لأن صبر الناس وانتظارهم سوف ينتهي إلى حد معين، وقد يتحول إلى انفجار جماعي، ويؤدي إلى كوارث.

الآن، ومن خلال الجهود التي بذلتها قوى المعارضة العراقية، لاسيما القوى السبعة، وبتوجه واهتمام بالغ باتجاه معالجة هذا الموضوع، خصوصاّ أن قرار مجلس الأمن 1483 يفرض على قوات الائتلاف مساعدة العراقيين على تجسيد هذه الإدارة وملء هذا الفراغ، وهي تبذل الآن جهوداً حثيثة من أجل القيام بهذا الموضوع. [12]

  

الجماهير

وعندما يقارب الحكيم الموضوع من خلال أبناء العراق فانه يعتبر ان كلمتهم هي الفاصلة، ويقول: إن القوى السياسية، عليها أخذ زمام المبادرة، وأن تبادر بأسرع وقت لملء هذا الفراغ السياسي والإداري.

ثم يتساءل الحكيم بقوله: إلى متى يبقى العراق بهذا الشكل؟! فهناك فوضى في كل المستويات، وثروة العراقيين تبدد وتدخل في مجاهيل الأعمال والمشاريع دون أن يحصلوا على مكاسب، بدعوى أنه ليس هناك من يمثل العراقيين، ولا توجد إدارة تمثل إرادتهم.

ويؤكد بقوله: نحن نطالب بذلك بقوة، ونعتبره مسؤولية وواجباً شرعياً وإنسانياً وسياسياً تتحمله القوى السياسية، وإلاّ ستسقط هذه القوى السياسية في أعين الناس عندما لا تقوم بدورها. نحن نطالب القوى السياسية أن تبادر بأسرع وقت من أجل تشكيل المجلس الحاكم الذي يتصف بالمواصفات التي أشرت إليها، من أجل أن نخطو بالعراق خطوة جديدة ـ إن شاء الله ـ ونعمل بعد ذلك بجدّ لإنهاء سلطة الاحتلال، والوصول إلى حالة الاستقرار الكامل بإذن الله.

ويبين رأيه بوضوح فيقول: أنا اعتقد أن أبناء الشعب العراقي لابدّ أن يقولوا كلمتهم، ونقول هذه الكلمة في هذا الاجتماع الحاشد، وفي هذه الآلاف الواسعة الكبيرة، ويقول العلماء والمراجع العظام كلمتهم أيضاً، وأبناء الشعب العراقي لابدّ لهم أن ينظروا لهذا الموضوع نظرة بصيرة ووعي وفهم، وأن يراقبوا هذا الأمر، فإذا كان هناك تأخر أو تلكؤ بهذه المبادرة، فلابدّ للعراقيين أن يقولوا كلمتهم بصورة واضحة. افرضوا هذا الموقف على القوى السياسية إذا كانت تتخلف عن موقفها في المرحلة الراهنة. [13]

  

مجلس الحكم

ومن جمله مشاريع ملء الفراغ كان تشكيل مجلس الحكم بصفته بديل عن الفراغ. يقول الحكيم: في الوقت الحاضر يطرح تشكيل المجلس الحاكم المؤقت، الذي يراد له ملء الفراغ، ونحن لابدّ أن نشير إلى رؤيتنا، وهي ليست رؤية شخصية، وإنّما رؤية دينية من ناحية، ورؤية الأوساط الدينية من ناحية أخرى، وكذلك الأوساط الشعبية الواسعة التي نحتكّ بها بصورة مباشرة ومستمرة طيلة المدة السابقة. إن هذا المجلس لابدّ أن تتوفر فيه مواصفات محددة كي يكون قادراً على القيام بدوره المطلوب، وأداء المهمات الموكلة إليه، وهي:

المهمة الأولى: ملء الفراغ السياسي.

المهمة الثانية: إنهاء الاحتلال، فلابدّ لهذا المجلس أن يكون له دور وسعي دائم من أجل إنهاء الاحتلال في العراق.

المهمة الثالثة: تدوين الدستور العراقي الدائم، على أن يكون دستوراً مؤيداً من قبل الشعب العراقي كله، وقادراً على تلبية حاجات العراقيين.

المهمة الرابعة: أن يقوم المجلس في الفترة الانتقالية بتطوير الأوضاع الاجتماعية والمدنية والسياسية في العراق، بحيث يكون العراق قادراً على الانتقال إلى الوضع المستقر الدائم الذي ننتظره بعد الفترة الانتقالية.

وأما المواصفات التي لابدّ أن يتصف بها المجلس، فهي:

1ـ العراقيون هم الذين يشكلون المجلس، فلابدّ أن يكون هذا المجلس عراقياً يمثل الهوية العراقية والواقع العراقي، وإنما يكون كذلك إذا شكله العراقيون، وأما إذا تشكل بإرادة غير عراقية، فسيكون مطعوناً فيه وغير مؤهل للقيام بمهماته، ولا يكون معترفاً به، لا بنظر الشرع ولا بنظر القانون الدولي.

2ـ تمتُّع المجلس بصلاحيات تمكنه من التحرك والقيام بواجباته، وتحمل مسؤولياته أمام الأمة والشعب، وبدون هذه الصلاحيات لا يمكن لهذا المجلس من أداء دوره.

أما أن يكون مجرد مجلس مشورة، يستشار من قبل قوات الاحتلال، أو من أية جهة أخرى، كالأمم المتحدة، فلا يمكن أن يكون مجلساً شرعياً. وهذا الأمر من الأمور الرئيسية التي تبنَّت القوى السياسية والمرجعية الدينية الالتزام به، وقامت بعمل واسع في مناقشته مع قوات الاحتلال، وتثبيته كمبدأ.

3 ـ أن يكون الأعضاء المنخرطون في المجلس، على درجة مناسبة من الانسجام فيما بينهم، حتى يتمكنوا من الحركة، ويكونوا قادرين على اتخاذ القرارات المناسبة التي تواجههم في هذه المرحلة المعقدة. هناك مشكلات كثيرة يواجهها العراق، فيجب أن تكون هناك قدرة على اتخاذ القرارات والانسجام بالعمل. إذن، يجب اختيار الأعضاء بصورة دقيقة بحيث يكون بعضهم منسجماً مع البعض الآخر.

4 ـ أن يكون للأعضاء وجود وحضور شعبي حقيقي في المجتمع العراقي، حتى يمكنهم الحصول على الإسناد من قبل قطاعات الأمة؛ لأن قوة المجلس تكون من قوة الإسناد والتجاوب الشعبي، فإذا لم يكن الأعضاء المنخرطون فيه، لديهم نفوذ في الأمة وعلاقة بها لا يمكن أن يكون له تأييد من هذه الأمة. ولذلك لابدّ للقوى السياسية التي تعمل الآن من أجل تشكيل هذا المجلس أن تلتفت إلى هذه المواصفات بصورة دقيقة، حتى يمكن للمجلس أن يكون قادراً على الوفاء بالتزاماته، والقيام بواجباته، والدور المطلوب منه في هذه المرحلة.

5 ـ أن يكون ممثلاً للتكوين والتركيبة العراقية الطبيعية، فالعراق فيه عرب وأكراد وتركمان وأقليات أخرى، وفيه مسيحيون وأديان أخرى، وفيه شيعة وسنة، وهذه العناوين لها أحجام متعددة، فلابدّ حينئذٍ للمجلس أن يأتي متطابقاً مع هذه التركيبة وهذه المكونات، بحيث يكون قادراً على تمثيل العراق وشعبه. أما إذا جاء مختّلاً في توازناته مع التركيبة الحقيقية فسيواجه ـ بطبيعة الحال ـ اختلافا ومقاومة ومعارضة من قبل العراقيين الذين لا يرون أنه ممثل لهم. من حق كل عراقي حين يرى هذا المجلس لا يمثله ولا ينسجم مع طبيعة وجوده وتركيبته، أن يقاومه ويرفضه، لأن العراقيين لم ينتخبوا هذا المجلس عن طريق الاقتراع، وإنما هو يُشكّل لأجل تمثيل العراق والعراقيين، فلابدّ أن يكون متطابقاً مع تركيبة الشعب العراقي ومكوناته.

هذه المواصفات الخمسة التي ذكرتها، تمثل مواصفات رئيسية وأساسية، لابدّ من الاهتمام بها اهتماماً بالغاً في تركيبة المجلس الحاكم.[14]

  

مجلس الحكم بين الطموح والتحدي

ويتناول الحكيم مجلس الحاكم الانتقالي بعد الاعلان، ونحتاج في الحديث عنه إلى أمرين رئيسين:

الأول: تقييم هذا المجلس.

الثاني: بيان التحديات التي يواجهها المجلس، والقضايا التي لابدّ أن يهتم بها بصورة خاصة.

على مستوى التقييم قد نحتاج إلى بعض الوقت، والانتظار بعض الشيء، من أجل أن نقيّم هذا المجلس تقييماً دقيقاً وكاملاً، ولكن هناك مجموعة من الملاحظات لابدّ أن تؤخذ بنظر الاعتبار عندما نريد تقييم المجلس، وهي:

1ـ إن المجلس يضم شخصيات معروفة إلى حد كبير في مجتمعنا العراقي على المستوى السياسي، وهؤلاء يحظون باحترام واسع في الأوساط الشعبية، ولكن في الوقت نفسه يوجد بعض الأشخاص قد يكونون على درجة جيدة من الواقع السياسي، ولكنهم لا يُعرفون بصورة واسعة في أوساط مجتمعنا العراقي، ولذلك نعتقد أنه من الضروري جداً التعريف بصورة كاملة بأعضاء مجلس الحكم الانتقالي للعراقيين، حتى يتبين لهم ما هو دورهم وموقعهم في تحمّل هذه المسؤولية الكبيرة في إدارة شؤون العراق وقضاياه.

2ـ إن بعض الأوساط في مجتمعنا العراقي كالأكراد الفيليين، وهي فئة واسعة الانتشار في العراق ـ وإن كانت أقلية ـ قد تعرضت للحرمان والظلم، ولا يبدو أن لها تمثيلاً في المجلس، فإذا كان هناك حرص على كون هذا المجلس مُمثِّلاً للعراقيين بكل فئاتهم وأوساطهم فلابدّ من تمثيل لمثل هذه الفئات. وهكذا التركمان الذين تعرضوا إلى ظلامة واسعة وكبيرة، وهناك عنصر تركماني واحد في المجلس، ولكن لا أعرف مدى تمثيله للتركمان بصورة عامة.

مثل هذه القضايا الحساسة لابدّ أن تعالج بصورة دقيقة ولو على المستوى الآتي، على مستوى الدولة والوزارات، بحيث لا تشعر فئة من الناس، سواء كانت قوة سياسية أم فئة اجتماعية من أوساط مجتمعنا العراقي، بأنها غير ممثلة في هذا المجلس.

مثل هذا الأمر أوصي بالاهتمام به اهتماماً بالغاً بحيث نخرج عن تلك السياسات السابقة، سياسات الاستئثار بالحكم والقدرة والإدارة وترك الناس لشؤونهم، بل لابدّ أن تكون السلطة والإدارة والقوة ممثلة تمثيلاً حقيقياً لمجتمعنا العراقي، حتى تكون قادرة على أداء واجباتها في هذا المجتمع.[15]

كما انه يشير الى التحديات التي يواجهها المجلس الوليد بعدد من العناوين.

  

التحدي الأول: الاستقلال

هناك سؤال واسع مطروح على المستوى العراقي والمستوى الإقليمي، وحتى على المستوى الدولي وهو: هل إن هذا المجلس مستقل في وجوده وفي ولادته؟ أو إنه أداة بيد قوى الاحتلال، وسلطة الاحتلال؟.

هناك عدة مؤشرات في بداية تشكيل هذا المجلس تشير إلى استقلاليته. ولكن أعتقد أن ثمة تحدٍّ كبير يواجهه المجلس أمام العراقيين بصورة خاصة، لأنهم المعنيون بالدرجة الأولى بهذا الموضوع، وأمام المجتمع الدولي والإقليمي، يتمحور هذا التحدي في استقلالية المجلس، وأن يكون معبّراً بصورة حقيقية عن إرادة العراقيين، ولا يعبّر عن إرادة المحتلين.

ويضيف الحكيم: وأعتقد أن تحقيق الاستقلالية تكون بعدة أمور أساسية لابدّ أن تؤخذ بنظر الاعتبار من قبل المشاركين في إدارة هذا المجلس:

الأمر الأول: اهتمام المجلس بأخذ مصالح العراق وشعبه بالدرجة الأولى قبل مصلحة أي جهة أخرى، للتعبير عن إرادته المستقلة واستقلاله، وهكذا الاهتمام بقضية الإسلام لأن الشعب العراقي مسلم والإسلام هويته، ولابدّ للمجلس أن يكون حريصاً على قضية مصالح العراق، ومصلحة الإسلام والمسلمين، والتعبير عن هذه الهوية.

الأمر الثاني: حق النقض. فإنّ قرارات المجلس إنما تكون قرارات عراقية، ويكون للمجلس قدرة على الحركة والوصول إلى أهدافه فيما إذا كانت تلك القرارات قابلة للإجراء والتنفيذ، أما أن تكون مجرد قرارات مكتوبة دون تنفيذ وإجراء، فعندئذٍ لا قيمة لها.

وحق النقض من جانب قوات الاحتلال يقف حاجزاً أمامها. ولذلك أنا أعتقد أن حق النقض لا أساس له من الناحية القانونية، لأن قرار مجلس الأمن 1483 ينص على أن سلطة الاحتلال هي سلطة احتلال، وليست سلطة شرعية حتى يكون لها حق النقض.

إن سلطة الاحتلال ـ بحسب المفاهيم الفقهية، إذا أردنا أن نرجع إلى المصطلحات التي يعتمدها العلماء في رسائلهم العلمية ـ تعتبر سلطة غصب، وهي سلطة غاصبة، ويترتب عليها ما يترتب على الغاصب، ومن ثم فليس لها حق النقض لقرار يقرره أبناء البلد وأصحاب الحق في هذا البلد.

إذن، حق النقض من قبل قوات الاحتلال لا معنى له. نعم، قد يكون هناك نقض بالقدرة والقوة من جانب الاحتلال، ولكن هذا له باب آخر. فالمجلس عليه أن يعرف أن قراره هو قرار الشعب والأمة، وعليه أن يقرر ويسعى لتنفيذ قراراته بكل صورة وبكل ما لديه من إمكانيات.

الأمر الثالث: إنهاء سلطة الاحتلال. وهذا الأمر مهم جداً، حيث إن مجلس الأمن نص على أن هذا التشكيل، وهذه الإدارة، تمثل الخطوة الأولى لإنهاء الاحتلال في العراق، ومن ثم لابدّ للمجلس أن يسعى من الآن في وضع برنامج لإنهاء الاحتلال، يقوم على أساس توقيت زمني على مراحل مشخصة ومعينة حتى يمكن إنهاء الاحتلال في العراق، وذلك من مهمات هذا المجلس ومن أهدافه الرئيسية، وبذلك يمكن أن يواجه المجلس التحدي الأول، وهو استقلال المجلس في إرادته.[16]

  

التحدي الثاني: الإعلام العربي وبذور الطائفية

هناك تحدٍّ آخر مطروح في أوساط العراقيين، وبصورة أوسع يراد منه الضغط على العراقيين في الوسط الإقليمي، وهو التحدي الطائفي.

كان النظام السابق نظاماً دكتاتورياً، وفي الوقت نفسه كان عنصرياً يضطهد العناصر غير العربية لأنها غير عربية، ونظاماً طائفياً يضطهد شيعة أهل البيت. فهو يضطهد جميع العراقيين لأنه دكتاتوري، ولم ينج عراقي من اضطهاده، وزيادة على هذا الاضطهاد كان يضطهد الأكراد والتركمان ومن له أصول فارسية والأكراد الفيليين والآشوريين وغيرهم، فالشيعي يُضطهد أحياناً لثلاثة أمور: إذا كان كردياً مثلاً، يضطهد دكتاتورياً وكردياً وشيعياً.

والآن لابدّ للنظام الجديد، ولهذا المجلس، أن يواجه هذا التحدي، أي: أن يقضي هذا المجلس على الدكتاتورية وعلى العنصرية وعلى الطائفية.

إن القضاء على الدكتاتورية والعنصرية أمران يتفق الجميع عليهما، وأما فيما يتعلق بموضوع الطائفية فهناك حديث.

إن شيعة أهل البيت دائماً يتعرضون إلى الظلم، ونحن لابدّ أن نعرف حينما نتحدث عن القضاء على الطائفية والاضطهاد الطائفي ماذا نريد من ذلك؟

هل نريد أن نكون متساوين مع الآخرين في كل الأمور؟ في الكفاءة في الفرصة، وفي القدرة والاحترام المتبادل؟ أو نريد تحويل العراق إلى دولة طائفية يحكمها الشيعة ليضطهدوا الطوائف الأخرى؟

الإذاعات والفضائيات في المنطقة والسياسات التي وراءها تحاول أن تقول: إن الشيعة باعتبارهم الأكثرية، يحاولون اضطهاد السنّة ومعاداتهم وتقليص الفرص أمامهم.

هذا الأمر من الأمور الحساسة جداً التي يجب أن نعرفها بصورة دقيقة، ونوضح ونؤكد، وقد أكدناه منذ اليوم الأول، وقدمنا الدماء من أجله وهو أننا لا نريد دولة طائفية شيعية.

نحن نريد أن يكون شيعة أهل البيت في العراق يعاملون معاملة عادلة. تكون لهم حقوقهم وندافع عن تلك الحقوق التي سوف أشير إليها. [17]

  

  

البيان الأخير لشهيد المحراب

وما دمنا نتحدث عن الرؤية السياسية للحكيم في عراق المستقبل فقد رأيت ان بيانه الاخير الذي أصدره بمناسبة استشهاد الإمام الهادي عليه السلام، يعبر عن اخر رؤية عنه فقد كان البيان هو البيان الأخير له قبل شهادته. وهو وثيقة مهمة لا يمكن تجاهلها عند الحديث عن الرؤية السياسية لعراق المستقبل، كتب رحمه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الزائرون الأماجد ... أيها المؤمنون الكرام.. يا أبناء شعبنا العراقي الأبـي ... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أتقدم إليكم بأحر التعازي وأبلغ المواساة، بمناسبة شهادة سيدنا ومولانا عاشر أئمة أهل البيت عليهم السلام الإمام أبي الحسن علي بن محمد الهادي العسكري عليهما السلام هذا الإمام الهمام الذي كان له دور عظيم في المحافظة على الإسلام والقيم الإسلامية ومواجهة الطغاة والمستبدين، وبناء الجماعة الصالحة وإرساء قواعدها وتنظيم عملها، كما كان له في الوقت نفسه دور في التمهيد والتخطيط لغيبة الإمام المهدي عجّل الله تعالى فرجه حيث انتقل مركز الإمامة في عصره إلى مدينة سامراء، وتشرفت بعد ذلك دون بقية الأمصار والبلاد بولادة خاتم الأوصياء سيدنا ومولانا إمام العصر والزمان سلام الله عليه وعلى آبائه وتحولت بذلك من مجرّد معسكر للظلم والاستبداد والطغيان إلى مكان مقدس تهوي إليه أفئدة الناس من كل حدب وصوب.

أيها الأخوة الأعزاء..

إننا عندما نحيي ذكرى شهادة سيدنا الإمام الهادي عليهما السلام ونقيم الشعائر الدينية بهذه المناسبة، نريد بذلك أن نؤكد ولاءنا للنبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته الكرام عليهم السلام والتعبير عن تمسكنا بمنهجهم وطريقهم ونجدد العهد مع الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وأهل بيته الأطهارعليهم السلام أننا على دربهم سائرون وبعروتهم الوثقى متمسكون وأوفياء لعهدهم ومبادئهم وقيمهم.

إننا نعيش في هذا العام عهداً جديداً وتحولاً كبيراً في الحرية والتعبير عن العقيدة والرأي والمواقف وإقامة الشعائر والمواساة لأهل البيتعليهم السلام في أحزانهم وأفراحهم، مما يجعلنا نشكر هذه النعمة العظيمة التي تفضل الله تعالى بها علينا ببركة جهاد العلماء وتضحية المجاهدين والدماء الزكية لشهدائنا الأبرار والآلام والمحن في المقاومة والصبر والاستقامة لأبناء أمتنا في العراق.  

لقد حاولت قوى الظلم والاستبداد والطغيان في النظام السابق، تدعمها قوى الشر والاستكبار العالمي أن تنال من إرادة الشعب العراقي في الجهاد والمقاومة ومن عزته وكرامته في الإباء والشهامة ومن التزام بالمبادئ والقيم الإسلامية، ولكن شاء الله تعالى أن تكون هذه الإرادة قوية وهذا العز عالياً، وهذا الالتزام شديداً، ويأبى الله ورسوله وأنوف حمية وحجور طاهرة أن يؤثر الشعب العراقي طاعة اللئام على مصارع الكرام.

لقد كانت سامراء من خلال نور الهداية اللامع والبرهان الساطع المتمثل بالمهدي المنتظر عجل الله فرجه والأمل المشرق الوضاء الدائم المستمر بتحقيق الوعد الإلهي بالاستخلاف للصالحين والغلبة للمرسلين مشعلاً لهداية السائرين في هذا الطريق، حيث كانوا يهتفون دائماً باسمه واسم أبيه الإمام الحسين عليهما السلام وجده الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، في تحقيق هذه الأهداف المقدسة في الإصلاح في الأرض والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وكانت سامراء أيضاً بلداً يعبـّر عن تعايش المسلمين بمذاهبهم المتعددة تحت راية الإسلام والحق وأهل البيت عليهم السلام وحبهم، وهذا ما عرفته سامراء في الكثير من عهودها ومراحل حياتها ومنها عهدها بالإمام المجدد السيد الشيرازي الكبير، والإمام المصلح السيد محسن الحكيم.

ويجدر بنا ونحن نعيش هذه الظروف القاسية التي يمر بها عراقنا الجريح أن نرفع أصواتنا بنداء الوحدة الإسلامية من سامراء وفي جوار مراقد أئمتنا الأطهار ـ كما صنعوا ذلك ـ والعمل الجاد على تحقيق التعايش والتعاون القوي الدائم بين المسلمين على اختلاف مذاهبهم واتجاهاتهم، وأن نؤكد باستمرار ضرورة التمسك بهذه الوحدة والتعاون لمواجهة متطلبات المرحلة الجديدة بكل أبعادها وتداعياتها، ونستمد العزم والإرادة والهداية والإرشاد من ناحية أخرى من الأئمة الأطهار عليهم السلام.

أيها الأخوة المؤمنون.. يا أبناء العراق الغيارى..

إنّ عراقنا الجريح يواجه تحديات عظيمة وخطيرة نحتاج فيها إلى مقومات القوة والمنعة، والتي تتمثل بالإيمان القوي والوعي والبصيرة والإرادة والعزم ووحدة الصف والكلمة والاستعداد الدائم للتضحية والفداء والمواجهة، لنتمكن من العمل الجاد على مواجهة التحديات وتحقيق الأهداف الصالحة والتي يمكن أن نلخصها بالنقاط التالية:

الأولى: المحافظة على الهوية الإسلامية لهذا الشعب المؤمن.. شعب الحضارات والرسالات الإلهية وشعب الجهاد والتضحية، وشعب العلم والمعرفة وشعب حب أهل البيت عليهم السلام، حيث إنّ الشعب العراقي الذي يمثل الإسلام هويته وأكثريته الساحقة مهدد بالالتفاف على هذه الهوية من خلال بعض مفاهيم الحضارة الغربية.

الثانية: تحقيق الأمن والاستقرار والمحافظة على النظام العام، إذ بدون ذلك يتحول العراق إلى الفوضى والاضطراب، وبدون الأمن لا يمكن أن يتحقق أي هدف من الأهداف الصالحة، ولا يمكن أن يتحقق هذا الأمن إلاّ باستلام مسؤوليته بيد العراقيين.

الثالثة: تحقيق الاستقلال وإنهاء الاحتلال وإخراج القوى الأجنبية من العراق بالوسائل المشروعة من المحادثات والمقاومة السياسية إلى الاستعداد الكامل لخوض المعركة إذا لزم الأمر.

الرابعة: تحقيق الحرية للشعب العراقي وإعطاء الفرصة له للتعبير عن رأيه في كل الأمور ذات العلاقة بإدارة الحياة العامة، والعمل على الخلاص من جميع آثار ومخلفات الظلم والاستبداد والطغيان وأزلامهم.

الخامسة: المحافظة على الوحدة التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والمعنوية للشعب العراقي، حكومة وشعباً وأرضاً في مواجهة مخاطر التمزق الطائفي والقومي أو تشتت بعض أشلائه.

السادسة: تدوين الدستور العراقي من خلال مجلس حر كريم خبير ينتخبه العراقيون، ليعبروا فيه عن هويتهم وأهدافهم ويقدم الحلول الصحيحة لمشاكلهم وقضاياهم الكبيرة.

السابعة: العمل على تحقيق العدالة الاجتماعية والسياسية بين أبناء الشعب ليكون العراق لجميع العراقيين أكثرية وأقلية، ويكون العدل للجميع دون فرق بين شيعة وسنة وعرب وأكراد وتركمان وأقليات دينية.

الثامنة: الحذر الشديد من الفتن الطائفية والعنصرية وعمليات الثأر التي يغذيها بعض الطائفيين والعنصريين الداخليين وبعض السياسات ووسائل الإعلام الخارجية وذلك للكيد بالعراق وشعبه.

التاسعة: إقامة حكومة القانون والإصلاح بين الناس، وحكومة العدل والاستقرار والرفاه.

العاشرة: معالجة الخراب والدمار الذي خلّفه النظام في جميع أنحاء العراق، وكذلك العزلة الخارجية التي يعيشها العراق في الوقت الحاضر، الأمر الذي يحتاج إلى جهود استثنائية للعراقيين وطاقاتهم الخيـّرة المتفجرة.

أيها الأخوة المؤمنون..

إننا بحاجة لمواجهة هذه التحديات من الرجوع إلى الله تعالى بالتوبة والاستغفار، وإلى الإيمان العميق والاعتصام بحبل الله تعالى جميعاً دون فرقة أو حيرة وإلى حب أهل البيت عليهم السلام والتمسك بعروتهم، وأسأله تعالى أن يحفظكم ويتقبل عملكم ويؤجركم على جهودكم ويحقق النصر لكم وللمسلمين في مواقعهم ومعاركهم، وأن يرينا ذلك اليوم الذي تنتصر فيه راية الإسلام وتصبح خفّاقة على جميع أنحاء الأرض، يوم تملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً، يوم ينادي المنادي يا لثارات الحسين عليهما السلام فإنها ثارات الله تعالى.

تقبل الله عملكم وشكر سعيكم ... ودمتم موفقين.

محمد باقر الحكيم 29 جمادى الثانية 1424هـ

  

والى هنا نكتفي بالحديث عن النظام السياسي العراقي المقترح، لتناول قضايا اخرى مهمة في اجزاء لاحقة ان شاء الله.

  

  

[1] 5 / ربيع الثاني/ 1424هـ - 6/6/2003، الجمعة 2/ الخطبة 2

[2] 5 / ربيع الثاني/ 1424هـ - 6/6/2003، الجمعة 2/ الخطبة 2

[3] 5 / ربيع الثاني/ 1424هـ - 6/6/2003، الجمعة 2/ الخطبة 2

[4] 12/ ربيع الثاني/ 1424هـ - 13/6/2003، الجمعة 3/ الخطبة 2

[5] 12/ ربيع الثاني/ 1424هـ - 13/6/2003، الجمعة 3/ الخطبة 2

[6] 12/ ربيع الثاني/ 1424هـ - 13/6/2003، الجمعة 3/ الخطبة 2

[7] 4/7/2003، الجمعة 6/ الخطبة 2

[8] 20/6/2003، الجمعة 4/ الخطبة 2

[9] 20/6/2003، الجمعة 4/ الخطبة 2

[10] 20/6/2003، الجمعة 4/ الخطبة 2

[11] 4/7/2003، الجمعة 6/ الخطبة 2

[12] 11/7/2003، الجمعة 7/ الخطبة 2

[13] 11/7/2003، الجمعة 7/ الخطبة 2

[14] 11/7/2003، الجمعة 7/ الخطبة 2

[15] 18/7/2003، الجمعة 8/ الخطبة 2

[16] 18/7/2003، الجمعة 8/ الخطبة 2

[17] 18/7/2003، الجمعة 8/ الخطبة 2

 

د.علاء الجوادي


التعليقات

الاسم: الدكتور السيد علاء الجوادي
التاريخ: 26/05/2014 10:33:34
العلوية هنادي الحسيني المحترمة
شكرا على مرورك وتعليقك وسنواصل نشر حلقات هذا الموضوع حتى نهايته
سيد علاء

الاسم: هنادي الحسيني
التاريخ: 25/05/2014 21:17:14
سيدي المفكر السيد الجوادي المحترم
شكرا جزيلا لكم على هذه البحوث الجادة عن رجالات العراق الكبار

الاسم: الدكتور السيد علاء الجوادي
التاريخ: 25/05/2014 17:08:39
الاستاذ السيد كريم السيد - صديق قديم من ايام الجهاد
شكرا على مرورك وتعليقك ووفائك وطيبتك

وشكرا على ذكرك لي بالخير
اما اسئلتك فانا لي وجهة نظر اخرى
لا تجعلني اركز على الخلافات على المستوى الاعلامي
سيد علاء

الاسم: الدكتور السيد علاء الجوادي
التاريخ: 25/05/2014 17:05:01
الدكتور مسعود عبد الرزاق الهاشمي- عمان الاردن المحترم
السلام عليكم
شكرا على مرورك وتعليقك الطيبين
دمت لي اخا فاضلا ومتابعا جادا

سيد علاء

الاسم: الدكتور مسعود عبد الرزاق الهاشمي- عمان الاردن
التاريخ: 23/05/2014 11:14:21
ابن العم الهاشمي المفخرة
مرة اخرى اشكرك ايها الاستاذ الباحث الفاضل معالي السيد الجوادي
اعجبني منهجك الاكاديمي وقلمك الغزير بالعطاء الذي يجمع لنا المعلومات من هنا وهناك ليقدمها غذاء فكريا نافع للناس لا كالزبد الذي ينشره الكويتبيون في هوامش الحرية التي لم تعد مفيدة للناس بل مجالات لسجالات البغضاء والمراء
كما ارغب ان اقول لقد اعجبتني نظرية الاستاذ الحكيم وتنبيهاته المبكرة لمستقبل العراق السياسي بعد الاحتلال الامريكي
وقد بدأت الصورة تتضح لي بسبب قتله المبكر على يد عصصصصابات خططت لاخلاء العراق من شخصية مثله لها نظرية واضحة وواقعية وشرعية

شكرا لك سيدي فانت معلم تهدف الى وضع النقاط على الحروف وان كان من خلال كلمات اخ لك تعتز بذكراه
تقبل مروري ايها المصلح العلوي الحسيني

الاسم: كريم السيد - صديق قديم من ايام الجهاد
التاريخ: 23/05/2014 11:03:42
اقبل يدك الكريمة سيدي واستاذي القديم، لقد تشرفت اني عملت معك في المجلس الاعلى للثورة الاسلامية قبل ثلاثين سنة ولسنوات عجاف طويلة وقد جذبني اليك زهدك في المظاهر وتواضعك للناس وانت في منصب قيادي رفيع وعلمك الموسوعي وكتاباتك العميقة وشجاعتك في قول الحق ..
استاذي الذي بذلت الكثير في تربيتي واعدادي وتعليمي كما بذلت مع جيل من المؤمنين... فكنت معلما ومربيا ومرشدا في طريق الرشاد
سيدنا ابو هاشم علاء الموسوي الغالي والكبير الكاتب والمفكر المبدع، يا ذو القلب الكبير والروح الشفافة المحلقة مع الربانيين. ترحع ذاكرتي مع حضرتكم الى قبل ثلاثين سنة لاقول:
انت على رغم الجراح التي تحملها من تلك الايام القديمة وعلى الرغم مما نالك من اذى على يد جماعة الحكيم الذين نصحتهم لله فلم ينفعهم النصح فحاربوك، تزلفا لاسيادهم، ولا اريد ان اقول الحكيم نفسه لانه كان يحترمك ويحبك ويعرف قدرك، لا سيما عندما كنت مسؤولا عن الاعلام في المجلس فكانوا يريدون ان يحولوه الى اعلام لفرد وكنت تريده اعلام للجميع. هذه الجماعة الذين قابلوك بعدم الوفاء لحد الان ونسوا من اسس المجلس الاعلى ولكننا نحن الرعيل الذي عمل معكم انتم الرواد الاوائل لم ننسى التاريخ ! الا انك كبير وكبرت في عيني اكثر واكثر لانك تقدم صورة جميلة جدا عن محمد باقر الحكيم وتحرص على جمع حسناته ضمن كتاب رصين. واريد اسئلك يا استاذنا الموسوي الجوادي بعض الاسئلة وارجو منك سعة الصدر وهو عهدي بك منذ عقود فكيف وانت اليوم كهلا زانك بمحيا النور وهيبة الايمان يا ابن بيت النبوة والعلم والتقوى..
فهل تعتقد انه من الامانة العلمية التي تمتازون بها ان تتحدثون عن الايجابيات دون ذكر السلبيات او الاخطاء؟

وهل ان عواطفكم النبيلة نحو اخ تعتزون به تجعلكم لا تشيرون لا من قريب او بعيد الى سبليات اثرت على كل حركتنا الاسلامية والسياسية وما زلنا نعاني منها لحد الان؟

ام انكم متمسكون بالحديث الشريف اذكروا محاسن موتاكم؟

ام انكم بعد مقتله الفجيع تنازلتم عن حقكم لصالح قضية اكبر؟

ام ان لكم رأي أخر لا نعرفه؟

ارجو التفسير اذا لا يحرجكم ذلك، ويشهد الله انه لا قصد لي من اثارة هذه الاسئلة الا خدمة الحقيقة التي تجاهد سماحتكم من اجل نشرها.

اليس من حق الناس ان يعرفوا الصورة كاملة بدون رتوش؟




5000