.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الإخوانيات فن جذّاب / 6 إخوانيات محمد سعيد الصكَارأّلَقٌ بصري عراقي أممي

أ. د. عبد الإله الصائغ

عبق :    لوتساوت  الصداقات  لبارت السلع !  الأستاذ حميد الخاقاني أهداني كتاب إخوانيات الصكَار حين علم مسيس حاجتي إليها   ! وحفَّزني  لكتابة الاخوانيات حين استشعر جنفي عنها   !  وهو الأصغر في عائلة الخاقاني الصديقة  !  وأبوه  سماحة  الشيخ سلمان الخاقاني مفتي عربستان صديقي واستاذي وشقيقه تربي الاستاذ صادق الخاقاني صديق طفولتي وكهولتي وغربتي ! الى هؤلاء الاعلام اهدي عبق الحلقة السادسة  .

 
  الجواهري الكبير والاستاذ الصكِارفي قصر الرئيس الأسبق محمد حسن  البكر سبتمبر 1969  وخلف الصكَار ثمة عبد الاله الصائغ وخلف الجواهري ثمة قيس لفتة مراد والصورة مقتبسة من موقع الصكَار

 

   
بعض من فيض الأستاذ محمد سعيد الصكَار

  

  
الشاعر الباحث والإخواني أ. د. محمد حسين الأعرجي وإخوانيات الصكَار

 



   
بصرة الدؤلي و الخليل الفراهيدي وسيبويه والجاحظ واخوان الصفاء ! بصرة السياب والبريكان ومحمد خضير ومحمد طالب البوسطجي  والصكار وستظل 

     

توريخ الصكَار المؤرِّخ

محمد سعيد الصكَار مبدع عراقي شاهق ! احببنا ابداعه كما احببنا الانسان فيه ! ! الصكار عراقي يمارس وطنيته من خلال رؤية أممية هادئة هادفة ! وفنان بصري يرى البصرة في العراق ويرى العراق في السلام ويرى السلام في الحب ويرى الحب في الابداع بل ويرى الحياة في الحرية  ولأن ذلك كذلك  فقد عاش الصكار  مترفعا منذ نعومة اظفاره ومتساميا آنَ  صباه وشبابه ! وكبيرا ساطعا عهدَ  كهولته وشيخوخته ! وأُسَمِّي شيخوخة الصكار  شيخوخة الوردة وكهولة الصكار  كهولة الذهب الابريز ! حق لمن يعرفني ولا يعرف الصكار  ان يستكثر عليَّ قول  مثل  ذلك ! واعترف انني رسمت للصكار  في مخيالي صورة اسطورية واقسم انني وجدت الصكَار إياها !  ولكنها اسطورة من لحم ودم ! اما لقبه الصكَار  الذي غاير فيه لقب الصباغ حرفة  ابيه العتيدة فقد نجد تأويلا له ص 105 ( الصكَار تعني الصقار اي مربي الصقور وهي هواية عائلتي البغدجادية من خامس جد ) !  ولقد ابصر الصكار النور عام 1934  وهو مقيم في باريس منذ 1978،وقد عمل عام  1957 معلماً للأطفال في المدارس الابتدائية بحلب في سوريا  وما زال الصكار  محتفظا في ارشيفه بالمرسوم الجمهوري الذي يحمل توقيع  الرئيس السوري الأسبق  شكري القوتلي لتعيينه معلماً براتب 150 ل. ويقول الصكار عن ابيه ص 207 ( عرف المرحوم والدي - الصباغ وطباع الاقمشة - بان صبغته ثابتة لاتنصل الوانها ! وقد شاعت عنه في الخالص ايام الحرب العالمية الثانية بسنة تقول :

 يوحيِّد الصباغ  حِبَّك تكسَّر

صابغ جواتي اثنين   لام زلف الاشكَر

وكان يدعى احيانا باسم وحيد الصباغ بدل عبد الواحد الصكار والحِب كسر الحاء وفصيحه الحُب  دنٌّ كبير من الفخار يحفظ فيه الماء في البيوت اما حب المصبغة فهو مزجج من داخله والجواتي ( الجيم تقرأ CH  ) جمع جتاية وهي منديل الراس الإيشارب  ! واذكر ان عجوزا من الاعراب جاءته يوما غاضبة وراحت تعاتبه وتنتقده بصوت عال قائلة آخ وحيد طلع صيتك ما اله اساس !! فقال لها خير بنت اخويه ؟ فقالت تذكر الغزل اللي صبغت  لي إياه للبساط ؟ كشف !! اي نصل لونه ولم يتذكر الوالد متى كان ذلك فسألها هاي شوكت بنت اخويه ؟  فذكرت له تاريخا يعود الى خمس عشرة سنة سابقة كان البساط مرميا خلالها على الأرض المتربة تسحقه الارجل فضحك والدي وأشار الى شَعر رأسه وكان ابيض تماما وقال : بنت اخوية هذا صبغ الله ديكشف عاد صبغ وحيِّد ! إ. هــ  ) وفي مقام ثان ص 193  نعرف ان للصكار اخا غير شقيق اي من امه اسمه ابراهيم محمد داوود الصالحي الذي يوقع احيانا ابراهيم الصباغ او ابراهيم محمد داوود وهو شاعر شعبي غزير الانتاج كتب من جملة ما كتب قصيدة من مئة قفل وقفل يعارض بها قصيدة المجرشة للكرخي :

ذبيت روحي عل جرش وادري الجرش ياذيها

ساعه واكسر المجرشه  والعن ابو راعيها

فقال اخوه ابراهيم :

كل ساع اهزها النخلتي   واركَه ابجتف عاليها

خلصت تره غير الحشف   ياناس ما ظل بيها

ساعه وجور كارتي   وبيها اطركَـ الفجه بحر

واجذف بطرادة عسر   وشراعها الهم والقهر

ولا اشوف بعيوني الوكت  ساوى لكَريعه وم شَعر

والواطية رفعت قدم   والعاليه يوطِّيها

ما حصّلت من دنيتي   بهموم كَضيت العمر

ايوم اتعس من امس  وباجر أظن أدهى وأمر

خلوني اشد بخحزمتي  ماليه طاقة عل صبر

ما اريد بالذل عيشتي  والعز بعيد عليها

وفي ص 198 نعرف ان ابراهيم اخ الصكار كتب موالا اي زهيري لاخيه الصكار :

ياناعس الطرف ياقداحنا ياورد

يانبعة البان لو مست عطاشك ورد

جك مرة اجي عل وعد مالكَاك حاضر ورد

اسمح تخالف وعد بس لاتجور وتصد

وجفاك ما ينحمل كَلبي جليته وتصد

ليش من الاكَيك وجهك ما تديره وتصد

وآني الأشمك عطر والكَاك باكَة ورد

13/ 2/ 1975

وكان جواب الصكار لاخيه ابراهيم :

ياحاصدٍ من رياض الشعر باقة ورد

اعطش والاقي بدواوينك لكَلبي ورد

ظليت بدروب ماضينا اروح وارد

تصدي الليالي وتظل ايامنا ماتصد

لكن حسافه نناديها بوفه وما تصد

شبجة ونذبها ولو جزره وولو ما تصد

والصيد ياخوي ما يجيبه دعاء وورد

16/ 12 / 1975

واخيرا نعثر على عتابة مهداة الى ام حازم اخت الصكَار ونعرف ان اخته شاعرة ايضا !

كتب الصكار الى اخته :

عِصرنا الغروب واوجع بعد اهلنا

وكَصدنا ديار دارت بعد اهلنا

ظنينا الملاعب بعدها إالنا

وما درينا الدهر عض الانياب

والتقى الصكار باخته بعد فرقة سبعة عشر عاما في عمان فاستقبلته اخته بهذه الهوسة :

ياخوي بيك الرجا ولاجلك تعنينا

ودموع عيني جرت لمن تلاكَينا

مقدمة في الاخوانيات

جاء في مقدمة اخوانيات الصكار:الاخوانيات فن من الفنون الشعرية الشديدة الخصوصية لانها تدور بين بعض الشعراء وبعضهم بتلقائية وحميمية وحرية وبشكل يكشف عن الوضع الشخصي للشاعر ومزاجه وطبيعة علاقاته بالناس والبيئة وعن دواخله التي يسر بها الى اصدقائه والتي غالبا ما تكون محجوبة عن القراء لاسباب شخصية من ناحية ولكونها تهامسا بين الصديق وصديقه وهي تكتسب حريتها من هذه الخصوصية لانها اذا تكتب لايقدر لها الشاعر انها ستنشر يوما ومن هنا تكون لهذه الممارسات الشعرية اهمية ثقافية وتاريخية اضافة الى ما فيها من متعة بما تحمل من فكاهة ورأي صريح . إ . هـــ

ولقد يقتضيني الحال كي اقول ان الاخوانيات الصكارية وجل الاخوانيات التي سبقتها او عاصرتها تمتد على مساحات وظيفية كثيرة بحيث لايحدها الحصر فقد تكون مثابرة بين اليفين او غريمين او ثقيلين او ثقيل دم وخفيفه ! لكن وهذا هو المهم الأهم الإخوانيات لاتسوغ المديح والتسويق دون غطاء معرفي او تاريخي كما انها لاتسوغ الهجاء والتصفيات دون مسوغ مقنع ان ناقلها يمتلك صفاء الملائكة ودهاء العفاريت ! . الاخوانيات العراقية تمتلك خصوصياتها المميزة لها ! فهي خطاب عراقي للعراقيين او عنهم ! ولكن ا

من هم العراقيون رواد ادب الإخوانيات ؟ الجواب عسير وعسير جدا ! فهذا الضرب من الأدب خلق لكي يلبث في الادراج والاسفاط ! وطيلة حياة كاتب الاخوانيات ثمة حرصه على ان لاتشيع كتاباته لاسباب اجتماعية ودينية ! فإذا مات الكاتب ماتت معه اخوانياته ! وقد انصرف مؤرخو الادب عن تدوين هذا الفن اليانع بسبب الحرج الاجتماعي من جهة وبسبب تكتم كتاب الاخوانيات على اخوانياتهم ! ولقد ذكرت في مقالة سابقة انني رأيت بعيني دفترا مخطوطا يحمله معه الشاعر السيد مصطفى جمال الدين في حله وترحاله وعنوانه المَلْخِيَّات وقد سمح لي بتصفحه على مرأى منه خشية ان ادون شيئا عنه ولعله لم يخمن قدرتي على الحفظ  فحفظت عددا من الملخيات وحين عدت الى البيت دونتها على الورق ! ولكنني حقا اشعر باستحالة نقل تلك الملخيات او الاخوانيات كما هي بسبب تعلقها باسماء كبيرة وبتقاليد اجتماعية خطيرة فكيف تنشر هذه !! اللهم الا اذا استعملت قناع الاسم المستعار وذلك ليس من خلقي ! فكيف مثلا نسرد  اخوانيات  الزعيم الروحي الكبير والوطني الشهيد السيد  محمد سعيد الحبوبي مثل 

 ظبية من آل مالك    اوقعتني في المهالك

قلت بالله ارحميني    وضعي مالــ... بمالــ ... !!

 وفيها ما فيها ؟ وهو القائل لعاذله :عفة النفس وفسق الالسن :

لا تخل ويك ومن يسمع يخل

أنني بالراح مشغوف الفؤاد

أو بمهضوم الحشا ساهي المقل

أخجلت قامته سمر الصعاد

أو بربات خدور وكلل

يتفتن بقرب وبعاد

إن لي من شرفي برداً ضفا

هو من دون الهوى مرتهن

غير أني رمت نهج الظرفا

 عفة النفس وفسق الألسن

وللصكار الجميل عفة نفسه وجرأة لسانه وجبروت قراره ! وواهم من ظن ان فن الاخوانيات يمكن له ان ينهض دون الجرأة ودون احتمالها ! لكن الصكَار الجميل كتب اخوانياته كما يبدو بعد ان تسرب الكثير من مخزونه ونسيه بسبب الغربة والعمر والمكابدة وعدم استعمال الخزين منها واسباب اخرى ! ولكن الذي لبث في خاطر الصكار الجميل كاف وواف ! وللمثال فهو حين يتكلم عن قصيدة عبد الرزاق عبد الواحد في موسى كريدي ينقل ابياتا قليلة وهي قصيدة غاية في الطول والظرف وقد انشدنيها الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد بنفسه حسين دعوناه الى  جامعة الموصل اواسط ثمانينات القرن العشرين ! وحين كتب الصكار تحت عنوان موسى كريدي ص 254

  لم يتذكر منها سوى ثلاثة ابيات !! قارن مثلا : .. كان الصديق موسى كريدي متعلقا بشاعرة زميلة لنا وكانت هي بدورها متعلقة بشاعر لبناني كان متعلقا بقاصة عراقية تزوجها فيما بعد فكتب عبد الرزاق عبد الواحد الى موسى كريدي :

إنَّ الطريق الى آمالكم زلكَـ    فاصبر  فإنك انت العاشق اليدكَــ

لقد رايناك في الاعلام منفتلا   على السلالم تعلو قم تنهدكَـ

حتى رأيناك قد انضجت طبختها      وعدت جوعان لاخبز ولا مركَـ

وها اني اضيف بيتا لبث في ذاكرتي وهو :

بسترة دُكَِّمت كي تستدير على   طيــ  يكاد عليه الشدُّ ينفتكَـ

إ. هـــ   

وقد قرأها الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد كاملة في مجلس ضمه ونائب رئيس الجامعة الدكتور زهير الشاروك  وعبد الاله الصائغ حين دعوناه  الى جامعة الموصل وكان يحفظها وهي تزيد على المئة بيت قيل ان خليل الخوري ومالك المطلبي وجلال الحنفي اضافا اليها الكثير ! بل وقرأ لي الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد وقتها وهو يحفظ كل شيء بذاكرة قل نظيرها  اخوانيات بينه وبين الشاعر واللغوي  والدبلوماسي الدكتور عبد الرزاق محي الدين رئيس المجمع اللغوي وزير الوحدة وهي بالشعر الشعبي اتمنى على الاستاذ عبد الواحد ارسالها الي او نشرها من جهته !!

  

متى التقيت الصكَار الشاهق ؟

شهد عام 2008 بلوغ الفنان  الساطع الشامل الأستاذ محمد سعيد الصكَار من عمره المديد الحافل الرابعة والسبعين ! وأقسم ان الصكَار رغم مساحة معطاه الابداعي وعمقه في نظرنا نحن ولكنه في نظره لم يحقق سوى النزر اليسير من احلامه ! فهو شاعر مبدع  وقاص ممتع وإخواني لاذع  وفنان تشكيلي وخطاط حداثوي ومبتكر حروفي ومناضل وطني  واممي ! فأي حلم لديه من هذه تحقق ! واذا كان الحديث عن فضاء المعطى فهو بمعنى من المعاني راض عن صدقيه الفني والإجتماعي  ولكن سايكولوجية الرائد انه لايعبأ بنفسه ولا يركن لواقعه ! فهو كما قال امام المبدعين المتنبي العظيم :

أريد من زمني ذا ان يبلغني     ما ليس يبلغه من نفسه الزمن

عرفت الصكار البصري مفتتح الستينات من القرن العشرين شاعرا مجددا وفنانا حداثويا فقد شعت باسمه الصحافة العراقية واذكر ويا للزمن العجيب ان الصديق الحبيب موسى كريدي  استشارنا في عنوان مجموعته القصصية الاولى ( اصوات المدينة ) فكنت منجذبا جدا للعنوان بينا عبد الامير معلة سخر من العنوان سخرية موجعة ! اتذكر ان موسى كريدي قال لعبد الامير معلة لن اعبا برايك فعدو المرء من يعمل عمله فدهش معلة وقال له انا شاعر وانت قاص فكيف جعلتنا داخل عمل واحد ؟ فقال موسى بطريقته الماكرة جدا هل نسيت اننا اي انت وانا نشتغل اقزام فضحكنا واستلطفنا النكتة لكن عبد الامير معلة زعل وغادر المكان فقد كان الشعور بالتقزم يبهظ روحه ! واتذكر انني اقترحت عليه( موسى كريدي )  كتابة رسالة الى الفنان البصري المدهش الاستاذ محمد سعيد الصكار لكي يصمم غلاف اصوات المدينة والمفرح ان استجابة الصكار الكبير جاءت باسرع مما اعتدناه من البريد ! وقرأنا رسالة الصكار وكان يطلب فيها من موسى ان يرسل كل مجموعته القصصية لكي يقرأها ويصمم لها غلافا يناغم كينونتها ! وهكذا ارسل كريدي المسودات جميعا وكان قبلها قد ارسل فقط قصة اصوات المدينة التي استحوذت على عنوان المجموعة وبعد مدة مناسبة وصلت رسالة تتضمن التصميم الصكاري وقد دهشنا من بساطة التصميم وعمقه بما اكسبه جمالية لم تمحها الذاكرة ! وحين كتب موسى رسالة امتنان للصكار قلت لموسى ليس عيبا ان تسأل الصكار عن ثمن التصميم ففعل موسى وكان جواب الصكار غاية في الدماثة وخفة الروح ! قال الصكار الجميل في رسالته ( .. ثمن التصميم ياموسى العزيز استلمته منك حين امتعتني بقصصك المدهشة ولكنك اذا كنت مصرا فليكن الثمن فنجان قهوة حين ازوركم في النجف ) اما الغلاف فهو مستطيل قاعدته للاسفل وتحت مستوى النظر خط  تخرج منه دائرة صغيرة ترتبط من اسفلها بالخط وثمة دائرة اكبر منها تحيط بها متصلة بالخط  التحتاني وربما كانت الدوائر سبعا اشارة الى ايام الاسبوع والدوائر لطخات زيت ابيض  وفي الجهة اليمنى داخل المستطيل ثمة خرقة رمادية اللون مشربة بخضرة ترمز ربتما للنجف ! كان الغلاف الصكاري حديث مجالسنا وكان فالا حسنا لمشروع موسى كريدي السردي !  ثم التقيته في قاعة الخلد  ببغداد عام 1969 وكنا الصكار والصائغ عضوين في الوفد العراقي لمؤتمر الادباء العرب الذي ترأسه الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري ! وكنا محسوبين على جيل الستينات مع ان الصكار السامق يكبرني بسبعة اعوام ! فهو ميلاد 1934 والصائغ ميلاد 1941 ! ومع ان الصكار كان معروفا لدي وانني كنت مجهولا لديه بيد انه كان محببا الي ! وكجزء من عتوّي غير المسوغ  فانني واجهت جهله بي بتجاهلي له ! كنا نسافر معا ونأكل معا ونجلس معا الا اننا لم نتحدث معا ولم تسنح السانحة كي نعقد الألفة بيننا ! وحين شرع بمشروعه الخاص بتجديد الحرف العربي لم اكن متعاطفا مع مشروعه وتوهمت ان الاعلام ضخم المشروع  واضاف اليه مزايا بعضها لم تكن فيه ! وعام 1976 حين كلفني الراحل الكبير دكتور صلاح خالص ان اجري لقاءً مطولا مع الشاعر المصري أمل دنقل لكي ينشر في مجلة الثقافة الجديدة ونهدت بالتكليف ونشر اللقاء المطول شعرت بندم لم ابح به لأني وجهت سؤالا الى امل دنقل حول ابجدية الصكار وكان علي ان لا انشر جواب الراحل الجميل امل دنقل في الابجدية سيما وان دنقل باح لي باشتغاله على مشروع ثنائية اللغة العربية وكانت الابجدية العربية كما يظن دنقل  جزءا من مشروعه ! ولا ادري ان كنت قد ابقيت على هذا السؤال حين نشرت المقابلة في جريدة الزمان البزازية ! وانما سوغ لي نشر المقابلة زعم الاديبة  عبلة الرويني زوج امل دنقل امامي وبمشهد من الدكتور جابر عصفور انها لم تطلع على المقابلة لذلك لم تشر اليها في كتابها الجنوبي المكرس للشاعر الراحل امل دنقل ! وحين التقى الصكار ابنتي الدكتورة وجدان الصائغ في واحد من المؤتمرات الثقافية التي عقدت في اليمن وعرفته وجدان بنفسها سألها هل انت ابنة عبد الاله الصائغ ؟ وحين اجابته بالإيجاب احتفى بها كثيرا وطلب اليها ان تنقل تحياته ومحبته لي ورغبته في التواصل معي  !ثم فوجئت  بمقالة للعزيز الصكار منشورة في موقع كتابات يعتب فيها على الصائغ عبد الاله والنعمان احمد لان ايميلينا لا يستقبلان ايميلاته ! وليت هناك من يوصل الى الحبيب الكبير الصكار ان العكس هو الصحيح لان الايميل الصكاري لا يستقبل الايمل الصائغي او النعماني .

رادة  الإخوانيات ؟

!  ولقد طوى الزمان آلاف الصفحات من فن الاخوانيات بعضها اطلعت عليه ولم يسمح لي النقل عنه وبعضها نقل لي شفاها وبعضها تنزل بمنزلة الخبر دون نصوص ! ومن اعلام الاخوانيات ومتداوليها :  السيد محمد سعيد الحبوبي والشيخ علي الشرقي والشيخ محمد علي اليعقوبي والدكتور محمد مهدي البصير والشيخ علي كاشف الغطاء والشاعر معروف عبد الغني الرصافي والشاعر جميل صدقي الزهاوي  والدكتور عبد الرزاق محي الدين والشيخ محمد رضا الشبيبي والشاعر محمود الصافي  والدكتور عباس الترجمان والشاعر احمد الصافي النجفي   والشاعر محمد مهدي الجواهري والشاعر محمد صالح بحر العلوم والشاعر بدر شاكر السياب والشاعر رشيد ياسين والشاعر زهير القيسي والشاعرة لميعة عباس عمارة  والشاعرة نهال حسن العبيدي والشاعر عبد الحسين ابو شبع والشاعر عبود غفلة  والشاعر محمد صادق القاموسي  والشاعر مرتضى فرج الله والشاعر محمد مهدي المخزومي  والشاعر شفيق الكمالي والشاعر منذر الجبوري والشيخ علي الخاقاني والشاعر زهير غازي  زاهد  والشاعر ذنون الاطرقجي  والشاعر خليل الخوري والأديب عبد الغني الخليلي والمؤرخ جعفر الخليلي والباحث عبد الحميد العلوجي والشيخ  جلال الحنفي والشاعر محمد سعيد الصكار والشاعر محمد حسين الاعرجي  والشاعر رزاق ابراهيم حسن والصحفي حميد المطبعي والشيخ فاضل الرادود الدليمي  والشاعر المؤرخ مير بصري والشاعر هلال ناجي والاديب ناجي جواد الساعاتي والشاعر  احمد مطلوب  والشيخ استدعي العطار والقاص موسى كريدي والشاعر عبد الامير الحصيري والباحث  جليل العطية والقائمة اطول من ذاكرتي وابعد من اطلاعي ! 

 

قطوف من كتاب اخوانيات الصكار

ص 217 أمل الشرقي الدخول ممنوع

زميلتنا السيدة أمل الشرقي كريمة الشاعر علي الشرقي من الظريفات اللواتي كنا نتسقط اخبار دعاباتها اللطيفة وكان مكتبها في جريدة بغداد اوبزرفر مجاورا لمكتبي في مجلة الف باء في البناية التي تضم ايضا جريدة الجمهورية . وقد سمعنا ان الفنان جميل حمودي عاد من باريس بعد اغتراب طويل وفهمنا ان امل لاتستظرفه ! وذات يوم جاء جميل الى هذا المجمع الصحفي لزيارتنا وعند مدخل البناية كنت واقفا مع امل نتبادل الحديث وما إن لمحها جميل حتى جاء هاشا باشا نحوها فاستقبلته بلطف وسلمت عليه فسالها ( هاي شنو انت هنا ؟ ... وين مكتبج حتى اجي ازورَ ) فقالت امل على الفور ( مكتبي هنا .. تروح كَُبل .. ثم تستدير يسره .. توصل الى نُص  الممر , تشوف باب عليها قطعة مكتوب عليها - الدخول ممنوع - آني هناك ! ) .

إلى صادق الصائغ 105

جئت لندن وكان الشاعر الفنان صادق الصائغ وصلها قبل مدة وجيزة ولم اكن قد رأيته من زمن فاردت ان افاجئه بنداء تلفوني لأعلم إن كان مازال يتذكر صوتي فقلت له :

ياصادقَ الصائغ ياصائغا    احلامنا خطاً واشعارا

هل لك في شخص اتى زائرا  يحمل أشواقاً وتذكارا

وهو نحيف الجسم واهي الخطى أسموه رغم الضعف صكَّارا

 

عبد الرزاق عبد الواحد منتج فريد لأدب الاخوانيات

عبد الرزاق عبد الواحد مخيال نصفه شعر رصين والآخر إخوانيات ! ولقد تكرر اسمه ودوره في اخوانيات الصكار مرات ومرات :

في النويهي ص 114

في المربد الثاني الذي عقد في البصرة تناول الدكتور محمد النويهي  شعر الجواهري بالنقد ووصفه بالسلفية او ما يشبه ذلك فقيل في النويهي :

نقد النويهي لأشعارنا   منقصة ما بعدها منقصة

قد كتب الله على استه   سيدخل الجنة من بعبصه

وكان الجواهري عندما يسمع هذين البيتين يقول اجاد اجاد ! والواقع ان هذين البيتين من مجموعة ابيات تداولناها انا وعبد الرزاق عبد الواحد بمشاغبة من الصديق محمد ابراهيم دكروب في بيروت ولدى سالم الآلوسي في بغداد وستكون من مادة كتابي التسفيه والتنفيه وهو قيد الاعداد .

البطل الاشكالي ص 136

في ملتقى بيروت الشعري 1975كتب يوسف الخال مقالا عن عبد الرزاق عبد الواحد بعنوان البطل الإشكالي وحدث ان اصيب عبد الرزاق عبد الواحد يومها بالإسهال فزاره الشاعر رشيد ياسين عاتبا عليه احتجابه فرآه ممسكا بحزام بجامته فسأله ما هذا ؟ فقال :

عذراً فقد أصبت بالإسهال    مذ حلَّ فيَّ البطلُ الإشكالي

حتى غدوت فرط سوء الحال     ملازماً بيتي بلا سروال

هذا العمود ص 248

دعينا الى مهرجان النجف الشعري فقررنا ان تكون مساهماتنا الشعرية كلها من الشعر الحديث في قلعة الشعر العمودي فقلت لعبد الرزاق عبد الواحد أجز :

هذا العمود بأست من كتبه

فقال :

ياشاعراً كل شعره جلبه    يرعش من فرط غيظه رُكبه

أقمت فينا العمودَ منتصباً  هذا العمودُ بأست من كتبه

  

عن عبد الرزاق عبد الواحد 185

  قال لي عبد الرزاق عبدالواحد وكذلك رشيد ياسين ان رشيد قال في عبد الرزاق :

ويلوح رزاق بانف قاعد   في وجهه ببلادة جوفاء

لو شئتَ أن تدحو به دبابة   روسية لمشت بغير عناء

وهذان البيتان من قصيدة طويلة تناول فيها رشيد ياسين مجموعة من معاصريه من الشعراء جاء على ذكرهم الشاعر زهير احمد القيسي في مقال منشور ! قلتُ في عبد الرزاق :

يالعبد الرزاق عبد الواحد    من فتى فوق دكة الشعر قاعد

ذهب الناس في الغرامة وعادوا   وهو مازال في الغرام يجاهد

 

عبد الوهاب البياتي في اخوانيات الصكار

قال لي ص 186

قال لي عبد الرزاق البياتي يوما من ايام عام 1970 ان عبد الوهاب البياتي ابدى امتعاضه مما ذكره عبد الرزاق في مقابلة اجراها معه نجيب صالح وتعرض فيها الى عبد الوهاب : انني استطيع ان امحوك كما لو كنت مكتوبا بقلم الرصاص ! .

هل كان عبد الوهاب البياتي بعثيا ؟ ص 340

للناس في عبد الوهاب البياتي آراء نتباينة وخاصة فيما يتعلق بمواقفه السياسية ففي حين كان ينسب الى الوسط اليساري كان ينسبه آخرون الى الوسط القومي ومن بين هؤلاء الشاعر القومي الصديق علي الحلي الذي كتب في اواخر السبعينات قائلا ان عبد الوهاب البياتي كان على علاقة بحزب البعث وانه اي علي الحلي كان يوصل ادبيات البعث اليه بنفسه وكان ذلك مثار استغراب كبير للكثيرين وانا منهم ولم اكن قرأت ما كتبه علي ولكنني سمعت به ! وسألته عن صحة ما ينسب اليه بهذا الشان فقال لي ( وعيونك محمد انا الذي كنت اوافيه بأدبيات الحزب بشكل مستمر ) .

 هامش  كتبه  الاستاذ الدكتور محمد حسين الاعرجي

  والأعرجي  معروف بثباته على قناعاته اليسارية وعنوان المقالة  التي كتبها ( ياحزانى العراقيين اقرأوا اخوانيات الصكار)  يضيف معلوماته الى ما كتبه الصكار في البياتي ! انظر  جريدة المؤتمر اللندنية صفحة فصول الثقافة السبت 6 ابريل 2002 العدد 298   ( ... وشيء مثل هذا الذي رواه الصكار عن توجه البياتي السياسي له اهمية كبيرة في دراسة شعر البياتي وهو مما لانجده في الكتب التي درست البياتي او في المقالات التي كتبت عنه ! واريد ان اوثق ما رواه الصديقان العزيزان الصكار وعلي الحلي فاقول اشياء منها انني سالت الاستاذ المرحوم شفيق الكمالي وهو في شقتي في الجزائر عن انتماء البياتي السياسي أول امره فأجابني دون ادنى تردد : بعثي وانا الذي كسبته للحزب ولقد سألت البياتي نفسه وقد جاء ملبيا دعوة اتحاد الادباء الجزائريين الى ملتقى الادب العربي والثورة الجزائرية سألته عما قاله شفيق الكمالي فأيد .؟. . ولم يُنْكِر !! بل انه كابرني في فندق السفير بحضور مجموعة من الادباء الجزائريين اتذكر منهم الآن محمد صالح حرز الله وعبد العالي رزاقي ومصطفى نطور ومن العراقيين الصديق الدكتاور عبد اللطيف اطيمش وكلهم احياء كابر انه لم يكن يساريا يوما ما وانما كان في كل اطوار حياته البياتي وكفى ! واتذكر جيدا كأعلى ما تكون جودة الذاكرة ان قال له نطّور وهو من الشيوعيين الجزائريين بعد ان سمع منه هذا الاعتراف ( لو كنا ندري بانتمائك الحقيقي ما دعوناك ! . فابتلعها ابو علي البياتي بضحكته المعهودة وسكت يمضغ فاه ! ولأمر ما لا علاقة له بالثقافة كان ان عينته حكومة البعث في العراق ملحقا ثقافيا في السفارة العراقية بمدريد لمدة ست سنوات وليس لثلاث خلافا للقوانين العراقية وكان امر استثنائه من هذه القوانين كما اخبرني هو بنفسه في الجزائر استجابة لطلب منه كتبه الى صدام حسين فأمر باستثنائه ! . وكان اذ يروي امر الطلب والاستجابة يرويهما مزهوا بانه مميز من بين الادباء العراقيين ! اما متى انكسر البياتي فانتبه الى نفسه فقد كان ذلك يوم وفاة المرحومة السيدة امونة زوجة الجواهري ووفاة ابنة البياتي في الولايات المتحدة فقد انكر البياتي كما سمعت صوته من اذاعة صوت امريكا انكر على الادباء العراقيين ان لم يعزه احد الا القلة بوفاة ابنته المرحومة نادية على حين كانت وفاة السيدة الجليلة امونة مهرجانا للتعزية هذا ولم يذكر البياتي السيدة امينة في حديثه وانما كانت المفارقة فيما اظن مما يدور بخلده لانهما توفيتا في وقتين متقاربين . ولابد انه افاق من الصدمة وانتهت مدة ملحقيته الثافية راجع نفسه فكان من امره ما كان وشيء آخر يؤكد بعثية البياتي هو ما كتبه استاذي الدكتور علي جواد الطاهر عن هذا الموضوع في مجلة ابلاقلام العراقية في عدد ليس هو الآن بين يدي لأشير اليه : أكد فيه انه كان من جملة انشقاق السياب عن الحزب الشيوعي هو ان نشر البياتي قصيدة من قصائده في مجلة الثقافة الجديدة سنة 1953 في الصفحات الاولى كما لو انها افتتاحية ! وأخَّر قصيدة السياب الى الصفحة 51 من المجلة مما جعل البياتي يشنع على الطاهر طيلة حياته ! وأتذكر انني سالت البياتي عن الحادثة التي رواها الطاهر فأيد حدوثها وانكر ان يكون هو صاحبها ورمى الحمل على الدكتور صلاح خالص واستراح ! وإذن بعثية البياتي شيء لانقاش فيه , اما كيف تقلب وكيف ركب امواج اليسار فذلك ما سيحتدم فيه النقاش , ولو كان استاذي الدكتور صلاح خالص حيا لاستشهدت به . ومع كل هذا استطيع ان استشهد بقصيدته ( هو الذي رأى ) في مديح صدام حسين التي نشرت في مجلة الف باء العراقية بخط يده في الثمانينات . وما زلت اتذكر ان سألت الصديق كامل الشرقي وكان يومئذ رئيس تحرير المجلة ان لماذا نشرها بخط يده ؟ فضحك ضحكة فيها الكثير من الخبث ثم اردف : لسبب يسير جدا هو اني لو كنت نشرت القصيدة بحروف المطبعة لما امنت ان البياتي سينكرها حالما تحين ظروف الانكار . إ. هـــ ) .

من مصطفى جمال الدين ص 296

في لقائي بصديقي الفقيد الشاعر الكبير السيد مصطفى جمال الدين في لندن صيف 1984 سالته عن موال طريف ينسب الى الشاعر الشعبي الشهير ثامر الحمودة ال مزيعل  شيخ ال حسن في سوق الشيوخ في العراق وكنت على علم بصداقته السيد مصطفى ! والموال له قصة وهي ان ثامر طلب من صديقه حمد ال يسر الفرطوسي وهو شرطي تقاعد فصار روزخون تان يقيم له عزاء الحسين ع في الايام العشرة الاولى من رمضان فوعده حمد بالمجيء ولم يات فبعث اليه ثامر بمن يؤكد عليه بضرورة اقامة العزاء في العشرة الثانية من الشهر فاعتذر حمد عن تاخره واكد لثامر بانه سيحضر حتما ولم يحضر وتكرر في العشرة الاخيرة من رمضان وهكذا ضيع حمد تقليدا كان قد درج عليه ثامر الحمودة فكتب له هذا الموال :

طرواك لمن يمر يشبه نسيم اليسر

ولايوم منك اجه طارش بعلم يسر

يايوم اشوفك واكَول انتهى عسري بيسر

من حيث بمصاحبك اكَضي العمر وديت

وجروح كَلبي بودادك خزنت وديت

ياما ويا ما كتب وطروش الك وديت

شحيت ليش بوصالك خره بصفحة يسر !

فاكد لي السيد مصطفى صحة الموال ونسبته الى ثامر الحمودة وتلى علي قصيدة كان ثامر كتبها عن حمد يوم تقاعد ولبس العمامة وقد سجلتها وقتها وهذه هي :

مبارك ياحمد من صرت علامة    وبدلت العكَال بلبس العمامه

بدلت العكال اللي جنت محلاك   كسرته شلون كسره ومايل ليمناك

اش هل دولاب كَلي الدولبك واشجاك   إبن جنكَوم شفته حسن هندامه

شَ اكَول اللي يكَلي حمد شنهو الياه

تعارض لو فطينه توالمت وياه

ثلث اشهر ضبط ما صارت الممشاه  

وفرد طمسه طمس بالعلم للهامه

يكَوللي بثلث تشهر كملت دروسي

قريت الأجرومية وصرت قاموسي

وهسه عمامته وبجامع الطوسي   

يباحث والحنج مسدول جدامه

لف طول عله راسه وطوبل شده حزام

وتدهجم واليشوفه يكَول جومة خام

لايكَعد ناره ولا بليه ينام

يطورد بالعجود تكَول حجامه

بكل شي حسبت ماحسبيت بهاي

لم ملا حمد نحرير يفتي براي

جن طوله استكان وفوكَه صحن الجاي

من ذب العكَال وطس العمامه

جنت ملا حمد واليوم شيخ حمود

واشبهك بالكسائي لو عليه تزود

من اتذب العمامه وللعكَال تعود

ابيك يسر صدج نحرج عظامه

إلى دعي ص 379

وصلتني ذات يوم ابيات من واحد من ادعياء الشعر يعارض فيها ابياتا لي فقلت فيه :

اتاني من اخي عمرو   كلام ظنه شعرا

فبعض ظنه خرطا   وبعض ظنه بعرا

وبعض وافقوا عمروا    وبعض سفهوا عمروا

وبعض قال بعض الشعر قد ينظم او يخرا

وبعض قال ذا شعر   ولكن جتاء من برا

فائدة ص 435

ناظم توفيق الحلي ناقد ادبي يكتب الشعر ولاينشره تخرج في دار المعلمين العالية في بغداد ! شارك في مهرجان الشباب والطلاب العالمي الادس في موسكو وعمل مدرسا في جسر الشغور في سوريا عام 1957- 1958 اقام فترة في فرنسا وتزوج من فتاة فيتنامية وبتاثير حالته النفسية قتلها وقضى فترة في سجن بغداد وافرج عنه توفي في بغداد ودفن فيها .

انتهت الحلقة السادسة من سلسلة الاخوانيات

الثلاثلاء 5 فبروري 2008

مشيغن المحروسة 

  

مقابلة مهمة اجريت مع مبدع الاخوانيات الاستاذ محمد سعيد الصكار نهدت بها الاستاذة ميادة بيلون رأينا وضعها ملحقا للمقالة لكي تكتمل الصورة

نقلا عن صحيفة الشرق الاوسط

  الخميـس 25 شـوال 1422 هـ 10 يناير 2002 العدد 8444 

محمد سعيد الصكار: أدلل نفسي في التنقل الحر بين اهتماماتي

صانع الأبجدية الطباعية لـ «الشرق الأوسط»: أقام رجل المخابرات في بيتي مدة شهرين كاملين     دمشق: ميادة بيلون .

ولد الشاعر والخطاط العراقي، محمد الصكار، في عام 1934، وظهرت له أول مجموعة شعرية عام 1952، والثانية بعد ست سنوات. مقيم في باريس منذ عام 1978، ولم يعد إلى العراق منذ ذلك الوقت، زار دمشق للمرة الأولى بعد غيبة 43 سنة، حيث كان في عام 1957، لاجئاً سياسياً فيها. وقد عمل في حلب معلماً للأطفال في المدارس الابتدائية، وما زال يحتفظ إلى اليوم بالمرسوم الجمهوري الذي أصدره الرئيس السوري آنذاك شكري القوتلي لتعيينه معلماً براتب 150 ل. س.

الصكار زار دمشق اخيرا للاشراف على نشر اعماله الكاملة.

وهنا حوار معه عن رحلته مع الخط العربي وتجربته الشعرية..

* الخطاط والشاعر صفتان متلازمتان معك، كيف نشأت وتداخلت هاتان الصفتان لديك؟

ـ لم يقتصر الموضوع على الشعر والخط، إنما هناك مسائل فرعية أخرى تتداخل. باعتقادي كلها معارف ثقافية مفيدة، بالنسبة للخط بدأ عندي قبل الشعر منذ أن كنت صبياً في الابتدائية، فأنا لم أكن مهتماً بالأمور الرياضية مع أن الصبيان في حارتنا يمارسون هذه الألعاب بشكل لافت، وإذ لا استطيع الابتعاد عن المحيط العام كنت أصمم لهم الميداليات وأرسمها وأخطها بخط بسيط ساذج، والأطفال يفرحون بها كثيراً وأفرح معهم. من هنا، بدأت اهتماماتي بالخط، وكان ذلك عام 1946، بعد ذلك انتقلت إلى مدينة البصرة وفيها مجتمع ثقافي مهم، اضافة إلى كل ذلك كان الصبيان في عمري (13 سنة)، يخطون على إسفلت الشارع وعلى الحيطان مرة بالفحم ومرة بالطباشير، وكنا نقلد كبار الخطاطين.

* ماذا تتذكر من الجو الثقافي في البصرة في ذلك الوقت؟

ـ أذكر أنه في أوائل الخمسينات كان من العيب على الشاب أن يظهر في الشارع دون كتاب، وربما لا تعرفين أن الشارع الشعبي كان موزعاً بين قطبين في إطار الشباب: مجموعة أنصار محمد عبد الوهاب، الذين يحملون كتبه دائماً، وأنصار فريد الأطرش الذين اضطروا إلى حمل الكتاب لئلا ينتقدوا، هكذا كانت البصرة منتدى ثقافياً كمدينة، وهذا يعني أنه كان فيها مجالس أدبية مستمرة تقام ويلتقي فيها الأدباء والشعراء يتجادلون ويتساجلون ويقرأون أشعارهم، وأنا نشأت في وجود هذه المجالس، ونشأت مع كوكبة من الشعراء الذين يتميزون بالجدية مع مشاريعهم الثقافية.

نشأت وكان بدر شاكر السياب حياً وعرفت الشاعر محمود البركان الذي لا يزال موجوداً وما زال مبدعاً صامتاً، ومن جيلي أيضاً الشاعر سعدي يوسف، ومحمود عبد الوهاب، ومهدي عيسى الصقر، الكاتب والروائي الذي ما زال يواصل كتاباته إلى اليوم، كما كان في عهد الشباب. وهناك أسماء كثيرة لا تحضرني الآن. هذا المحيط الثقافي كان يجعلنا في حماس مستمر للقراءة والمداولة وإجراء التجارب والمناقشات والمساجلات، كان هناك فضاء ثقافي مدهش في البصرة.

* لكن هناك الآن تراجعاً ثقافياً ملحوظاً، ما السبب برأيك؟

ـ السبب هو القمع الذي تفرضه السلطة، هناك حصار ثقافي روحي قبل الحصار الاقتصادي الذي فرض من قبل الحلفاء. حالياً في العراق وفي ظل هذا النظام هناك سياسة ثقافية محددة موجهة لخدمة أغراض النظام، هذه للتطبيل له وللمديح، وللأسف الشديد أنها استطاعت أن تكسر تماسك بعض الشعراء الجيدين وأن تحيلهم إلى جوقة من المداحين، هذا الأمر أدى إلى عزل طبيعي بين هؤلاء المداحين وبين المبدعين الذين يحترمون كلمتهم ومهامهم ككتاب وكمثقفين. ولا يمكن أن نغفل السائد وهو السيطرة على وسائل الإعلام الرسمية في ترويج ونشر ما يروق لها ويؤسس لمواقعها وعدم إتاحة الفرصة للكتاب والمثقفين الآخرين.

* يرى بعض النقاد ان كتاباتك تعبّر عن موقف آيديولوجي في عصر اختفت فيه الآيديولوجيات؟

ـ نعم لديّ موقف فكري واضح ومعلن ولست خائفاً عليه، وقد تعرضت بسبب هذا الموقف إلى مشاكل مدونة في كتابي المنشور «أبجدية الصكار.. المشروع والمحنة»، حيث حوصرت بسبب الأبجدية التي وضعتها قبل أكثر من ربع قرن، حوصرت حصاراً نفسياً واجتماعياً واضطررت إلى مغادرة البلد لأنهم وجهوا إليّ تهماً تقودني إلى الإعدام، وغرزوا في بيتي يومها رجلاً من المخابرات يقيم معي في البيت، يتناول معي القهوة الساعة التاسعة ومن ثم وجبة الغداء وهو موجود كذلك في مرسمي ولا يغادرني إلا في العاشرة مساء، كان يقول لي إنه من المخابرات ويضيف أن المخابرات مصنفة إلى صنفين، واحدة للرئيس وأخرى لنائب الرئيس، وهو من جماعة نائب الرئيس الذي هو الآن رئيس. وأرجو ألا يفاجئك إذا قلت إن الرجل أقام في بيتي وبشهادة بعض المثقفين الذين رأوه رأي العين أقام شهرين كاملين. ولك أن تتصوري أي حصار روحي وثقافي واجتماعي مفروض، في ظل هذا الوضع لم استطع البقاء في البلد، وكانت محنتي مع الأبجدية سنتين كاملتين.

* هناك، كما أرى، مشكلة في الأدب العراقي في الحفظ، إنكم تكتبون من الذاكرة فقط؟

ـ أنا أحمل معي الوطن أينما سرت، وواقع الحال عندما أكتب عن الوطن الآن أكتب من الذاكرة لأن المسافة الجغرافية بعدت ولم يتبق لدي إلا ذاكرتي، فالقصائد والمسرحيات والقصص التي أكتبها عن الوطن هي من محتويات الذاكرة، والآن أنا متأكد أن النفوس قد تغيرت والمواقع تغيرت، لكن هذا هو متاعي وهذا ما لدي.

في الحقيقة إن قصصي ومسرحياتي بشكل خاص تأخذ مساحة زمنية قبل هذه المرحلة، فمثلاً هناك أضواء تسلط فيها أعمال على زمن يمتد من نهاية الأربعينات إلى وقت مغادرتي، كما عنيت بتسجيل بعض الملامح ورسم بعض الخرائط على الذاكرة لمواقع البصرة ولبلدة «الخالص» التي كنت فيها وكتبت عن هذه الأماكن قصائد كثيرة، وأذكر أنه عندما كانت البصرة تقصف في الحرب العراقية ـ الإيرانية، أقمت معرضاً خاصاً لمدينة البصرة في مدينة باريس، تضمن 23 لوحة، كنت منفعلاً أكتب القصائد وأحولها إلى لوحات، والمعرض كان مخصصاً فقط للمفكرين وللأدباء والسياسيين والفنانين وليس مفتوحاً للجمهور، لأن مرسمي لا يتسع لأعداد كبيرة. استمر المعرض لمدة خمسة أيام، لكن نظراً لتوافد الوجوه الثقافية العربية مدّد المعرض لخمسة أشهر، إلى أن سقطت من التعب ونقلت إلى المستشفى وأغلق المعرض، وقد سألني صديقي فواز الطرابلسي يومها كيف حالك؟ قلت له: مريض، فقال: ما الذي يوجعك؟ قلت: البصرة توجعني.

* وصفوك أنك «صانع الأبجدية الطباعية»، ما القصة وراء ذلك؟

ـ لقب تكريمي أعتز به كثيراً، بدأت في عام 1965، بوضع أبجدية للطباعة، للكومبيوتر، يوم لم يكن كومبيوتر في بلادنا. المسألة ببساطة أنه أعلن عن نشأة جامعة جديدة في الكوت، وأنا انفعلت بهذا الحدث الثقافي ولا أعرف أحداً من مؤسسيه، لذا قررت أن أقدم هدية للجامعة فأهديها خمسين لوحة تؤرخ للخط العربي منذ نشأته إلى أيامنا. وعندما قررت هذا، رأيت أنه من المناسب أن يرفق بهذا المعرض كراس يعطي شرحاً تاريخياً لهذه المسائل، فبدأت أكتب هذا الكتيب ووصلت إلى أن الحرف العربي هو المطبعة، فدخلت في هذا الموضوع وتبين لي أن حربنا الثقافية لا تقل أهمية عن حرب النفط، نحن نحارب ثقافياً أكثر مما نحارب نفطياً، ودخلت في هموم المطبعة العربية (فأنا صحافي ومقيم في المطابع وعندما لا أشم حبر المطابع أدوخ)، علمت بوجود نظرية يؤسس لها المستشرقون تقول: لكون الحروف العربية موصولة تعددت أشكال الحرف الواحد. أصبح لدي رغبة كبيرة لإيجاد صيغة لتجاوز هذه الفرضية. بقيت سنتين أفكر بجدية وفجأة خطرت على بالي فكرة مفادها أنه إذا قلبنا النظرية وقلنا لكون الكتابة العربية موصولة الحروف يمكن الاختصار. طبعاً هذه نكتة واعتبرت ذلك لهواً، بصراحة خفت أن أصاب بالإحباط فاتجهت إلى اللهو. فإذا بهذا اللهو يدخل إطار الجد وتتحقق لدي النظرية الجديدة «أنه بسبب موصولية الحروف يمكن الاختصار» وهذا ما حصل، فبدلاً من 900 حرف ومن 300 حرف أصبح لدي 22 وحدة بصرية، وهكذا أصبحت الأصوات اللغوية أكثر من الحروف في أبجدية الصكار.

* ما القيمة الفنية النهائية للخط، على أي أساس تقوم: القواعد أم الإيحاء؟

ـ جاوبت عن هذا السؤال في إحدى مقالاتي بعنوان «محاولة في الاستدلال على شخصية الحرف المخطوط: تجربة على حروف خط النسخ»، وقلت إن هذا التصور قائم أصلاً على الألفة الطويلة للقواعد الأدائية لهذا الفن، وعلى التأمل في دلالة حركة الخط، ولذلك يمكن القول إن الطرفين ـ القاعدة وما توحي به ـ متداخلان، وهما معاً مسؤولان عن القيمة الفنية النهائية.

* إذاً كيف تصنّف نفسك: شاعراً أم خطاطاً؟

ـ أنا أقرب إلى الشعر، لكن هناك رأياً يقول إنني شاعر في خطي وملوّن في شعري، وأحب التنويه هنا إلى نقطة طريفة، هو أنني في الواقع مدلّل، أنا أدلّل نفسي في التنقل الحر بين اهتماماتي، فعندما أبدأ بالخط، لا أخط لوحة أو لوحتين أو ثلاثاً، لكن لا أسمح لنفسي أن أجهد قبل أن يبلغ بي الملل مداه، أنتقل إلى الرسم، ومن الرسم أنتقل إلى الكتابة (قصصاً أو مسرحاً أو ربما قصيدة)، يضاف إلى هذا ممارسات أخرى كتجليد الكتب، فأنا مجلّد كتب جيد، لكن لا أجلّد إلا مؤلفاتي. على كل حال، أنا مجموع هذه الأشياء لأن الواحدة تغذي الأخرى

 

 

رواسب الذاكرة

محمد سعيد الصكار

الخالص

يقسم أهل الخالص بلدتهم إلى قسمين؛ هما (السوس) والحلفة (الحلفاء)، الأولى غرب البلدة والثانية شرقها. وفي قسم الحلفة يقع مركز البلدة وأسواقها ومسجدها الوحيد وحسينيتها ومرافقها الإدارية، والعديد من المساكن التي تنتهي بالبساتين الوارفة والحافلة بأشجار النخيل وأصناف الفواكه؛ وكلها مسيجة بحيطان طينية مبنية بطريقة بدائية، ذات أبواب من التنك الصدئ أو الأخشاب المتعامدة البسيطة المعمولة بشكل ارتجالي والمجهزة بغلق خشبي لا يستعصي على الفتح؛ وكلها تصر صريراً موجعاً عند غلقها أو فتحها. وأهل الخالص لا يضعون هذه الأبواب لحماية البساتين من السرقة، فما من أحد يسرق، إلا ما ندر؛ ولكنهم يضعونها لئلا تتسلل إليها الحيوانات، وما أكثرها، فتخرب زروعهم وتأكل الثمار.

ما كان يُسرق في الخالص، كما في غيرها من المناطق المجاورة هو الماء الذي لا يستغني عنه أحد من أصحاب البساتين، ويريد منه كمية أكبر لإرواء مزروعاته، فكان يكسر مجرى الماء في البستان المجاور ليسيل إلى بستانه، أو يحبس مجراه في بستانه ليستأثر بكمية أكبر منه. وما أكثر الدماء التي راحت هدراً بسبب الماء، وما أعقد المشاكل التي كانت تقوم بسببه!

ومع أن المنطقة سخية بمياهها، فقد كان يجري ذلك بسبب سوء التنظيم.

أما (السوس) فهو منطقة سكنية بكاملها، يقع فيها الحمام والمدرسة الابتدائية الثانية في الخالصة، وهي (مدرسة الأمير عبد الآله - سميت فيما بعد باسم مصطفى جواد). الشارع الرئيسي في الخالص هو الشارع الذي يكوّن المدخل إلى البلدة، للقادمين من بعقوبة أو بغداد، ويستمر مخترقاً إياها، ماراً بمنطقة (كشكين - وتلفظ جشجين) وعليبات وصولاً إلى الطريق العام المؤدي إلى كركوك.

ويتقاطع الشارع المذكور في منتصف البلدة مع شارع مبلط يقع إلى غربه مركز الخالص، وإلى شرقه الطريق المؤدي إلى البساتين التي ذكرناها. وفي نقطة التقاطع هذه يقع كراج (عبد الحمزة)، والمقاهي وعدد من دكاكين الصاغة اليهود، ودكاكين البقالين وباعة الخضار والثلج وصباغي الملابس، والمصالح المختلفة.

السوق الرئيسية في الخالص هي القيصرية، وهي سوق مسقوفة طويلة نسبياً، تتخللها فتحات للشمس والتهوية. وفي هذه السوق تقوم كل أصناف المخازن والدكاكين، وأشهر هذه الدكاكين هو دكان (أم زْعَيّان) للخضار والفواكه، ودكان (خلف الطماشة) و(أحمد الخزعل) للتبوغ، ودكان (السيد أحمد) للمنوعات، ودكان (أحمد الكمر) للأقمشة، و(السيد رضا الخياط)، ودكان (رضا) الذي يختصر الدنيا وما حوت من حاجات في مساحة لا تتجاوز الثلاثة أمتار مربعة! وكنت زبوناً دائمياً لهذا الدكان، أشتري منه الزبيب والحمص وجوز الهند المجفف؛ وقد علق في ذاكرتي إلى حد أنني أسميت أحد كتبي المخطوطة للمنوعات باسم (الدكان) استذكاراً لدكان رضا!

وفي الخالص كما في غيرها شخصيات ذات حضور في نفوس الناس، كأنها معالم حية لا تتم صورة المدينة إلا بها. من هذه الشخوص؛ مأمور البريد والساعي. وهذان الاثنان من معالم الخالص الراسخة؛ فساعي البريد (طاهر حسين السني) الطويل القامة بانحناء واضح - والذي لا يمكن تصوره إلا وهو يحمل الحقيبة الجلدية التي لا تاريخ لها - لا يكتفي بتوزيع الرسائل والبرقيات والحوالات والرزم فحسب، إنما يقرأ الرسائل لأصحابها أيضاً، وربما كتب للناس رسائلهم على سبيل التعاون.

أما مأمور البريد (الحاج عبد الرحمن)، ويسمونه (حجي بريد) فهو من أظرف الناس، متأدب وصاحب كأس، لا يخلو مجلسه من النكتة البارعة والتعليق اللماح الخاطف، والطرائف والنوادر والمقالب الطريفة التي يوقع بها أصدقاءه. ولابد لكل من يزور الخالص من الأدباء والمثقفين من اللقاء بحجي بريد، فهو أحد وجوه الثقافة الشعبية فيها، وله علاقات أدبية بمصطفى جواد وفؤاد عباس وعبد علي مهدي مدير مدرسة الخالص الابتدائية للبنين التي كنت تلميذاً فيها. وهؤلاء كلهم من أبناء الخالص.

ومن وجوه الخالص أيضاً أستاذي السيد علي السيد رضا، معلم الرياضة في هذه المدرسة، وهو أبرز رياضي في الخالص، يلوي أشرطة الحديد السميكة على رسغه لي القماش. وكانت تُقام له حفلات في المدرسة يعرض فيه مواهبه هذه أمام الناس فيبهرهم ويأخذ بألبابهم. وهو شخص وسيم أنيق فارع الطول عالي التهذيب.

والحق أن السيد علي هو من أبناء عوائل الخالص العريقة المحترمة، وأبوه (سيد رضا) من ظرفاء الخالص أيضاً، وأحضرهم بديهةً وأطرفهم نكتة. وكان يعتمر (كشيدة) حمراء ذات شريط أخضر، ويرتدي (دشداشة) بيضاء وعباءة سوداء خفيفة، ويقول عن نفسه: "آني علم عراقي"، ويشير إلى كشيدته وعباءته وثوبه.

والواقع أن عدداً غير قليل من أهل الخالص يتسمون بالأناقة والنظافة الظاهرة، فإضافة إلى السيد رضا وأولاده، كان هناك محمد غني وشوكت العزاوي والسيد أحمد في سوق القيصرية وعبد علي مهدي وغيرهم؛ في حين تكون أغلبية السكان من الكسبة والتجار والمزارعين وأصحاب المصالح المختلفة.

نساء الخالص يرتدين الزي الشعبي؛ (الدشداشة النسائية، ويسمونها "النفنوف"، والفوطة والجرغد، والعباءة العراقية). ولم يكن في هذه الحقبة التي نتحدث عنها، وهي أواخر الأربعينيات من القرن العشرين، وتحديداً عام 1946، امرأة سافرة، غير فتاة واحدة هي بنت أحد موظفي الإدارة المنقول إلى الخالص من مدينة أخرى، لعلها بغداد. وكان منظر هذه الفتاة وهي تجوب شوارع البلدة، مثار تعليقات كثيرة، مما حدا بوالدها أن ينتقل من الخالص تجنباً لهذه المضايقات النفسية التي لم تتجاوز، في الواقع، الحديث في المقاهي عن غرابة الموضوع، إذ لم تتعرض البنت ولا أبوها إلى أكثر من ذلك. من المواقع البارزة في الخالص، خان عبد علي، وهو بمثابة فندق للمارين بالبلدة من أصحاب الدواب، ففيه فسحة واسعة لمعالفها ومستلزماتها، وفي طابقه الثاني غرف للنزلاء.

مصبغة الوالد

إلى يمين هذا الخان المقابل لبيت الخاصّكي الأنيق، تقع مصبغة الوالد ذات الصيت الواسع في الخالص والمناطق القريبة والبعيدة، فهو صبّاغ من سلالة عُرِفَتْ بهذه المهنة، ومصابغها مشهورة في بغداد في منطقة الصدرية وصبابيغ الآل منذ القرن الثامن عشر، وربما أطلقت على الأسرة شهرة (الصباغ) إلى جانب (الصكار)، كما كان يحدث لعمه (عيسى الصكار) صاحب الزورخانة المعروفة في صبابيغ الآل التي تخرج فيها المصارع الشهير عباس الديك وكتب عنها أكثر من مرة، وذكرها وارد في كتاب (الزورخانات البغدادية) لجميل الطائي.

هذا التاريخ العريق في الصباغة تسلمه الوالد، وأضاف إليه طباعة الأقمشة، فكان يُعدّ القوالب الخشبية بنفسه من خشب السيسم الصلب الأسود، ويصمم لها الزخارف، ويحفرها بنفسه، ويستعملها في طباعة مناديل الرأس (الجتاية) وحواشي الثياب وغيرها. وفي أعقاب الحرب الثانية وما سببته من شحة في كل شيء، راجت شغلته في طبع (اليشاميغ - وهي الكوفية العراقية المشهورة)، إلى جانب الألبسة الأخرى.

وقد شاعت في الخالص يومذاك بستة (أغنية) تقول:

يوحيّد الصبـــاغ  حبّــك تِكسّــرْ

صابغ  جواتي اثنين         لـ ام  زلف الاشقر

كان يدعى أحياناً باسم (وْحيّد الصباغ) بدل (عبد الواحد الصكار) والجواتي جمع (جتاية) وهي منديل الرأس (الايشارب).

وبسبب هذه الخبرة والتقنيات الدقيقة التي كان يعرفها، عُرف عنه بأن صبغته (لا تكشف) أي لا تنصل ألوانها.

وأذكر أن عجوزاً من الأعراب جاءته يوماً غاضبة، وراحت تعاتبه وتنتقده بصوت عالٍ قائلة: "آخ يا وْحيّد؛ طلع صيتك ما له أساس". فقال لها: "خير، بنت أخويه"؟ فقالت: "تذكر الغزل اللي صبغت لي إياه للبساط؛ كِشَفْ" أي نَصَل لونه.

ولم يتذكر الوالد متى كان ذلك، فسألها: "هاي شْوَكِتْ بنت أخويه"؟ فذكرت له تاريخاً يعود إلى خمس عشرة سنة سابقة كان البساط مرمياً خلالها على الأرض المتربة تسحقه الأرجل؛ فضحك وأشار إلى شعر رأسه وكان أبيض تماماً، وقال: "بنت أخويه، هذا صبغ الله ديكشف، عاد صبغ وحيّد"!!

والتقنيات التي كان يستخدمها الوالد تتراوح بين الخصائص الكيمياوية للأصباغ، وبين المعالجات النباتية. فالأصباغ كالنيل والجوهر وغيرها كانت من منتجات شركة (ICI) يشتريها من يهود سوق الشورجة ببغداد، ويعالجها بأسلوب دقيق، ويضيف إلى بعضها مواد أخرى كالزاج والبقّم والكثيرة والنورة والقِلو وغيرها مما يستلزمه كل نوع منها.

كان الصبغ يجري على مستويين، الأول؛ هو الأصباغ السوداء للعباءات والملابس، وهي تصبغ بالنيل الأسود المائل قليلاً إلى الزرقة، حيث يحضّر الصبغ في (خناب) خاصة، أشبه بالتنانير، مصنوعة من الخزف المطلي من داخله، توضع فيها المصبوغات لوقت ما لتتخمّر وتتشبّع باللون قبل نشرها لتجف.  

والثاني؛ هو الألوان الأخرى التي كان تُعدّ في طشوت أو أوعية معدنية واسعة، يُغلى فيها الماء ويوضع الصبغ وما يحتاج إليه من مثبتات، ثم توضع فيه المصبوغات فتغلي معه لفترة معينة، وتُخرج لتنشر على الحبال داخل الدكان وخارجه.

وكانت العملية تقتضي وضع الأقمشة المطلوب صباغتها، في الماء لفترة ما، ثم تُخرج وتوضع على لوح صلب من الخشب وتدق دقاً متواصلاً بمطرقة خشبية كبيرة، لغرض إزالة النشا والأوساخ العالقة بها، لئلا تعرقل تغلغل الأصباغ في أليافها.

أما إذا تمت العملية وجاء نشر المصبوغات على الحبال، فلا أبهج ولا أنضر من رؤية الغزول منشورة في الدكان وموصولة بالشارع بألوانها الجذابة من الأحمر والأصفر والأزرق والأخضر والكلكلي (الوردي) والبَنَوشة (الأصفر المائل إلى الخضرة) والبنفسجي والشرابي والرماني والنومائي والقهوائي والنارنجي.

إنه مهرجان لوني يتكرر في الأسبوع مرة أو مرتين، حسب كثافة العمل.

وقد لاحظت أن أغلب أسماء الألوان، ما عدا الأحمر والأصفر والأزرق والأخضر والشرابي، هي أسماء منسوبة للنباتات.

أما مواسم الصبغ التقليدية فكانت تبدأ بعد فترة وجيزة من جَزّ صوف الأغنام، وفي مناسبة عاشوراء على الأخص، حيث ينبري الناس إلى صبغ ملابسهم بالسواد لهذه المناسبة الحزينة.

حسين قِلِنْجي

وإلى يسار الخان يقوم دكان السيّاف حسين، المعروف بـ(حسين قِلِنْجي) وتعني صانع السيوف. وكان دكان حسين يهبط عن مستوى الشارع بمقدار نصف قامة؛ في أقصاه يقع الكِير (المنفاخ) ثم الموقد المشحون بكمية كبيرة من الفحم الصلب المتأجج، وفي مقدمته السندان. والدكان مليء بقطع الحديد والجلود وقرون الثيران وعدد العمل المتنوعة؛ مطارق ملاقط مناشير مقصات، إلخ.

وإذ كنت أجيء إلى مصبغة والدي، قبل دخولي المدرسة الذي تأخر أربع سنوات، وأنوب عنه في مراقبة الدكان، فقد كان جل وقتي ينصرف في القعود على دكة حسين قلنجي مراقباً عمله الذي كان يبهرني، رغم ضيقي وبرمي الشديد من رائحة القرون المحروقة التي يعد منها مقابض السيوف والخناجر. وكنت أبقى الساعات عنده وعيني على المصبغة تارة وعليه أخرى.

كان يتناول قطعة الحديد، أي قطعة، يقلبها بين يديه مختبراً صلاحيتها، ثم يضعها على الموقد ويروح يؤجج النار بالمنفاخ حتى تستحيل إلى جمرة ناضجة يتناولها بالملقط ويضعها على السندان ويروح يطرقها لإزالة الصدأ والأوساخ العالقة بها، ثم يعيدها إلى النار، ويسحبها ويطرقها ويعيد تشكيلها بالهيأة التي يريد؛ سيفاً، خنجراً معقوفاً، أو سكيناً. وهو في خلال ذلك يواصل الطرق على الحافتين طرقاً محكماً مدروساً، تاركاً في منتصف القطعة نتوءاً عالياً. ثم يبدأ بحني القطعة شيئاً فشيئاً حتى تتشكل خنجراً واضح المعالم، ولا تأخذ هذا الشكل إلا بعد عشرات المرات من إدخالها الموقد وسحبها وطرقها، ثم يقوم ببردها بمبرد خشن أولاً، ثم بمبرد ناعم، ثم بورق الزجاج حتى تغدو كالموسى. وعندما يطمئن إلى رهافة حدها تبدأ عملية التسقية، وهي غمس الحديدة وهي محماة في الماء، لتتصلب وتتفولذ، وهي عملية تتكرر عدة مرات أيضاً. بعد ذلك يبدأ بصقله حتى يأخذ بريقه البصر. عندها يتركه جانباً لكي يعد له المقبض. وهذه العملية هي الوحيدة التي كنت أمقتها مقتاً شديداً بسبب الرائحة الكريهة النفاذة التي يثيرها حرق القرون. ولكنني مع ضيقي الشديد كنت أبقى أتابعه حباً بطريقة العمل. كان يحرق القرن، ربما لتليينه، ويقصه وهو حامٍ، ثم ينحته نحتاً دقيقاً ويصقله، وربما نحت فيه نحتاً غائراً، ثم يلبسه الخنجر مستعيناً بأصماغ خاصة، ويرصعه بأزرار من الفضة على هيئة نجوم أو زخارف أو أشرطة.

بعد ذلك تأتي عملية صنع القراب، حيث يأخذ شريحتَي خشب وينجرهما كل واحدة على حدة، ويصفّيها حافراً في منتصفها من الداخل خطاً منحنياً غائراً ليتلبس فيه نتوء الخنجر، ويجري للقطعة الأخرى ما أجرى لهذه ويلصقهما ببعضهما لصقاً متقناً. وما إن يضبط شكل القراب حتى يبدأ عملية الزخرفة بحفر الأشكال الزخرفية على ظاهره، ثم يأتي بقطعة من الجلد مهيأة سابقاً ويلفها على القراب ويقطع زوائدها ويلصقها على الخشب بإحكام، ويأخذ بكبس الجلد في المواقع المحفورة للزخرفة، وربما لوّنها بألوان خاصة، فتبدو الزخرفة غائرة وجميلة، ثم يلبسها بالفضة المصاغة وفق رغبة الزبون، كأن تكون في طرف الخنجر أو عند القبضة؛ ويحدث أن يلبّس القراب بأكمله بالفضة بدل الجلد.

كل هذه الأعمال كان حسين قلنجي يقوم بها بمفرده، فلم يكن له صبي أو مساعد أو شريك يعينه، باستثناء صياغة الفضة التي يعدها أحد الصاغة اليهود، وكانوا كثاراً في الخالص، وفق مواصفات متفق عليها. وتأخذ عملية السيوف السياق نفسه.

وحسين قلنجي رجل مربوع القامة قليل الكلام، محدود العلاقات، قليل الظهور في المقاهي، يعتمر (الجرّاويّة) ويرتدي دشداشة بأردان قصيرة، يضع السترة فوقها ويغادر قبل أذان المغرب، ليعود في ساعة مبكرة صباح اليوم التالي.

دخول المدرسة

كان الوالد رحمة الله عليه حريصاً على تعليم أولاده كلهم، ومع حرصه هذا تأخر دخولي المدرسة أربع سنوات، ولم أسأله في حياته لماذا حصل ذلك، ولكن أختي قالت لي إنه كان يحتاجني في المصبغة. وأنا أحسب أنه كان يُشفق عليّ مما كان يثيره منظر الطاقية على رأسي بسبب ما خلّفته عليه الحصبة من آثار ألزمتني بلبس الطاقية (العرقجين) لبضع سنوات قبل التمكن من علاجها.  

ولدخولي المدرسة في السنة الدراسية 1943 - 1944، قصة طريفة وموجعة في الوقت نفسه:

كانت مدرسة الخالص الابتدائية للبنين تقع قبالة المصبغة، على بعد أمتار منها. وكنت عندما يكون الوالد في المصبغة، أذهب إلى شباكها المطل على الشارع، وأعقد يدي على قاعدته وأستغرق في الإنصات إلى تلاميذ الصف الأول وهم يقرأون درسهم، وأرى السبورة وما يكتب عليها، ولا أغادر إلا عندما ينتهي الدرس لأعود ثانية في الدرس التالي. وقد ألف التلاميذ والمعلمون وجودي اليومي عند هذا الشباك. وكنت من جانبي أحفظ عنهم بعض الدروس والأناشيد وأفرح بها فرحاً عظيماً، وأمضي أرددها في الشارع وفي البيت، حتى أوشكت أن أحفظ (القراءة الخلدونية) غيباً. وهو ما ساعدني كثيراً عندما التحقتُ بالمدرسة، حتى صارت قراءة كتب الصف التالي أثناء العطلة عادة لازمتني في مراحل دراستي اللاحقة، ومكنتني من الحفاظ على درجة (الأول على الصف) حتى المرحلة الجامعية.

وفي أواسط عام 1943، وبداية عمل المصبغة الرسمي، كان الدكان مليئاً إلى سقفه بالملابس والغزول التي تنتظر دورها في الصبغ، أو المصبوغة وتنتظر أصحابها.

وفي هذا اليوم التاريخي كنت مع الوالد كالعادة، وإذ أراد أن يروح لبعض شؤونه، أوصاني بأن أنتبه إلى المصبغة وما فيها. ولكنني ما إن توارى عن نظري حتى تركت الدكان وهرعتُ إلى الشباك، ولم أنصرف عنه حتى في الفرص، إذ كنت أتحدث مع التلاميذ أثناء ذلك، وأنا في فورة فرح مدهش.

وبينما أنا مستغرق بلذة الاستماع إلى الدرس سمعتُ زعقة مدوية ورائي فالتفتُ وإذا بأبي خلفي والشرر يتطاير من عينيه، وإذا به يلطمني على خدي لطمة أذهلتني. وبين غضبه وإشفاقه، وبين ذهولي وفجاءتي، عرفت أن المصبغة قد سرقت، وأن الدكان الذي أمامي خالٍ من أية حاجة كانت فيه.

لم يعتدْ الوالد أن يضربني أبداً، وكانت هذه اللطمة هي الأولى والأخيرة في حياتي، ولذلك كانت على خفتها، مصدر ألم نفسي لي، وحزن مازال يمضني إلى اليوم. فقد كان على الوالد أن يعوض أصحاب الغزول والملابس أثمانها، وهي من الكثرة بحيث سببت له مشاكل مالية كبيرة، وأربكت سياق عمله، وأثرت على حياتنا فهذه الخسارة الفادحة أخرجت العائلة من كفايتها المعقولة إلى الضيق والضنك الواضحين، وحملت الوالد على السعي الحثيث والركض في كل اتجاه لإعادة التوازن المفقود دون نتائج مناسبة. ولكنني دخلت المدرسة، وكان نجاحي المتواصل مبعث زهو للوالد وتعويضاً له عن تلك المحنة . إ. هـــــــــــــ 

 

مع تحيات الصائغ

 

أ. د. عبد الإله الصائغ


التعليقات




5000