..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


لـم يـَبـْقَ لنـا سـِوى الـدُّعـاء!

رنين جرس الهاتف لا ينقطع ، والصباح الرمادي يلف كل شيء في هذه البلدة السويدية الوادعة بصمت مطبق ... لرنينه المفاجىء ، في هذه الساعة المبكرة، وقع ثقيل على القلب.

أمد يدي إلية بامتعاض والنعاس ما يزال يثقل جفني ...

لكن التحية الدافئة والصوت الوديع يهزانني.

استيقظ تماما .

اعرف الصوت رغم مرور فترة طويلة على سماعي له للمرة الأخيرة.

جاءني صوت الحاجة سـعدية ، تلك الفلاحـة الفلسطينية حتى النـخـاع ، من عمق الـوطن :

"تشيف [كيف] حالك يا حبيبي... ؟
إمبارح [أمس] كللي [قال لي] خليل ، إبن المختار ، إنه كرا [قـرأ] في الجرايد إنك في المستشفى... سلامتك يا حبيبي ... حبـّيت أطـَّمـَّن[أطمئن] عليك في غـُربتك...
وحياة معزتك عندي إني بـدعيلك [أدعـو لك] في كل صـلاة...
الله يرد غربتك وأشوفك [أراك] كبل [قبل] ما أموت...!!"

كم كانت نبرات صوتها حزينـة وصـادقـة .. وقلت لها من قلبي :
"يبـدو ، يا حاجة سـعدية ، أنـه لم يبق لنـا سوى الـدعـاء..."
المشاعر النقية لا تورث القلب غير الكآبة المزمنة.
شعرتُ بالحزن يـُعسكر في داخلي ...

* * * * * * * * * *

رغم كل شيء أشعر بوحـدة قاتلـة...

أشعر بأنني وحيد وحزين بشكل خرافي ...

هـنا ، في هذه الأصقاع الشمالية ، تَدُبُ في شراييني حرارة تهب من جحيم دائم الغليان، يَسـتعر كلما تذكرت أحباء ، أو خطر ببالي أصدقاء ورفاق غابوا في ظلام دامس ، وآخرين غيَّبهم الموت ، وآخرين ما زالوا في غياهب السجون والمعتقلات العربية ، وغيرهم انتفوا- طوعاَ او قسراً - في اصقاع الدنيا ، بعد ان ضاقت بهم أرض العرب بما رحبت .

أشعر بأن هذا المنفى اكثر دفئا وحنانا ، واكثر انسانية من أولئك الذين خُـيِّل الينا أنـنـا نـشاركهم اللغة ، والثقافة ، والدين ، والتاريخ ، والنضال ، والمسير، والمصير المشترك .

أنظر الى اسراب الطيور المهاجرة ، وأبحث عن نفسي فلا أجدها...

تحترق اصابعي اذا مَسَّـتها ،

أقتربُ من النار ولا أدانيها...

وأدرك انها بعيدة عني بُعدي عن الله !!

* * * * * * * * * *

أمل ، تلك الطفلة الفلسطينية الصغيرة التي تـقـيم في أوسـلو، ما عادت تكاتبني... سبق أن وعـدتها بقبلة إن التقينا على قارعة حزن....

سـألتني ذات يوم وأنا أجلس مع والـدها في كفتيريا جـامعـة أوسـلوعن سرّ حـُزني الغامض الـدفين.. وقالت ببراءة الأطفـال : "ما في شي بسـتـاهـل...عمـّو"!!
كنت متوتر الأعصاب يومها فـقـلتُ لها:

"الحزن ، يا أمـل، هو الحقيقة الوحيدة في هذه الدنيا ..."

أحسها قريبة من نبض القلب ،غارقة في طفولة الحزن وبراءته...

تغرق نظراتي الشاردة في ملامحـهـا الملائكية الشجية ...

ألعن لغتي المعتوهة . يـُسعـفـنـي الحزن ولا تـُسعـفـنـي العـبارة ....

بي حنين جارف إلى أن أبكي ...
حتى الـدمـوع أصبحت عـصـيـَّة...!

* * * * * * * * * *

أشـعر بأن طاقتي على الكتابة ضعـفـت في الوقت الذي بدأت أفكر في انجاز عدد من مشاريعي الأكاديمية المؤجلة ، من بينها الكتابة عن" تاريخ الأديان" ، و"فلسـطين في عشـرة آلاف عـام" ، و "تـأريخ مـا أغـفـلـه التـاريخ" ، و "نـحـن وهـُمّ : تأمـلات في الـعـنـصـرية".... فهل سيكون في وسعي أن أكتب عن أي من هذه المواضيع، وبأيها أبدأ؟

ليس في طاقتي أن أكتب الآن عن الـعـنصـرية وأنا أعاني من صداع على مدار الساعة. ومع أن التاريخ كان موضوع اختصاصي، ومع أنني درسته على مدى ثلاثين عاماً، إلاّ أن وضعي الصحي الحالي ليس ملائماً للكتابة عن "تـأريخ مـا أغـفـلـه التـاريخ". وهذا يحزّ في نفسي، لأن علاقتي بالتاريخ حميمة جداً... وكنت أفكر دائماً في الـتـفـرغ للإنـتـهـاء من كتاب"تـاريخ الأديان" ، بيد أن ذلك كان سيكون على حساب كتاباتي الأخرى، التي كانت تلح عليّ بلا انقطاع.

كتبت كثيراً في الـفـلسـطينـيـَّـات، ربما أكثر من أي موضوع آخر، لكنني لا أشعر أنني استوفيت الموضوع حقه. كما انني لم أقرأ شيئاً - في حدود اطلاعاتي المـتـواضـعـة ـ  أشبع فضولي عن فلسفة الأديـان. لذلك أشعر أن هناك نقصاً أو خللاً في ثقافتي الـدينيـة، وهو أنني لم أقف بما فيه الكفـاية على الأبعاد الفلسفية للـدين. فلا زلت أشعر أنني بحاجة الى فهم أعـمق لـتلـك الخـلجـات التي تـعـصـف بالنفس البشـرية في صـراعـهـا الأزلي لإقـتـحـام الغـيب..

ولا أزال أفكر في تلك المقولة الخالدة للفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه (1844 ـ 1900) في كتـابه القـيـِّم Also sprach Zarathustra  "هـكـذا تـكـلـم زرادشت...": "المـؤرخ المفضل لديّ هو من يعرف آلام السعادة الحقة فقط، وليس غيرها من آلام. ولم يوجد مؤرخ كهذا حتى الآن". هذه المقولة تنطوي على أعمق المعاني - في رأيي  المتواضع ـ في شأن التـاريخ. هنا يجمع نيتشه بين الألم والسعادة وتـدوين التاريخ.

ولا أغـالي إذا قـلت ُ بأنني لم أجد تعبيراً في مثل عمق هذه المقولة (ويبدو أنها لا تصدر إلا عن شاعر وفيلسوف ومجنون مثل نيتشه!)، وهذا يدعوني الى الاعتقاد بأن أروع المؤلـفـات هي تلك التي تستنهض فـينـا احساساً بالكآبة، كآبة من طراز متعالٍ، إذا جاز القول. وأنا أحب أن أبحث عن فلسفة التاريخ والأديان من هذا المنطلق. لكن الصداع الذي يلازمني الآن يُقعدني عن تحقيق هذا المشروع. ولا أدري إذا كانت ستتاح لي الفرصة للكتابة عنه.

* * * * * * * * * *

بالأمس ذهبت الى المسـتشـفى الجامعي في غـوثنبيرغ.

"أنت على حافة الهاوية" قال لي الطبيب بعدما عاين وفحص.

نظرت إليه متسائلاً.. فأعاد كلامه بنبرة حازمة خالطها بعض الأسى.

لم يسبق له أن حدثي بهذه الطريقة من قبل.

كان حينما أراجعه يكتفي بأن يطلب إليّ تناول دواء معـين.. أو يقول لي ببساطة:

"ابتعد عمَّا يوتِّر وخذ قسطاً من الراحة...!"

لكن كلامه هذه المرة كان مختلفاً وهو يشدد على ما تستدعيه حالتي من انتباه. وحينما أصر على توصيلي إلى البوابة الخارجية للمستشفى بدا لي وكأنه يـُودعـني...

لم أخف يوماً من الموت..

بل لم أحسب له حساباً حينما كنت قاب قوسين أو أدنى منه.

وأقصى ما فكرت فيه حينها أن يسمح لي بمهلة ريثما أنتهي من إنـجـاز "الموسوعـة السياسية للصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي" التي أعـمـل على إعـدادهـا منذ عشر سنوات، وريثما تملأ عينيي ممن ومما أحب ثم أرحل بهدوء كغيمة عابرة.

* * * * * * * * * *

في الأسـبوع الماضي وصلتني رسالة من صديقة سويسرية تحيطيني فيها عـلـمـا بأن زوجـهـا قـد انتحر بـإلقـاء نفسـه تحت عجلات القـطار السريع...بـعـد أن "أصبحت الحياة بلا مـعـنى..." كما أخبرها في رسالة تركها لها على حـاسـوبـه...

وبعثت إليها برسالة مطولة قلت لها فيها ، في جملـة أمور أخرى ، أنني لا أجرؤ على الانتحار ...
ربما هو نوع من الجبن أو سـَمـِّه ما شئتِ ، أو لعـله انتظار شيء قد يأتي من المجهول ، وينتشلني من عذابات النفس التي أعيش فيها باستمرار .

* * * * * * * * * *

لقد تعبتُ من الوحدة ....

فكرتُ يوما في أن أقوم برحلة أضيع فيها في غياهب الزمن...

بين جوانحي بحر متلاطم الأمواج ...

الألم توأم وحدتي ، ولأنه لا جدوى من الكلام .. أفضل أن أحتسي فنجان حزني وحيدا ، غارقا في صخبي الصامت ..

* * * * * * * * * *

اليوم ، وأنا أقـوم بنزهتي اليوميـة في الغـابـة ، رأيت طـفـلا لا يـتـعـدى الخامسـة من عـمـره يجلس مع طفلة ربما تكبره ببـضـعـة أشهر ..

أثارني إنصاتها إلى حديثه الطفولي ، غارقا في ضحكٍ صافٍ ...

أشعر بالوجع يـتـمطط في داخلي ...

لا أتذكر أنني عشـت طفولتي البعيدة ... أو أنني ضحكت ذات طفولة .. ولا أنكر أن علاقتي مع ذاتي ومع الحياة لست على ما يرام !

* * * * * * * * * *

ذهبتُ متأخرا الى مكتبـة الجـامعـة ؛

أجرجر قدميّ في خطوات متكاسلة.

أفكر في كل شئ ولا شئ...

والحزن مازال مرابطا عند بوابة القلب...

أي طعم للحـيـاة إذا لم يعـد المرء قادرا حتى على الابتسام...؟!

أختار مكانا قـصيـا عن الآخرين...

وأنا صائمٌ عن الكلام....

أحسّ الدمع يطفر من قلبي.

* * * * * * * * * *

عقارب الساعة تشير إلى الثالثة فجرا...

النوم هارب من حبائل جفني :

طنين خلية نحل في رأسي ،

وجسد متلكئ يتداعى تحت أي جدار ظليل...

فكرت في الضعف الإنساني الأزلي

وفقري المدقع إلى النوم...

ما أضيق العيش لولا خدر تلك الإغفاءة اللذيذة التي تـُهـَدهـدنا،

وتسري في أوصالنا..

تلك الراحة الفردوسية المخضبة بالأحلام المزهرة! !


آه ؛ يا وحـــــدي أنــا ...!!!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* كاتب وأكاديمي فلسطيني مقـيـم في السـويد.

د. عبد القادر حسين ياسين


التعليقات




5000