.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
.
....
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
رفيف الفارس
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


أيـــّـامُ الـــرصـيف ... في مذكــرات ِ الشيــوعي لـطـيف ْ..3-5

صباح كنجي

اخيرا ً تم إختيار الساعة واليوم للتحرك باتجاه القرى المحيطة والقريبة من مراكز المدن والقصبات . توجهت عصرا من إحدى القرى مع الرفيق ماموستا علي و نصير آخر ، التي كانت تشكل إحدى معاقل الحزب الرئيسية الجديدة ، وصلنا إلى قرية أقرب إلى شارع قادر كرم ، دخلنا القرية بخلسة ، كانت سيدة البيت أمية لكنها تصدرت الحديث عن نوايا السلطة وإمكانياتها في قتلنا إذا أرادت، كنت متوجسا ً من وقوع شيء ما ، حاولت أن اخفي هذا التوجس ، بمشاركتي في النقاش ، لكن خوفي إتضح من خلال إسلوبي في الكلام ، و إلحاحي في الأسئلة و الإستفسارات ، مما دعا الرفيق علي روسي إلى سؤالي:
هل أنت خائف ؟
نعم أنا غير مطمئن من هذا الطريق الغامض ...... فليس من السهل الوقوع بأيديهم وأصبح رقما في ملفاتهم .
هذا تبين عندما وقعت بأيديهم ، كم كان إهتمامهم بمصيري ، أثناء جلسات الإستجواب ، كانوا يكررون ، إن القيادة تشرف على التحقيق معك من خلال كاميرات التصوير ) .
(في المرات السابقة لم ينتابني أية شعور بالخوف والتوجسس ، بل كنت جريئا ً ، بهذه الكلمات خاطبني الرفيق عامل ..... مئات من الرفاق توجهوا إلى بغداد عن طريقنا ...... لم نصادف مثلك في الشجاعة والإقدام .
إستلقينا بعد طول نقاش ممل ومكرر مع أهل البيت ، طلبا ً للنوم ، رغم التعب لم يغمض لي جفن حتى الصباح ، كنت على موعد بإنتظار المجهول ) .
توجهنا بعد ذلك إلى قرية متقدمة يتواجد فيها عدد قليل من الأنصار ، شبه مهجورة ، كونها خط تماس بين الأنصار و قوات الحكومة ، في اللحظات الأولى من وصولنا إلى تلك القرية، أغارت المروحيات السمتية علينا ، توجهت إلى إحدى بيوت القرية ودخلت غرفه فيها ملجأ على شكل حرف ( ل ) إحتميت به، ولقرب الطائرة من الأرض تمكن الطيار من رصدي وأنا ادخل البيت ، كنت مجرد من السلاح ، قلب الطيار طائرته في الجو ليقصف البيت الذي إحتميت فيه بصاروخين ، تحول البيت إلى أكوام من الأنقاض لكن الملجأ حماني ، شققت طريقي وسط هذا الركام والغبار الذي غطى وجهي ، بعد عشر دقائق تبادلت مع علي روسي حديث قصير وسريع ، انتهى بقرار شخصي مني ، أن أتوجه حالا ً إلى بغداد ، كان دور علي روسي ينحصر في إيصالي بأمان إلى الشارع العام بين بغداد وكركوك .
بينما في قاطع بهدينان ودشت الموصل ، يختلف الأمر تماما ً ، أكثر أمانا ً وسهولة ، وتمتد الإتصالات إلى داخل مدينة الموصل ، بجهادية الرفيقين صباح كنجي وعامل .... صادف أن تأخر نزولي لأيام لمعلومات عن تحركات السلطة في المنطقة ، في نزولي الأخير من ذلك القاطع ، أخبرني الرفيق خديدا ختاري ، أبو داود ، إن الوضع غير مستقر في المنطقة ويشهد تحركات لقوات السلطة وطلب التريث لحين توفير وسيلة نقل سهلة وأمينة من قرية دوغات إلى الموصل .
عندما اقتربت من الشارع ، أنتابني شعور غريب هو ..... مزيج من الخوف والإحباط واليأس، إنتبهت في الوهلة الأولى من اقترابي للشارع ، بتحرك غير طبيعي داخل الربية ومحيطها ، هناك من حمل بندقيته ، واحتمى خلف الساتر ووجه فوهتها نحوي ، حلقت المروحيات السمتية من جديد في السماء ، فكرت بالرجوع ثانية من حيث أتيت ، لحظات عصيبة بين التردد والإقدام ، كان التراجع مستحيلا ً وضربا من الانتحار ، في حالة الرجوع خطوة للوراء سأكون هدفا لمرمى نيران السمتيات بعد أن هبطت إلى مستوى قريب من رأسي ، كانت تحوم حولي ، ويطرق مسامعي حديث الطيار مع عناصر الربية . عندها شعرت بالهزيمة ، لايوجد أمامي حل سوى مواصلة المسير بإتجاه الشارع وعند وصولي إلى أخر نقطة في الشارع هجمَ عليّ ثلاثة مسلحين ، بأصوات هستيرية يصرخون:
من انت ؟ إرفع يدك إلى الأعلى ......
مترددا ومخنوقا ، أني أبلغكم تحيات قادر رشيد ، لم يلفت إنتباههم هذا الاسم ، أو ربما ضاع تحت صراخهم ، سحبوني من ملابسي إلى داخل الربية تحت وابل من الركلات والصفعات بأخماس البنادق ، أدركت سريعا ً إن المراهنة على ورقة رفيقنا خاسرة ، بل مختلقة ، وتمّ تسليمي إلى الإستخبارات بمنتهى البساطة والغدر.
(أعود الى تلك الليلة ، الرضوانية ، في دائرة الانضباط العسكري في العاصمة بغداد ، ليلة واحدة في ذلك الجملون الآسن قد يختصر لهم المسافات في تحقيق مأربهم من قتلك أو انتزاع الإعترافات منك ، شاهدتُ بشرا ً ممددين بينهم من يلفظ أنفاسه الأخيرة ، هناك من يستغيث ويئن ، يتوسل بمد يد العون ، لا أحدا يجرؤ ، ربما أنا الوحيد لأني جديد في ذلك الجملون المحشو بلحم البشر لم أفطن إلى العواقب الوخيمة لمساعدة المستغيث ، فكيف سيكون من يجرؤ على التحدث مع غيره أو يلبي نداؤه في طلب المساعدة ، لقساوة التعذيب وبشاعته شعرت إن كتفي اليمنى قد شلتْ حركته ، ما زلت أعاني من أثار تلك الليلة، فقدت الاحساس بأذني من شدة الصفعات التي وجهت لي ، التعذيب استمر معي حتى بزوغ الفجر) .
( لم تسعفني الذاكرة إلى الآن ، لكي أتصور وأسترجع المشهد في تلك الليلة والساعة ، كيف نقلوني مغمى عليّ إلى الزنزانة رقم ثلاثة . كنت هذه المرة جثة هامدة ، أفقت في اليوم التالي لا أعرف إنْ كان ليلا ً أمْ نهارا ً ، الأورام في كل زاوية من جسمي والأوجاع تهاجمني ، أصرخ وانتحب من شدة الآلام ، تركوني لمدة يومين بدون طعام ولا ماء ، كان الخوف والرعب يطغيان من حولي ، تأزم الموقف وتداعت المفاهيم في كيفية مواجهة آلة القمع ، رغم وضعي الصحي البائس ، حاولت جاهدا ً وبشق الأنفس إستيعاب الموقف ومواجهته ، بدأت أستجمع قواي ، و مسيرة نضالي من عام 1979 إلى هذا اليوم كي لا أتهم به بالخيانة ، سأرتب أقوالي ، وأختصر أجوبتي ، وأتهيأ لأسوء الاحتمالات ، وضعت في بالي ليس من مصلحتي ولا من مصلحة رفاقي ، أن أدع أية ثغرة في أجوبتي. أنهكتني هذه التداعيات قبل يومين من التحقيق الفعلي معي )
مضى أكثر من عقد من الزمن على هذه التجربة الأليمة ، أيام الموت في الزنزانة وسوط الجلاد تلاحقاني، تلحّ أن أبوح بشيء من أسرارها ومشاهدها ، قساوة الجلادين ، الدماء التي نزفت ، تدفعني أن اكتب للتاريخ وللأجيال اللاحقة، للكشف عمّا كان يجري في تلك الزنازين السوداء من عراق الدكتاتورية ، ولأن هناك ثمة بشر مازالوا يتحدثون عن الصمود والضعف في زمن البعث كنت أسخر من الذين يتحدثون عن المناضلين القابعين في الزنزانات بصيغة هذا ضعف وذاك صمد والآخر تعاون !!
سأجرأ على الكتابة وألج لتفاصيل مخيفة برواية يوميات تشعرني بالعار والهزيمة لأصرخ بمرارة البشر وأتساءل كيف يصبح الإنسان منتهكا ً ، البعث بأساليبه الدموية القذرة إنتهك إنسانيتنا وآدميتنا ،
والحزبُ ..... أنت أحد رموزه في مقاومة الجلاد ، يحاول أيضا ً قتلك!!
هذه المفارقة تدعوني أحيانا ً أن افقد توازني ، يقشعر لها بدني عندما أذكرُ تفاصيلها المذلة ، التي مازالت محفورة في ذاكرتي ، أحاول جاهدا ً أن أتخلص من تبعاتها النفسية والسياسية لكن كان وقعها وتأثيرها أقوى من قدرة وذاكرة البشر في تجاوز الفصول المأساوية ، بقيت أعاني لسنوات من الشرود الذهني ، من خلال تناولي للأحداث والوقائع في المعتقل ، أردت أن أؤكد حقيقة الموقف والجدل حول الشجاعة والصمود والضعف والانهيار في مواجهة الموقف وأسلوب التعذيب والتعامل مع نتائجه ، هنا أعتز بقدرتي وصمودي في الحفاظ على حياة الناس، هناك بشر مازالوا أحياء في العراق رغم ظروف المعتقل والتعذيب ورائحة الدم ، تمكنت من الحفاظ على حياتهم ، ولم أمسهم بأذى ، لو بحت بهم للجلادين لكانت حياتهم وحياة عائلاتهم في عداد الموتى ، إلى يومنا هذا ذاكرتي تحتفظ بذكراهم الطيبة والشجاعة ، رفاق ومعارف فتحوا لي أبوابهم ، أنا السياسي المطلوب للدولة، خلاصة موقفي تتجلى بالحفاظ على أسرار من كانوا ومازالوا يقاومون بصمت الدكتاتورية وأساليبه .... هذا هو فخري بعينه وكنزي في الحياة .
يمر لطيف من خلال مذكراته على الكثير من الأحداث ويذكر أسماء الأنصار والشخصيات التي لها علاقة بالحدث والبعض مما ورد يحتاج إلى التدقيق و للتوضيح والتصويب قد يكون معذورا ً وهو يوردها بالشكل الذي جاءت به من خلال مذكراته ، وبحكم إطلاعي على البعض من تلك الأحداث سأحاول توضيح تفاصيل منها .
عن أبو بهاء يذكر : ( أحد مندوبي المؤتمر الرابع للحزب الشيوعي دعي للحضور من الداخل . لكن أثناء وقع المؤتمر حجر في مكان معزول لكثرة الشبهات حوله . لكن الإصطفافات بعد المؤتمر والتي لم تخلو من الكلوسة والاقليميات والارتياحات عادته مرة ثانية إلى الداخل رغم الاعتراضات الشديدة. أمّا الأضرار الذي ألحقها فيما بعد بالتنظيم واستشهاد عدد من الرفاق فبليغة ) ، ( كان فالح حسن ، أبو بهاء ، إحدى هذه الخروقات ) ، (في عام 1986 تم إعدام أبو جيفارا ( محمد وردة ) من قبل البعث ، وحكم على والدته العجوز ذات الثمانية عقود بعشرين 20 سنه من قبل البعث ، بتهمة نقل السلاح والبريد من كردستان إلى قيادة التنظيم في محافظة ديالى وبغداد ، . وحكم على أخيه سردار أيضا ً، والشخص الذي قام بتسليم أبو جيفارا إلى مديرية أمن دهوك ، هو العميل المزدوج شهاب ، الذي نفذ طلب الجهات الأمنية في إغتيال أعضاء محلية دهوك أبو رؤوف وأبو خالد ونصير أخر . على خلفية تداعيات أبو بهاء ، وإلقاء القبض عليه من قبل قوات الحزب في كردستان ، وتحديدا في مناطق بهدينان ( زيوة ) .
في واحدة من المرات توجه أبو بهاء إلى بغداد عبر تنظيمات الموصل ، كما حدثني الرفيق عامل ، وهم في دشت الموصل قرية دوغات ، طلب الرفيق عامل من أبو بهاء ، التريث بالنزول على ضوء معلومات بوجود إستنفار أمني وعسكري في المنطقة ، لكن أبو بهاء أصّر على النزول ، فوقع في أول سيطرة أمنية ، لحسن الحظ كان العميل المزدوج شهاب ضمن مفرزتها ، وشاهد السرعة والصفقة التي تمت بين أبو بهاء وضابط الأمن في لملمة القضية وخوفا من تداعياتها بوصول الأخبار إلى تنظيمات الحزب ، في نفس الساعة أخلى سبيل أبو بهاء بل رتبت بعناية طريقة وصوله بسلام إلى مدينة الموصل ، مما دعا العميل المزدوج إلى إبلاغ التنظيم في الساعة واليوم بما جرى ، لكن أبو بهاء وصل إلى بغداد ، ولم تعد فرصة للتحقيق معه ، إلا قُبيل إنعقاد المؤتمر الرابع للحزب في كردستان ، إستدعي أبو بهاء ضمن مندوبين المؤتمر من الداخل ، كانت فرصة مآتية عند قدومه إلى كردستان ، في الأيام الأولى من وصوله ، فتح تحقيق معه ، لكنه كان ينكر إعتقاله ويتجاهل مايسمعه ويستهزء بالخبر ، مما دعا قيادة التنظيم الى إستدعاء شهاب إلى مناطق العمادية ، وذهب بحجة مفرزة إستطلاعية مع أبو بهاء كل من الرفاق أبو طالب الذي أعدم أيضا لقضية مشابهة و ابو برافدا والملازم أزاد ، بالتنسيق مع محلية دهوك . في اللقاء شخص شهاب أبو بهاء ، في حينها أصبح معتقلا ً وجرد من السلاح . أخذ التحقيق معه مجرا ً آخر ، لكن في اليوم التالي علمت أجهزة الأمن بما جرى ، فاعتقلت شهاب وعائلته وردا ً للاعتبار، ُطلِبَ منه تصفية قادة محلية دهوك ، وعلى وجه العجالة طلب العميل شهاب بإجتماع مع قادة المحلية لأمر مهم ، وتمكن من إغتيال ثلاثة ، الرفاق المذكورين أعلاه ، وإختفى ) .
حينما استجمع معلوماتي عن أبو بهاء ، أذكر ما كان يقوله النصير أبو رشدي ، منذ إلتحاقه في صفوف الأنصار، حيث كان من الرعيل الأول ، مع بداية تشكيل قاعدة كوماته ، وهو بالإضافة إلى هذا من البصرة ، ويعرف أبو بهاء معرفة شخصية ودقيقة ، إذ كان يقول في حينها إن أبو بهاء من المتعاونين مع النظام وهو كذاب ، إدعى في بيروت إنه عضو لجنة قضاء في حين كان عضو لجنة قاعدية ، إعتقل ووقع على تعهد ، أثناء عمله في الداخل ، زلّ لسانه ذات يوم في جلسة سمر مع عدد من الأنصار في القاطع وقال خلال حديثه :
إنه إشترى دارا ً له في بغداد ، إنتبه لهذه الزلّة أحد الجالسين ، نبه الحزب عن إحتمالات تعاون أبو بهاء مع النظام ، امّا نزوله من بهدينان فكان من خلال قرية سريجكة ، في ذلك اليوم رافقه مجموعة من كوادر محلية نينوى كان من بينهم أبو فلاح ، حسن نمر، وابو ماجد، علي خليل، وكسر وشمو زيعو .
ما حدث في تلك الليلة كان فضيعا ً ، مفارز الإستخبارات قد كمنت للمجموعة التي رافقته، حال إنفصاله عن المجموعة المرافقة له ، ومغادرتهم للقرية في ذلك الفجر ، وجدوا أنفسهم أمام كمائن الإستخبارت ، التي وضعت طوقا ً ، على معابر القرية ، تسلل ابو ماجد وكسر من بين كمينين في الساعة الرابعة فجرا ولم يجري إطلاق النار عليهم بسب تصور مجموعة الكمين إنهم من اقرانهم لكن أبو فلاح ومن معه إشتبكوا مع الكمين و نجوا بأعجوبة ، أمّا أبو بهاء فقد إدعى إنه تسلل من القرية ، من دون أن يدركوا بوجودة ، والصحيح إن أحد عناصر مفرزة الإستخبارات أوقفه ، لم يكن يعرف هويته . كان من ضمن طاقم المجموعة ، شهاب ، أحد المتعاونين مع الحزب الشيوعي .
في اليوم التالي صباحا ً ورد إلى الوكر الذي إختفى فيه ابو ماجد وكسر، من خلال تنظيم الداخل ، إن مفرزة الإستخبارات قد إعتقلت كادر شيوعي يعمل في الداخل ، بعد فترة عاد أبو بهاء ورافقه عامل وكسر من الدشت وعند مشارف كلي رمان إستفسر عامل من أبو بهاء عن كيفية رجوعه بعد إعتقاله ، لكنه اصرّ على عدم إعتقاله ، وإنه متواعد على الرجوع مع قيادة الحزب المشرفة على الداخل ، كان نزقا ً وعصبيا ً لا يتحمل التشكيك به ، حاول أن يسبغ على نفسه حالة إعتيادية تبعده عن الشبهات .
أبلغت محلية نينوى قيادة الحزب عن الحادثة ، وإحتمالات وقوع أبو بهاء في قبضة السلطات ، لكن حينما عاد أنكر توقيفه فبدأت الشكوك تحوم حوله ، عند إستفسار رفاق نينوى عبر مصادرهم تأكدوا من تعاونه مع جهاز الأمن .
من جهته ابلغ شهاب مسؤله أبو رؤوف، مجيد فيصل، بالموضوع وأبدى استعداده لمواجهة الشخص المذكور( أبو بهاء ) وتشخيصه حيث نقل له تفاصيل تطويقهم لقرية سريجكة وإعتقال شخص عربي أسمر اللون تبين إنه من عناصر الأمن ، أثناء التحقيق حاول أبو بهاء إنكار تعاونه و خبر توقيفه من قبل مفرزة الإستخبارات ، مما دفع بأبي رؤوف لإستدعاء شهاب إلى القاطع وإدخاله على مجموعة من الأنصار كانوا يحتسون الشاي ، وحال دخوله أشر على أبو بهاء وقال هذا الذي أوقفناه في سريجكة ، سقط إستكان الشاي من يد أبو بهاء حالما وقعت عينه على شهاب .
أمّا المصيبة الكبرى التي نجمت عن هذا اللقاء فتمثلت بإعطاء أبو طالب المسؤول العسكري للقاطع المعلومات عن تعاون شهاب مع الحزب الشيوعي إلى السلطة ، مما حدا بالنظام تهديده والطلب منه إستدراج أبو رؤوف إلى كمين في أطراف العمادية في منطقة إبراهيم زلة ، كان معه حينها سيد عزيز و أبو خالد وتم إغتيالهم وسط بستان التفاح من قبل مفرزة خاصة اشرف على وضع الخطة لها مدير أمن دهوك في حينها .

( في معمعة الفوضى و إنهيار مؤسسات السلطةعام1991 ، وسقوط أكثر محافظات العراق في انتفاضة الشعب العراقي ، توجه بعض قيادي الحزب إلى داخل الوطن عبر كردستان إلى القاعدة الحزبية في بغداد بقيادة أبو طالب،المصنوع مخابراتيا ً والمعد سلفا لهذه التطورات من الأحداث من خلال وجوده المسبق في بغداد ، وتحت رعايتهم منذ الأيام الأولى ، عمل سابقا ً في تنظيم بغداد لغاية 1979 . إلتقيته شخصيا ً ، في الفصيل المستقل عام 1986 ، كان يرفضُ مهام الأنصار من حراسات و خفارة ، لكن تحت ضغط الأنصار أجبر على الإلتزام بالخفارة في المطبخ .. كان يوما ً تخللته النكات والتعليقات المضحكة، مما دعا الرفيق توما توماس أن يزور فصلينا في ذلك اليوم ، ليرى بعينه غير مصدقا ً ، كما علق ، أبو طالب حبيس المطبخ.
القادة الحزبين الذين توجهوا إلى قاعدة أبو طالب في بغداد، كانوا تحت كونترول الأجهزة الأمنية ، لكن بعد أن إنفضحت خيوط اللعبة وتداعياتها ، أسرع الرفاق بالعودة إلى كردستان مرة أخرى ، وتحت كونترول أمني، كان من الممكن اعتقال الجميع، لكن نفس الأجهزة الطويل ، والتمويه من رفاقنا على عملهم ) .
أشّرَ لطيف على ملاحظة في غاية الأهمية تمس خُصال وسجايا النصير الشيوعي في صفوف الأنصار وما تتطلبه من جهد وتعاون ، يبدأ بالحراسات المتواصلة ليلا ونهارا ً، وينتهي عند ابسط مقومات الحياة من جلب حطب للتدفئة ، وتقسيم العمل لأعداد وجبات الطعام ، وهي من مستلزمات حياة الأنصار الشاقة ، التي تحيطها المخاطر ، وتتطلب نكران ذات وإستعداد ومبادرة وتعاون متواصل ، من قبل الجميع بغض النظر عن مواقعهم الحزبية ، هذا ما افتقده أبو طالب، من سلوك في الممارسة، منذ اليوم الأول من تواجده في الأنصار ، كان يمقتُ أداء المهام اليومية ، ويتعامل مع الآخرين بحالة من الإستعلاء غيرالمبررة ، التي لا تمت بصلة إلى الأخلاق الشيوعية ولا إلى طبيعة حياة الأنصار .
المعلومات التي إستجمعتها عن أبوطالب تؤكد تعاونه مع أجهزة الأمن ، من فترة إنزلاق قيادة الحزب الشيوعي لنهج الجبهة في السبعينات، وهو نائب ضابط من مناطق تكريت من حيث المنشأ والولادة حسب معلومات الكاتب إبراهيم احمد الذي يعرفه معرفة دقيقة ، أما معرفتي به فتمتد إلى بدايات تشكيل الأنصار ، سمعت به لأول مرة في مقر كوماته في بهدينان ، وإلتقيته في قرى بري كارة مع مفرزة هركي عام 1982 بمعية توفيق والدكتور سليم وأبو سمير، أمّا تعاملي المباشر معه فيبدأ من فترة إنشاؤنا لمقر مراني ، حيث جاءنا أبو طالب مع الدكتور كاظم حبيب في مهمة إشراف على السرية المستقلة التي تحولت إلى الفوج الأول ، كنا في مرحلة البدء ببناء مقر مراني ، عقدنا إجتماع للجنة الحزبية ، سمعتُ شيئا ً قليلا ًعن تصرفات أبو طالب في لبنان وسوريا وشاهدته مرة ً يؤشر على نصيرة معنا ، ويهمس في إذن أبو جمال أليست هي التي كانت تسبح معنا في لبنان ؟ ونجرّ رجلها ؟ .
المهم في ذلك الإجتماع ، تحدث أبو طالب فيما تحدث ، عن النزاهة الشخصية ، كان إسلوبه في الحديث ممل ويعكس سطحية معلوماته أما تعابير وجهه فتعكس حالة نفاقهِ ، مما دفعني للرد عليه بالقول :
من الأفضل أن يكون المتحدث عن النزاهة نزيها ً قبل أن يدعو الآخرين للتحلي بها .
في فترة عمله في القاطع ، كمسؤول عسكري ، أشرف مع أبو جمال على المفرزة المستقلة التي كنت أقودها ، وبحضور أبو نصير آمر الفوج الأول ، كنا وقتها أنشط مجموعة انصارية بلا إدعاء ، نفذنا عدة عمليات في فترة قصيرة ، تم اللقاء تحت اشجار الجوز المواجهة لبينارينكي ، اعتقد كان وقتها معي في المفرزة عدد من الأنصار من بينهم ناظم وأبو طويلب ، عبد القادر البصري، وأبو رؤوف وأبو ظاهر ووسام البصراوي وابو حاتم الرياضي وأبو فاتن وسليم مانكيش و بير جاويش ( كمال) وجوزيف وعدد من أنصار القوش وقرى الدشت ، كان أندفاعنا وحماسنا لا حدود له والعلاقات بيننا نموذجية وخالية من أية منغصات ، والجميع يتطلع إلى تطوير العمل بثقة.
لكن مداخلة أبو طالب التحريضية ضدي ، العجيبة الغريبة ، التي جاءت من دون أية مقدمات أو مبررات دفعتني لوضع أبو طالب في دائرة الشك بحالة أقرب إلى اليقين ، حيث قال ، أمام جميع الأنصار بعد أن فرغنا من الإجتماع الخاص مع اللجنة الحزبية ودعينا الجميع إلى لقاء موسع ، قال مخاطبا ًالأنصار :
نحن ُ طرَقنا على رأس مسؤولكم العسكري صباح ، وعليكم أن تطرقوا أنتم على رجليه ، وإذا لم ينفع معه سوف ننقله ونبعده من المنطقة ، مع إنتهاء أبو طالب من حديثه ، قفز إلى ذهني مباشرة حديث والدتي في آخر لقاء لي بها ، قبل أربعة اشهر ، في إحدى قرى الدشت ، عندما نقلت لي معاناة والدي من جراء ِ إستدعاء ِ مدير أمن نينوى له ، في اللقاء الأخير طلب مدير الأمن من أبيك أن يفاتحك بالأبتعاد عن منطقة الموصل والذهاب إلى أي مكان آخر في دهوك أو السليمانية أو أربيل ، وبالنص ذكرتْ قال مدير الأمن له :
إبنك سوف يخرب الموصل عليّ قل له ليبتعد إلى أي مكان وأنا مستعد أن أقدم له أيّ شيء يريده مني فقط ليبتعد عن منطقة الموصل ، ليذهب إلى السليمانية ويقلبها رأسها على أسفلها فقط ليبتعد عن الموصل ..!!
قلت محدثا ً نفسي، حديث أبو طالب بهذه الصيغة الوقحة ، وبلا أية مبررات ، له علاقة بطلب مدير أمن نينوى وليس صدفة ، ومن وقتها ، قررت أن أتقصى و أتابع وضع أبو طالب ، كانت شكوكي مع الزمن تتحول إلى يقين لا يقبل الخطأ ، بعدها حدثت ملابسات تتعلق بالتحقيق مع مجموعة من عملاء النظام من المتهمين بإغتيال النصير، ابو ميفان ، جاسم احمد سواري ، حدث تحقيق مفصل مع عدد من المتهمين ، سُجلتْ إعترافاتهم على (12) كاسيت من قبل اللجنة التحقيقية ، وتم إفراغ محتواها على الورق من باب الإحتياط تجاوزت المائتين صفحة ، سلمت إلى مكتب القاطع، لكنها إختفت فجأة ، كان لأبو طالب علاقة مباشرة في إخفائها .
بعد ذلك تم بتشكيل لجنة تحقيقية ، مكونة من أبو سربست وأبو هندرين وأبو زكي، خيري القاضي وأبو حازم ، ترأسها أبو طالب، حاول من خلالها إلصاق التهمة بعدد من كوادر الحزب ، كنت في مقدمتهم رغم عدم علاقتي بالتحقيق وعدم تواجدي في المقر وقت تلك الأحداث . في التحقيق وقفت في وجهه ، قلت له :
إسلوبك في التعامل معنا يشبه ضابط أمن ولا يمت بصلة لتعامل الشيوعيين فيما بينهم . قال لي:
هذه لجنة تحقيقية عينها المكتب السياسي.
أوضحت ُاللجان التحقيقية لا علاقة لها بالصفاة والمراكز الحزبية وعليك أن تبحث عن الحقيقة ، وإلا ستكون مواقفك مسبقا ً معادية ً لي وهكذا الحال بالنسبة لزميلك أبو هندرين حيث لا أثق به ، تمكنت من خلال هذا الموقف الحد من تماديه في طرح اسئلته العجيبة الغريبة ، التي كانت تحاول بشتى السبل إلصاق التهمة بي رغم عدم وجودي في المقر أثناء وفاة اثنين من المعتقلين ، لكنه أصرّ على بث دعاية عني وحاول نشرها بين الأنصار والناس ،هذا ما حدث في حينها ، في ذات الوقت أوصل المعلومات إلى السلطة بطرقه "التنظيمية" .
أما وقوعه في كمين أثناء عبوره للطريق في وضح النهار في منطقة العمادية فكانت نتيجته مفضوحة إذ استشهد النصير أوميد شقيق نادية زوجة ملازم أزاد ، لكن أبو طالب ُترك َ على الفور، بعد أن اخرج لهم هوية خاصة فأفسحوا له الطريق ، والحادثة وقعت في النهار ، أمام أنظار أكثر من شخص شاهد ترك الجحوش لأبي طالب يفلت ُ منهم !!.
قادة الحزب لم يحققوا في الموضوع ، من المفترض أن يسحب أبو طالب ويجمد لحين التأكد من سلامة وضعه ، لكن قيادة الحزب عَبّرتْهَا !!
هل كانت هفوة ؟ !! لا اعتقد..
بقي في موقعه ككادر قيادي ، لحين الطلب منه التوجه إلى بغداد من قبل مديرية الأمن ، في بغداد حدثت المصيبة الكبرى ، قبل أن أسرد تفاصيل هذه الجريمة البشعة ، أود أن اذكر إنني بقيت أثناء الأنفال محاصرا ً في داخل العراق ، حيث كنت قد نزلت في مهمة للداخل بتاريخ28/تموز1988، أي قبل الأنفال بعشرة أيام فقط ، وبقيت متخفيا ً في كهوف كردستان في ظل ضروف قاسية جدا ً ، وعلى إتصال بعدد محدود من تنظيمات الداخل ، حينها وفي تلك الأيام الصعبة وصلتني معلومة بوجود أبو طالب في بغداد ، وإنه عميل للنظام البعثي ، صلته مباشرة مع مدير الامن العام ، وقد أهداه سيارة ودار سكن .
أثناء خروجي إلى سوريا في منتصف تشرين الأول من عام 1989 ، نقلت لقيادة الحزب من خلال توما توماس، الذي كان يقود محلية نينوى ، ويشرف على مكتب القامشلي ، وكذلك في دمشق عبر أبو داؤد حميد مجيد موسى ، الذي كان يشرف على التنظيم المركزي للحزب ، برسائل تحريرية مجموعة أخبار عن الداخل، كان من بينها وأهمها ، مسألة تعاون أبو طالب مع الأمن وتواجده في بغداد ، بتلك التفاصيل التي لم تكن من نسج الخيال .. كان الدافع العاجل لذهابي إلى دمشق إيقاف محاولة شقيقي كفاح في النزول إلى الداخل اخبرني عنها في رسالة بعثها لي من راجان عبر بريد أبو حكمت في إيران الذي كان بدوره مراقبا ً وكانت رسالة كفاح مكتوبة بالطابعة فحاولت أن امنعه من النزول إلى الداخل بحكم معرفتي بتفاصيل الإندساس وكان هذا هو الهدف الرئيسي من لقائي بأبو داؤد ، بعد أن رفض أبو سليم الإستماع إلي قبل يوم في مكتب دمشق ، رغم إلحاح أبو سيروان ولبيد عباوي ، عليه لكنه أصّر على رأيه وهدد بمغادرة المكتب ، ولهذا التصرف علاقة بإجتماع القامشلي والحوار الذي دار بيني وبينه، حينما سألته هل صدام حسين وطني وأخطأنا بحقه عندما لجأنا للكفاح المسلح وطالبنا بإسقاطه ؟ أمْ إنه دكتاتور يتزعم نظام فاشي لا يجوز اللقاء والمصالحة معه ؟
فأجاب صدام وطني... ليش مو وطني ؟، كان عزيز محمد حاضرا ً في اللقاء ، جاء النقاش عن طبيعة نظام صدام حسين وإحتمالات التفاوض معه من جديد في إطار إفرازات البيرسترويكا في وثيقة نيسان التي كانت تشير إلى إمكانية العودة للحوار والمصالحة مع النظام ، كادت احزاب أخرى تتورط في هذا الإتجاه من بينها الحزب الديمقراطي الكردستاني ، لولا مغامرة صدام في غزوه ِ للكويت .
بقي أبو طالب في موقعه يدير التنظيم في الداخل ، كانت المسخرة الكبرى لي ما طرح في الثقافة الجديدة وطريق الشعب من أخبار وتقارير كان مضمونها إن منظمة بغداد تمكنت من طبع وثائق ومطبوعات وزعتها في بغداد بأعداد كبيرة وفحوى الخبر يعكس إمتلاك الحزب لإمكانيات فنية ووسائل طباعية جيدة ، أعقبها نشر تقرير شامل ، فيه تحليل عن الأوضاع في العراق نشر مع تذييل وتنويه ، تم طبع هذا التقرير الشامل بإمكانيات فنية مطبعية خاصة من قبل منظمة بغداد ، كنت قد عشت تجربة العمل في الداخل ، صعوباتها البالغة وحجم مخاطرها ، وقفتُ مشدوها ً اقلبُ هذه المعطيات ، قلت بلا تردد للجميع هذه النشاطات هي بعلم الأمن وبقية أجهزة النظام ، العمل في الداخل لا يبشر بخير .
كان الكثيرون يعتبروني متشائما ً ، أبالغُ في إستنتاجي وتقديري ، لكن الزمن يدور وتدور معه الأحداث ، تهيأنا للدخول كأول مجموعة انصارية إلى العراق ، إستعدادا ً لإحتمالات تطور الأوضاع بإتجاه حدوث إنتفاضة أو حالة تمرد ، تمكنا من العودة والدخول في ذات اللحظة من الوقت التي أعلنت زاخو تمردها وإختلطنا مع جموع الناس من المدنيين والعسكريين والجحوش المتمردين توجهنا إلى زاخو ودهوك والقوش والشيخان والعمادية ، حاولنا التخطيط لتحرير الموصل وفشلنا ، عاد الجيش من جديد إلى كردستان ، إنسحبنا نحو الحدود التركية لبضعة أيام ، عدنا من جديد إلى بامرني ، سرسنك ، زاويته ، دهوك ، تغيرت خارطة العراق السياسية والجغرافية ، أصبحنا نعيش في جزء محرر من العراق ، المحمي بقرارات وقوانين دولية ، فتحنا مقراتنا في المدن المحررة ، كان لمحلية نينوى مقرا ً رئيسا ً في دهوك وآخر في باعذرة...
في دهوك جاءنا جهينة بالنبأ اليقين ، كنتُ حينها سكرتيرا ً لمحلية نينوى ، وعضوا في لجنة إقليم كردستان ، التي كانت مندمجة مع اللجنة المركزية ، في صيغة عمل تخطط لإعداد وثائق المؤتمر التأسيسي للحزب الشيوعي الكردستاني ، جاءني احد الأصدقاء مِمَنْ إلتقى بشخصية هامة تعمل في مديرية الأمن العامة مباشرة ً ، قال لي :
أستطيع أن أؤمن لك لقاء مع شخص لديه معلومات هامة عن وجود إندساس خطير في صفوف حزبكم ، وسرد لي ما عرفه بعجالة : لديكم تنظيم في بغداد ، يعمل فيه أكثر من 100كادر مكشوف من قبل الأمن ، وأحد العاملين فيه يدعى أبو طالب عميل امن ، يقود العمل أبو فاروق وعدد من أعضاء اللجنة المركزية ، و جميع مراسلات الحزب مكشوفة ، بما فيها شفرة المكتب السياسي ، الخاصة للمراسلة مع كوادر الحزب ، والدور والبيوت التي ينزل فيها كوادركم جميعها بعلم الأمن ، كذلك المراسلين هم من معتمدي الأمن ، أمّا الدار التي ينزل فيها أبو فاروق فهي مراقبة بالفيديو ، في داخل غرفه زرعت كاميرات تصوير دقيقة ، وأمام الدار شقة للمتابعة والمراقبة يديرها ضابط بدرجة عقيد ، و لكل كادر رقم سري لضبط حركته ، المسدسات سحبت ابرها وأستبدلت بطريقة لا تطرق كبسولة الإطلاقات ، للأمن نسخ من مفاتيح البيوت التي يتواجد فيها الكوادر ، إلخ ... كانت تفاصيل مخيفة ومقززة للغاية... وقفت مذهولا ً أمام هذه المعطيات ، وفكرت بالطريقة التي يجب أن اتبعها لمواصلة متابعة الموقف وإحتمالات أن التقي بالشخص أو تصلني منه معلومات خطية خلال يومين ، قلت لا يمكن أن أغادر ولا يجوز أن استخدم اللاسلكي لإيصال الخبر، لم أجد من حولي إلا أبو سربست من هو مؤهل لهذه المهمة الخطرة ، رغم وجود عبد الرزاق الصافي يومها في مقر دهوك ، لكني لم أثق به ، كي أأتمنه على هذا السر الخطير ، المعروف عنه ثرثرته المزعجة وعدم شعوره بالمسؤولية ، وميله لتأليب الرفاق أحدهم على الآخر وحبه لخلق التناقضات والخلافات في الهيات ، كانت طبيعة أخلاقة وتصرفاته لا تدفعني للثقة به في موضوع بهذا الحجم خاصة إنه يمس حياة عشرات الناس في الداخل وحياتهم مهددة ، عند قراءة أبو سعود للرسالة جاءني في اليوم التالي أبو داؤد وأبو جوزيف ، وضعنا خطة للتحرك من أجل الحصول على المزيد من المعلومات ، تم استغلال الليل لساعات طويلة في لقاء مباشر مع الشخص المعني، بمساعدة من الأصدقاء في الحزب الديمقراطي الكردستاني ، الذين كانوا قد إستضافوا تلك الشخصية في مهمة خاصة تتعلق بنشاط قيادة حزبهم في تلك المرحلة ... حينما عاد أبو داؤد مع أبو جوزيف قال لي :
لم يبقى لنا شيء سالم ... لم يبقى لنا خط واحد سليم ... كان في غاية التأثر .
في اليوم التالي إتفقنا على أفكار أولية لتكون أساس خطة للتحرك ، من أجل إنقاذ الرفاق في الداخل ، أولا ً حصر الموضوع وعدم تسريب أية تفاصيل عنه لأية جهة ، لكن المشكلة كانت في وقوع الأوراق التي وعدني بها الصديق في يد أبو إيفان من محلية دهوك و إستنساخه لها وكذلك مرور أبو علي، حمة شريف ، من دهوك وإطلاعه على الموضوع قبل ساعات من وصول أبو داؤد ، والفكرة الثانية كانت الدعاية لقرب إنعقاد المؤتمر الخامس ، من أجل أن تنطلي مهمة سحب الجميع على السلطة وأجهزتها .
قرر أبو داؤد إرسال رسالة إلى بغداد من خلال خط يجري فيه فتح البريد وتصويره من قبل جهاز الأمن قبل إيصاله وتسليمه لأبو فاروق ، هكذا تم إستدعاء الجميع على مراحل لحضور المؤتمر الموعود ، وصل عدد منهم إلى شقلاوة ، جاء أعضاء اللجنة المركزية التسعة من بغداد 1- أبو فاروق2- أبو يسار3-ماموستا كمال4-ابو ربيع5-ابوكاظم6-ابو علي7-هوكر8-جلال الدباغ9- ابو عادل ، الوحيد أبو سلام ،عادل حبه ، قد سبق هذه الأحداث وقرر أن ينسحب ويغادر بغداد ، كان يشك في سلامة التنظيم ويعتبره مخترقا ً، إلتقيته في دهوك وحدثني عن شكوكه وإحساسه ، ومراقبتهِ على مدار اليوم أينما يحل ويمضي ، كان حدسه في محله . أمّا بقية الكوادر في اللجان القيادية المحيطة باللجنة المركزية فهم كل من1- ابو طالب2- ابو حياة3- سعدون4-ملازم آزاد5- نادية6- حيدر حنفي7- أبو قاسم8- سالم9-ناظم10-ماجد شقيق زوجة ابو علي11-زاهدة زوجة ابو علي12- ابو دريد 13-ام دريد ،خناف، زوجته أبو دريد، 14- أم بهار ، بخشان زنكنة زوجة أبو فاروق ، وعدد آخر لا أذكر اسماؤهم الآن ...
في شقلاوة حيث وصلناها من أجل إجتماع موسع للجنة الإقليم في قوام وفد ضمّ عدد من كوادر نينوى ودهوك اذكر منهم توفيق وأبو نصير ودلمان ، وجدنا عددا ً من الأنصار والكوادر في حديقة المكتب السياسي ، كان يتوسطهم أبو طالب .
في اللقاء ذلك حاول أبو طالب إستدراج توفيق للعمل في بغداد قائلا له :
نحن نحتاجك في الداخل ، لا توجد صعوبات كلها كم يوم وتأخذ ترايْ ، وتتعود على الوضع ، وقبل أن نفترق دعاني مع أبو نصير لجلسة عشاء ، سألنا ماذا تفضلون من شرب؟
قال له أبو نصير: فودكا ، إتفقنا على اللقاء بعد أن ننتهي من جلسات الإجتماع الموسع ، إستغربت من إلحاح أبو طالب ودعوته لي، لم يكن بينا ود أو صداقة تستوجب هذه الدعوة ، لكن الذي دفعني لقبول دعوته ما يمكن أن يحدث لأبو نصير ويدعوه للداخل كما فعل بتوفيق لذلك فضلت قبول دعوته ، في الحديث الذي دار في جلسة الشرب والعشاء نوه أبو نصير إلى ما يمكن أن ينبه أبو طالب لموضوع الإندساس قائلا له:
انتم تبنون وتناضلون وغيركم يخرب ويهدم ..... وبعد قليل أضاف يقال يوجد بينكم واوي .
إنتبهت الى مخاطر حديث أبو نصير وإحتمالات ان يجفص بالمزيد من الإيحاءات عن الموضوع دون درايته بحقيقة مضيّفه ، طلبت من أبو طالب أن يجلب لنا ثلج من المطبخ ، أثناء غيابه قلت لأبو نصير علينا أن ننهي الجلسة لأمر هام وعلينا أن نغادر بعد دقائق ، قال : تمهل دعنا نشرب الفودكا .
قلت له : لدي قنينة فودكا سأقدمها لك فقط دعنا نمشي . تركنا ابو طالب وجلسته ، بحجة عدم إمكانية التأخير لتواصل جلسات إجتماعنا في الصباح الباكر ، علينا أن نقرأ ونهيء مداخلاتنا ، بعد خروجنا وإبتعادنا قلت له:
ماذا كنت ستفعل عن أيّ ثعلب تتحدث ؟
قال ألا تدري ؟
قلت ماذا ؟
قال : يوجد بين الجماعة ثعلب ، وهم دايخين لا يعرفونه .
قلت: بغضب ، من نقل لك الخبر كان عليه أن يقول لك التفاصيل كي لا تتورط ، هل تدري إن الثعلب الكبير هو أبو طالب ؟، وشرحت له بعض التفاصيل ، إندهش أبو نصير وعلق أخاف أن تكون الفودكا مسمومة!! ، قلت له : إطمأن لقد راقبته وشرب منها قبل أن أمد يدي إليها .
سأل ماذا سنفعل ؟ قلت له مباشرة إلى أبو داؤد كي ننبهه بإنتشار الخبر وإحتمالات أن يتسرب الموضوع لأبو طالب ويهرب ، في ساعة متأخرة من الليل قلت لأبو داؤد عليكم الإسراع في التحقيق مع أبو طالب ، كاد اليوم أبو نصير أن ينبهه ، بسبب جهله لتفاصيل المسألة ، إعتذر أبو نصير وغادرنا مقر المكتب السياسي مع مشاعر أبو نصير وتوجسه من إحتمالات أن يكون قد وضع لنا شيئا ً من السم في الفودكا من قبل مضيفنا أبو طالب .

 

صباح كنجي


التعليقات




5000