..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


غيمة ديكنز الماطرة

زيد الشهيد

مع انبلاج رغبتنا في القراءة في ستينات القرن العشرين وبدء مواربة فترة الشباب لنا كان التعرف على تشارلز ديكنز روائياً انكليزياً . ويستطيع المتطلع آنذاك لرفوف المكتبات او للكتب المعروضة للبيع في عربات  متخذة من الارصفة اماكن للبيع مشاهدة رواية ( قصة مدينتين ) . اتذكر ان أحد اخوتي الذين يكبرني جاء بها وظلت مع عديد الكتب التي تحتوياها مكتبة مصممة على هيئة "دولاب" ، ببابين مزججين .. وإذ توهجت رغبة القراءة لدي امتدت اصابعي لتسحبها من بين الكتب المرصوفة عمودياً . كان ذلك في واحدة من العطل الصيفية اللاهبة الطويلة التي تدفع  العراقي الجنوبي للهروب من اللفح والهجير والسموم للتقمص في كينونة مرتجاة في غرفة بنافذة مغلقة ومروحة تغدق عليك هواءً هو جنة قياساً بما هو في الخارج . ولأن الرواية - كأي عمل سردي طويل - تأخذ وقتاً طويلاً لمطالعتها فقد كانت فترة العطلة الصيفية مناسبة للدخول في عوالمها والرحيل بعربة السارد/ المؤلف ، سائحاً في الاماكن المتخَيلَة ، ومتنقلاً في فيوض زمنها ، ووالجاً  نفوس الشخوص التي كالمدن . ولأنَّ الاستهلال - كما اتضح لي بعد عمر من ممارسة الكتابة - ينبغي ان يكون مثيراً للمتلقي وبمثابة فخ يستدرجه للوقوع في دائرة سحر النص فإن ما فعله ديكنز بحنكته الإبداعية وحرفته المتقنة وذكائه المتَّقد جاء من باب الاثارة فوجدت نفسي التهم السطور لأغذي المخيلة بما تحتاجه كي تظل على قيد خلق الصور ، وبناء العوالم .

وكان لابد وانا اقف بعد عشرين سنة امام طلبتي لأتحدث عن رواية ( اوليفر تويست ) المُقررة عليهم كمادة منهجية من المرور على ارهاصات الثورة الصناعية وتفجّرها في انكلترا . وكان لابد أن اعرض عليهم بشيء من الشجاعة التي كانت افواههم تفغر وانا اتكلم عن جيش اللقطاء الذين ترمي بهم الفتياتُ والنساءُ القادمات من الريف للعملِ في المصانع بأجور زهيدة تنافس اجورَ الرجال ، حيث يقعن اسرى غواية اصحابِ المصانع والطفيليين من شريحة البرجوازية التي تتنامى يوماً بعد يوم ؛ هُنَّ القادمات من براري البراءة ، غير العارفات بقذارة المدن واسرار الرذيلة .. وبفعل تفاقم اعداد اللقطاء وخشية ان يستحيلوا مجرمين حين يشبوا ويكتشفوا انقطاع جذورهم وضياعهم شُرِّع قانون بناء ملاجىء تأويهم ؛ يديرها ويشرف عليها قُساة قلوب يسرقون النسبةَ الكبرى من الطعام الذي هو في الاصلِ بائسٌ ويسير ، ويسومونهم العذابَ والمرارة ... وفي واحدةٍ من هذه الملاجىء تربّى اوليفر تويست ، الذي قدمه لنا ديكنز ليكون مادة دراسية ...

هذا المدخل الى الرواية اكتشفت من خلاله ولعَ الطلبة في قراءة رائعة ديكنز ومتابعة الاحداث والدخول برغبة في نقاش عما يجري لاوليفر وما يقوم به هو في مواجهة  القسوة المتفشية في كل مكان . اينما حلَّ ، وكيفما تصرف .

وفي رواية ( قصة مدينتين ) حيث تجري الاحداث بين باريس ولندن استخدم ديكنز استهلالً مثيراً عندما جعل شارع في حي ( سانت انطوان ) الباريسي يضج بالعاطلين والضائعين يتخذون من المقاهي والارصفة والاتكاء على الجدران اماكن لقتل الوقت ، فارغي الجيوب ، جوعى  البطون ، رثي الثياب عندما تمرُّ عربةٌ حاملةً نبيذاً في دنان خشبية لم يُحكم ربطُها فتتهاوى من العربة وتنكسر فيندلق النبيذ الاحمر على  ارضية الشارع  الترابية ما يدفع جموع العاطلين إلى الاندفاع ، والارتماء على الارض يكرعون . وآخرون يغرفون بأيديهم قدر ما يقدرون . يتدافعون ويتزاحمون ... ومن مكان ما يرى أحد المتابعين للمشهد تراجيدية الحال ، ويتنبأ بحدوث شيء قادمٍ مهول من خلال ما يبصر ؛ فيتحرك إلى البقعة التي شربت النبيذ ، وسط انشغال المتزاحمين . يغرف بكفه وحلاً أحمر ويدون على الجدار كلمة دماء .. BLOOD ( BLOOD.. مؤذناً باندلاع ثورة ستُسمى في  ما بعد الثورة الفرنسية ... هذا الاستهلال المثير لا يقل عنه استهلال آخر امتاز ديكنز بحذاقة وصفه وتقديمه للقراء . هو الذي ابتدأ به روايته ( الآمال الكبيرة .. GREAT EXPECTATION ) عندما جعل البطل الصبي ( PIP ) الذي كان يلعب في مقبرة موحشة جوار امه وابيه الراقدين تحت شاهدتي قبر فيفاجأ برجل مكبلة رجليه بالأصفاد يمسكه بعنف ويهدده بالذبح ؛ ثم يطلب منه  مقابل العفو عنه أن يجلب له مبرداً وغذاءً يُسكت جوعه ... واستهلال مثير كهذا لا بد من أن يدفع المتلقي إلى مواصلة ما سيجري ويدور بعد ذلك ، فيدخل في غمار القص .

ولعل الالماني استيفان زفايج كان من المولعين بديكنز وقراءته ، الموقنين مِن الاعماق بأنه واحد من العظماء الساردين ؛ إذ سلب عقول القراء برواياته وجعلهم في هوس انتظار ما تحمله العربات القادمة من لندن وهي تضم - في صناديق مُحكمة - الفصول التي انتهى منها الكاتب ليعرفوا ماذا جرى  للشخصيات . كيف تصرفوا ، وما آل المآل بهذا وذاك ممن رسمهم في خياله فجعلهم أناساً حقيقيين في نظر القراء . يتحركون ويتصرفون كما لو كانوا يعيشون بينهم ومعهم ... لقد أدرج زفايج ديكنز في كتابه ( بناة العالم ) وتحدَّث عنه بقراءةٍ مشوِّقة مُظهراً شغفَ القراء وهم يخرجون على بعد ميلين من اماكنَ سكناهم بغية استلام الصحيفة التي تحتوي فصلاً من فصول الرواية من ساعي البريد ليقرأونها وهُم في طريقِ العودة إلى بيوتهم ؛ مشيراً إلى أن (( واحدُهم كان ينظر في صحيفة الآخر من وراء كتفِه ، وكان آخرون يتلونَ بصوتٍ عالٍ ؛ على أنَّ اولئك الذين كانوا اطيبَهم قلباً ، كانوا هُم وحدُهم الذين يسعون سعياً حثيثاً ليأتوا بالغنيمةِ إلى أزواجِهم واولادِهم على نحوٍ أسرع . )) .

إذاً لم يكُن وصول ديكنز إلى مكتبتنا ذات البابين قبل ما يزيد عن الاربعين عاماً عبثاً ، ولا رأي أخي في اقتناء احد عوالمِه هباءً . فقد تركَ هذا الخلاقُ ارثاً أدبياً ما زال يغذي الانسانيةَ بفاكهةِ القراءة العذبة ، وما زلنا نحنُ القراء نشحذَ الذاكرة والخيال لرسم الشخوص والاماكن ، وتقمُّص المشاعر والانفعالات رُغم قدومِ السينما التي أرتنا عبر تقديمها لأعماله الخالدة اماكن جرت فيها الاحداث ، وقدَّمت ابطالاً جسدوا شخصيات اعماله الروائية المذهلة تقديماً مؤثّراً لا يمكن للأيام مهما تراكمت وتهافتت أن تمحوه او تقلل من فعله وهيمنته .

تجسيد

كعشّاقٍ غارقون نحن في رمال الالوان ،

ومنهمرون كجيوش الفراشات على مياسم الزهور .

سكارى انسكبنا ! وما كانت الكلماتُ لنا عذراً للبوح .

كانت اللوحةُ شهادتَنا في الافضاء ،

والفرشاة فماً لا يطيق السكوت .

غافلتنا الايام ، وما تركت غير فاختات الهديل .

صاحبنا القلمُ ، وما كتبَ غير هوياتنا تندب السعادة

الهاربة ، والامل المستحيل .  

زيد الشهيد


التعليقات




5000