..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
جمعة عبدالله
.
رفيف الفارس
.......

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


نيران العبيدي في رواية (منعطف الصابونچية ) حكاية عراقيّة الوجهِ واليدِ واللسانِ (2)

د. حسين سرمك حسن

من التأثيرات الجانبية "للبطولة" الروائية :
-----------------------------------------
وخلال متابعتي لحوادث الرواية حتى الآن ، شعرت بوخز مفاجىء في ضميري وروحي ، ولا أعلم كيف تنبّهتُ إليه ، وأعتقد أنه من التأثيرات الجانبية "السلبية" للإبداع ، وتتمثل في الغفلة القسرية التي يفرضها تركيز الكاتب على هموم (بطله) الذي تلتقي عنده خيوط وتقاطعات حوادث الحكاية وتكتسب مدلولاتها الكبرى من خلاله ؛ الغفلة عن هموم وآلم الشخصيات الثانوية الباهضة . ما أقصده هنا تحديداً هو الوضع النفسي للخادمة المسكينة (كتيتي) . هل تساءلنا عن التأثير المُمزق الذي يجرّح أناها المغلوب والمُستعبد وهي تسمع سيّدتها – إحدى سيّداتها – بدرية تلوب تحت وطأة حاجات جسدها ، وتعلن عن سخطها لأن فرص زواجها تتضاءل وتضمحل . هل فكّرنا في حاجات جسد هذه الخادمة المشروعة ؟ .. أليس علينا أن نفكّر مرّة  - بل كل لحظة - بحرمانها من حق مشروع بالزواج والأمومة ؟ أي قسوة يمارسها الإنسان على أخيه الإنسان .. أي وحشية .. وأي بلادة ضمير . شعب مقهورٌ يقهر – بدوره - الخدم المذلين المهانين . والغفلة القرائية هذه المتبوعة بغفلة عاطفية تشمل الخادم المسكين (مرجان) وهو يلاحق ، بلا حول ، التحوّلات الطبيعية المتوقّعة في حيوات رجال العائلة من حوله من تطور مهني وعلاقات حب وزواج ومهابة وغيرها . وكلها حُرم منها . فقد جيء به عبداً من البصرة ، وكان عمره عشر سنوات ، ومعه أخته كتيتي . جاء بهما الحاج مصطاف بعد أن تسلّمهما كهديّة من آل السعدون . تصوّر . إنسانان هديّة !!
التخيّل علاج الأرواح المكلومة :
------------------------------
وفي خلطة متخيّلة رائعة تمزج الكاتبة تباعدات التاريخ الزمانية الشاسعة بالنتيجة الواقعية الراهنة للعبودية ممثلة في مصير مرجان :
(موسيقى ورقص أفريقي وأصوات تنبعث من حيطان الإيوان ترجع إلى زمن سحيق . وشيئا فشيئا تتحول حديقة الدار إلى غابة رطبة وتتحول النخلة إلى شجرة موز ، ورجال يُصطادون بمفخّخات حديدية ، ويُباعون في البصرة . أصوات وجلبة ؛ زعيق رجل ينفرد من هذا الزعيق ؛ صوت محمد بن علي من جنوب البصرة . إنها الثورة على العبودية ، يظهر فيها مرجان بهيأة رجل أنهكه العمل بتجفيف المستنقعات وإزالة الأسباخ من الأراضي . نقل الملح إلى حيث يُعرض ويُباع لقاء وجبة طعام يثخن الجراح ويزيدها ألماً . مرجان ثائر بيده معول مع بقية المُعدمين . إذن هو من شيعة قائد ثورة الزنج . بعدها رأتهُ مستسلماً مع بقية الزنوج القادمين من زنجبار وموت العديد منهم – ص 16 و17) .
هذه تداعيات وارتجاعات حسيبة خاتون . وهي في الحقيقة تداعيات وارتجاعات منقولة من عبودية الذات إلى عبودية الآخر . فحسيبة هي الأخرى "عبدُ" من مقترب آخر . وها هي تتداعى وتسترجع الكيفية التي أحبّت فيها – مصادفة – شاباً من قبيلة اخرى ؛ علاقة حبّ حُكم عليها بالفشل بنبوءة ايضاً ؛ نبوءة غجرية قالت لحسيبة المراهقة آنذاك : تفترقان مثلما تلتقيان .. لا شيء سار ، ولا نهايات سعيدة (ص 20) .
لقد طار خبر حبّها إلى مسامع أخوتها الذين عدّوه عاراً .. ومثل أي عبد قّيّدت بالحبال وحُبست داخل الدار . ثم جّرّت مثل شاة معدّة للذبح إلى بغداد . وهناك تقرّر تزويجها / بيعها في الحقيقة ، للبغدادي المزواج الحاج مصطاف لتكون زيجته الثالثة بعد زيجتين فاشلتين من ابنة عمّه وابنة جيرانه .
ومثلما خُلع مرجان من بيئته الأم ، وصار يتخيّلها أصواتاً وموسيقى وروائح ، فتتحول النخلة إلى شجرة موز ، خُلعت حسيبة من بيئتها الأم أيضاً حيث النهر والبساتين وهوى بلدروز كما تقول .
العبودية تورث وتتناسل :
------------------------
وإذا أردنا توسيع نظرة العبودية هذه من خلال تأمّل أحوال باقي أفراد العائلة من ناحية ، وأحوال المجتمع العراقي آنذاك من ناحية ثانية مكمّلة ، فسوف نستنتج بدقة أن الكل "عبيدٌ" بشكل أو بآخر . كل فرد هو عبدٌ يعيش في مجتمع للعبودية مُستعبد . وكل فرد يتسلّم راية العبودية السوداء من فرد يسبقه خصوصا بين النساء . تتناسل تجارب العبودية وتورّث . وها هي بدرية ترث تجربة أمّها ، فتعشق "كرجي" – خلاصاً لا عشقاً أصيلاً – عازف كمان في فرقة موسيقية جاءت تحيي حفلاً أقامته العائلة بمناسبة ختان إبن الزعيم يونس . عازف الكمان يهودي وهي مسلمة ، فمن المتوقّع أن تفشل علاقتهما برغم عواطفهما العاصفة التي بدأت من لحظة المشاهدة السريعة التي لمح فيها جمال وجه وتكامل جسد بدرية الساحق في الحفلة ، ثم في الإلتحام الجسدي العاصف بينهما في المقبرة البريطانية ، والذي لم يكتمل بسبب تردّد كرجي (ص 31) .
وقد تكون العلاقة بين بدرية وكرجي العازف اليهودي مبرّرة لوضع حاجز جديد يؤجّج مسار الحوادث ويعزّز توترات الحبكة الرئيسية للرواية ، ولكن عدا هذا لم تكن للوقفات السردية التي يحكي فيها كرجي - في رسالته إلى بدرية - عن تداعيات العائق الديني ، وتعرّض اليهودي شوميل للضرب كي يشهر إسلامه ، والفصل الذي خصصته الكاتبة (الكل من تراب وسوف يعود إلى التراب) (من ص 70 إلى ص 72) وفيه تداعيات كرجي بعد وفاة أمّه ، والنصوص التوراتية التي ذكرتها فيها وغيرها أي تأثير سردي فعلي . فهي استطالات قد تشبع الفضول اليهودي ، وقد تمرّر الرواية – كما يتصور بعض الكتاب العراقيين والعرب – لدى المتلقي الغربي – اليهودي تحديدا – وعند دور النشر الغربية ، وأغلبها يحبّذ هذا التوجّه ، لكنه لن يؤثر أبداً في وجدان القارىء العراقي ، لأن ما يتم الحديث عنه لم يُختزن في لاشعور هذا القارىء ابداً .
وقفة عابرة لا علاقة لها بالرواية :
----------------------------------  
الموروث اليهودي ليس جزءا من مكوّنات شخصية المواطن العراقي . لكن – ولأسباب دعائية ركيكة ورغبة في الإنتشار ذليلة وفي نفاق كريه – طفحت على سطح النشاط السردي في العراق بعد الإحتلال الأمريكي القذر لوطننا ، وفي البلدان العربية بعد كامب ديفيد وسياسات التطبيع قبل ذلك ، كتابات روائية منافقة تتناول الذكريات اليهودية في العراق كانشغال إنساني عراقي شعبي عام في المرحلة الراهنة . وتستعرض مآثر اليهود ناسين أن كل هذا يمكن أن يوظّف لصالح تسامحية المجتمع العراقي . فكون أول وزير مالية عراقي – كما يطبّل البعض – كان يهوديا يعكس الروح المتسامحة للشعب العراقي ، ومثل هذا يُقال عن استقبال الأذن العراقية لصوت سليمة مراد وألحان الأخوين صالح وداود الرائعة المؤثرة بعد أن تمثّلا روح المقام العراقي وعرفا متطلبات المزاج العراقي . فالمتلقي العراقي لم يستقبل ألحانهما كنصوص توراتية أو أشجان يهودية .. أبداً .. استقبلها كألحان عراقية مختنقة بالحزن العراقي النبيل . ولهذا أقول إن ما يُكتب عن اليهود العراقيين لا يحمل أي ضرورات فنّية سردية ولا تأثيرات وجدانية .
في موقع آخر (ص 91) تتحدّث الكاتبة على لسان بدرية عن نشيد الأناشيد – وهذه تسميته الصحيحة التي وردت في "العهد العتيق" - الذي يقدّم أنصع وأقوى الأدلة على رأيي . فهذا النص جاء نشازاً كنص عاطفي وجنسي ضمن كتاب "سماوي" هو التوراة أو العهد القديم . حتى "علي عزّت بيجوفتش" في كتابه الخطير (الإسلام بين الشرق والغرب) لم يقنعني باتساق وجود نشيد الأناشيد كقطعة فنّية متناغمة مع مسار العهد القديم الأسلوبي . ولكنه قطعة شعرية حقيقية سومرية بروحها وبنائها وشكلها ومضامينها .
والآن تجري محاولات ذات ساقين متساندين : الأول تغييب ومحو كل ما يرتبط بالسومريين العراقيين بل وصل الأمر حدّ أن بعض الباحثين يقول إنهم لم يوجدوا أصلا في العراق !! ، (وهناك باحث شاطر آخر يصل الليل بالنهار ليثبت أن السبي البابلي حدث في اليمن وليس في فلسطين السليبة) ، والثاني جعْل التاريخ الأسطوري القديم يبدأ من السبي اليهودي ، وإبداعات اليهود وهم في بابل .
المهم هنا هو – وليس لهذا علاقة بالرواية التي بين أيدينا بل بمصطلح التخيل التاريخي عالميا – من أخطر ما يجب أن نتحسّب منه في تعاملنا مع مصطلح التخيل التاريخي الذي تنتشر الدعوات إليه كانتشار النار في الهشيم ، وتتمثّل في أن المخيّلة سيكون من حقها - وتحت غطاء فعل المخيال وتحويل التاريخ إلى سرد - أن تتلاعب بوقائع تاريخية مؤصّلة وتحريفها وتشويهها ، وحين يعترض الناقد يقولون له هذا "تخيّل تاريخي" . قبل مدّة قصيرة ظهرت رواية تاريخية إنكليزية تتحدّث عن الملك البابلي نبوخذ نصر كقاتل مجنون !! هنا يتحول التخيل التاريخي إلى سلاح من أسلحة الحرب على الذاكرة العراقية والعربية الممزقّة أصلاً .  
وفوق ذلك فإني أشفق على المحاولات اليائسة لهؤلاء الكتّاب لأن كل يوم بل كل لحظة تأتي صفعة على وجوههم السردية والسلوكية المهادنة من قبل الدولة الأنموذج لليهود في العالم وهو الكيان الصهيوني الذي لا يعترف بالتسامح الديني الذي يدعون إليه باسم اليهود "المسالمين" . فالدولة الصهيونية أعلنت نفسها كدولة يهودية مطيحة بتنظيراتهم الحداثية وما بعد الحداثية عن الديمقراطية والمساواة وحقوق الإنسان . وهي تعرض عليهم "الإنسانية" الحقّة بتكسير أيدي الشباب الفلسطينيين واستخدام الأسلحة المحرّمة وسحق حقوق الدول والإنسان بالأحذية الثقيلة . وهم يستهدون في كل خطوة بتوراتهم وتلمودهم ففيهما نصوص إجرامية لا تخطر على بال !! إنّ على الروائي الحقيقي تحسّس معاناة الإنسان المقهور في كل مكان ، ولكن ليس من واجبه أن يخلق بصورة قسرية وتجارية منافقة وجدانات جديدة ، ولا تشويه ذكريات وتواريخ قائمة ، لمصلحة تيّار سياسي غربي دولي تسوقه القوّة والإعلام ودور النشر المغرضة والجوائز المدسوسة .
ثمّ على الكاتب العراقي والعربي الذي يلج هذا المجال المسموم ، أن يضع في حسابه أن المعنيين بتشجيع هذا الإتجاه في الكتابة الروائية من يهود ودور نشر غربية لن يكتفوا بالتقدمات السردية أبداً ، ولن يقنعوا بأقل من أن ينزع الكاتب حتى ملابسه الداخلية . البعض يدرك ذلك مسبقا ويكون مهيّئا للتعري حتى من ورقة التوت . راجع مقابلة الروائي "نجم والي" مع صحيفة "يديعوت أحرنوت" عندما زار الكيان الصهيوني اللقيط وصرّح بأن (فيروز والرحابنة هم سبب العنف والنكبة عند العرب لأنهم غنّوا : سيفٌ فليُشهر) !! .
عودة إلى منعطف الصابونچية حيث التخييل التاريخي الباهر:
----------------------------------------------------------
... وبين وقت وآخر تأتي "جرعة" محسوبة من الوقائع التاريخية الموثّقة التي استقتها الكاتبة من مصادر تاريخية معروفة ، وتقدّمها بتوجهاتها الرئيسية ، بصراعاتها وشخصياتها ، وأحياناً بمسمياتها الصريحة . وهذا تاريخ . لكنه لن يُصبح تخييلا سردياً إلّأ حين يُوظف كثيمات تعرض الحالة الإجتماعية لشخصيات الرواية – عائلة الحاج مصطاف تحديداً – وصراعاتها ومواقفها السياسية المتضادة ، والتي تتشابك مع الوضع الفائر لتقلبات الأحوال السياسية في البلاد آنذاك . يحصل هذا والكاتبة تتحدث عن إعلان المشروطية العثمانية عام 1908 ، وكيف أثارت الصراعات داخل المجتمع العراقي بين مؤيّد ومعارض .. لكن هذا تاريخ نجده في المتن والهوامش .. ومتى يصبح فنّاً سرديا ؟ يصبح فنّاً سردياً مؤثّراً حين تقول :
(... عاد والدي من جامع الفضل في قمبر علي وهو يصرخ بأعلى صوته :
-"دلّة" أين هم أبناؤك ؟
فخرجنا أنا ودنّون من غرفتنا في فناء الدار ، ولا أعلم إن كان مصطاف أبوك معنا أم لا (...) قال لنا لا أريد أحداً منكم يكون ضد حزب بغداد ومع حزب الإتحاد والترقّي .. أنا أرسلتكم للتعلّم وأصبحتم "مكتبلي" . أولادي لا يتساوون مع الآخرين وليذهب كل منكم إلى غرفته – ص 41) .
بقى النزاع بين الأطراف المتصارعة في الشارع البغدادي إلى حين سقوط الدولة العثمانية . ولن يتحوّل التاريخ – وهذه قاعدة أخرى مهمة جدا في فن السرد – إلى إبداع إلّا إذا أصبح مشروعا فرديّاً . الإبداع بأكمله مشروع فردي ولا صلة له بأي جهد جمعي . الجهد الجمعي يضيّع أصالة المشاعر والإنفعالات والأفكار الفردية . ولهذا لم أستطع تقبّل محاولة الراحلين جبرا ابراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف في (عالم بلا خرائط) . هذه أخدوعة . يقولون من يملك إسمك يقتلك .. وهذا صحيح تماما .. وعليه فمن يملك أسلوبك يقضي على فردانيتك . ولكن هذا مستحيل أصلا . وهنا نستطيع وضع إطار لفهم جديد لمقولة الفرنسي سنت بوف (الأسلوب هو الرجل) ، وفيه ردّ على الأخدوعة البنيوية حول موت المؤلّف . وعليه ، فحتى الشخصيات الروائية يجب أن يدعها الروائي تستعيد وتستوعب وتهضم وتتمثل الحدث التاريخي بصورة عفويّة ، وهذا ما لم يحصل بصورة كافية في الرواية هذه . يبدو أن الكاتبة كانت "مستعجلة" . لا يمكن لروائي أن يمرّ على أحداث عاصفة وهائلة مثل التي تشير إليها الكاتبة بهذه الصورة السريعة بل الخاطفة . وهنا تظهر جليّة أهمية ما قلناه عن أن الرواية "علم" . صحيح أن عين الكاتبة كانت على بدرية شقيقة روحها في الحكاية ، لكن هذه الشخصية تعيش ضمن عائلة فيها شخصيات تتحرك داخل نسيج شائك من علاقات اجتماعية وظروف سياسية مُربكة بعضها قاصم الأثر . والعائلة التي كانت بدرية ضحيتها ، كانت هي بدورها ضحية ظروف سياسية جارفة واجتماعية متراكبة ، ونتاج طموحات وتشبثات بماض سحقته عجلة التحوّلات الجديدة . ما لاحظناه في الرواية هي هذا (القفز) من حدث إلى آخر ، فمن تداعيات ابراهيم باشا الكاهجي العم "ماضياً" عن الحرب العالمية الأولى وتمزّقات العراقيين وحيرتهم في اختيار المعسكر الصحيح ، إلى الحوار الداخلي ليونس باشا ابن الأخ "حاضراً" وهو يتحدّث عن محتل آخر قد يحتل البصرة وضرورة تعزيز دفاعات البصرة .. لكن أين ومتى ؟ لا نعلم .. نقلة سريعة إلى رسالة بدرية التي تبث فيها كرجي أشواقها ولوعتها . وفي الرسالة تحدّثه عن ضياع ابن الجيران الطفل وبكاء أمّه واستنجادها بالزعيم يونس الذي جنّد معارفه وعثروا عليه . لا أعلم ما هي علاقة هذا الحادث بما سبقه ولا بما لحقه من حوادث ، ولا بصاحبة الرسالة التي تقول أن الحادث ذكّرها بكرجي وجعلها تلتهب !! كل حدث يدخله الكاتب في مسار الرواية يجب أن تكون له "وظيفة" ، خصوصا في ربط الوقائع من جانب ، وتجسيد جانب من صراعات الشخصيات وانفعالاتها من جانب آخر . وإلّا فالحياة مليئة بالحوادث حتى الإختناق . لكنها لن تصلح لأن تكون إبداعاً ، ولا جزءا من إطار سردي إلا إذا "تفردنت" و "تشخصنت" إذا جاز الوصف .. أي أصبحت ملموسة في هيئة سلوك فردي ذي علاقات وتداعيات تتنامى في سياق شبكة أوسع من العلاقات الإجتماعية . وهو الأمر نفسه الذي قلته عن حوادث التاريخ . فعن حيرة العراقيين التاريخية – بمعنى منذ فجر تاريخهم – التي اشتعلت مع الحرب العالمية الأولى بين أن يدافعوا عن وطنهم وهذا يعني بقاء المحتل العثماني ، وأن يساندوا الغاصب الإنكليزي المتوحّش وهذا يعني التخلّص من الإحتلال العثماني ولكن استبداله باحتلال جديد . نفس الحيرة المدوّخة تكرّرت في عام 2003 حيث استبدل العراقيون الإحتلال الأمريكي البشع الذي اغتصب أعراضهم بالنظام الديكتاتوري المرعب . هذه الحيرة يمكن طرحها من قبل مؤرّخ كمقطعٍ وصفي عن حال تأريخي مشوّش شهدته الناس في تلك المرحلة .. لكن سيبقى "معلّقاً" في حدود الذهن . ولكن بمجرّد أن نقلته الكاتبة إلى أعماق الزعيم باشي ابراهيم الكاهجي تألّق فعله العاطفي الساخن في نفس المتلقّي :
(.. اجتماع تلو اجتماع في القشلة ، أخرج منكسر الخاطر . إنها الحرب لا مناص .. بريطانيا تقود جيشا جرارا من الهند وتزحف به نحو البصرة .. قضيت عمري أتفكّر في أمور حربية لكن بهذه الدفاعات الضعيفة لا أعتقد البتة بأننا سوف نربح هذه الحرب – ص 43) .
ولاحظ الآن هذا التلطيف الحزين برشقات من رذاذ المطر ثم التحوّل الآسي نحو محنة بغداد التي تثير في ارواحنا عذاباتها وخساراتها الجسيمة في كل العصور :
(أخرج ورذاذ المطر يندي جبيني . ماذا تخبىء لنا أيها القدر ؟ (...) بغداد تبكي على ماضيها وحاضرها ، والمستقبل ليس أفضل بكثير ، شوارعها مظلمة ودورها وصوامعها المهدّمة ، وفيضان دجلة ووباء الكوليرا . أمرق على الأسواق خالية والجوع يضرب أطنابه ؛ غلاء فاحش ، وأهالي بغداد يمشون بكبرياء رغم ملابسهم الرثة وآلاف المتطوّعين يحضرون من الجنوب .. العامّة تعتقد أنها حرب من أجل نصرة الإسلام والإسلام في اسطنبول أشاح بوجهه عن العراق والكفّأر يحاصرون الدفاعات في الكوت ، وأنا ضابط أقوم بواجبي ، ، جندي عثماني  أقسمتُ الولاء . لكن هل العثمانيون يمثلون العراق ؟ وهل الإنكليز هم أكثر حرصاً من العراقيين أنفسهم ؟ وأسمع صوت نشيج منحفض ينطلق من الحانات العتيقة في ظلمة الطريق لهذه الليلة ، عراقي يريد الإنتماء . الأتراك ليسوا عراقيين وكذلك الإنكليز .. وچلچل عليّ الرمّان نومي فزعلي – ص 43 و44) .
مع هذا النشيج المنخفض المنبعث من الحانات .. نشيج يأتينا حقيقة من أعمق أعماق النفس العراقية الجريحة يذكّرها بأنها ولدت للخسارات والعذاب .. بهذا النشيج يصل تأثير الحدث التاريخي النفسي ذروته ، ويحقق تعاطفنا المنكسر معه ، فقد استعادته الكاتبة إلى الحاضر ولم ترسلنا إليه .. الحاضر الممثل بالشخصية السردية "الورقية" ؛ ابراهيم باشا الممزق الوجدان ، والتي تحوّلت إلى شخصية حقيقية مكسوة لحما نابضا .
والقناعة نفسها تُقال عن المشهد الذي تلاقي فيه بدرية وريمة حكاك وهما تفرّان من بيت رجيبنة بعد مقتلها ، تظاهرة الخبّازات في بغداد احتجاجا على نقص الحنظة وغلائها وتلاعب الدولة بقوت الشعب . كانت الصورة أكثر تأثيرا من الناحية النفسية من أي وصف تاريخي للحدث . الإنسان – ممثلا بالخبّازات الفقيرات البائسات ومظهرهن المثير للأسى والتعاطف – هو الذي يُكسب التاريخ "إنسانيته" المؤثرة ، وهذا واجب الإبداع لا التاريخ . الإبداع – إذا جاز الوصف – يقدّم لنا مشهداً تاريخيا سينمائيا محتدما بحركة البشر وافعالاتهم ، يقدّمهم بلحمهم ودمهم مثلنا ، أمّا التاريخ فإنه يقدم الحدث نفسه كصورة فوتوغرافية ، لأن على المؤرخ "تثبيت" الحوادث كي يصفها بدقّة وذلك بسبب حياديته المطلوبة الصارمة ، في حين أن المبدع – بسبب انحيازه الناتج عن ضغوط تلبّسه اللاشعوري – فهو يحرّك الحوادث ويتحرّك معها :
(خرجنا من الباب الخلفي ننسحب بهدوء . اجتزنا شارع العسكري واتجهنا صوب شرق دجلة باتجاه المقبرة التركية . وفي انعطاف الطريق المؤدّي إلى الميدان كانت حشود نسائية من صانعات الخبز المحلي ؛ خبّازات بغداد ، وقد اتشحن بالسواد من قمة رؤوسهن إلى أخمص أقدامهن . إنها الأزمة الإقتصادية الخانقة للبلاد ؛ سواعدهن كانت ملفوفة بخرق بالية تحميهنّ من جحيم تنّور شواء الخبز وقد تناثر رذاذ الطحين ولصق العجين على ملابسهن ، وهنّ يضربن بقوّة على صدورهنّ :
واويلي اشگد غالية الحنطة
بعنا لِحِفنا وبيش نتغطه
-خاله ريمة ما الذي يجري ؟
-أرجوكِ تحاشي الحشود . يكفينا المأزق الذي وقعنا فيه . ما علينا سوى الولوج عبر منعطف الصابونجية ؛ حكومة عاهرة أكثر من عُهر الكلّچية .. تتاجر بالخبز الأسود للفقراء – ص 81 ) .
لكن عندما يتحدث يونس باشا الآن عن هواجسه بأن محتلا آخر سوف يدخل العراق من منفذ البصرة .. وأن الناصرية قد تكون مركز الدفاعات .. وغيرها ، فهذا نوع من "التذاكي" التاريخي المجرّد الذي لن يحقق تعاطفنا .. فهو عمل الذهن لا الروح الحسيرة المحاصرة .
منعطف الإنهيارات التاريخي :
-----------------------------
المهم – وكما قلت ، وهذه حسنة من حسنات الكاتبة وشرطا من شروط الحكاية الناجحة – أن الكاتبة ظلت مخلصة لبدريتها .. بدريّة التي تتقلب على جمر الولع والخيبة المستعر . مصمّمة على فعل أي شيء يكسر هيبة العائلة التي مسخت وجودها . العائلة المستميتة في البحث عن العلو الإجتماعي والمظاهر البرّاقة الخادعة  ، في حين أن مياه الإنحطاط والتغيّر التي اكتسحت المجتمع تأكل ركائزها . الأب الباحث عن الشرف استمات على بائعة اللبن التي لم يجد أهلها سوى خرق القماش يشعلونها ليعدّوا له شاياً .. هو نفسه (اشترى) حسيبة المراهقة ثم وقع في حبّها كما يقول . كان هو وأبوه وجدّه يلهثون وراء (الهيبة) مهما كان الثمن . سلّموا ثروتهم الزراعية في ديالى لشخص آخر بدأ يتحكم بمصدر مواردهم .. فهم لا يعرفون سوى أن يتسلّموا (الثروة) ويصرفونها .. طبقة طفيلية جاهلة بمستلزمات عجلة الإنتاج ، ودورها فقط يتمثل فيهدر رأس مالها .
الآن يقف الأب حائراً ، فقد جاءته ضربة مباغتة ليست في الحسبان . بدأت الناس تُسمعه كلاماً سيّئا عن ابنه عادل . أراده محامياً ، وها هو يترك المحاماة وينخرط في التجارة . والأشد مرارة أن الألسن تلوك سلوكه في علاقاته الجنسية المثلية مع خادم مكتبه ، ومع خادمه مرجان . وعادل ناقم على أبيه وعلى أخيه يونس باشا الذي انسحر بالعيون الزرق لـ "رازقية" فخدعه أهلها وزوّجوه شقيقتها القبيحة ، وصار عليه أن يتحمّل وجودها خوفا من الفضيحة .. ويتحمّل أيضاً سمعة أخيها السكّير . وفي حوار عادل الداخلي / المونولوج (ص 51 و53) يتحدّث صراحة عن احتمال أن يكون (دُلقي – أي جنسي مثلي) ويشير إلى جُبن أخيه يونس الذي أصر على حضور حفلة أم كلثوم حتى لو باعت أمّه غطاء رأسها الثمين .. وإلى نذالة ابيه الذي جعل أمهما تبيع حجلها الذهبي ليظهروا بمظهر الكرام . لا أعلم ما هي علاقة هذه التصرّفات باستنتاج عادل النهائي :
(لا أتزوّج ولا أريد أن أترك التجارة والّلي يعجبه يعجبه والذي لا يعجبه ليضرب رأسه بألف حايط – ص 53) .
وما أقصده تحديدا أن الوصول إلى مثل هذه القناعة المرتبطة بالإنحراف الجنسي المثلي الذي يشكّل بطانتها الثأرية ، لا يتم عبر مونولوج وقرار ذاتي سريع يأتي كخلاصة . ولكن عبر متابعة متدرّجة لنماء الشخصية وصراعاتها الداخلية . الكثير من الشخصيات ظُلمت في هذه الحكاية الجميلة .
المهم أن النبوءة تمضي حثيثاً بعد أن تذكّرنا بها بدريّة :
(هناك نبوءة في هذه الدار ، ولا أعلم ما هيتها ، كل الذي أعرف أني انزلقتُ نحو مصير مجهول – ص 58) .
وقبلها العمّة ستّة :
(أقولها بصوتي العالي : إن هذا البيت سوف ينتهي نهاية غير حسنة .. حوبتي وحوبة البنات الأسيرات ، بوجودكم – ص 39) .
ينتحر عادل بمسدس أخيه الضابط .. ولكن المسدس بيد الأب ، ونقمة الأم تثير الشكوك حول فعلة الأب .. تهدمّ بنيان العائلة .. وانتقل ابنها الباشا إلى محلة أخرى .. فمحلة "الغالبية" ليست سوى "صيت" فقط .. وهي تُحتضر . وقد أهيرت سمعة الأب وإرادته حين اضطر لتزويج ابنته صبيحة من ابن جواد الشهربلي (المعربانية) الفلاحون كما كان يصفهم الأب ويونس اللذين تخليا عن كرامتهما لضمان مورد العائلة من بساتينها (ص 64) .
ثم يأتي الحدث الذي ننتظره جميعا كقرّاء : هروب بدرية بعد أن هدّدت به طويلا واستعدّت . ذهبت إلى كرجي فاضطرب ولم يعرف ما الذي ينبغي فعله . قام بتسليمها أمانة بيد القوّادة الشهيرة "رجينة خاتون" وهي – واقعيّاً - شقيقة المطربة سليمة مراد . القوّادة اليهودية تبيّت لبدرية أمراً ، خصوصا بعد أن شاهدت جمالها الباهر وجسدها الساحر وبراءة قلبها . لكن رجينة تُقتل في الليلة نفسها .. يقتلها زوجها المهندس عبد الكريم .. وتفرّ بدرية تقودها قحبة متمرّسة هي "ريمة حكّاك" – هنا نعود إلى نبوءة الإستهلال – للخلاص من الشرطة . وقبل مقتلها تحدّث رجينة بدرية بما يمكن اعتباره جوهر الصراع التاريخي في الرواية في تلك المرحلة :
(يعني حضرة جناب أهلك عايشين على صيت العصملي . الآن الدنيا احتلفت ابنيتي . "الغالبية" لا يسكنها سوى العوائل المتوسطة من أهالي بغداد .. قولي كبار السن والعجائز .. البشوات والكبارية كلها ابتعدت وبنت بيوت حديثة بالوزيرية .. زمن العصملي ابنيتي راح .. الآن حكومة شغل انگليز والهوى شمالي غربي يرد الروح – ص 76) .
والآن ، سوف تبدأ بدرية مسيرة العهر والدعارة من حياتها المقبلة ، حياة الخراب والضياع ، وهو ما سيشكل القسم الثاني : (فصل) .

د. حسين سرمك حسن


التعليقات




5000