..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


هذي كرةٌ تدورُ

محمد الهجابي

يتم رفع الصورة

لمْ يصدّق السي محمد في البدايةِ، وهو على بعدِ أمتارٍ منَ الحشرةِ. لكنّه لمّا دَنا منَ الكائنِ صدّقَ. هذا جَعْرانٌ، ما في ذلكَ منْ شكٍّ. بلْ هما جعرانانِ. جعرانٌ ذكرٌ وجعرانٌ أنثى، ومُنْهمكانِ بالكامل في دفعِ كُرتِهما إلى الحدودِ. كيفَ لا يأْبهانِ؟ الحدثُ استنفرَ مجسّاتِ الرّجل، فهبّ يفكّرُ في الموضوعِ. الأوامرُ توجبُ بمنعِ كلّ كائنٍ، مهما يكون، منَ العبور. والرّجلُ حريصٌ على تنفيذِ الأوامرِ بالحرفِ الواحدِ. جعْرانانِ في سبيلهما إلى العبور. وفوق ذلكَ، متورّطانِ في تهريبِ كرةٍ!

قبل أيامٍ، قبلَ أسابيعَ، لم يصادفْ السي محمد حشرةً. لم يرَ وَرَلاً ولا عظايةً ولا حنشاً ولا وزغةً ولا حرذوناً ولا ظبّاً ولا ظرباناً. ولم يسمعْ حنيناً ولا سليلاً ولا ضُباحاً ولا صريراً ولا غقفقةً ولا عواءاً ولا نهيزاً. لا شيءَ منْ هذا، سمعَ. هدوءٌ يشوبهُ هدوءٌ، فحسبُ. فكيفَ الآن، والآن فقط، يظهرُ هذا الجعْرانُ؟ يفكّر السي محمد، بينما هو يدبُّ بموازاة حركة الجعْرانيْن، في كيفَ يوقفُ هذا الانتهاك الفاضح للقانونِ. ويخمّنُ كذلكَ، في تحسّرٍ بالغٍ، أنّه لولا هذه الواقعة لكانَ يمضي أيامَ مناوبَته في أفضل الشروطِ. مقتنعٌ هو، الساعةَ، بوجودِ مَنْ ينغّصُ عليكَ هناءَتك، حتّى وأنتَ في قرطاخنة. والرجلُ قبلَ أيامٍ كان هانئاً.

عندما حلّ السي محمد بالموقعِ، لمْ يكنْ يحسبُ أنّ لمعانَ الأنجمِ بهذا الصّفاءِ. حتّى في بلدته بمصمودة، بأحواز وزان، لم يبْصرها في هذا البهاء الأخّاذ. لم يرَ أيضاً، منْ قبلُ، هذا القدر الوفير منَ الشّهب والنّيازك والكواكب. يظلّ يعدّ الأنجمَ، فيعجزُ عنْ إنهاء عملية العدّ. كيف يستطيعُ؟ جهاتُ السماء كلّها تبرقُ. وهذا القمر، ما أروعه وهو في منْتهى دارته! يقسمُ إنّه كاد أنْ يلمسَ بأصابع اليدِ صفحةَ القرْص. لم يشاهد الكوكبَ قريباً منَ الأرض بمثلما شاهده هنا، في هذه البقعة الفسيحة. هذا قمرٌ، همسَ بيْن شفتيْه، وهو يرفعُ رأسه إلى بهرة السّماء. هذا قمرٌ حقيقيٌّ. كيفَ لمْ يفطنْ، قبل هذا التاريخ، إلى الطفاوة التي تنزّ عنِ الكوكب، فتشيعُ في ما حوله هذا الغشاء الفضّي الفاتن؟

في بدايات شهر مارس، أُلحق السي محمد بالمركزِ. وفي هذا الشهر بالذات، انتبهَ الرّجل إلى السماء، فهالَهُ منظرُ قمرها، وأبهرتْهُ أنجُمها. ومنْذ ذلك الحين، صار يرصدُ حركة السماء في اللّيلِ وحركة الأرض في النّهارِ. لكنّ ما يعني الرّجلَ هو ما يجري فوقَ الأرض تحديداً. ليسَ كلّ الأرضِ، وإنّما هذا القسطُ منْ ترابِ البلاد فقط؛ وهو قسطٌ مؤشّرٌ عليه بعلاماتٍ لا بأسلاكٍ شائكةٍ، وحُدّدَ بالخطّ الفارزِ في الخارطة. هذا القسطُ هو ما يهمّ السي محمد. باقي الأقساط منَ التراب لها ملاّكها وحماتُها والقائمون عليها. ما ينتسبُ إلى دائرة عمله هو ما أوكلَ إلى مراقبته. في النّهار يحرسُ الأرضَ، وفي اللّيلِ يتفرّجُ بالنظرِ على السماء، ويحرسُ الأرضَ في ضوء الكواكب والأنجمِ. أحياناً، يشغّل مصباحَه ذي البطاريةِ. عند الحاجة يستعملُه، لكن في معظمِ الأوقاتِ يهتدي بما يأتيه منْ أنوارِ السّماء. قد تسخو كائنات السّماء، في أوقاتٍ، فيصيرُ يرى ما في محيطِه بالعيْن المجرّدة. وفي أوقاتٍ، تشحّ عليه، فيضطرّ إلى التوسّلِ بالمصباحِ البطاريةِ، فيما هو يطمسُ بعينيْه ويوصوصُ.

عقبَ شهريْن، سجّلَ السي محمد أنّ السّماءَ جميلةٌ وهادئةٌ، وأنّ الأرضَ آمنةٌ وهانئةٌ. ولا داخلٌ ولا خارجٌ، أياً كانَ أو يكون. أفضى بما لاحظَ في تقريرٍ شفاهي. وقيّدَه بالحرفِ في تقريرٍ كتابي، ذيّله بتوقيعٍ. الرقيبُ الذي جاءَه، في تلكَ الظهيرةِ الحاميّة، اطّلعَ على أحوالِ الحراسة، ولم يعلّق بلفظٍ على التقريريْن، ولم يشكرْ جنديَ الحراسة السي محمد. اكتفى بالابتسام، بينما راحَ العريفُ يساعدُ السي محمد على إنزالِ المؤونةِ منْ خَزنةِ سيارة الجيب. وبعد حينٍ، ارتخى الرقيبُ على مقعد الجيب، فيما استوى العريفُ وراء المقودِ، وشغّلَ السيّارة، ثمّ ضغطَ على الدواسة، وانطلقت الآلة منْ حيثُ أقبلت، تاركةً وراءَها العَجاجَ.

جرى كلّ ذلكَ، بينما السي محمد مسمّراً في موضعه ينظرُ إلى السيّارة تبتعدُ. وما لبثَت الآلة أنْ راحت تتضاءلُ باستمرارٍ إلى أنْ اختفت تماماً. وقتَها فقط، تحرّك الرجلُ. وفي خاطره، هنّأَ السي محمد نفسَه. دوريةُ التّفتيش مرّت بسلامٍ. الآن، جازَ له أنْ يعودَ إلى أغراضه. فرّكَ الكفّيْنِ، وقامَ يوضّبُ المؤونةَ. الزّيتُ بمفرده في كرتونةٍ. السّكرُ والشايُ في كرتونة ثانيةٍ. الباقي منْ مواد في كرتونةٍ ثالثةٍ. وخارج البيتِ، عند وسعةٍ مسقوفةٍ، أشعل النّارَ، وأثفى الغلاّيةَ. سيرتشفُ شاياً تحتَ ظلّ شجرة الأثْلِ، الشجرةُ الوحيدة في الجوار، وسيدخّنُ سيجارةً، ثمّ يتغدّى ويتقيّلُ. لنْ يُضجِرَ قائِلتَه ضاجرٌ، ولنْ يعكّرَ روقانَ مزاجِه لا داخلٌ ولا خارجٌ.

في ركنٍ منَ البيتِ، أقام السي محمد مطرحاً، فيما أوقفَ الركنَ المقابلِ على كرتونات المؤونة. وبيْن الركنيْن، ترك فراغاً. حذاءَ البابِ، أرسى خابيةَ ماءٍ. حيطان البيت، ذاتِ البياض الباهتِ، لمْ تكنْ تزيّنُها تصاويرٌ. ترقّشُها بعضُ خربشاتٍ، ربّما هي منْ صنعِ حرّاس مرّوا منْ هنا؛ وهي في كلّ الأحوال لا تكادُ تبين. أطيافُ أسماءٍ وأرقامٍ عثر عليها في حيّزٍ معزولٍ. السي محمد نظّف حيطانَ الداخلِ في بدايات إقامته. شطّبَ نواسَ العُكّاشاتِ بمكنسةٍ منْ أغصانِ شجرةِ الرّتم، ومحا الأرقامَ والأسماءَ. ثمّ واصلَ تفقّده للزوايا في كلّ وقتٍ. حيطان الخارجِ مسحَ عنها سُخام القُدور. وإلى ذلك، صارَ كلّما بكرَ فجْرَ كلّ يومٍ، يجلبُ الماءَ بالجرادل منَ البئرِ، وينكبُّ على كنْسِ الأُسكفّةِ والحوشِ ورشّهما بالماءِ وملء الخابيةِ. والرّجلُ لا يتعبُ. بسببِ الزوابعِ التي تهبّ منْ حينٍ لآخرَ، أو بسببِ ريّاح السَّموم، أو بخلافها، لا يتوانى عنْ دلقِ جرادلَ الماءِ على جسده، وتنظيفِه منَ العرقِ والغبارِ. منْ حظّه أنّ ماء البئر لا ينضبُ. بئرٌ عامرةٌ تقعُ حذاءَ البيت، يغطيها سقفٌ منْ أعوادٍ وخيشٍ وقنّبٍ. ومنْ حظّه أيضاً أنّ البئر تستسْقي منْ وادي زوزفانة. الوادي على بعدِ فراسخَ. لكنّ ماء الوادي يبلغُ البئرَ. منْ هنا، منْ مكانه، يستطيعُ السي محمد أنْ يبصرَ بمنظاره الثّنائي العيْنِ سعوفَ النخيلِ. ولا يجرؤ فيبارح البيتَ. التعليماتُ تقضي بعدمِ مغادرةِ مركز المراقبةِ.

وحدَه راديو ترانزيستور (ماركة Translitor 1000. F.M) يشمَلُ البيتَ بأصواتٍ. أحياناً، يشملُ الخارجَ كذلكَ. يظلّ الرجلُ يديرُ إبرةَ الجهاز حتّى إذا استوت على أغنيةٍ شعبيّة، طفقَ للتوّ يردّد ترنيماتها مدلدلاً الرأسَ ذات اليمينِ وذات الشمالِ. تطربُه العيوطُ الجبليّة وطقطوقاتُها. ويمنّي النّفس بطقطوقات الشيخ محمد العروسي. يدندنُ بالأنغام حتّى والراديو مقفلٌ. يفعلُ، فيما هو يرتشفُ الشّاي ويستفّ السيجارةَ. ولا أحدَ غيرَه هو والراديو يخدشُ الهدوءَ المرنّقَ. لا خيامُ رحّلٍ ولا نوقٌ أوجمالٌ أوعنزاتٌ. ولا شيءَ يشغلُ باله سوى حراسة الأفق والتفرّج على الشّساعة وكائنات اللّيلِ المدوّمةِ في السّماء.

ومتأكّدٌ هو منْ أنّ أيامَ مناوبَتِه كانت ستمضي على المنوال نفسه لولا هذان الجعرانانِ. منْ أين نبقَا؟ أيّ جائحةٍ رمت بهما إلى هذه الأصقاعِ؟ جعرانانِ، في لونِ فحْمِ الأنْثَراسيت، يدحرجانِ كرةَ روثٍ نحوَ الجهة الأخرى منَ الحدودِ، كيف يسمحُ لهما؟

منْ حركةِ أرجُلِهما الخلفيّة، فيما هما يتَناوبان على الدّفعِ، أدركَ السي محمد أنّ الجعْرانيْن لا يُباليانِ بحضوره. ثمّ بسلاحه، أو بدونِه، هما مُصرّان على تخطّي العلامةِ. لا بدّ أنْ يصلا إلى الجُحرِ. لا بدّ أنْ تُضمِّنَ الأنثى بيضَها الكرةَ، حتّى تلفى اليرقاتُ غذاءَها ساعة الفقْسِ. هذا الإصرارُ حدسَه السي محمد منْ إمعانهما على السّير في الاتجاه عينه، رغمَ مضايقاته المتكرّرة لهما. يعترضُ الرجل بالحذاء البرودكان، فيحيدانِ عنِ الحذاءِ جانباً، دون أنْ يوقفا دورانَ الكرةِ، ثمّ يرجعان إلى خطّ مسارهما. يرفعُ الحذاءَ، فيستأْنفانِ الدّفعَ كما لو أنّ أحداً يتربّصُ بهما. الكرةُ، كرةُ الجعْرانيْن، لا تني تدورُ. والسي محمد، حارسُ الحدودِ، لا ينفكّ ثابتاً في موضعِه، لا يدري كيفَ يتصرّف. ما هذا العناد، كيفَ يتجاهلانِ أعرافَ الحدودِ المرعيّة، وقوانينها المصونةِ، كيف يفعلانِ بي هذا، في وقتي هذا؟ ينبسُ. هلْ يحملُهما الرّجلُ بيدِه، فيُجْليهما عَنِ المكانِ؟ هلْ يعتقلُهما، ويحبسهما، ويبلّغ عنْهما؟ هل يعفسُهما بالمداسِ، ويستريح؟ منَ الواضحِ، أنّ السي محمد حائرٌ في ما سيصنعُ بهذيْنِ الجعْرانيْن المارقيْنِ، في خلاءِ الله هذا الوسيعِ.

مارس 2011

محمد الهجابي


التعليقات




5000