.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


بحور الشعر تعلن عن سندبادها.. دراسة نقدية في مجموعة (في مطلع كل صباح) للشاعر رزاق ابراهيم حسن

سعد ابراهيم الجبوري

بعد مجموعتيه الشعريتين (أسرار الطريق) و (أنا أحد غيري)  ، صدرت للشاعر رزاق ابراهيم حسن مجموعة شعرية بعنوان (في مطلع كل صباح) ، وضمت المجموعة اربع وثلاثون قصيدة ، ثمان عشرة منها اعتمدت العمود الشعري التقليدي ، وست عشرة الباقية ، نظمت بطريقة شعر التفعيلة .

واستخدم الشاعر سبع أوزان من البحور الستة عشر المعروفة ، هي (الكامل أربع عشرة قصيدة ، المتدارك اربع ، الرمل واحدة ، الخفيف ست ، المتقارب قصيدتان  ، البسيط ثلاث .. والرجز ثلاث) ، وكما هو معلوم فإن بحور الكامل ، الرمل ، الخفيف ، والبسيط تعد من أهم هذه الأبحر دون التقليل من أهمية باقي البحور. والنظم في هكذا عدد من الأبحر له دلالته بلا شك في إثبات قدرة الشاعر ، فمعظم الشعراء القدماء والمحدثين لم يتجاوزوا هذا العدد ، الا القليل منهم ، ويندر ان نجد من نظم في جميع البحور.

ولا نميل الى ان الشاعر اراد بذلك اثبات قدرته ، بل نظن أنها جاءت لتناسب موضوع كل قصيدة ، ولو كان العكس لما أهمل بحرين كبيرين هما الطويل والوافر.

كما يلاحظ أن بحر الكامل كانت له الحصة الأكبر من البحور السبعة ، حيث نظمت بوزنه أربع عشرة قصيدة ، والكامل من البحور الشهيرة لكثرة ما استخدمه الشعراء في مختلف الاغراض الشعرية ، وأهمها الحماسة ، وبذلك طبعت المجموعة بطابع المتانة والفخامة .

وهنالك ملاحظة اخرى تتعلق بالزحافات ، حيث تمكن الناظم من استخدام الزحافات والعلل استخدام متمرس عارف بصنعته ، واكثر ما استخدم زحاف (الخبن) وهو حذف الساكن الاول في (فاعلن) فتصير (فعلن) ويدخل عشر ابحر ، و(الخزل) وهو مركب من الإضمار والطي كتحويل متفاعلن الى مفتعلن ويدخل الكامل ، ومن العلل التي هي تغير مختص بثواني الأسباب وقد تجئ بالزيادة والنقص ، استخدم الترفيل ، نحو قلب فاعلن الى فاعلات ومتفاعلن الى متفاعلاتن ، ويدخل بحري المتدارك والكامل .

وبوجه عام ، فقد التزم الشاعر بصرامة في ما يختص بالأوزان في قصائده العمودية وقصائد التفعيلة ، ونود الإشارة الى أنه لم يجز لنفسه ما أجازه الآخرون لأنفسهم في شعر التفعيلة ، بإشاعة التسكين أواخر المقاطع ، حيث نجد وزن التفعيلة الاخيرة يستكمل فيما يليها من المقطع التالي ، وهو تأكيد لما اشرنا اليه من التزام وتمكن في النظم .

(الاوزان والمضامين)

في الأعم الأغلب جاء اختيار الأبحر موافقا لمضامينها ، كما ان الشاعر استطاع توظيف أبحر في غير ما عرفت به من مواضيع ، ونجح في ذلك الى حد بعيد . ولعل قصيدة (الغرف الثلاث) مثال على ذلك ، فهي منظومة على بحر الرجز، الذي كثيراً ما يستخدم في الارتجال والحماسة لسهولته ، الا ان الشاعر جاء من خلاله بصور رائقة ، ومعان جميلة آسرة ، فيها شيء من القص والسرد المأنوس ، بلغة تقترب كثيراً من لغة بدر شاكر السياب ، دون ان يكون نسخة منه ، مع ملاحظة انتقاله الى بحر المتقارب في مقطعها الأخير.

وبالعودة الى الاوزان ، ففضلا عما ذكرناه بصددها ، نضيف ملاحظة مهمة تتعلق باسلوب الشاعر ودقة التزامه بأداء شعراء الخمسينات والستينات من القرن الماضي ، فضلا عن ميله الظاهر للعمود الشعري عبر كثرة نظمه بطريقته ، مع اننا وجدنا في نظمه على طريقة التفعيلة ، شعرا اكثر رقة ، واعمق وقعا في الوجدان .

ولعل مرد ذلك يعود لمقاييس بداياته ، التي كان لعمود الشعر فيها اهمية خاصة ، حيث كان معتمدا كمقياس لمهارة الشعراء وأصالة قرائحهم.

لكل ذلك يمكن وصف بعض قصائد التفعيلة في ديوانه ، بانها منظومة عمودية ، وكل ما عمله الشاعر ، هو تفكيك بنيتها، وكسر قالبها العام ، المكون من اشطر الصدور والاعجاز ، ولا اجد ضرورة لمثل هذه المحاولة ، التي لم يستفد منها الشاعر كثيرا ، فالغرض من التحول الى الشعر الحر كان يهدف الى إتاحة مساحة اوفر في التحرك عبر تعدد النغمات والقوافي ، والسماح لدفق الصور والمعاني من اخذ طريقها الى البوح ، دون ان توصد بوجهها محدودية شطري البيت .

واعتقد ايضا انه اراد بذلك مجاراة مجايليه ، في اتباع الحداثة واثبات قدرته في مضاميرها ، والامر على كل حال ، دليل قوة وليس ضعف.

ان قصيدة (ثلاث خطوات) نموذج للاسلوب الذي ذكرناه انفا ، وهي منظومة على تفاعيل بحر الكامل ، وتحتوي الكثير من العذوبة والصور الجميلة الاصيلة المبتكرة ، كقوله (( في الليل تأتلق الحديقة انني في قاع هذا الليل أبصر منك سراً يحتويني.. يأتي الي ، يشق أسواري ويصعد في يقيني.. في قاع هذا الليل ينبع أي سر؟ أي ماء ؟ أي الينابيع الرقيقة يستحيل الى ضياء؟ أي الخطى في قاع هذا الليل تنبض في حنيني؟ أي المرايا ترصد الأسرار تلك رؤاك سيدتي ؟ دعي الأبواب فالموتى يشقون الطريق اليك والشهداء فوق رؤوسهم وطن.. )) ، ففي عبارة ((انني في قاع هذا الليل ابصر منك سر يحتويني...)) سنشاهد صورة عميقة في الوصف نتجت عن خيال خصب ، اذ ان الليل لشدة ظلمته جاء تشبيهه ببئر عميق بلا قرار ، ليختار وصف ذلك القاع محبسا له ، لا طائل في الخلاص منه ، فهو اذن لم يكتف بالظلمة التي قد يتلمس المرء طريقه خلالها وان تطلب مشقة ، بل زادها قسوة وتعجيزا بكونها في قعر بئر سحيق ، فتكون الصورة بذلك أكثر بلاغة وانعكاسا لمشاعره.

 (اللغـــــــــــــــــــة والموضوع)

سيحسب لرزاق ابراهيم حسن استخدامه للمألوف المتداول من الكلمات ، مع حرصه على تجنب لغة السوقة ، وإنما يتكلف البعض في اختيار المفردات القاموسية بغية الاستعراض ، وذلك هو العي بحد ذاته .

فلم نجد في شعره من وحشي العربية شئ ، بل لغة سلسة سليمة معافاة ، وفي العديد من القصائد تأشير الى تدفق متصل من الصور يدل على ملكة وثراء مفردة ، ودربة طويلة في النظم .

اما عن مواضيع القصائد ، فقد تعددت اغراضها كالوجدانيات والشكوى من الزمن ، وبعضها في المديح ، كما في قصيدة (بيعة الشاعر) المهداة الى الجواهري ، وهي من أروع قصائد الديوان المنظومة على بحر الكامل .

وفي الرثاء قصيدة (النداء المرير) المهداة الى صديقه الراحل مكي زبيبة ، وهي منظومة على بحر المتقارب ، وفي الرثاء ايضا ما جاء في قصيدة (حيرة الرثاء) ، المنظومة على البحر الخفيف ، في تأبين العلامة محمد حسن الطالقاني ، وهي مع جودتها ، الا انها لم ترق الى قصيدة (أمير الزهد) التي نظمها في حق سيدنا علي (ع) ، والتي ابهرنا مطلعها ، وجاءت معظم أبياتها مترعة بالصور البلاغية وسحر البيان ، بل وصل بعض أبياتها حد الإبهار والإدهاش ، فاستحقت الثناء الكامل ، ومن ابياتها :

(( يا زاهداً ملك الدنيا وما قنعا.. بالزهد يفترش الأضلاع مضطجعا // واختار رمضاءها جمراً وكان له.. أن يصطفي زهوها قاعاً ومرتفعا // لكنه جعل الدنيا محدقةٍّ.. في زهده وهو يؤوي الزهد مجتمعا // فكل من ملكوا في الأرض ما ملكوا.. في الزهد ما زرع الكرار أو وضعا // نأى بصورته عن كل شائبة..  وفاض في كفه عذباً بما نبعا )) .

كما تضمنت بعض القصائد اشارة الى انحياز طبقي الى جانب الفقراء والمسحوقين.

(نقــــد لنصوص مختارة)

حفل الديوان بالعديد من القصائد ذات المقاطع البليغة التي تتجلى فيها قوة السبك وصور البيان ، كما اتسمت العمودية منها بالفخامة وقوة البناء رغم احتواء حشو البعض منها على صياغات متكلفة ، اثرت على مستوى اداء الناظم.

وفي ما يأتي تحليل لبعض النماذج المختارة. . فمن قصيدة (مصارع الارض اليباب) ، المنظومة على بحر الكامل ص42 يقول الشاعر  (( في اي وحل أقتفي أثري ، وأبحث عن ظلالي ؟ وبأي هاوية أجوب الموحلات من الليالي ؟ لي قامة نزفت ظلالاً في الظلام.. وتهرأت أسمالها في الأمنيات الآفلة.. لي عنفوان دم تسرب في السنين القاحلة.. ومضى سراباً من جنون وانتظار وانطفاء)) .

ففي قوله  (في اي وحل اقتفي اثري ...) تجسيد موفق لحالة الضياع وحالة اليأس التي مر بها الشاعر، حيث ان الأثر الذي تركه في طريق الحياة الموحل ، سوف لن يتمكن من العثور عليه لو حاول العودة ادراجه ، وأي اثر سيحفظه الماء ؟!.

اما في قوله (لي قامة نزفت ظلالا في الظلام ) ، فاي إنسان سيتمكن من رؤية نزف الشاعر وهو يتجسد ظلا في الظلام؟ ، وهو تجسيد اخر من عدم التفات الاخرين الى معاناته.

وفي قوله (لي عنفوان...) تضمين لمعنى ان قدر الشاعر لم يمنحه استحقاقه من فرص استثمار عنفوان دمه ، وطاقات شبابه ، في تحقيق شيء كبير لنفسه او للاخرين ، فقد تفجر ذلك العنفوان وخبا خلال مرحلة الشباب الذي حوته (سنين قاحلة)! ، فكان طبيعيا ان يتحول بتلك الامنيات العريضة الى مجرد سراب ، حيث ان ما عجز عن تحقيقه في عنفوان شبابه ، سيعجز عنه في كهولته او شيخوخة ، وقد ربط الجنون بهذا السراب ، وهو محق ، فكيف لايكون ذلك ، وقد رحلت الفتوة بآمالها وأحلامها ، ولم يفز بغير السراب ؟! ، أما عيشة الحاضر ، فليس سوى أرذل العمر ، الذي خبا فيه النور  والأمل ، ولا غير انتظار قدر الموت ، كمصير محتوم ، يحمل في طياته آخر جذوة للحياة ، مازالت تمنحه فرصة العيش ، وان كانت بلا رغبة !.

القصيدة تستحق التأمل ، لما تضمنته من عمق في الصور ، وتجسيد رائع لخلجات الشاعر وتجربته الانسانية ، بأسلوب وجداني عميق مرهف ، رافقه اختيار ذكي للمفردات ، زاد من عمق بلاغته ونصاعة بيانه ، فقد اختار مثلاً ، مفردة (تسرب) في ((لي عنوان دم تسرب من السنين القاحلة ... )) ولم يختر  ((سال)) ، لأن التسرب ينم عن غفلة وخسارة ، فيما السيلان والتدفق ، يعني الجريان مع المعرفة والمشاهدة ، أي إمكان المعالجة ، وبذلك كان اختياره دقيقاً في تصوير ما ضاع منه .في قصيدة ((عند رصيف الانتظار )) ، ص9 ، المنظومة على تفعيلة بحر (المتدارك) ، حس انساني ، عبر تجسيد الشاعر لمعاناة بعض أفراد المجتمع  ممن يعانون الحرمان ، دون التفات أحد اليهم .

وقد جاءت القصيدة بأسلوب قصصي سردي أصيل ، رغم ما يبدو عليها من تأثر بالسياب ، وهو صاحب الإرث الكبير في مساحة التجديد في الشعر الحديث  ، ويندر أن نجد شاعراً لم يبتدئ متأثراً بأسلوب من بهرته ابداعاتهم ، والتأثر لايعني التقليد والاستنساخ ، فالأخير محكوم بالفشل ، ولا يبشر بولادة يؤمل منها البقاء وحمل هوية خاصة ، فيما التأثر حالة مقبولة وطبيعية ، متى جاءت برؤاها الخاصة ، ومادتها غير المتكلفة ، مايمنحها الأصالة وبطاقة المرور ، وهذا ما لمسناه في هذه القصيدة تحديداً كمثال للتأثر المبدع الأصيل غير المعيب .

وسنختار من القصيدة المقطع الاتي  (( حين تكون العربات قد غصت بالمنتظرين.. تأتي امرأة شاردة العينين.. متعبة ووحيدة.. مثقلة بنعاس وبقايا نظرات.. تأتي من خلف رصيف المنتظرين.. وبعد رحيل العربات.. تصغي لجميع الأصوات.. لا تسمع أحداً.. لا تسمع حتى الصمت المطبق في الشفتين.. لا تسمع حتى الوقت المتغضن في العينين)) .

ومن القصائد الأخرى القريبة من هذا الوصف قصيدة  (العربة) وهي تعتمد تفعيلات بحر ( الرمل ) ، وفيها وصف رائق جميل ودربة واضحة ، وتوزيع بارع للأنغام ، عبر عدد تفعيلات المقاطع ومناوبة القوافي  ((وقفوا ينتظرون العربة.. وحدهم والليل يمتد الى كل الجهات.. ثم يمتد الى المنعطفات الخربة.. والصدى يبحث عن أصواتها.. وقفوا بين الصدى والكلمات.. والتقوا.. دون علامات سوى الأنفاس.. تنساب الى مفترق يكبر في أصدائها المضطربة)) .

أما قصيدة (حنين الدم) ، فهي من قصائد الديوان الجيدة  ، المنظومة على بحر الكامل ، الاّ أنها ، كما احتوت العديد من الأبيات المتينة السبك ، وسلاسة المعاني والصياغات ، احتوت بعض الأبيات المتكلفة .

وجاءت قصيدة التفعيلة (ولائم الطلول) المنظومة على بحر الكامل ، بصور آسرة ، يتجسد فيها عمق الحس الانساني ، وصدق المشاعر ، حتى تكاد تشرك القارئ في مشهدها (( ويمر عصر تنطوي فيه المنازل والشوارع.. بضياعها، وتهب ريح من قتام ومن ضحايا.. فاحفظ يديك من الدم المسفوح في كل الجهات.. واختر لنفسك عزلة في أي وهم أو بقايا.. واكتب براءة رأسك المقطوع في كل الخطايا )) .

ومن مقطعها الأخير نجتزئ (( من يحتوي عيني لأبصر ما سيأتي أو يكون.. من مقبلين ومن فصول واحتفالات سعيدة؟ .. من يوقظ المتوسدين على الولائم والتكايا ؟ .. فلقد أقاموا في دمي حتى استبد بي الأثر.. ونزفت حتى الشمس حتى فاض من دمي القدر )) .

والصورة عميقة في عكس حجم المرارة الناتجة عن الاحباط الذي يعانيه كل من يمتلك هذا الكم من المشاعر المرهفة ، في مواجهة قدر لم يسعفه الحظ في مقاومته، ويكاد يصرح بأن رهافة الانسان ورقته ، ونبل مبادئه ومقاصده ، قد تشكل مقصلة لطموحاته وأمانيه .

الاّ أن لدينا نظر في الشطر الأخير الذي يقول فيه ((ونزفت حتى الشمس ....  )) ، فلو قال  (ونزفت حتى فاض من دمي القدر )) ، حاذفاً ( حتى الشمس ) ، لكانت الصياغة أوفق .

ومن بحر الكامل ، جاءت قصيدة التفعيلة  ( مرئية الأرتياب ) ص26 لتفتن قارئها بتلاوين الصياغات ، وكثافة الصور، والقدرة على البيان ، وبتقنية يتصاعد فيها الدفق الشعري خطوة بعد أخرى ، ومنها  ((يا أيها المحمول فوق غيوم من رمال يا أيها المرسوم في ظمأ السنين القاحلة.. يا نظرة تبكي على كل الجهات الراحلة ..لم يبق في شفتيك غير سراب صمتك ..لم يبق في عينيك غير رماد وقتك.. لم يبق في هذي الليالي.. لم يبق في صحراء عمرك أي نبع أو ضفاف )) ، رغم أننا نجد أن كلمة ( ضفاف ) لو أبدلت بعبارة  (أو ندى غير الجفاف ) ، فيكون المقطع  ((لم يبق في صحراء عمرك أي نبع أو ندى غير الجفاف )) ، لكان أوفق ، فالنبع والندى والجفاف ، معروفة في الصحراء ، فيكون تشبيه العمر بها أنسب ، مع عدم تجاوز التجانس على رمزية الكلمة .

لقد استوقفتنا عدة قصائد عمودية ، ومنها قصيدة ( يا جيشنا ) ص28 المنظومة على وزن بحر ( البسيط ) ، وتتميز بسلاسة اللغة  وحسن السبك ، فضلاً عن تدفق الصورة الرائقة ، التي تفصح عن حضور الالهام بكامل عدته ، فهي نسيج بديع  ، سنختار منه هذا المقطع  (( أنت المرايا لها ، بل أنت صورتها.. بل أنت أجريت فيها للحياة دما // وأنت أعطيتها روحاً وعافية.. وأنت أنطقتها الأسماء والكلما // يا أيها الباسل الصديق ما كذبت.. بك النبوآت ، بل أشبعتها حكما )) .

ففي قوله مشبهاً ((أنت المرايا ...)) جاء بصورة رائعة ، ثم عاد ليعمق الأثر بالصورة ، وهي أقرب الى الأصل من المرآة التي ليست سوى عاكسة للصورة ، ولا علاقة لها بالأصل .. ولم يكتف بذلك ، بل استدرك  مؤكداً ، أن كل ما أتى به من وصف ، لن يفي الجيش حقه ، فأردف (( بل أنت أجريت فيها للحياة دما )) ، وذلك غاية العطاء ، والقصيدة من أجود قصائد الديوان .

ولا تقل قصيدة (عطايا تموز) عن سابقتها في متانة السبك ، وفصاحة اللغة والبيان ، حتى لتكاد تزاحم ما كتبه فحول شعراء العراق المحدثين ، وسنختار من أبياتها المنظومة على بحر الكامل ، المقطع الآتي ((تموز اذ يقف الزمان ويهجع.. اذ يرحل المسرى ،وينأى المطلع // والدهر يفتقد اللسان ويختفي.. متباعداً عما يقال ويسمع // والعابرات من السنين بلا غد.. يأتي ولا ماض لها يسترجع )) .

لقد وصف البيت الثالث ، السنوات الماضية بلا غد ، لتصوره أنها شيء ميت ، أو لاشيء ! ، ولذلك لن تنجب الغد الذي يرام ، والشاعر يشير الى عدم امكان عودة أحداث وظروف الماضي ، للتدخل في تغيير مسارها وتصحيحه ، وليس المقصود عدم امكان الاسترجاع المجرد عبر الذكريات التي يمكن أن تلهم الدروس ، ولذلك ، ففي البيت عمق فلسفي ، وقد جاءت الصياغة موافقة للمعنى ، بياناً وصياغة .

كذلك في البيت الأخير من المقطع  ((وبخطوك الأنهار ترسم خطوها.. ألقاً بمسراه الأماني تسطع )) ، حيث يمكن تلمس التعبير البليغ ، خصوصاً في صدر البيت ، فالأنهار تمثل الخير والعطاء والديمومة والتدفق ، وبذلك فقد أجاد الشاعر في تشبيه خطو الأنهار بخطا تموز .

ومن صور هذه القصيدة التي تتمثل بالصلابة والحماسة ، سينقلنا ، الشاعر المبدع، الى  لغة غاية في الشفافية والبساطة الممتنعة ، موضوعاً وصور ، وبحر شعري ، عبر قصيدة ( السراب ) ، فهي طافحة بحرارة العاطفة ، والمناجاة الكسيرة لحبيب ، غاب عنه كما غابت الأشياء عن مداراتها ،كما تقترب في أدائها من أداء السياب ، أو نزار قباني ، وربما بزت القباني في مواضع منها ! ، ويلاحظ ، أن القليل من الشعراء ، أجادوا استخدام بحر الرجز في مثل هذا الغرض ، لذلك سنسجل له هذه الميزة ، فضلاً عن ما تقدم من تأشير للبديع من قصائده ، مختارين منها هذا المقطع  ((قد فات وقت الوصل يا حبيبتي.. لكنني رأيت في سرابه انتظاري.. ينكرني ، ويمسح الحنين عن خطوي وعن مساري.. ويختفي عن أثري في مجهل بغير أصوات ولا ألوان.. كأنني فيه بلا وقت ولا مكان.. كأنني لم أنتظر.. وما عرفت الشوق في مرارة الأحزان)) ص31 .

اننا بهذا المسح النقدي الموجز ، لن نفي مجموعة الشاعر المبدع رزاق ابراهيم حسن حقها ، فهي تستحق أكثر من نقد ودراسة ، لذلك أوجه عناية الزملاء النقاد ، الى دراسة هذه المجموعة ، لما لها من أهمية في توثيق تاريخ الحركة الشعرية في العراق.

سعد ابراهيم الجبوري


التعليقات

الاسم: ابتهال الغامدي
التاريخ: 11/03/2017 10:44:10
هل البحور الشعرية تناسب جميع الأغراض الشعرية ؟او ان كل بحر يناسبة غرض شعري محدد؟

الاسم: سعد ابراهيم الجبوري
التاريخ: 13/01/2014 06:11:06
الأستاذالإعلامي والشاعر المبدع قصي القيسي ..
لقد أخجلتم تواضعنا بإطرائكم نقدنا ديوان الشاعر عبدالرزاق ابراهيم ، الذي آمل منه أن يعذرني إن كنت أغفلت جانباواجب الدرس ،أو تعثرت في سبر أغوار عوالم قصائده الممتدة الى حيث يعسر قنص جميع طرائدها من درر البلاغة والبيان والصور الأصيلة المبدعة.ولا أخفيك سيدي الفاضل أني مشوق لكتابة دراسة جديدة تتناول قصائدك التي إستوقفتني في العديد من صورهاالمبتكرةولغتهاالمكتنزة المعافاة؛ خصوصا ًوأن هناك قصور واضح في مجال النقد الأدبي لدينا ؛ مايوجب حراكه وإثراءه، بتناول المميز من إبداعات أدبائنا الأجلاء ، وأنت منهم .وإذا سمحت ظروف العبد الفقير ، فأعد أن لا يطول بما وعدتك الزمن .. وتقبل مزيد الإعتزاز والتقدير .

أخوكم
سعد إبراهيم الجبوري

الاسم: قصي صبحي القيسي
التاريخ: 12/12/2013 20:09:56
بما أن هذه الدراسة النقدية ، التي لا أجد ما أصفها به ، قد جمعت بين اثنين ممن اعتبرهما جهابذة البيان وأرباب الفن ودراويش الجمال ، فيروق لي أن اسميها (لقاء العمالقة) ، فكلاهما قدم ارثاً فكريا وجمالياً للإنسانية ، سعد ابراهيم الجبوري الذي عرفته عندما عملتُ سكرتير تحرير في جريدة الدستور عام 2008 (وكان يعمل سكرتير تحرير ومشرف على الصفحات الثقافية في الجريدة ذاتها) جمع بين الفن التشكيلي والكاريكاتير والشعر والنقد والفلسفة والميثولوجيا وأدب الطفل وشتى المعارف بالإضافة الى التواضع والبساطة .
أما الشاعر والأديب رزاق ابراهيم حسن ، فهو ايضا غني عن التعريف ، شاعر مفلق من الطراز الأول ، ترعرع بين القوافي وصان الأمانة التي أودعها اياه الأولون ولم يطعن إرث أمة الضاد بخنجر (القصيدة النثرية) ، وهو الآخر إنسان تزينه الطيبة والتواضع وطيب المعشر ، وقد عرفته عندما عملتُ سكرتير تحرير في صحيفة الزمان التي يعمل فيها شاعرنا مشرفا على الصفحات الثقافية .
الدراسة النقدية أكثر من رائعة ، وقد راقت لي رغم أني لست من عشاق النقد الأدبي ، فقد شدني اليها اسلوب الأستاذ الجبوري الذي جمع بين أدوات النقد القديمة والحديثة في تتقييم العمل الإبداعي ، ولم يترك ابن الحويجة صغيرة ولا كبيرة في لآلئ وزمرد ابن النجف إلا وتطرق لها .. تحية من القلب لهذين المبدعين .
تلميذكما قصي صبحي القيسي




5000