..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الشقّة رقم 12

محمد الهجابي

أعرفُ منْ صرير الباب الضاجّ أنّه ولجَ الشقةَ. صوتٌ يشرطُ اللّحمَ، ويكشطُ الجلدَ ويسحلُه. منْ داخل شقتي، وأنا ممدّدٌ فوق الكنبة، أراهُ بعين الحدس وهو يدخلُ المفتاحَ في القفل، ويديرُه، ثمّ يجرُّ الحديد. بابُ الحديد هو البابُ الأوّلُ، ويليه بابُ الخشب. يجرُّ البابَ الحديد كما لو يرغبُ في اقتلاعه منْ مفصلاته. وهذا دأبُه كلّما جاء إلى شقته. أنا مقتنعٌ بأنّه لا يفعلُ بدافع نكايةٍ. ربّما يفعلُ بنتيجة تهوّرٍ. ومقتنعٌ أنا، أيضاً، بأنّ الرجلَ إنّما تربّى على هذا المنوال، ولنْ يغيّرَ منه. يصعبُ على المرء أنْ يبدّل منْ عوائده في سنّ الأربعين، وعلى مشارف الخمسين. لا يهمّه الجيران. لا يكترثُ بالأغيار. يفعلُ كأنّه وحده بالطابق. كأنّما هو بمفرده بالعمارة. منْ جرّته العنيفة تلك، يصيحُ البابُ بألمٍ. يصدرُ الباب الحديد هذا الصوت الفجائعي، فيما يظلُّ صوتُ باب الخشب، بالمقابل، كتوماً. وعلى خلاف الصوت الأوّل، يكونُ هذا الصوتٌ أشبه بانفلاع خفيض. يصوّتُ دون أنْ يمنحَ صدى. يطغى صوتُ الباب الحديد على صوت باب الخشب. وأتساءلُ: ما الذي يجعلُ الرجلَ يفكّر في إضافة باب حديد إلى باب الخشب؟

الآن، وبعدما اكتهفَ الشقّة أسمعُه يتحرّكُ. لبطاتُ مداسيه فوق الأرضية تخبرُ. منْ مشيته، منْ خبطات مشيته هذه فوق سقفي، فهمتُ أنّه بدينٌ. لربّما زاد وزنه على المئة كيلو. ربعُ القامة، ومكرّشٌ هو، ومحنّكٌ. تزنُ كلّ خطوةٍ على قشرة دماغي كما لو يقعُ عليها كيس بطاطا. لا أفهمُ لمَ لا يغيّر حذاءه الخارج بخفّ الداخل؟ لا يأبهُ، لأنّه لا يسمعُ. كيف يسمعُ وبيْني وبيْنه سقفٌ؟

لا يكفّ عن التحرّك في الشقة ذهاباً وإياباً، وفي كلّ الاتجاهات. لا يهنأُ لمكانٍ. أدركُ خارطة مسار تحركاته بالشقّة منْ هذه المشية الممتلئة. ومنْ ذلك، أنّه الساعة لمْ يدلف إلى المطبخ على اليمين. سار نحو الصالون. كاد أن يضع القدم فوق البسطة، ثمّ تردّدَ، وعوّجَ إلى اليمين صوب الحمام. اللحظة، أعرفُ أنّه يدلقُ الماء بالإردبّة. ثمّ يباشرُ فتح صنبور الحوض عنْ آخره. لم يكن يغسلُ يديه فحسب. حركة الماء المندلق لا تشي بأنّه اكتفى بتنظيف اليديْن. كأنّما جعلَ يمسحُ الحوضَ كذلك. ولكأنّه يفركُ بفرشاة، ويمسح باليد. ثمّ يترك الماء يصبّ لوقتٍ. ويعيدٌ الشفط والحكّ. ولربّما توسّل بالقطيلة أيضاً. ثمّة حركة فوق الأرضية تؤكّدُ. أحدسُ أنّه رجع إلى المطبخ. أفكّر حقاً أنّه شرع في الطبخِ. صوت الأواني يعلمُ بأنّ الرجلَ يحضر لوجبة. لم يشغل التلفاز. لا صوتَ يصدر عن الجهاز. في العادة، عندما يرغبُ في التفرّج، يحرّكُ صحن الالتقاط. يظلّ يديره صوبَ الفضائيات، فيصلني صوت الصحن على نحوٍ فارزٍ كما لو كان منصوباً في بالكون شقتي. لم يُدِر صحناً، لكنّه، بالمقابل، شغّل مسخّن الماء. أسمعُ فوران الماء من موضعي هذا. الساعة فقط، تركَ المطبخ، وخطا في اتجاه الصالون.

قبلَ أربعة أشهر خلتْ ولجَ الشقّة. لم يكفِه باب الخشب، فانبرى، في الأسبوع الأوّل، يضيفُ باباً آخر منْ حديد. أنا سمعتُ الحدادَ ينصّب الباب ليومٍ بأتمّه. أقصدُ لنهار بكامله. في وقتٍ لاحقٍ، تعمّدتُ معاينة الأمر مشاهدةً، فصعدتُ الدرج إلى الطابق. تركته يغادر، فتسلّلتُ إلى طابقه. نصف الباب السفلي عبارة عنْ صفيحة سميكة، فيما نصفه العلوي بمثابة قضبان. لون الباب أسود قاتمٌ.

نصّبَ الباب، وصارَ يجرّه حينما يهمّ بالدخول، ويجرّهُ كلّما كان في الدافن. يصرخُ الباب مرّتين في كلّ دخلةٍ أو خرجةٍ. يلجُ شقّته لأربع مراتٍ في اليوم. وقد يزيدُ عنْ ذلك بضعفها متى كرّر الخروجَ. يفتحُ بالجرّ، ويغلق بالجرّ أيضاً. ويفعلُ دون أنْ يأبهَ لما يثيره الباب منْ صريرٍ حادٍ.

أنا أسمعُ الصوتَ، فأضجرُ. لا أضجرُ فحسبُ، بل أحنقُ. أتذمّرُ، وأسبُّ. أرخي عنانَ لساني بالشّتم، فيما أنظرُ إلى سقف شقّتي. لكأنّ الرجل بحركاته هذه إنّما يعنيني أنا بالضبط، وليس غيري. لا ينكى بي، بيد أنّه لا يتورّعُ في إتعابي. لا يكتفي بالجرّ، وإنّما يخبط كذلك. يجرّ الباب، ويخبطُ بالمداس. كأنّه يتفنّنُ في تعذيبي. لبطاته مداسيه فوق الأرضية تخبرُ. هذه اللبطات لنْ تكون سوى لبدين. أحسّ بالسقف مثلما لو كان يهتزّ تحت ثقل الخبطات. سقفٌ مغشوشُ التركيب. أقدّر أنّه يفتقرُ إلى الكافي منْ قضبان الحديد والإسمنت. يمشي فيهتزّ السقف منْ تحت قدميه كأنّه يمشي على طبل. أزدفْ، أزدفْ، أزدفْ، أزدفْ.

لا يني يتحرّكُ في شقة منْ 80 متر. متى يقعد؟ أقولُ. لكأنّه لا يستريح لموضع في شقّته. لكأنّه سجينٌ. أتصوّره السجّانَ والسّجينَ في الوقت عينه. يفتحُ الباب باعتباره السجّانَ، ويغلقُ عليه بوصفه السّجينَ. كيف يصبر؟ كيف يتعوّد؟

أخبطُ بقبضة اليد على الحائط كلّما غالى. في أحايين عدّة توسّلتُ بمطرقة. أخبطُ على كتانٍ حتى لا أؤذي الحائط. أضعُ القماش بين الحائط والجدار وأخبطُ. خبطتُ على الأبواب أيضاً. صفّقتُ الأبواب كذلك. صفّقتها بقوّةٍ كي يشعرَ بي. فكّرتُ في أنّه لربّما مِنْ هذا قد يرعوي. وعبثاً كنت أفعلُ. لا يأبه. يحدثُ أنْ يدرك أنّني أفعلُ عنْ قصدٍ، فيخفّف الوطأ لحينٍ، ثمّ لا يفتأ فيعودُ إلى ما كان عليه. هذا الرجلُ لنْ يغيّر منْ سلوكه. كيف يغيّر وهذا ديدنُه؟

المرّات التي تخالفْنا فيها قليلةٌ. أغلبها أسفل العمارة. يدخلُ، فيما أنا أزايلُ. ألجُ، بينما هو يبارحُ. لا نتبادلُ سلاماً، ولا نتواجهُ بكلامٍ. وأحسبُ أنّه بات يتفاداني. أخمّن في ماذا لو ترصّدتُ له عند باب الخارج، فأشعره بما أقاسي منه. ثمّ أفكرُ في كتابة خطاب في الموضوع، فأحشره في صندوق رسائله، أو الأحكم أنْ أرميَ به حذاء باب الحديد. سأكتبُ بقلم فولتر أسود: الرجاء التخفيف من الحركة فوق سقف الشقّة رقم 10. ثمّ أفكّر في التصعيد من النّبرة، هذا البني آدم لا تنفعُ معه لهجة مرنة. سيخالني ضعيفاً، وسيتمادى أكثر. الأفضل أنْ أرفع منْ حدّة التصرّف، أفكّرُ أنْ أقول: لقد طفح الكيل يا هذا، إمّا أنْ تتوقّف عن إزعاجي، وإلاّ بلّغتُ عنك. أبلّغُ عنه! أبلّغ عنْه منْ يا ترى؟ البوليس؟ السكّان؟ منْ يا تُرى سيتضامنُ معي؟ لا أحدَ سيتعاطفُ. سيردّونَ: هذا حال السكن بالعمارات، ولستَ وحدك منْ يعاني. وسيقولون: عليك بالصبر يا أخي. لكنّ صبري أنا نفدَ. لم أعدْ أقوى على التحمّل. تصرفاته تطيشُ سهم تفكيري، وتفسدُ عليّ التركيز. لا بدّ منْ حلٍّ، ولا يمكن أنْ يدومَ الأمر على هذا الشكل. انتهيتُ إلى فكرة كتابة بيان في ملصق وتعليقه بسبورة العمارة. هذا هو الأسلوب الذي ربّما سيردعه. فكّرت حتّى أكلتُ دخيلتي، ولم أفعل شيئاً. أنا لا أدركُ ما يلوب عليه الشخص حتّى أحسنَ ردّ فعلي. أرغبُ في أنْ يكون رداً ناضجاً.

وهذا اليوم، مذ ولجَ الشقّة، منذُ وطأَ ماسحةَ الأحذية، أحسستُ بغضبٍ ينغلُ في داخلي. ولستُ متأكداً إنْ كنتُ قادراً على كبحه لمدّةٍ طويلة قبل أنْ أصعدَ الدرج إلى طابقه، وأفجّره في وجهه كما السّيل الهادر والجارف. حقاً، ليس باستطاعتي الصمود أكثر. أنا موقنٌ بأنّني لا أستطيعُ. ربّما أبحثُ لي عنْ شقة جديدة في حي آخر. لعلّ هذا هو الرّأي الصواب. حتماً، سأفكّر في الأمر. وإلى ذلك الحين، ها أنذا أرفعُ رأسي إلى السقف، وأدمدمُ على قاطن الشقّة رقم 12، فيما هو يدفعُ بالقطيلة فوق مربّعات الزليج مثلما لو كان يسحّجُ جلدي!

غشت 2011

___

روائي وقاص (المغرب)

٭ صدر له:

. بوح القصبة (رواية)، 2004

. زمان كأهله (رواية)، 2004

. موت الفوات (رواية)، 2005

. إناث الدار (رواية)، 2011

. كأنما غفوت (نصوص قصصية) 2007

يصدر له قريباً:

. كل هذا (رواية)

. قليل أو كثير أو لا شيء (نصوص قصصية)

. على ما يبدو (نصوص قصصية)

. زنبركات (شعر)

محمد الهجابي


التعليقات




5000