..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


رقصها مطر - قصة قصيرة

كاظم حسوني

ارتفع طرق خفيف خلف نافذتها بما يشبه الحفيف، أو تكسر أوراق جافة. كادت تعلن وصوله، إلا أنها ترددت برهة ، خافت أحابيل خيالاتها وخداع صوت المطر الذي يحدث عزفاً هادئاً في مداعبة الزجاج. مرت دقائق قبل أن تهتدي إلى معرفة رنته القديمة التي أتقنت حفظها بالمران ، فخفق قلبها متوقعة ظهوره السريع من النافذة . كانت جالسة خلف مكتبها مولية ظهرها إلى النوافذ الواسعة المطلة على منتزه فسيح يشدها الطرق الذي يتسرب الى أذنيها منغماً، حدسها لم يخطئ قالت مع نفسها: ها نحن ذا نلتقي بعد غياب لنحتفل معاً في عيد رأس السنة هذا المساء، حاولت أن تلتفت إلى الخلف صوب المصاريع المشرعة منذ الصباح، التي تتسرب منها انسام دافئة على غير العادة في شتاء كانون مصحوبة بنثيث مطر ناعم. إلا أن ثمة قوة كبلتها في مكانها ملتذة في انتظار أن يتجه إليها ويناديها ، خؤون.. إنما ستغفر له لا تريد اتهامه، أو إحراجه في هذه المناسبة ، ذلك لم يعد مهماً في هذا الوقت ، ستبادر قبله لتعتذر له !. تعتذر عن كل شيء وتحتمي بحبه إذ تركزت رغبتها في أمنية واحدة قصوى هو أن يكون إلى جانبها في هذا المساء بالذات. تركت أبواب محلها مغلقة، لن تبيع الزهور هذا اليوم . الزهور لهما! لذا دأبت منذ الصباح على ترتيب أشيائها قبل وصوله . انهمكت كلياً في احضار زهور حقيقية، باقات أقحوان ، وحزم بنفسج، وزنابق حمر تنث عطر الحب .

أبدت مهارتها في تنسيق صفوفها فوق الرفوف فتلألأت الجدران بمئات الشموس الصغيرة ، ثمة موائد وضعت فوقها شموع موقدة، وأقداح وصحون، وكاسيت جديد علّبت فيه أفكارها معلنة عصيانها وتمردها على كل شيء ، عمدت الى أن تلقي بماضيها هناك مع المهملات.. تخلع قناع السعادة الزائف.. تلم شتات حياتها المبددة. وحالما انهت أعمالها سرت فيها دفقات من شعور حار.. أنعش روحها دفء لذيذ في الجو على غير العادة مطعم بحلاوة مطر هادئ. قالت: إن كل شيء بهيج إذاً ، وقالت أن عليها أن تكون رقيقة ومبتهجة كالزهور. هي ذي خفيفة مليئة بالفرح توشك أن تفقد الإحساس بجسدها وتطير. تملكها شعور يفيض بلذة خاصة تكشّف مغزاها مع اقتراب ساعة انعتاقها ساعة دخولها بوابة حياتها الجديدة التي ستؤذن بها دقات الميلاد هذا المساء . لذا دققت في نضارة وجهها وفرحت وهي ترفل في ثوب بلون القرنفل مختالة أمام مرآتها بغنج . فكرت ، هي ذي جميلة متوهجة في مملكتها جنة الورد ، لا بد من أنه سيقف خلفها صامتاً مأخوذاً لحظات ثم يتجه نحوها بصيحة إعجاب. وفي ذروة تأملها رأت أن تطفئ ظمأ رغبتها هذه الليلة لترقص وتطير ، تلقي برأسها على صدره مطلقة أغاني قلبها المحبوسة .

إنها تحلم ، تحلم بانتظار نغمة الطرق الخفيف التي استحالت مع ذبول النهار إلى رعشات تسري بأعصابها. خطر لها أن من القسوة ألا يدرك نداءات روحها، ولا يدرك عمق ليلتها هذه . أما كان الأجدى به التخلي عن ولعه في استنطاقها والمماحكة معها هذه المرة.. هاتفة: يا للرجل الذي لا ترتوي رغبته إلا بممارسة طرق الزجاج والتخفي السريع بين الأشجار مثل كل مرة . الا أنها اليوم ما عادت تطيق إخفاء توتر أعصابها وتفاقم حاجتها لوجوده في ليلة الميلاد ، حاجتها لنبرة صوته التي قد تندس في أذنيها بأية لحظة ؛ لكنها مصرة هذه المرة على أن تمارس غوايتها بأن تتجنب الالتفات إليه. الآن تريد فقط أن يتقدم منها في الحال ، يقول لها هات يدك لنرقص ، أن يداهمها ، يقتحم عالمها كزوبعة، ويفر بها حيثما شاء ، لا أن يتربص خارج النافذة يعبث باعصابها لاهيا غير بعيد عنها. لقد أدمنت لعبته المفضلة في الوصول إليها دائما حيث ياتي متخفياً اذ كانت تلمحه من دون أن تدع له أن يباغتها، تتمادى معه في اللعب إذ تشعر بقربه وبأنفاسه عبر الزجاج ، مثلما تتحفز أعصابها بانتظار يده التي تهبط على كتفها مثل مطر تتسلل إلى شعرها بحنو ورقة لئلا تستفز من مكانها ، وقتئذ تستدير فتقف أمامه مطلقة كلمات سريعة محملة بعبق هيامها. ومن دون أن ينبس بكلمة يختصر كل شوقه وشغفه، يتوجه بقبلة حارة يقطفها من فمها عبر خصاص النافذة . وفي فوران عواطفها تعلم سلفاً أنه سيستدرجها لمشاركته، تتردد اول وهلة حين يدعوها أن تغني! فترتبك ، حسبت الأمر في البدء حالة عابرة لكنها مع تكرار طلبه سرعان ما مستها العدوى حتى غدت تتمرد على نفسها ، احست نفسها طائراً طليقاً فراحت مستسلمة للرقص الذي وهبها مزيجاً من الحرية واللذة والامتلاء، كأنه رفيف أجنحة تأخذها في غياب لذيذ فتمتثل طائعة لندائه بما يشبه الإذعان للسحر! فما أن ينطلق صوتها حتى يترنم صوته معها، يتهادى مع الريح غير آبه لتوقف المارة ودهشتهم وهو لا يفتأ يدور خارج النافذة مؤدياً حركات إيقاعية يصحبها نقر أنامله المدربة على الزجاج ووقع أقدامه.

 يناديها صوته فجأة رقيقاً واثقاً يقول:

(ارقصي. أسرع. دوري. الرقص سيكون مصيرك حتماً! سيمسك باللهيب والنار ويهمس في أذنك بسره فتفرحين كمن يعثر على يقينه الضائع! حينئذ تتقطع حبال الجسد وتسرح الروح. فتغني لك الأشجار والسحب والطيور.. أجل فليس ثمة بوح أبلغ من بوح الجسد! تمتعي بلذة الانعتاق.. التمرد.. لذة الحياة الهاربة). وبحركة ذراعه وإيماءة رأسه وعلى وقع النغم السريع ، تغمرها موجةً إغواءٍ لذيذ يأخذها فرح غامر، تتوقد روحها ، تهتز ، تتكسر حدود الجسد ينفلت حراً خفيفاً كمهر حبيس يحلم بخضرة البراري، يشدها هياج الرقص باندماج حميم حار مع إيقاع النغم في فضاء المكان وهو يرقص معها.. حولها.. فيها! يحيط بها مثل الهواء، أمام نافذتها مطلقاً أغانيه العذبة التي راح يرددها بعض المارة الذين يجذبهم الصوت، وتختزنها الأشجار ، يختزنها المدى، الآن الدقائق تواصل الطرق، ثمة زخات مطر مرح يهمي ناعماً لا يني يطرق الزجاج من آونة لأخرى؛ فيلتبس لديها وقعه المشاكس يتآمر على سمعها ويربك انتظارها، يتسارع إيقاع نبضها ، ما كان ينبغي له أن يجعلها تنتظر قدومه لحظة لا تعرف موعدها ، لحظة مقلقة غامضة، لحظة يتموج صوته عبر المطر ، مؤذنة ببدء رقصتها، هو ذا قريب منها لعله يترصدها من موضع ما، أو ربما يتسَكع تحت المطر، ترى ما الذي يمنع قدميه اللتين تريدان ان تدنوا منها؟ طافت بخاطرها الأسئلة، أردفت بعد برهة، لعله ترك لنفسه هذه المرة أن يرسل أغانيه ويطلق رقصته من مكانه خارجاً على مألوف عادته ؟. لكنما ساورها الشك في لحظة تالية مدركة أن للمطر صوتاً يسري في الجسد مثلما له رقصه وغناؤه وأصابع بلورية ناعمة تطرق الزجاج أيضاً!.

فجأة توقفت أفكارها وانتفض قلبها إذ سمعت موجة نقرات سريعة شديدة الكثافة هي ذات الإشارة التي طالما يرسلها لها حين يدعوها أن تغني! أفرحها النداء صاحت بتحد، أجل، سأغني وأرقص، هذه الليلة ليس أبهى منها شيء ولا أكثر، انها ليلة الميلاد، إشارة انطلاقها ومولد روحها الجديدة. وما إن ترنم صوتها في فضاء المكان دقائق قليلة حتى تغير إيقاع الطرق بفارق كبير في اللحن مجسداً نداءه لها لأن ترقص، أطرقت مثل طفل مبهور، قالت: تطمئن نفسها هو خلف النافذة حتماً، ووثبت في الحال ممتثلة لدعوته ، شرعت تتلوى تأتي ضرباً من حركات رشيقة وقد تجاوزت ذاتها للتو، ترنيمات والحان طالما حفظتها، راح جسدها كله يلتهب يطلق لغته، يصعد طاقته يتوثب بجمال آخاذ، والزهور تتضوع، تطير هي كفراشة وتغوص في لذة رقصها وغنائها، فيضيق المكان من حولها ، ولفرط نشوتها تتعثر قدمها في الجدار فتتهاوى من الرفوف أكاليل الورد، تنهمر مثل سحب ناعمة ملونة إثر ضربات ريح مصحوبة بزخات وابل المطر خلال النوافذ المفتوحة، تطايرت أوراق الورد وضج شذاها ورشت عذوبتها على وجه الفتاة ، ثم تهاوت أشلاؤها وسال رحيقها كأنهار صغيرة شفافة، لم تأبه ظلت كما الحمامة طليقة تطير، تطلق هديلاً عذباً محلقة في موجة انخطاف غريب ، انهمرت دموعها لفرط امتلائها بالسعادة ورغبتها الملحة للرجل..

وفي ذروة دورانها، طغى في الخارج إيقاع رقصة عالية وعزف رخيم على الزجاج ألهبا روحها فتنة وفرحاً، فكفت في الحال عن رقصها، هرعت صوب خصاص النافذة وجدت الظلام مهيمناً ودهشت إذ داهمها رجل غريب من النافذة! رجل من مطر دخل بخفة محتضنا إياها باذرع حانية، أمطرها بقبلات حارة عنيفة! فاندفعت هي الأخرى فرحة تقبله تدفن وجهها في سيله المتدفق فاختلطت أنفاسهما اللاهبة، حتى ابتل شعرها وتعمدت بانهماره، فيما علا ضجيج صوتهيما وتصاعد وقع رقصهما بذهول لتستحيل هي مع حمى الرقص الى امراة من مطر.

كاظم حسوني


التعليقات




5000