.
......
 
.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
.
عبدالجبارنوري
د.عبد الجبار العبيدي

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


السياسات النفطية التي ينبغي أن يطالب بها التيار الديمقراطي في العراق

د. كامل العضاض

•1. أهمية قطاع النفط الإستخراجي في الإقتصاد العراقي؛

•2. الحالة الريعية للإقتصاد العراقي والسياسات التنموية اللازمة لمعالجتها؛

•3. نقد السياسات النفطية، ومنها عقود النفط المبرمة في العراق ودورها في إدامة الحالة الريعية؛

•4. السياسات النفطية المطلوبة لتحقيق أهداف إستراتيجية عليا للتنمية المستدامة؛

•5. الشعارات والمطالبات السياسية التي سيتبناها التيار الديمقراطي العراقي من أجل تحقيق سياسة نفطية وطنية من أجل التنمية المستدامة؛

تمهيد: تهدف هذه الورقة المركزة الى إغناء وتعميق برنامج التيار الديمقراطي في العراق، وخصوصا بما يتعلق ببنوده الخاصة في المحور الإقتصادي. وتتصف الدراسة بالتركيز وبدون الإطالة في عرض وتحليل المفاهيم والمصطلحات الإقتصادية الواردة فيها، بسبب الحرص على تشخيص وإستنباط السياسات النفطية الوطنية التي ينبغي أن يطالب ويناضل التيار الديمقراطي من أجل تحقيقها، سواء من خلال المعارضة البناءة أو من خلال البرلمان أو الحكومة أو الإثنين معا. لقد جاء في البند رقم 1، من المحور الإقتصادي في برنامج التيار، ما نصه كالآتي: " إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني بوضع استراتيجية تنمية اقتصادية اجتماعية شاملة ومستدامة , ومعالجة ظاهرة البطالة والفقر, بما يحقق مساهمة قطاع الدولة والقطاع الخاص والمختلط والتعاوني , في تفعيل قطاعات الصناعة والزراعة والتجارة والخدمات . وتخليص العراق من الاقتصاد الريعي الاحادي الجانب". وهذا النص يقتضي أن يؤمن تنمية القطاعات غير النفطية، تحقيقا لشروط التنمية المستدامة التي تهدف ليس فقط لتحقيق العدالة والرفاه الاجتماعي للجيل الحاضر وإنما للأجيال القادمة . وتأسيسا على هذا النص تسعى الدراسة الى بلورة السياسات النفطية الوطنية الكفيلة بإعادة هيكلة الإقتصاد الوطني من خلال تبني إستراتيجية تنمية إقتصادية إجتماعية شاملة ومستدامة؛ وهنا يلعب القطاع النفطي الإستخراجي دورا قياديا فاعلا، بإعتباره المصدر الأساسي للتمويل، ومنبعا للفوائض المالية التي يمكن توظيفها لهذا الغرض. وتشخص الدراسة حالة الإقتصاد العراقي بإعتبارها حالة إقتصاد ريعي مرتهن لعوائد التجارة الخارجية من خلال تصدير النفط الخام بصورة أساسيا، مع ضمور وتدني الفوائض التي قد يمكن تحقيقها في القطاعات أو النشاطات غير النفطية، وهي في الأساس تتركز بالزراعة والصناعة وفي القطاعات السلعية الأخرى بدرجة أقل، وفي القطاعات الخدمية بدرجة متدنية. وتستعرض الدراسة السياسات التنموية اللازمة لمعالجة الحالة الريعية في الإقتصاد العراقي. ثم تقدم نقدا موضوعيا للسياسات النفطية المتبعة بما فيها العقود النفطية المبرمة، سواء من قبل الحكومة الإتحادية، او من قبل حكومة إقليم كردستان في شمال العراق، لتبين أن طبيعة هذه العقود سوف لاتعالج الحالة الريعية في الإقتصاد العراقي بصورة مهمة. و لتخلص بعد ذلك الى إستنباط حزمة السياسات النفطية التنموية الشاملة لكل الإقتصاد العراقي، كما لتبين التعديلات والتصويبات المطلوبة لجعل العقود النفطية في خدمة التنمية وليس فقط لتعظيم تصدير النفط الخام وحده، و لتربط نشاطات إستخراج النفط الخام بالحاجات الماسة لتنمية القطاعات غير النفطية، وهي بالأساس قطاعات الزراعة والصناعة والنقل والمواصلات وبقية القطاعات السلعية، ثم القطاعات الإنتاجية الخدمية. مما يستلزم وجود قانون شامل للنفط والغاز، وحزمة قوانين تنموية أخرى. وتأسيسا على ما سيُعرض من تحليلات موضوعية سيجري إستنباط الشعارات والمطالبات السياسية التي سيتبناها التيار الديمقراطي من خلال نضاله السياسي الديمقراطي اليومي، سواء كان ذلك من خلال المعارضة السلمية أو من خلال البرلمان، او من خلال التأثير على سياسات وقرارات الحكومة الإتحادية.

•1. أهمية قطاع النفط الإستخراجي في الإقتصاد العراقي؛

في أربعينات وخمسينات القرن الماضي كان قوام الإقتصاد العراقي يستند الى النشاط الزراعي، إذ لم يلعب تصدير النفط الخام دورا مهما في ميزانية الحكومة حتى منتصف الخمسينات، حين فرضت الحكومة على شركات النفط الأجنبية، ال IPC وشركائها التي إحتكرت إمتيازات إستكشافات النفط وإستخراجه وتصديره لمدة 75 عاما على كامل مساحة العراق البالغة حوالي 430 ألف كيلومتر مربع، فرضت عليها نظام تقاسم الأرباح، تاركة لها أن تقرر هي كم هو مقدار الأرباح المتحققة! ولكن بعد سقوط النظام الملكي في عام 1958، أصدر النظام الجمهوري تحت إدارة الزعيم عبد الكريم قاسم، القانون رقم 80، القاضي بإلغاء الإمتيازات عما يزيد على 99% من الأراضي الممنوحة للشركات والتي لم تستغلها على مدى 50 عاما تقريبا. وبعد سقوط نظام قاسم، عمل النظام العارفي اللاحق على تأسيس شركة النفط الوطنية للقيام بإستخراج النفط مباشرة، وكانت تلك خطوة متميزة للأمام، ولكن بعد مجئ نظام حزب البعث العربي الأشتراكي بعد إنقلاب ثان في عام 1968، قام، بعد إستقراره، وبعد تنشيط شركة النفط الوطنية، بتوسيع نشاط الإستكشاف عن النفط الخام، مما أدى الى رفع الإحتياطات النفطية المؤكدة من 36 مليار برميل الى ما يزيد على 75 مليار برميل، بل صعد الإحتياطي النفطي المثبت الى 115 مليار برميل، ولكن الدراسات الحديثة تقدره بأكثر من 200- 300 مليار برميل. وبهذا نجد أن إحتياطي النفط العراقي المقدر حاليا هو بحدود 135 مليار برميل، وهو الثاني من حيث الحجم بعد السعودية، وقد يتجاوزها ليصعد، حسب بعض التقديرات، الى 400 مليار برميل، بما يجعله يشكل ما يزيد على ربع الإحتياطي العالمي، كما يضعه بعض تقديرات وكالة الطاقة الدولية، (انظر المراجع). من هنا ندرك الأهمية الكبرى لقطاع النفط الإستخراجي في العراق الذي بات يلعب دورا محوريا في توفير العوائد المالية لميزانية الحكومة، بل واصبح المحرك الأساسي للإنفاق الحكومي وللإستخدام والإستثمار، وخصوصا بعد تأميم شركات النفط في عام 1972. بل ويمكن القول ان الإعتماد المتزايد على هذا القطاع الإقتصادي وحده دون غيره أضحى يشكل مرضا مزمنا في صحة الإقتصاد العراقي، كما صار يعرّض الإقتصاد العراقي الى تقلبات أسعار النفط في السوق العالمية.

وبغض النظر عن خلفيات التطورات التي جرت على ملكية هذه الثروة الوطنية و/أو السياسات التي تبنتها إدارتها، لننظر الى أهمية قطاع إستخراج النفط الخام في حصيلة الإقتصاد الوطني، كما تتجلى حاليا من أرقام الحسابات الإقتصادية الحديثة. (1) فلدينا حاليا عدد سكان العراق الذي يقدر بحوالي 33 مليون شخص في عام 2011، وبمعدل نمو سنوي يقارب ال3%. وتشكل صادرات النفط الخام ما يقارب ال 56% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2008، حسب التقديرات الرسمية الوارده في المجموعة الإحصائية لعام 2011-2010 بالأسعار الجارية، اما بالأسعار الثابتة لعام 1988، فتقل النسبة الى 45%. كما تشكل الصادرات من النفط الخام أكثر من 99% من مجموع الصادرات، وبهذا صارت تشكل العوائد من تصدير النفط الخام أكثر من 95% من ميزانية الدولة، بل هي أصبحت تشكل 98% من الميزانية التقديرية للدولة لعام والبالغة 100 مليار دولار 2011.(2)

وبالمقارنة حتى مع الدول الخليجية النفطية التي إبتدأت صناعاتها النفطية بعد العراق ببضعة عقود، نجد أن هذه النسب أقل من العراق بكثير، مما يدل على أنها، في الأقل إستطاعت تنويع إقتصاداتها، أو أنها تحاول ذلك، على الرغم من شحة مواردها غير النفطية، كي تكسر أحادية القطاع النفطي الإستخراجي ولو بدرجات متواضعة. ( أنظر المجموعات الإحصائية لدول مجلس التعاون الخليجي).

إن أحادية الإقتصاد العراقي تعني عدم توازنه، فمن جهة، تمثل العوائد من تصدير النفط الخام المصدر الرئيسي لتمويل نشاطات الحكومة وميزانياتها المخصصة للأستهلاك والإستثمار، فتصبح هي مصدر للتوظيف ولتوليد دخول العاملين، بينما لا تشكل القطاعات غير النفطية، من جهة أخرى، إلا مصدرا ثانويا وليس رئيسيا لهذا الغرض؛ ومن هنا توصف الإقتصادات التي تتسم بهذه الظاهرة بأنها في حالة ريعية، كما سنبين في الفقرة اللاحقة.

2 . الحالة الريعية للإقتصاد العراقي والسياسات التنموية اللازمة لمعالجتها ؛

أ-الحالة الريعية:

تتجسد الحالة الريعية في الإقتصادات التي لديها قطاع واحد واساسي، تتمتع منتجاته بطلب غير مرن في السوق العالمية، مقابل قطاعات أخرى غير متطورة وذات إنتاجية متدنية ولكنها مصدر للعمالة الواسعة التي لاتحصل إلا على أجور متدنية هي الأخرى. وبينما يشكل القطاع الريعي مصدرا للعوائد العالية، فإنه يستخدم تكنلوجية تقوم على إستخدام رأس المال المكثف، مما يجعله خفيف الإستخدام للقوة العملة والتي تتمتع، عادة، بإجور أعلى من تلك التي يتقاضاها نظرائهم في القطاعات الأولية ذات الإنتاجية المتدنية. والقطاع الريعي هو الذي ينتج منتجات نادرة نسبيا، و آيلة للنضوب، كالنفط والغاز، بالمقارنة مع القطاعات التقليدية ذات العمالة الواسعة والإنتاجية الواطئة. فقطاع إنتاج النفط الخام هو أبرز الأمثلة على القطاع الريعي، والقطاع الزراعي هو المثال البارز للقطاع غير المتطور والذي لا تتمتع منتجاته بندرة نسبية مرتفعة في السوق العالمية. ويصح القول ان كافة القطاعات غير النفطية تتسم بسمة التخلف بالمقارنة بالقطاع النفطي الريعي. وفي حالة الإقتصاد العراقي نجد أن هذه السمات العامة للمفارقة بين القطاع النفطي والقطاعات غير النفطية منطبقة تماما. ويترتب على هذه الإزدواجية أو الأحادية في الإقتصاد الريعي العراقي عدد من الخصائص غير المتسقة مع شروط التنمية الإقتصادية المستدامة، كما تعكس بعض الظواهر أو الآثار الضارة من النواحي السياسية والإجتماعية، نوجزها أدناه:

•1- أن الإقتصاد الوطني يعتمد إعتمادا يكاد يكون تاما على الريوع المتأتية، من خلال قطاعه النفطي الإستخراجي الآيل الى النضوب، من العالم الخارجي، و لا يتماهى أي قطاع آخر غير نفطي مع ذلك القطاع الريعي في الحصول على عوائد من العالم الخارجي.

•2- أن القطاع النفطي الريعي يستند الى تكنلوجية عالية رأس المال، ولا يستخدم سوى عمالة خفيفة لتحقيق الإنتاج، مما لا يجعله مصدرا لتشغيل عمالة واسعة. بينما في القطاعات غير النفطية، والنشاط الزراعي في مقدمتها، فهي تعتمد عمالة كثيفة ولكن بإنتاجية متدنية، مما يجعل الأجور والدخول المتحققة هنا بمستوى الكفاف، بالمقارنة مع الأجور التي يتقاضاها العاملون في القطاع النفطي.

•3- وبما أن القطاع النفطي هو ملكية عمومية، تصبح الحكومة هي المستلم الأساسي للريوع أو العوائد الكبيرة الناشئة عن صادرات النفط و/او الغاز، وبالتالي فهي سوف لاتعير إهتماما لإيجاد مصادر أخرى لدخلها، اي سوف لاتحتاج أن تفرض ضرائب ورسوم بقدر مهم على السكان، مما يجعلها بغنى عن حاجتها الى الناس. بل هي ستصبح مصدرا لتوظيف أو طرد من تشاء في مؤسساتها المختلفة.

•4- ويترتب على ذلك هو أن تصبح الحكومة تسلطية وتعسفية، وقادرة على فرض إملاءآتها على الشعب، فلديها القدرات المالية والتوظيفية، ولديها القدرات على التأثير على الشعب، وعلى محاباة وإرشاء مؤيديها السياسيين، وبالتالي سوف تعمل على إفساد أي نظام ديمقراطي قد تدعي أنها تقيمه في البلاد. بل ويمكن القول بأن نظاما كهذا يوّلد "عقلية ريعية" او/و سلوك تسلطي وإستبدادي، كما شهدنا بوضوح من تأريخ العراق خلال نصف القرن الماضي. (3)

 

وبموازاة النظام الريعي غالبا ما تنشاء ظاهرة تُسمى بظاهرة "المرض الهولندي". وتُفسّر هذه الظاهرة العلاقة التي تنشا عن حالة الزيادة في تطوير إستغلال الموارد الطبيعية، كالنفط و/ او الغاز مقابل إنحسار وتدهور في النشاطات التصديرية الأخرى، كنشاط الصناعة التحويلية. وقد حصلت هذه الحالة بوضوح عندما تم إكتشاف وإستغلال موارد غازية هائلة على سواحل بحر الشمال في هولندة في عام 1959. فأدى الأمر الى إرتفاع سعر صرف "الكلدر" وهو العملة الهولندية، وهذا أدى بدوره الى إرتفاع أسعار المنتجات الصناعية الهولندية في السوق العالمية، أي أخرجها من دائرة التنافسية، فإنعكس الأمر في نتائج الميزان التجاري الهولندي، حيث تحقق سيل كبير من الفوائض من مورد أحادي على حساب عجز من تجارة بقية القطاعات. ويمكن تعميم الحالة بأنها تحصل حينما يتحقق تدفق كبير في الميزان التجاري لأية دولة نتيجة حصولها على فوائد تجارية مقارنه في أحد مواردها، فيرتفع سعر صرفها، وتضعف تنافسية منتجاتها من القطاعات الأخرى، ما لم تتبع سياسات مالية ومصرفية محددة. والحقيقة هي انه في هذه الحالة يتوجب على الدولة للخلاص من "المرض الهولندي"، أن تتبع عددا من السياسات المالية والنقدية والسياسية والإقتصادية/ الإجتماعية؛ ومنها العمل على دعم وترويج وتخفيض كلفة السلع الصناعية وغير النفطية المصدرة، كما قد يقتضي الأمر تخفيض سعر صرف عملتها. ويقتضي الحال تجنب الإسراف في الإنفاق الإستهلاكي، وتوجيه الفوائض الى إستثمارات بعيد المدى. كما ينبغي تحاشي السقوط في مهاوي التعسفية واللاديمقراطية، وعدم التغاضي عن أهمية تمكين الشعب من السيطرة على موارده الطبيعة وزيادة مشاركته في إدارة الإقتصاد والبلاد.

ب- السياسات التنموية اللازمة لمعالجة الحالة الريعية للإقتصاد العراقي:

عرضنا طبيعة الحالة الريعية وما يرتبط بها من ظواهر الإختلال الأخرى من الناحية التجريدية العامة، ويمكن إقتراح الحلول من الناحية التجريدية أيضا. ولكن، لغرض تخصيص الحالة، كما هي في واقع الإقتصاد العراقي، ينبغي دراسة خصوصية هذا الإقتصاد، من جهة، وتقديم نقدا موضوعيا للسياسات المتبعة فعلا من قبل الحكومة العراقية، من جهة ثانية، لنخلص بعدها الى معالجات تتعلق في الواقع العراقي وليس بغيره. وقبل أن نغور في هذا المجال دعنا نبين، تجريديا أولا، الشروط اللازمة لمعالجة الظاهرة الريعية عموما، ومن ثم نربطها بالحالة العراقية ثانيا.

في ضؤ ما تقدم، يبدو واضحا بانه من أجل الخلاص من حالة الريعية والتبعية للتجارة الخارجية، ولتجاوز حالة الإختلال واللاتوازن في طبيعة النشاطات الإقتصادية، النفطية مقابل غير النفطية، لابد من تبني سياسات إستراتيجية لتنمية القطاعات او النشاطات غير النفطية على حساب القطاع أو النشاط النفطي الإستخراجي، ولكن ليس الصناعات النفطية المشتقة أو الداون ستريم. وهنا يعتمد نجاح هذه السياسة على مقدار النجاح في توظيف الفوائض من صادرات النفط الخام للتنمية والإستغلال، وذلك لتعظيم الإستثمار في القطاعات غير النفطية، في الزراعة والصناعة والصناعات النفطية المشتقة، وفي قطاع الكهرباء وقطاع النقل والمواصلات بصورة أساسية. اي أن يكون الهدف من زيادة الفوائض من تصدير النفط الخام هو لتعظيم الإستثمار في القطاعات غير النفطية، وخصوصا السلعية منها، وليس من أجل الإستهلاك الخاص والحكومي، وما يصاحبهما، عادة، من هدر وسؤ إستغلال. عندئذِ سوف لا يكون الهدف هو لمجرد تعظيم حجم صادرات النفط للخارج بقدر ما يكون ذلك لحشد مواردها للتوظيف في القطاعات غير النفطية، حتى ولو كان ذلك على حساب تقليص ما يصدر من النفط الخام للخارج، وذلك مقابل تحويل نسب متعاظمة منه للإستهلاك الداخلي في القطاعات الأخرى من الإقتصاد العراقي. هذه الإستراتيجية بحاجة الى بلورة وقياس حسب التشخيصات الدقيقة لحالة الإقتصاد العراقي.

ينبغي وضع الدراسات التي تشخص حالة العرض القائم والمحتمل للنفط الخام والغاز مقابل كل من، الطلب العالمي، ( من أجل تعظيم الفوائض)، والطلب المحلي، (من أجل تعظيم الإنتاج غير النفطي المحلي)، وذلك بحساب معدلات نمو متوسطة وبعيدة المدى ، مع الترجيح لجعل معدلات النمو في القطاعات غير النفطية مساوية أو أعلى من معدلات نمو الصادرات من النفط والغاز المصدرين للخارج.

كما ينبغي حساب عوائد الإستثمار في كل من القطاع النفطي الإستخراجي، مع ضمان القدرة على التحكم بها من خلال إحكام سيادة الشعب على ثرواته النفطية والغازية، من جهة، مقابل العوائد المتوقعة من نمو القطاعات غير النفطية، وذلك من أجل موائمة الإستثمار وعوائده وآجالها الزمنية، مع العوائد من النمو في القطاعات غير النفطية، من جهة أخرى. وبطبيعة الحال، هذا الجانب وغيره مما سيرد في التصور التجريدي لإستراتيجية النمو العليا هنا ينبغي أن يُترجم الى خطة وطنية شاملة للتنمية المستدامة، بحيث يصبح الهدف البعيد هو أن حاصل النمو التراكمي في القطاعات الدائمة غير النفطية سيحل محل حصيلة النمو في القطاع النفطي الإستخراجي وعوائده بعد نضوبه تدريجيا ، أي أن يكون هناك تصور واضح لكون القطاع النفطي الإستخراجي قد ينضب ويفقد قيمته خلال العقود الزمنية القليلة الباقية من عمر الصناعة النفطية الإستخراجية.

ولمعالجة آثار "المرض الهولندي"، بتوجب وضع السياسات المالية والنقدية والمصرفية والتجارية من أجل مجابهة معضلة سعر الصرف العالي المحتملة التي قد تجابه الصادرات العراقية غير النفطية، وخصوصا الصناعية، في حالة إرتقائها على وفق الخطط الزمنية التنموية التي يتحتم وضعها مركزيا لجمهورية العراق الإتحادية.

 

3 . نقد السياسات النفطية، ومنها عقود النفط المبرمة في العراق ودورها في إدامة الحالة الريعية؛

ألف؛ الخلفية العامة وخصوصية الصناعة النفطية؛

السياسات النفطية المقصودة هنا هي السياسات المتبعة خلال العقد الراهن، اي لما بعد سقوط النظام السابق في عام 2003. وقبل المباشرة في بحثها نقديا، يتوجب أن نشخص خصوصية صناعة النفط الإستخراجية في العراق ومزاياها النسبية، و ما يحيطها من ظروف وعوامل.

تعتبر صناعة إستخراج النفط في العراق من أقدم الصناعات في الشرق الأوسط، حيث بدأ إستخراج النفط من الحقول الشمالية في كركوك في منتصف عشرينات القرن الماضي، وبدا النفط يتدفق ويُصدّر الى أوربا في عام 1927، وذلك بعد تأسيس شركة النفط العراقية، IPC وحلفائها الثانويين. والأخيرة جاءت في أعقاب شركة النفط التركية التي حصلت على إمتيازاتها للتنقيب عن النفط من السلطان العثماني قبل الحرب العالمية الأولى، في كامل مساحة العراق بولاياته الثلاث ولمدة 75 عاما. ولما اتضح أن النفط يتوفر بغزارة أكثر في وسط وجنوب العراق، توسّع الكارتيل الإحتكاري البريطاني، فأقيمت كل من شركة نفط الموصل وشركة نفط الجنوب، ودخلت شركة شل الهولندية وشركة النفط الفرنسية وشركة أكسون الأمريكية، كشركاء ثانويين لشركة ال بي بي، BP، شركة النفط البريطانية، صاحبة الإمتيازات الأصلية. ومنذ ثلاثينات القرن الماضي أقامت شركة نفط العراق شبكة واسعة من أنابيب النقل لتصدير النفط الخام من ميناء العمية والفاو في فوهة الخليج العربي جنوب البصرة، وأقيمت لاحقا خطوط أنابيب تمتد الى بانياس في سوريا والى حيفا في فلسطين قبل الإحتلال الإسرائيلي، حيث توقف هذا الخط بعد ذلك. ولكن جرى توسيع هذه الشبكة في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، وذلك بمدّ أنابيب تصل شمالا الى تركيا في ميناء جيهان المطل على بحر الخزر، كما مُدّت جنوبا الى ميناء نويبع في السعودية. وعملت هذه المنظومة من الأنابيب على تسهيل وصول النفط الخام الى بقية العالم عبر بحار الأبيض المتوسط والخزر والأحمر والخليج العربي، وذلك فضلا عن إستخدام الشاحنات البرية حينما يتوقف إستخدام بعض الموانئ المطلة على البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر لإسباب سياسية، كما حصل أثناء وبعد حرب الخليج الثانية في أعقاب إحتلال الكويت.(4)

ومن أجل أعطاء فكرة عن حجم الثروة النفطية والغازية في العراق، سنستند الى ورقة بحث السيد طارق شفيق المدير العام السابق والمؤسس لشركة النفط الوطنية، حيث نقتبس المعلومات الآتية؛ ان عدد الحقول النفطية المكتشفة يبلغ 80 حقلا، لم يُوضع سوى 17 منها للإستغلال حتى الآن، اما البقية فجاهزة للحفر. كما ذكر السيد شفيق بأن الإحتياطات المؤكدة من النفط الخام قدرتها بعض الجهات ب 145 بليون برميل، لم يُستغل منها حتى عام 2007 سوى 30.5 بليون برميل، ولكنه يعتقد ان الإحتياطات المقدرة، بتحفظ، فهي تبلغ 115 مليار برميل، وهناك من يقدرها ب 215 مليار برميل، بينما تضعها جهات أخرى ما بين 300 مليار الى 400 مليار برميل.(5) وترى مصادر متخصصة أنه بمعيار كلفة إنتاج الوحدة الواحدة من النفط الخام، فإنها الأدني في العالم كله. ولو قارنا هذه الكلفة مع الصناعة النفطية الإستخراجية في روسيا، لوجدناها في الأخيرة أعلى مما هي في العراق بسبعة أضعاف! (6)

الى جانب النفط، تضم الحقول المختلفة كميات ضخمة من مصادر الغاز، فقد ذكر السيد شفيق تقديرا بحدود 3100 مليار متر مكعب من الغاز؛ 20% منه بصورة منفصلة او حرا، و9% هو غاز القبة أو غاز الكاب، و71% هو الغاز المصاحب أو المختلط مع النفط. ولكن الثروة الغازية لم تستغل بعقلانية لسؤ حظ البلاد، بل بكثير من الجهل والتبذير، حيث كان معظم الغاز المصاحب يُترك ليحترق، مشكّلا بذلك مشاعلا دائمية في الحقول النفطية، ولعلها مشاعل الإستهتار بثروات البلاد، كما كان يقول السيد إبراهيم علاوي في كتاب له بهذا الخصوص صدر قبل ما يزيد على أربعين عاما.(7)

في ضؤ ما سبق، يمكن القول أن الثروة النفطية والغازية في العراق تضعه كأهم منتج وعارض للنفط وربما الغاز أيضا في العالم، هذا إذا ما عرفنا بأن معظم الدول النفطية المنتجة تقارب ذروة إنتاجها بالمقارنة مع حجم إحتياطياتها، أما إنتاج العراق من النفط الخام فمنذ بدايته حتى 1/1/2007، لم يشكل 3% من إنتاج العالم برمته، بينما يشكل حجم إحتياطياته المقدرة بتواضع، 115 مليار برميل، ربع الإحتياطي العالمي. والعراق لم يصل في إنتاجه الى أعلى من نسبة 26% من إلإنتاج الى الإحتياطي، بينما تبلغ هذه النسبة عدة أضعاف في دول نفطية أخرى، وحتى لوقارناها مع السعودية ودول الخليج الأخرى وأيران. (نفس المرجع السابق). ولكن العراق لم يتمكن من مضاعفة إنتاجه، إذ ان إحتياطياته المتاحة تمكّنه من إنتاج 10 مليون برميل يوميا بدون الحاجة الى إستغلال حقوله الجاهزة الأخرى. وعلى أية حال، أن أقصى إنتاج يومي للنفط بلغ في النصف الثاني من السبعينات حوالي 3.5 برميل يوميا، ولكنه إنتكس في بداية الثمانينات، بعد تورط العراق في حرب مع إيران لمدة ثمان سنوات، ثم إرتكبت قيادته الصدامية، بعد إنتهاء الحرب مع إيران بخسائر كارثية، إرتكبت حماقة غزو الكويت، لتُهزم بعد ذلك ومن ثم ليُفرض حصار كامل على البلاد لمدة 13 عاما، أي منذ عام 1991 لغاية الغزو الأمريكي في عام 2003. فخلال هذه المدة لم يتمكن العراق من أن يصدر، كمعدل، أكثر من مليون برميل يوميا. وكل هذا عرّض الإقتصاد للضعف والتآكل، فعانى العراقيون، عموما، شظف العيش في حياتهم لأكثر من عقد من الزمان. ولا شك فإن الهيكل الأحادي غير المتوازن للإقتصاد العراقي وعدم تنوّعه، اي إعتماده المفرط على تصدير النفط، أدى الى تلك النتائج الماساوية. لقد عانت منظومة الأنابيب النفطية والحقول النفطية من الإهمال والتردي طيلة هذه المدة. وحتى بعد سقوط النظام السابق، وتحت الإحتلال الأجنبي وبعد رحيله، تعرضت شبكة الأنابيب لتخريبات مستمرة، كما تضررت جزئيا بعض الحقول النفطية. وترواح الأنتاج النفطي اليومي خلال المدة من 2003 الى 2010، مابين 1.6-1.8 مليون برميل يوميا، ولكنه إرتفع الآن في عام 2012 الى حدود ال 2.4 مليون برميل يوميا، وذلك بعد العقود الضخمة التي منحت الى عدد من الشركات النفطية الأجنبية لزيادة الإنتاج، بهدف إيصاله الى 12 مليون برميل يوميا خلال ست سنوات قادمة. وسندرس أبعاد هذا الموضوع، عند مناقشة السياسات النفطية لاحقا.

باء- نقد السياسات النفطية؛

ان الثروات النفطية والغازية والمعادن المكمنية الأخرى هي ملكية عامة للشعوب المالكة لإوطانها، وذلك بموجب معظم دساتير العالم، فللشعوب سيادة كاملة على جميع ثرواتها الطبيعية ضمن أراضيها الدستورية. وبطبيعة الحال، تؤول أدارة هذه الموارد الى الحكومة العامة الممثلة لكل الشعب في جميع أراضيها الدستورية. وإذا كان هناك إشراك ديمقراطي للشعب لممارسة سيادته على ممتلكاته الطبيعية، فذلك يتم عن طريق آليات للتشاور والتنسيق مع الشعب من خلال حكوماته المحلية ومجالسه الوطنية وهيئاته المدنية، فضلا عن وجود الرقابة المركزية للبرلمان الذي تقع مراقبة جميع تصرفات الحكومة بالنيابة عن الشعب ضمن واجبه الدستوري. ولزيادة الرقابة ولتعميق الشفافية قد تقام مجالس رقابية أو إستشارية للنفط والغاز. ولكن في غياب هذه الآليات تميل الحكومة للتصرف بالموارد النفطية والغازية الناضبة وفقا لمصالحها وشهواتها التسلطية؛ وكثيرا ما ينشأ هذا الوضع في الأنظمة التي تغيب عنها الأطر السياسية الديمقراطية، فتتصرف الحكومة بالعوائد الريعية لضمان مصالحها ولفرض هيمنتها السياسية، تاركة الهدف الرشيد لإستغلال هذه الموارد الناضبة لتنمية القطاعات غير النفطية ذات الطبيعة الدائمة، وبما يضمن تحقيق تنمية مستدامة لصالح الأجيال القادمة، وليس فقط لصالح الجيل الحاضر. ولونظرنا الى السياسات النفطية في العراق في ضؤ هذا المنظور العام، لوجدنا أنها متأثرة بإتجاهين؛ الأول، هو الإتجاه المركزي في إدارة الموارد النفطية، والثاني هو الإتجاه اللامركزي في إدارتها. يُعزى كل الفشل في الإستفادة من القطاع النفطي الإستخراجي خلال جميع الحقب الماضية، وخصوصا منها حقبة نظام صدام الدموي التي دامت لما يزيد على ثلاثين عاما، يُعزى الى إستبدادية السلطة ومركزيتها الشديدة وتجاهلها للحاجات التنموية الحقيقية في البلاد، فضلا عن عدم الأكتراث للرأي العام وللحاجات التنموية الملحة الخاصة بالمناطق الجغرافية و الأقاليم التي تشكل البلاد. وعلية، تُتهم النظم المركزية بالفشل في إدارة السياسات النفطية. والحقيقة هي ان غياب الديمقراطية وآلياتها التشاورية، وليس النظام المركزي في رسم السياسات العامة هو المسؤول عن الفشل، ففي العالم نظم مركزية عديدة في إدارة الثروات العامة، ولكنها ناجحة في إدارتها، وذلك بسبب ترسّخ النظام الديمقراطي وآلياته التشاورية والرقابية. فالعيب ليس بالنظام المركزي، كنظام كفؤ في إتخاذ القرارات، إنما العيب في تشويه الديمقراطية وتضليل وسائلها وآليات التشاور والرقابة المفروض أن تلازمها. تتسم النظم المركزية الديمقراطية التشاورية بكفاءة عالية في رسم الخطط التوجيهية وفي متابعة تنفيذها، بما يفضي الى سرعة الإنجاز وتقليل التكاليف، لأنها تستطيع تعبأة وترشيد إستخدام الكفاءآت وضمان حسن توظيفها.

اما في حالة النظام اللامركزي في إدارة الثروات الوطنية التي تعود بملكيتها لكل الشعب وليس لسكان منطقة معينة منه، فالعيب مرة اخرى هو في مفهوم النظام اللامركزي المطبق وآلياته. والحالة هنا أن النظام اللامركزي يقوم على التشاور، و الإستقلالية للمناطق والأقاليم لأن تتولى ذلك الجزء من الوظائف التي تضطلع هي بها بكفاءة أكثر من المركز. وفي مجال إستغلال موارد تعود للشعب ككل وليس حصرا بجزء منه، فثمة عوامل كثيرة، منها ترشيد الخبرات، ومنها شمولية التخطيط والتوزيع بدون إنحياز مناطقي، ومنها وأهمها القدرة على تقليل التكاليف، كل هذه العوامل الإيجابية، تجعل التطبيق العقلاني لنظام اللامركزية يقوم على التشاوروالتنسيق أولا، ثم ترك المهمات ذات الخصوصية المحلية للمناطق أو الأقاليم ثانيا، بينما تترك للسلطات المركزية مهمات تنظيم الأنتاج وعقوده والتسويق والإستثمار؛ وكلها عوامل مهمة في ضمان جعل المنافع تعم الشعب كله وليس جزء منه. ومن هنا نلاحظ سؤ الفهم في تطبيق نظم إدارة الحقول النفطية لدي سلطة إقليم كردستان. وعليه يبدو ان هناك حاجة الى نظام يجمع ما بين المركزية واللامركزية بتوازن دقيق و محسوب.

و نلاحظ هنا أيضا خطل الدعوات التي أطلقها حاكم الإحتلال الأمريكي بريمر لتخصيص قطاع النفط الإستخراجي، وأيده فيها العديد من النخب والعناصر التي وفدت مع الإحتلال لتقود العملية السياسية، إذ يتضح جليا أن الموارد النفطية والغازية هي ثروة عامة وهامة وناضبة، وانه لا يمكن إدارتها بكفاءة وبآليات تنظيمية وتنسيقية بدون إشراف وتوجيه وسيطرة حكومية بالنيابة عن الشعب، على أن تأطر بنظام ديمقراطي وتُنظم بآليات تنسيقية شفافة، تمزج بحصافة ما بين النظامين المركزي واللامركزي.

 

1- في نقد مركزية ولامركزية إدارة حقول النفط والغاز:

لو تمعنا في النظر في حالة إدارة السياسات النفطية، كبداية، لوجدناها تتخبط من ناحية تولي المسؤوليات عن إدارة هذه السياسات ما بين المركز والأقليم، باعتباره جزء من العراق الإتحادي، ومرتبط به فدراليا، وعليه فالإقليم هو منطقة جغرافية لها خصوصيتها القومية وتتمتع بدرجة عالية من الإستقلال الذاتي. ولكن فيما يخص الموارد النفطية والغازية، فلحكومة الإقليم وممثليه حق التشاور والرقابة، وليس إدارة إنتاج النفط ووضع عقود لإستخدام الشركات الإجنبية لإستخراج النفط بمعزل عن الحكومة الإتحادية، وذلك للأسباب الأساسية الآتية؛

أولا، انه بموجب المادة 111 من الدستور فإن ملكية النفط والغاز، بل وكافة الموارد الطبيعية، هي ملك لجميع العراقيين، بما فيهم الكرد من سكان الإقليم، وعليه يتوجب جعل إدارة إنتاج النفط والغاز، وإرساء شروط العقود وإدارتها للحكومة الفدرالية، ذلك لأن إدراتها مباشرة من قبل حكومة الإقليم بدون التشاور مع الحكومة المركزية الإتحادية يُعتبر مناقضا للدستور، اي هو عمل غير دستوري.

ثانيا، تبيح المادة 112 من الدستور وضع قواعد للتشاور والتنسيق مع الإقليم ومع أية محافظة تتوفر فيها موارد النفط والغاز وغيرهما من الموارد الطبيعية؛ وهذا ما لم يحصل في حالة إقليم كردستان.

ثالثا، لضمان مصلحة الشعب العراقي ولتحقيق أقصى المنافع له، يجب أن تُرسى العقود على أساس أنها ضامنة لسيادة الشعب على موارده، إذ لايجوز إدخال أي شريك أجنبي في ملكية الثروة النفطية والغازية، لأنها ملك الشعب جميعه، ولا تخص سكان منطقة معينة، مادامت جزء من العراق، أي هي غير مستقلة أوتعود لدولة أحنبية، فهل كردستان دولة أجنبية؟ ثم أن العقود الأربعين أو الخمسين التي عقدتها حكومة الإقليم مع شركات نفطية أجنبية من الدرجة الثانية، هي عقود إمتيازات وليست إستثمارات متكافئة، إذ هي قامت على اساس المشاركة في الإنتاج، مع عائدية تصل الى 60% من االأرباح تؤول للشركات الأجنبية، وهذا يعني تسليم النفط لصالح شركاء أجانب، مما يخالف الدستور، من جهة، ويتناقض ليس فقط مع مصالح الشعب العراقي، إنما أيضا مع مصالح الكرد أنفسهم في الإقليم، من جهة أخرى. ان إجراءا كهذا سيضر ضررا جسيما بوحدة السياسات النفطية في البلاد وسيرفع التكاليف، ويؤدي الى سؤ إستغلال هذه الموارد الناضبة والنادرة، ليس فقط في الإقليم وإنما في بقية العراق. وتجسد هذا الأمر بشكل جلي هو عندما لجأت حكومة الإقليم الى إصدار قانون للنفط والغاز خاص بالإقليم وبدون تشاور مع الحكومة الإتحادية، وهو قانون يكرس نظام المشاركات في الإنتاج الذي يتماهى مع نظم الإمتيازات الإستعمارية التي عافتها أبسط الشعوب اليوم. والحقيقة أن نظام المشاركات لم يتبع إلا في الدول ذات الحقول المشكوك في وجود النفط فيها، وحين لا تملك الحكومات الداعية لها أية موارد لتطويرها إطلاقا. فكيف بنا الحال، وحكومة كردستان تدعو شركات لإدارة حقول مكتشفة ومؤكدة في إنتاجها، مع قلة المخاطر التي تعتريها!

2- عقود النفط المبرمة مع الشركات الإجنبية لزيادة الإنتاج؛

ولعل من أهم السياسات النفطية التي تبنتها وزارة النفط المركزية وصادق عليها مجلس الوزراء هي تبني إسترتيجية لزيادة سقف الإنتاج من النفط الخام، والعمل على إستغلال الغاز المهدور. ولهذا الغرض عملت، وبمساعدة مشورة أجنبية الى وضع مسودة قانون للنفط والغاز في نهاية عام 2006. ولكن تلك المسودة المعروفة كانت تدعو الى إقامة نظام مشاركات مع شركات النفط الكبرى الأجنبية، وهو نظام يشبه نظام الإمتيازات الذي كان يمنح للشركات الإستعمارية، كما كانت تفتقد الى آليات واضحة حول كيفية إحكام الرقابة على قرارات الحكومة المركزية، ولا لبيان اسس التنسيق مع المحافظات والإقليم لإدارة العمليات الإنتاجية والتوزيعية، ما عدا الإشارة الى إقامة مجلس اعلى للنفط بصفة إستشارية، على أن يشكل بأسلوب المحاصصة والنسب، وعلى غرار نظام الحكم المركزي. وتعرضت المسودة حينها الى إنتقادات شديدة وجرى سحبها، فلم تُقدم للبرلمان لتشريعها، (انظر بهذا الخصوص في بعض دراساتنا ودراسات خبراء مختصين آخرين- في المراجع).

وبعد تراجع الحكومة عن المضي بتشريع مسودة قانون النفط والغاز في عام 2007 من خلال البرلمان، إنتهجت وزارة النفط منهجا آخر، وهو الركون الى قوانين النفط والغاز الصادرة إبان النظام السابق، وفي مقدمتها قانون الحفاظ على الموارد الهيدروكربوهدرتية رقم 84 لعام 1985 وقوانين أخرى سابقة، وذلك من أجل دعوة الشركات العالمية النفطية الى الدخول في مناقصات من أجل العمل على زيادة إنتاج النفط في بعض أهم الحقول النفطية العاملة والتي يقل حجم إنتاجها عن حجم إحتياطياتها الضخمة المؤكدة بكثير، مثل حقلي الرميلة الشمالي والجنوبي وحقل الزبير، وهي حقول عاملة، الى جانب حقول أخرى جاهزة وليست عاملة بطاقة مهمة، مثل حقل مجنون ذي الإحتياطيات الهائلة، وحقل الحلفاية وغيرها، وذلك عن طريق عقود سميت بعقود الخدمة الفنية، TSC.

لقد أُعدّ الكثير من الدراسات والمقالات النقدية لهذه العقود، من ضمنها ما لا يقل عن خمسة بحوث أعدها هذا الباحث، ولكي لا نغرق في التفاصيل الفنية، نحيل القارئ الذي يرغب بالإطلاع على التفاصيل الى المراجع. وعليه سنوجز عرضنا كالآتي؛

أولا؛ نشير بإختصار الى حجم الحقول المحالة وشروط العقود الظاهرة وليست المخفية؛

ثانيا؛ نلخص أهم الإنتقادات الموجهة لهذه العقود؛

ثالثا؛ ثم نشير الى المشاكل الهيكلية في إدارة إنتاج النفط من قبل وزارة النفط الفدرالية والشركات التابعة لها، مما يعكس عدم كفاءة الحكومة العراقية في إنجاز سياسة نفطية لصالح التنمية المستدامة في العراق:

 

أولا؛ عُقدت جولتان لمنح التراخيص الى عدد من شركات النفط العالمية، الأولى في كانون أول من عام 2009، والثانية في مايس من عام 2010، على أن تليها جولة ثالثة، ولعل الجولة الأولى هي الأهم وسنقيم نقدنا على أساسها. أُحيلت في هذه الجولة أضخم الحقول التي كان معظمها منتجا، وتقدر إحتياطياتها ب 43 مليار برميل. والحقول التي أحيلت لغرض زيادة الإنتاج الى ما يصل، بعد ست سنوات، الى 12 مليون برميل يوميا. وأرسيت المناقصات على بعض الشركات العالمية التي ترددت أول الأمر بسبب إنخفاض الأجر المدفوع عن كل برميل زيادة في الإنتاج، إعتبارا من خط الشروع، أي بما يزيد على مستوى الإنتاج القائم المتدني، فقد يصل سعر الأجر للبرميل الواحد الى أقل من دولار، بعد إستقطاع الضرائب. أما الإستثمارات المقدرة فقد تبلغ ما قد يزيد على 20 مليار دولار، تُستعاد من عائد النفط المصدر لقاء فائدة تجارية. والحقول التي أحيلت هي: حقل مجنون العملاق بإحتياطي يصل الى 12.7 مليار برميل، بهدف رفع إنتاجه من 46 ألف برميل يوميا الى 1.8 مليون برميل يوميا. كما أحيل حقل الرميلة ذي الإحتياطي البالغ 17.7 مليار برميل ليرفع إنتاجه الى 2.8 برميل يوميا في غضون ست سنوات، الى شركة ال (س.ن.ب.س) الصينية بشراكة مع ال بي بي البريطانية. أما حقل الزبير فقد أحيل الى شركة أيني الإيطالية وشركائها، وذلك لرفع الإنتاج الى 1.3 مليون برميل في عام 2016. وأحيل الى شركة أكسون موبايل، بالشراكة مع شركة شل الهولندية، ثالث أكبر حقل، وهو حقل القرنة غرب 1 بإحتياطي مقداره 8.7 برميل، لغرض رفع الإنتاج الى 2.3 مليون برميل يوميا في غضون ست سنوات أيضا. اما بقية الشركات مثل، سوناغول الأنغولية ولوك أويل وستات أويل النرويجية ومجموعات شركات النفط الروسية وغيرها فقد أحيلت لها حقول قرنة 2 ، والقيارة في نينوى وحقل على حدود واسط مع إيران. أما في مايس 2010، فقد تم التعاقد مع إئتلاف ضم الشركة الصينية وشركة النفط التركية لتطوير حقل ميسان ذي الإحتياطي 2.5 مليون برميل، لرفعه من 100 ألف برميل يوميا الى 450 ألف برميل يوميا. والغريب ان جميع هذه العقود قد مُرر أو ستمرر بدون عرضها على البرلمان للحصول على مصادقته.

بالإضافة الى هذه العقود، فقد تم التوصل الى إتفاقية تفاهم مع شركة شل الهولندية بموجب ما سُمي بإتفاقية مبادئ، (Heads Agreement )، لا نعلم متى يجري تطبيقها، لإستغلال الغاز المصاحب في حقول الرميلة وجنوب البصرة والزبير. والإتفاقية تقوم على تأسيس شركة غاز البصرة، مابين شل وميتسوبيشي وشركة نفط الجنوب، حيث تكون حصة شيل 45%، وميتسوبيشي 4%، وشركة نفط الجنوب 51%، مما يعني قيام نظام مشاركة في الإنتاج وتمليك الشركات الأجنبية لجزء مهم من ثروة العراق الغازية. كما سيكون التصدير تحت سيطرة الشركتين الأجنبيتين، على أن يباع الغاز للإحتياجات المحلية بأسعار التصدير العالمية. ان هذه الإتفاقية ستمكن شيل من تحقيق أرباح مع عوائد إستثماراتها قد تصل الى 80%، ناسفة بذلك مصالح العراق في الإستفادة من موارده الغازية، ومن اسعار الغاز فيما لو بيعت، كما يستوجب، بأسعار تساوي تكاليف الإنتاج اللازمة لدعم الصناعات الوطنية.

وعلى أسس مشابهة أحيلت في جولة ثالثة عقود لإستغلال حقول الغاز في عكاس والمنصورية وسبا، لإستغلال وتصدير الغاز. وهذا يعني بأن صناعة إستخراج الغاز يجري الآن تخصيصها لصالح الشركات الأجنبية، وليس من أجل سد الحاجات التنموية المحلية، ولإقامة صناعات بتروكيماوية أو لتأمين الطاقة الكهربائية. وبغض النظر عن تفاصيل العقود التي لا مجال للخوض فيها هنا، نلاحظ أنه كانت هناك في البداية جهود من قبل وزارة النفط لإصلاح وإستغلال كافة الحقول النفطية والغازية بجهود وطنية وبخبرات فنية مستأجرة من الخارج، ولا ندري لماذا تخلت وزارة النفط عن هذا التوجه، وأنصرفت لتخصيص الحقول الغازية بالذات لصالح الشركات الأجنبية، بإعتماد نظام المشاركات في بعده الإمتيازي، اي هي عودة للإمتيازات التي ناضل شعبنا لعقود للتخلص منها.

ثانيا؛ أهم الإنتقادات الموجهة لهذه العقود:

تأسيسا على ما تقدم نوجز بتكثيف شديد أهم الإنتقادات لهذه السياسات النفطية والغازية في النقاط الأساسية الآتية:

•1. ان تقرير الحاجة الى زيادة الإنتاج من النفط الخام، بهدف تصديرة وبالتالي لتعظيم العوائد المالية الناشئة عنه، يجب ان لايرتهن الى حالة سوق النفط العالمية ومستويات الأسعار التي تبدو آنيا متصاعدة، فتقلبات السوق النفطية معروفة، كما أن الزيادات في الإنتاج، الى 12 مليون برميل، مثلا، تتطلب إستثمارات للمحاظة على طاقة فائضة قد تصل الى 4 مليون برميل يوميا قدرها الدكتور محمد علي زيني بما يقارب ال 75 مليار دولار، ومعنى ذلك أنه في حالة إنخفاض الطلب العالمي على النفط الخام، سيتحتم علينا خزن وصيانة الحقول بملايين البراميل الراكدة بدون طلب عليها، مما سيؤدي الى تحمل خسائر قد تفوق العوائد المرتقبة من تصدير الطاقة النفطية المتاحة، وحتى السعودية، فهي لا تستبقي فائضا بأكثر من مليوني برميل يوميا. (8) أن المستوى الحصيف من الأنتاج هو التدريجي، على وفق خطتينن زمنيتين، متوسطة وبعيدة المدى. فقد نرفع الإنتاج مباشرة الى ثلاثة مليون برميل يوميا كبداية، ومن ثم الى ستة مليون برميل يوميا خلال سبع سنوات، وبعدها الى 8 أو10 ملايين برميل يوميا خلال عشر سنوات. أن الإنتاج للسوق العالمية يجب أن يكون حصيفا. ثم يتوجب تقدير الحاجات المتنامية لإستهلاك النفط الخام في الصناعات الوطنية، مثل صناعات البتروكيماويات والكهرباء والنقل والمواصلات، وغيرها من الصناعات والنشاطات غير النفطية. (أنظر المصدر السابق)

•2. لعل من أبرز العيوب في العقود الممنوحة عن إستغلال الحقول النفطية خلال الجولتين الأولى والثانية، هي أنها أقرب ما تكون الى الأمتيازات منها كعقود خدمة فنية، مما يجعلها تقع تحت سيطرة الشركات الجنبية. فالعقود هي لعشرين عام وقد تُمدد لربع قرن، وهذا ما يجعل الشركات شبه شريك في الأنتاج، بل هي تستطيع إضافة الإحتياطات النفطية في هذه الحقول الى ملكيتها، مما يرفع من هيمنتها التجارية الدولية في سلعة النفط الخام. لاشك أن الأسعار التي أرسيت عليها العقود هي متدنية نسبيا فعلا ، ولكن الشركات لم تكن تقبلها لولا القوة الإحتكارية الدولية التي ستمنحها لها هذه العقود. اضف الى ذلك، ستجعل هذه العقود من مصلحة الشركات تصدير أقصى ما يمكن من براميل النفط، وذلك لتعظيم أرباحها، وهي سوف لا تهتم بتلبية حاجات الصناعات المحلية، لاسيما وأن العقود تضمنت شروطا للكميات التي يجب تصديرها لسد الأجور وفوائد رؤوس الأموال الموظفة. تستدعي هذه الأمور إعادة النظر في شروط هذه العقود، وتقصير آمادها الزمنية. وينطبق الحال نفسه تقريبا على العقود الخاصة بالغاز، فهي عقود مشاركات في الإنتاج فعلا، مما يثلم السيادة الوطنية، وبعرض المصالح الوطنية لإضرار الإستغلال.

•3. ان العقود النفطية والإتفاقيات الغازية، بطبيعتها وشروطها، هي ليست مجرد خدمات فنية تُشترى من شركات النفطية العالمية، إنما هي تُضعف، بل تحجّم السيادة الوطنيىة على ثروات اليلاد النفطية والغازية. ذلك لأن من أهم أساسيات السيادة هي القدرة على التحكم بمستوى الإنتاج، لا أن تخضعه لمستويات متفق عليها، بموجب عقود، لعقدين أو ما يزيد من الزمان. كما أن السيادة تقتضي القدرة على التحكم في التصرف في الإنتاج، اي لتقرير كم يُصدر الى الخارج وكم يوجّه لتغذية المصب، أي الصناعات الوطنية والنشاطات غير النفطية. فإذا كنت مكبلا بعقود تحدد ما يتوجب تصديره، عنذاك تصبح تنمية الصناعات والنشاطات غير النفطية ليست بذات بال، في الوقت الذي يجب أن يكون التحكّم في مستوى الإنتاج هدفا إستراتيجيا مركزيا، ذلك لأنه لابد من تنمية القطاعت الدائمة مقابل الناضبة؛ وهناك من يقول أن الزراعة "هي النفط الدائم".

•4. أن الإستثمارات التي ستوظفها الشركات الأجنبية، كبداية، قد لا تتجاوز ال 20 مليار دولار، وهذه ليست مبالغ عصية على ميزانية الدولة، إذ بتوزيعها على خمس سنوات، مثلا، سوف تكون بمعدل 4 مليار دولار سنويا، فهل هذا رقم يستحيل تدبيره من ميزانية سنوية بلغت لحد الآن ال 100 مليار دولار. وحتى لو إستعصى تدبير المبلغ، فأنه أضمن للسيادة الوطنية على إنتاج النفط أن يصار الى الإقتراض من السوق العالمية، بضمان إحتياطيات النفط العراقية الهائلة. كما أن أرباح الشركات من أجورها وعوائد إستثماراتها قد تتجاوز ال 16% من رؤوس اموالها، بينما يمكن أن ينخفض الأمر الى أقل من 5%، في حالة الإستغناء عن قروض الشركات النفطية والإكتفاء بشراء خدماتها الفنية .

•5. وفقا لشروط العقود في الجولة الأولى، والهيكيلية المقترحة للمجالس المشتركة مع شركة نفط الجنوب والشمال وميسان، فإنها تجعل دور هذه الشركات مهمشا على صعيد قرارات الإنتاج وتطوير وسائله، حيث سينحسر دورها في مجال التشغيل والمراقبة.

•6. تضمنت العقود بنود عن تدريب الكوادر النفطية العراقية، ولكن على صعيد الواقع وبعد مضي أكثر من سنة على تشغيل الحقول، يُلاحظ أن فرص التدريب قليلة، كما أن فرص المساهمة الفعالة في قرارات الأنتاج أو التباطئ به لا تبدو مهمة.

•7. ومما يتناقض ومبدأ السيادة الوطنية على ثروات النفط والغاز هو تمشية هذه العقود الخطيرة بدون عرضها على ممثلي الشعب في البرلمان العراقي.

 

ثالثا؛ المشاكل الهيكلية في إدارة أنتاج النفط:

في سبعينات القرن الماضي، كان الى جانب وزارة النفط، شركة النفط الوطنية، وبعدها أُنشأت الشقيقات الثلاث، شركة نفط الشمال والجنوب وميسان. لقد لعبت شركة النفط الوطنية دورا بارزا في رفع الإحتياطيات النفطية من 36 مليار برميل الى 76 مليار، وكانت الى جانب شركة التسويق "سومو"، تلعب دورا نشطا ومبدعا في إنتاج النفط وتسويقه. ولكن للأسف جرى إلغائها في منتصف الثمانينات، مما ترك فرغا كبيرا في حقل توجية وتنفيذ الإنتاج والتسويق. فالحاجة اليوم قائمة بإلحاح الى إعادة بناء هذه الشركة وتقوية وتعزيز بقية الشركات، ورفع الأعباء التنفيذية والتطويرية عن وزارة النفط التي يجب أن يقتصر دورها على التخطيط والتوجية وتدريب الكوادر النفطية على كل المستويات.

4. السياسات النفطية المطلوبة لتحقيق أهداف إستراتيجية عليا للتنمية المستدامة؛

اولا؛ يجب أن تتبنى السياسات النفطية المطلوبة خطة إستراتيجية عليا لمديين متوسط وبعيد المدى. خطة تقوم على أساس التخطيط والتوجية مركزيا، بينما يكون التنفيذ لامركزيا، او في الأقل يستند الى التنسيق الكامل مع الإقليم والمحافظات المنتجة للنفط. وان ترتكز هذه الخطة على هدف مركزي، وهو إستغلال العوائد النفطية بصورة أساسية لتنمية صناعات المصب، الداون ستريم، أي القطاعات غير النفطية، وليس اساسا للإستهلاكين الحكومي والخاص. وينطوي هذا الهدف المركزي على هدفين فرعيين، الأول، هو العمل قدر الإمكان أو تدريجيا لتصنيع النفط وليس تصديرة. وهذا يقتضي أيضا تصنيع كل المشتقات النفطية بدلا عن إستيرادها من الخارج. والثاني هو الخلاص من الحالة الريعية وما يستلزمه ذلك من سياسات وخطط وإجراءات وفق الأفق الزمني لهذه الخطة. بل يجب العمل على جعل معدلات النمو في القطاعات غير النفطية مساويا أو أعلى من معدلات نمو الصادرات من النفط الخام.

ثانيا؛ أن يتم تعزيز شركة نفط العراق والشركات المناطقية الأخرى وشركة التسويق. على ان تقام وتتعزز معاهد للتدريب النفطي مكانيا وخارج العراق. ثم لا بد من العمل على إستعادة كل الخبرات العراقية المهاجرة أو المتقاعدة للإستفادة من خبراتها النادرة.

ثالثا، ينبغي العمل على تعزيز الآليات الديمقراطية ووسائل التنسيق والتشاور. ومن أجل ضمان الكفاءة والمشورة والرقابة ينبغي العمل على إقامة مجلس أعلى للنفط، يؤلف من الكفاءآت ويحضره مندوبون عن جميع محافظات العراق وإقليميه، على أن لا يعتمد التمثيل على المحاصصة المذهبية والعرقية.

رابعا؛ ان تطبيق أية خطة إستراتيجية عليا يستلزم تحقق الشروط المسبقة للتنمية، وهذه الشروط تتلخص، كما ذكرها الأستاذ زيني في حلقاته المسماة بخارطة الطريق، كالآتي؛

تحقيق الأمن وتوفير الإستقرار؛ توفير الإستثمارات الأجنبية، إذ لا تكفي الموار المحلية؛ توفير البنى الإرتكازية المناسبة؛ تحقيق الشفافية والتنسيق، القضاء على الرشوة والفساد والتسيب، توفير الكفاءآت وتدريب وتأهيل الكوادر والقوة العاملة. (9)

حينما تتوفر هذه الرؤية التنموية الرشيدة والعلمية، وحينما تتوفر شروط التنمية المسبقة هذه يمكن النظر بتفائل لحل مشكلة البطالة العارمة، وفتح الآفاق أمام تنمية باهرة أما الشعب العراقي والوطن العتيد.

تأسيسا على ما تقدم، يمكن بلورة الشعارات والمطالبات التي ينبغي أن يتبناها التيار الديمقراطي وكل الجماهير والمواطنين الحريصين على مستقبل أطفالهم وأحفادهم، فنفطنا يجب أن يكون منجاتنا لا وبالا على حياتنا.

5. الشعارات والمطالبات السياسية التي سيتبناها التيار الديمقراطي العراقي من أجل تحقيق سياسة نفطية وطنية من أجل التنمية المستدامة؛

ينبغي أن تأخذ الشعارات والمطالبات السياسية المعروضه، لشدة إنتباه الرأي العام ولإثارة الوعي الموضوعي، تعبيرات بكلمات موجزة لكنها تعكس المعاني الجوهرية التي تعبر عنها. ونعرض في أدناه صيغة لهذه الشعارات والمطالبات:

•1. تخطيط مركزي يتلازم مع تنفيذ كفء لامركزي؛

•2. نطالب بإسترتيجية واضحة للتخطيط للسياسات النفطية تقوم على؛

•أ‌- تصنيع النفط لا تصديره؛

•ب‌- إلغاء الريعية في قطاع النفط الإستخراجي وتنمية القطاعات غير النفطية؛

•3. مراجعة وتعديل عقود النفط الجائرة؛

•4. لا للمشاركات في انتاج النفط الخام والغاز، ونعم للخدمات الفنية الأجنبية؛

•5. إعادة تأسيس شركة النفط الوطنية وتعزيز شركات النفط والتسويق الأخرى؛

•6. تدريب الكوادر النفطية وإستعادة الخبرات النادرة؛

•7. إنهاء حالة عقود إقليم كردستان غير الدستورية، وإلغاء مبدا المشاركات في الإنتاج التي تضمنتها.

 

د. كامل العضاض- عضو اللجنة العليا للتنسيق في التيار الديمقراطي في العراق

نيسان، 2012

 

 

 

 

المراجع والبحوث:

•أ‌- بحوث ودراسات؛

•1. المجموعة الإحصائية السنوية لعام 2010-2011- الجهاز المركزي للإحصاء والتعاون الفني- العراق.

•2. نفس المصدر السابق.

•3. Beblawi and Luciani- On the Rentier State, 1987

•4. Kamil Al-adhadh- An assessment of Oil Production Policy in Iraq- A Paper, presented to the International Journal of Contemporary Iraqi Studies, May 2010.

•5. Shafiq, Tariq- Harnessing Iraq`s Oil Wealth- A Paper, delivered at the Conference on "Iraq Petroleum, 2009, Opportunities and Investment" 7-8 December, 2009.

•6. Ibid - المصدر السابق.

•7. ibid - المصدر السابق.

•8. دكتور محمد علي زيني- خارطة طريق إقتصادية - ست حلقات نشرت بأوقات متتالية في عام 2012.

•9. نفس المصدر السابق.

•ب‌- مراجع أخرى:

•- د. كامل العضاض- نفطنا رصيدنا أم مسمار نعشنا الأخير- 2008.

•- د. كامل العضاض- كيف يجب أن نراجع مسودة قانون النفط والغاز لعام 2007، ومتى؟ - آذار 2007.

•- د. كامل العضاض- تعالوا نفهم أخطر قضية في العراق، إنها المسأله النفطية، 2012.

•- http://www.worldenergy.org/

•- أنظر في بحث متخصص عن تقويم السياسة النفطية في العراق في مجلة الشرق الأوسط الإقتصادية لهذا الكاتب باللغة الإنكليزية في موقعها أدناه:

http://www.mees.com/en/content/23-energy-and-geopolitical-risk or
http://www.mees.com/

 

د. كامل العضاض


التعليقات




5000