..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


نص قصصي - يَدُ مارادونا

محمد الهجابي

قبلَ أنْ يدهمَ مارادونا مرضُ خشونة المفاصل (النقرس)، كما يعلمُ الجميعُ، أقصدُ بهذا الجميع كلّ منْ ظلّ على صلةٍ به من بعيدٍ أو قريبٍ، كانَ لا يفكّر سوى في كيفَ يراوغُ. المراوغةُ شرطٌ لازبٌ لدى صاحبنا.

أذكرُ أنّه منذُ جمعَني به لعبُ الكرة في وسعة الرّمل الممتدّة منْ حي "لابطا" إلى غاية حي "ديور عشرلاف"، ومنذ أنْ شملتنا نحن الصبيان مشاغلٌ منْ قبيلِ قطف ثمرات الحنظل، والجري وراء الفراشاتِ أو قدّام طيّاراتِ الورقِ المنطادةِ، ونخْلِ أشجار البلّوطِ.. منذُ ذلك الحينِ لمْ أعرفْ عنْ مارادونا سوى إتقانه لفنونِ المراوغةِ. أيّامها، بدايات سبعينات القرنِ الفائتِ، لمْ يكنْ يحملُ اسمَ مارادونا. كنّا، بالأحرى، نطلقُ عليه اسمَ "حْميمْصَة"، منَ الحِمَّص، منْ تلك الحبّة المتقبّضة الصفراءِ. حجْمُ الولدِ المتدحرجِ، جعلنا، نحن شِلّته، نفضّلُ له هذا اللّقب على غيْرِه منَ الألقاب الدارجة بيْننا. وصرنا نندهه به حتّى أنسانا اسمه الأصلي. الولدُ كان يبرعُ في خداعنا. لا يجدُ صعوبات في الإيقاع بنا. كان ذكياً، وربّما كان أذكانا. يريكَ منَ فنّ مراوغة الكرةِ ما يذهلُكَ. ثمّ إنّه يريكَ في اليدِ قطعةَ نقدٍ، وفي لمحةِ بصرٍ خاطفةٍ يريكَ القطعةَ نفسها في دافنِ ليمونةٍ أو بطيخةٍ. كيفَ يصنعُ؟ كان هاويَ ألعابِ خداعٍ. كان الأولى به أنْ يصيرَ لاعبَ سيرك. وكان قمّاراً، كثيرَ الشّجار. لكن حْميمْصَة لمْ ينهِ دراستَه الابتدائية. زايلَ المدرسةَ، وتعاطى لأعمالٍ كثيرةٍ. ثمّ لعبَ الكرةَ. لعبَ ضمنَ فرقِ أحياءٍ عديدةٍ. لمْ يكن يلعبُ لفريقٍ بعيْنه. وكان يلعبُ باليسرى. إذا سدّدَ أصابَ بالضرورةِ. والعجيبُ أنّه لمْ يصرْ لاعبَ كرةٍ في النادي القنيطري. علماً أنّه كان ذا حظوةٍ بيْن كتاكيتِه. أمّا لماذا؟ فلا أحد يفضي بخبرٍ. لكنّ الكثيرين قالوا، لاحقاً، إنّ يدَه غلبت قدمَه، وأفتَت برأيٍ آخرَ. 

مارادونا، باتَ هو اسمه بعد 22 يونيو 1986. في الواقع، لم نجدْ له لقباً أشدَّ مطابقةً لما صارَ عليه منْ هذا اللّقبِ؛ لقب مارادونا. هو الاسمُ واللّقبُ في الآن ذاتِه. نَسيْنا اسمه الأصل. نحن شلّته،َ نسيْنا الاسمَ بالمرّةِ تقريباً. ثمّ إنّنا لمْ نطلق عليه الاسمَ بسببِ خدعةٍ منْ يده أدخلَ بها الكرةَ إلى شباكِ خصمٍ. في ذلكَ التاريخ، لم يعدْ حْميمْصَة يلعبُ الكرةَ. أوقفَ الدراسةَ منْ قبلُ، وأوقفَ العملَ والكرةَ منْ بعدُ.

والظاهرُ أنّ لقبَ مارادونا جاءَهُ منْ يدِه. هذا أمرٌ لا مشاحةَ فيه. منْ أطلقه عليه بدايةً؟ لا أحد منّا يذكرُ. بالتأكيد، هو واحدٌ منَ الجماعةِ. ربّما أحدُنا أطلقه عليه صدفةً. على أن اللّقبَ أضحى أمراً مقضياً بعد ذلك. والولد لم يكشفْ عنْ رفضٍ. والحالُ، أنّ يدَه الساحرةُ أوصلتهُ إلى مخيماتِ كشفيةِ حزبٍ سياسيٍّ كبيرٍ، وبها كانَ يُجري خدعَ تسليةٍ للأطفالِ. والكشفيةُ أدّت به إلى الشبيبةِ، فمكتب فرع الحزب المحلّي. والحزبُ رشّحَه إلى الانتخابات البلديّة. ومارادونا ترشّحَ وفازَ. أمسى مستشاراً بلدياً، وصاحبَ يدٍ راسخةٍ في شؤونِ المدينةِ.

التقيتُ مارادونا في ندوةٍ بغرفةِ التجارةِ. كنّا نجلسُ جوارَ بعضِنا البعضِ. كنتُ المحاضرَ، وكانَ هو يقعَدُ حذائي بوصفهِ الرئيسَ الشرفيّ للجمعيةِ المحتضِنةِ. كان يتكئُ على عكازٍ، عندما صعدَ إلى المنصّةِ. وكان يتكئُ على مرفقي والعكازِ، حينما هبطَ الدّرجَ إلى الخارجِ. تعرّفَ عليّ ونحن بعدُ بالمنصّةِ. ونحنُ بالمنصّة متجاوريْن، التفتَ إليّ لكمْ مرّةٍ، ولم يهمسْ لي بلفظٍ. لكنْ حالما تمّ  اختتام الندوةِ، مالَ عليّ برأسه الكبيرة، وقال إنّه تعرّفَ عليّ بالاسم، ولم يتعرّف عليّ بالسّحنةِ. صاح: ياه، تبدّلت كثيراً يا السي محمد! بالمقابلِ، أنا تعرّفتُ عليه؛ تعرّفتُ عليه بهما معاً، بالاسم الأصل والهيئة. أخبرَني بأنّني تغيّرتُ كثيراً. قال إنّ الشّيبَ وخطَ شعرَ رأسي بالكاملِ. ثمّ ضحكَ بينَ أسنانه. خلتُه ضحكَ!

في الخارجِ، عقْبَما صرفَ مرافقيه، اقترحَ أنْ نتمشّى قليلاً، فتمشّينا. كان المساءُ قد خيّمَ. وهناكَ ظلمةٌ تفْلعُها أضواءُ مصابيح أعمدةٍ. سرنا بخطوٍ وئيدٍ. كان النِّقرسُ قد نالَ منْ أصابِعه. يمشي كما لو يجرُّ القدمَ. مقدارُ فِتْرٍ يعقبُه مقدارُ فِترٍ. أينَ هو منْ مارادونا زمانٍ؟ الرجلُ عجزَ قبلَ الأوانِ، حتّى وشعرُه بقيَ ثابتَ السّوادِ. بعدَ حينٍ طويلٍ، صفنَ وأدخلَ يده في جيبه، وأخرجَ قطعةَ نقدٍ. قذفَ بها في الهواءِ، وإذْ حطّت على راحة اليدِ أقفلَ عليها. وسألَ أينَ تكون القطعةُ. ضحكتُ عالياً وأنا أستعيدُ خِدعَه السّحريّة. ثمّ أجبتُه بإشارةٍ منْ سَبّابتي إلى مداسِه. عالجَ إشارتي هذه بحركةٍ سالبةٍ منْ رأسه، وابتسمَ. ثمَ فتحَ كفّ يده التي لمْ تغادرْها القطعةُ، فضحكنا سويّاً. منذُ متى لم ألتقِ الرّجلَ؟ قد يكونُ ساعَتَما انفضّ عقدُ الشّلة الذي كنّاه، وفارقْنا الحيّ تباعاً. أنا غادرتُ إلى الدار البيضاء، ثمّ إلى الرباط. آخرون هاجروا إلى أوروبا أو تشذّروا في البلادِ وتمذّروا. وكادت صورةُ وجه الرّجل تمّحي منْ شاشة دماغي. وحدَها الصحافة أعادت تشكيلَ ملامحه قدّامي، منْ جديدٍ.

الفرقُ بيْن هذا اللّقاء الذي لم نبارحْ فيه ميدان البلدية، وبيْن آخر لقاءٍ لنا كان بحي "ديور عشرلاف" يزيدُ على الثلاثة عقودٍ. يكبرُني مارادونا بسَنتيْنِ. بيدَ أنّنا نتساوى في القدّ. ثمّ إنّ وزنه، اللّحظة، يفوق المعتاد. الآن، ونحنُ نذرعُ ميدان البلدية المزلّج بمشيٍ بطيءٍ، ثمّ وهو يأتي تلك الحركة منْ يدِه، لمْ يفعلْ سوى أنّه اختزلَ زمناً برمّته في ثوانٍ، في لفّة كفٍّ.

ومنذُ حوّلت يدُ ماردونا مكسيكو الكرةَ إلى الشباكِ في ستاد أزتيكا، برسم كأسِ العالم، لم يكفَّ مارادونا "ديور عشرلاف"، منْ توظيف يدِه الخيْدعِ في تغيير مجرى حياته. قال لنا إنّ اليدَ التي أوصلت ماردونا إلى نيْل كأس العالم، ستوصلُ حْميمْصة، حتماً، إلى نيْل كرسي البلدية. وقال لنا: عيشوا أنتم، وسترونَ. حسبناه يمزحُ. ثمّ عشنا نحنُ، وسمعنا أولاً، ورأينا ثانياً، كيفَ نقلت اليدُ الولدَ منْ مخيّمات الكشفيّة الحزبيّة إلى القيادة المحليّة للحزب، ثمّ إلى مكتبِ البلدية، فصندوق ماليتها. الصحفُ تحدثت في الموضوع. صحفُ المعارضة أفاضت فيهِ. قالت إنّ الرجلَ تولّى مالية البلدية، فهبّت يدُه تلعبُ فيها ألاعيبَ منْ خِدَعِه.

في الميدانِ بيْن البلدية وأوتيل المعمورة، لمْ أقلْ للرّجلِ شيئاً منْ هذا. كنّا نتمشّى، ونتكلّم كيفما صادف. أحياناً نقفُ كيْ يأخذَ نفساً، ثمّ نعاودُ المشيَ. لمْ نطرق موضوع حكاية البلدية البتّة. يعرفُ أنّني أعرفُ، وأعرفُ أنّه يعرفُ، لكنّنا نداورُ. لكأنّما تواطئنا على المخاتلةِ. تكلّمنا عنْ شجرِ البلوط وطيّارات الورق، وعرضَ هوَ لأسماء منْ شلّتنا، ولمْ نطرقْ حكايةَ يدِه. بقينا نتمشّى لوقتٍ، فيما نحن نتحاشى الكلام في ما صار منْ حديثٍ بيْن السكان في مال البلديةِ، ونتفادى إثارةَ ما تناقلَته الصحافةُ في شأنِ ضلوع يدِه في تحويلِ مال الخزينة لغيْر أغراض العمومِ. غابت يدُ مارادونا عنْ دردشتنا لذلك المساءِ المشهودِ. وفقط، عندما قلب كفّه بقطعةِ النّقد، تذكّرتُ يدَ مارادونا في التوّ؛ مارادونا مكسيكو طبعاً. ثمّ تذكّرتُ مارادونا "ديور عشرلاف". وفكّرتُ في "يد الربّ"، والتي قيلَ في الغرب إنّ يدَ ماردونا لمْ تكنْ، في حقيقةِ أمرِها، سوى هذه اليدُ؛ يدُ الربّ المقدّسةِ. ثمّ رحتُ أختلسُ النّظرَ، بيْن الفينة والأخرى، إلى يدِ مارادونا وزاني بميدان البلدية. ولمْ أرَ غير يدٍ نافرة العروقِ، غمرتها بعضُ بثورٍ. بلْ وأكادُ أبصرُ سلامياتها وهي تشفّ عنْ عظماتٍ يتهدّدُها تشوّهاتُ مرضِ الاعتلال المفصلي. هذا مارادونا، وهذه يدُه، وهذه حكايتُهما. اليوم، لم يعدْ بالبلدية. فقدَ عضويتَه في الانتخابات الأخيرةِ، بعدما ضبطَ من طرفِ البوليسِ يساومُ في نقّالهِ مستشارينَ على الرئاسةِ. قال إنّه تفرّغَ للعمل الجمعوي الخيري. هل تصدقون؟ أنا، لا أصدّقُ منْ أمر تفرّغه شيئاً. ومتى صدّقتُ خدعَ يدِه؟ لستُ مهتمّاً بالسّياسة. ولا يهمّني منْها سوى ما أراه عياناً منْ مُنْجَزها، وغير ذلك لا آبه بهِ. وعليه، متيقّنٌ أنا منْ أنّ يدَ مارادونا إنّما انتقلت إلى صندوق الجمعيات لتفعلَ فيها أفاعيلَ. يدُ مارادونا بدون قفازٍ. لا تحتاجُ إليه كيْ تسلكَ، دون فشيشِ  الحيّاتِ، بيْن المناكبِ إلى الخِرَمِ في البذلات. أحسبُها تتحيّن منكم غفلةً، فتصنع منْ خرمكم بواباتٍ لتأصيلِ بهائِها.

محمد الهجابي


التعليقات




5000