.
......
 
.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


ثلاثة طوابق ... نص قصصي

محمد سهيل احمد

•1-   الطابق الأول

.. هم ثلاثة ..

انا ثلاثة بإعتباري شديدة الإنهماك بأشياء عديدة في وقت واحد مما ابعد عني فرصة التعرف على حقيقة كوني ثلاث نساء في كيان واحد او ثلاثة كيانات في امرأة واحدة ..

قال صفاء :- بل اكثر من ثلاثة .. الأصح هم اربعة : ماء هواء نار وتراب . قلت لا .. هذا شيء مختلف .. هذه عناصر  والعناصر متوفرة في داخل كل انسان  وبدرجات متفاوتة . وبعد مناقشة طويلة تخللتها مراجعات لعدد من القواميس واستخدام  مصطلحات سايكولوجية وفلسفية . استنتج قائلا :

 -   إذا فهي حالة مزاجية ..

 في لحظة ضيق انفجرت :- بك وبكتبك للبحر !

دفع بكومة كتبه جانبا وابتسم:- يا صاحبة الوجه الجميل .. واضح انهم جعلوا الدم ازرق في اصابع قدميك .. انت ترهقين نفسك .. لم لا تأتين للعمل معي ؟

مسحت الجدران بعيني :- كنت وما ازال احب القراءة ولكن ليس بطريقتك .. راقب نفسك .. قف في حضرة مرآة .. تجد انك تقف امام كتاب مزدحم بالافكار ..

•-          وباختصار ؟

•-          انت جمهورية فاضلة !

كلانا على حق . من الطبيعي ان انجذب اليه مثلما تفعل اية فتاة تبحث عن النقاء .. شاب مثالي .. في مثاليته مبالغة .. في حضوره اشعر انني ابعد ما اكون عن القداسة واقرب ما اكون للإثم .. انه يدير مكتبا للطيران .. محاطا من كل حدب و صوب بمدن العالم : لندن.. باريس.. مانيلا.. نيويورك في الليل ؛ ناطحات سحاب ؛ مرايا وغيوم رصاصية. يمينا تجثم البوينغ 747 على ارض نيروبي , شمالا جبل فيجي تكلل قمته كالعادة الثلوج ؛ فتاة جيشا على تقويم تقدم مشروبا اخضر القوام بابتسامة مصنوعة في اليابان . خلف كرسيه الدوار خارطة ملونة لرحلات بعيدة واخرى قريبة حيث تتشابك خطوط حمراء وتندفع مثل رماح في جهات الارض الأربع . لهوت بتأمل صورة لطائر من فصيلة نادرة وقرأت على الزجاج عبارات مثل " سافروا على متن طائراتنا " و " سافر الآن وادفع فيما بعد "

هو..  على العكس مني , يحيا حالة تماثل مع نفسه . حتى اسمه ينطبق عليه . من المدهش  انه يكره السفر ما عدا ذلك النوع المضغوط بين دفتي كتاب : رجل الينابيع الاولى , الترفع عما كل ما هو عرضي  والزهد بالأشياء . لا بد انه وجد في المكان الخطأ .. هكذا كان يردد احيانا .. كان ينبغي له ان يكون مخلوقا من لحم ودم .. محض روح بأجنحة تسبح في لجج متلاطمة من افكار .. ازاء نقائه المفرط تبهت صورة الطهر التي احاول ان اتمثلها داخل نفسي عن نفسي . اكره المعادلات .. اعتقد مع ذلك انه يعكس ثلث الحياة !

 

•2-   الطابق الأرضي

 

قالت ماريا : - مرّ من امامك فلم تحييه . ماذا دهاك ؟ اصحاب الشأن مزاجيون .. بمجرد اشارة من اصبعه

و..

- انت تبالغين .. انت خوّافة .. هو يختلف عن اخيه .. أي طراز من المدراء هو ؟ أي طراز من الرجال ؟

 

انه  يستخدم عبارات مقتضبة تتعلق بالعمل .. عندما يزور المعرض يحتل مقعد المدير الإداري في المكتب الزجاجي الذي اعتاد الموظفون ؛ في زحمة العمل ,ولشفافيته الفائقة ان يرتطموا به .. كان ذلك ساحرا . ذات مرة طلب مني جلب ورقة من سيارته . كان طلبا "غريبا " من نوعه . شعرت بفرح غامر وكأنه وهبني تلك السيارة .. كانت سيارته في مرآب العمارة المتعددة الطوابق الي تمتلكها عائلته ذا ت  الإسم المرموق في عالم التجارة .كانت سيارة فارهة الطول  سوداء اللون .. الا ان ما اذهلني حقا هو مقاعدها الوثيرة ولوحات السيطرة التي اوحت لي بأنني داخل قمرة طائرة نفاثة: بوصلات.. سماعات .. ازرار مضيئة . دعست واحدا منهابالخطأ فاندلقت طاولة " ميني " مزركشة عليها كأس . دعست زرا آخر فبرزت راقصة من الغجر جعلت تتلوى دقيقة على ايقاع اسباني وتلاشت على نحو آلي .في درج السيارة عثرت على عطر انثوي . رششت دفقة منه في راحة يدي ؛ ونظارات شمسية ومقتنيات غامضة الأشكال بالغة الأناقة ..

 انبعث من مكبرات السقف صوت انثوي رقيق : - الآنسة " مي " .. مطلوبة في الكافتيريا ..

 وجدته جالسا عند طاولة منزوية تاركا ظهره لنبات ظل متسلق :

•-          ماذا تحب ان تشرب ياسيد ؟

•-          يبدو انك تعملين في اكثر من ركن ..

•-          تحت اسم ديناميكية العمل .. اليس كذلك ؟

•-          آه.. هؤلاء الأجانب .. نعطيهم رواتب مجزية من اجل ماذا ؟ من اجل ان يضع واحدهم الساق على الساق ..

 

لبثت صامتا فالحديث يمس ادارة المعرض وليس من صالحي ابداء الرأي بهذا المدير او تلك السكرتيرة .. انا مجرد موظفة عادية .. بيدق .. ارفع من قسم الإستقبال الى الكافتيريا واحيانا اجد نفسي وقد تحولت الى ممسحة اقدام  مكتوب عليها بحروف كبيرة "اهلا " .. يفد للمعرض ما يزيد على الألف مزاج يوميا : تجار , شذاذ آفاق , مندوبو شركات , اثرياء بوجوه عابسة, هنود بعواصف من عطاس حارق , مدمنو مخدرات وخمور , عشاق من كل مكان الا القلب, عمال تفريغ بأفواه نتنة , نساء مترفات بعطور مثيرة للدواروازياء متنافرة الالوان , طباق وغليونات, شيوخ تتدلى من اصابعهم مسبحات من سندس وعقيق, بقصات شعر ثائرة واخرى قنفذية, سيدات قمة الذوق , سيدات اللهجات الآمرة و العيون الخضراء ؛ الزرقاء , السنجابية, الناعسة والمفترسة, العارية والمتوارية وراء زجاج داكن .. في البيت , بعد التاسعة ليلا , اكون الأخيرة التي تغادر باص الشركة بعد توهان اضافي في شوارع المدينة.. اقذف بملابسي على السرير.. اخلع قناعي الذي حنطت عليه لنهار كامل  ابتسامة العمل .. انه يتكسر في الأغلب من دموع وأوجاع المفاصل, من كثرة الإستخدام. وما تفتأ ان تتقرح مسامير اللحم وسط اصابع القدمين. مرات اعد ماء دافئا وفي معظم الاحيان انام بحواس ملغاة , كما لو انني لم اخلق بعد. في الكافتيريا كان العمل اخف وطأة.. يكفيه عزاء انه يبعد عني غائلة الجوع: جوع العيون للحوم باردة, لقلاع نمساوية من قشدة الكاكاو وفطائر " الغابة السوداء " شطائر سمك التونا بالخس والمايونيز, مياه بيريه الفوارة , بينما تتسلل موسيقى رومانتيكية الى الصالة من النوع المنتقى بحيث تتخللها لحظات هدوء لا تخدشه الا اصوات الملاعق وهي تدور في اكواب قهوة " الكوباتشينو ":-

-الى اين سرحت بك الأفكار ؟

-اوه, ليس الى أي مكان ..

- كن تحلمين ..

- احلام يقظة.. ملونة وغير ملونة .. وانت يا سيدي ؟

-ناديني بإسمي فقط .. انا اعاني من الملل ..

- كيف تداويه ؟

 - بالسفر.. ولكنه دواء مؤقت .. ما يعتم ان يتبدد مع عودتي لهذا البلد القفر .. انظري لهذه الاركان .. اناقة ونظافة .. مجرد اشكال .. بم تشعرين؟

•-          اشعر انني احيا عالما جميلا وقاسيا ..!

انزل كوب القهوة في الصحن : - هيّا بنا ..

•-          الى اين ؟

•-          جولة في غرفة المعرض . ما رأيكِ ان نبدأ بغرف النوم ؟

 اجبت بعد فترة صمت :- احبذ غرف الجلوس.

 اكتشفت ان صادق كان يراقبنا.. لمحت عينيه اللتين انبثقت من حدقتيهما اشعة حارقة , كما لو انها- تلك الأشعة- كانت تمر بعدسة مكبرة .. انه شاب انيس هادئ يميل للإنطواء .. ولكنه منفتح في حضوري لكوننا ننتمي لمدينة واحدة .. انه يكرر على الدوام ان مهمتنا هنا , مهما طالت فهي مؤقتة .. جئنا لكسب المال ليس الا . كان حديثه مشوبا بمرارة وكنت اضيق كثيرا بآلته الحاسبة التي يخرجها من جيبه كل خمس دقائق لينكبّ على الارقام . اسمعه يغمغم كالمحموم : هذا للثلاجة وذاك لجهاز التسجيل .. هذه للشحن وتلك للرسوم الكمركية ..

سألني المدير العام :- لماذا لا تأتين للعمل عندي ؟

•-          بصفة ؟

•-          سكـرتيرة..

•-          اين .. في مكتبك ؟ هنا ؟

•-          انت تعرفين ولا تعرفين .. هذا المعرض لشقيقي  وانا وكيله بحكم سفره المستديم .. يجهل معظم الموظفين هذه الحقيقة .. انا امارس عملا مختلفا ..

•-          اين مكتبك ؟

•-          آثرت  ان ينزوي في منأى عن الأضواء.. انه تحت .. في سرداب عمارتنا ..

من المؤكد انه شعر بإرتباكي ..

- قولي أي شئ يخطر على بالك .. لن اغضب ..

- كلا .. انها مجرد تقولات ..

- من يرددها ؟

- لااذكر بالضبط .. ما اعرفه هو انهم قالوا بأن السيد فيصل يحتفظ بسـر..

صعد الدم الى وجهه : - هكذا هي الحال اذن .. لابأس .. البشر نوعان .. متفرج ومتفرج عليه ..!

 ما اكثر الإشاعات! تلك الإشاعات التي تمسه تحدثت عن دأبه على نشر اعلانات يطلب فيها للعمل سكرتيرات بمظهر حسن ومؤهلات . كان ذلك عاديا  . كانت اصداء الإعلانات مجيء عدد كبير من الراغبات بالعمل , فتيات بعمر الورود , عوانس , متزوجات, جنسيات متباينة . .يبدو ان معظمهن كن يتمتعن بخاصية غير اعتيادية للإضمحلال ! أين يذهب بهن مندوب السيد " فيصل ؟  لمن ؟ الى سيده ؟ وبعد ذلك ؟ لا احد يستطيع التكهن .. هل يوجد باب خلفي مثلا , في  مكتبه ذاك ؟ رحت اتفحصه بنظراتي عبر زجاج المكتب . لقد اكسبه امتلاء جسمه بالشحوم عددا من السنين اضافيا . كان من الصعب معرفة سنه  الحقيقية . انا واثقة من انه لمّا يتجاوز الثلاثين بعد .. كان يتمتع بتقاسيم وجه متناسقة وعينين ناعستين لا تخلوان من اطلالة عجرفة _ تلك هي علاماتهم الفارقة - وكانت عيناه تتلامعان كساعتي كوارتز معروضتين على شامواه في واجهة محل ذات ديكورات باذخة.. نظرة الإستعلاء تلك , ببرودها , لا تلقط خشاش الأرض .. بل تتركز على الناعم من المرئيات , المترف  الصقيل .. ماذا يختبيء خلف تلك العينين ؟ جنون مطبق , جوع وحشي , بلادة . لا شييء ؟ لا ادري .

غادر المكب مقتربا مني: - ما علينا .. والآن هيا بنا لغرف النوم !

كان جولة ممتعة حقا , رغم انها كانت محفوفة بالأخطار. كان يمكن لإشاعة ان تولد وافتراء ان تنتشر له روائح .. كان المعرض محطة استرخاء مثالية بالنسبة للزائر سواء كان قادرا على اقتناء قطعة نفيسة من قطع الأثاث ام غير قادر كما هي الحال بالنسبة للأغلبية .. كانوا على الأقل سيلوذون , هربا من نيران اسعار المعرض, بالكافتيريا نافثين زفرات غيظ في فطيرة او قدح من الشاي او يبتاعون المتصدع من السلع المرحل لقسم التوالف . لقد مررنا بغرف معيشة يغلب على اركانها خشب الصنوبر الممرغ بمواد زيتية الملمس او الماهوغاني  المفضل لدى الأثرياء. زرنا قسم الأباجورات. انها تحتل كل رف وزاوية مكونة اشكالا هندسية يتباين فيها الإشراق والظل؛ وغصت رفوف الخزائن بأكعب كتب جوفاء , ساعات منضدة , صناديق , اسطوانات, اجهزة تلفزيون ..دلفنا لإحدى غرف النوم .. هنا الألوان تمتزج , تتدرج , تنسجم بخطوط رشيقة ومساحات متماوجة , ستائر بألوان الحلم .. القيت بجسدى على سرير من طراز " سلطان ".. تنهدت .. اطل علي :- بم تشعرين ؟

•-          بالمزيد من الإرهاق..

•-           ستؤذين صحتك . ستعملين في مكان واحد عندي , ذلك ادعى للإستقرار.. فكري جيدا . واحزمي امرك ..

خطرنا بسرير من خشب السرو المكسو بالميلامين الأبيض المطوق بقضبان من الفولاذ الملمع بالكروم تلتف حوله حشية غليظة عنيدة النوابض . دخلنا قسم الشموع واللوحات الجدارية .. تحاشينا المطابخ وقسم السجاد عائدين من جديد للكافتيريا .. اعلن فجأة : - على اية حال .. تأخذين هذا المفتاح وتلقين نظرة على المكتب.. يجب ان تحزمي امرك..

 

•3-  ما تحت الأرض

كان ذلك اقرب للإنزلاق الى جوف سمكة  قرش .. ما ان حططت بقدمي على درجات السلم حتى تيقنت من انه لاسبيل للرجوع  همست لنفسي :

•-          هكذا اذن .. نحو الأسفل .. لا مناص ..

كان في الوقت متسع  يتيح لجسدي من الناحية الحركية , التوقف او الإستدارة توطئة للعدول, الا ان قوة سرية جذبتني الى نفق العمارة السفلي . راح النور يتناقص حبة فحبة . كانت خطوط الظلال تتباين بعمقها وشحوبها طبقا لإستدارات النفق الحلزونية ودرجة صلاحية مصابيح النيون . كان بعضها يشقشق بصوت خافت ساكبا من حليب النور المزرق على الجدران والسلالم ما كان اوهنه غير انه كان , على اية حال , افضل بدرجات من الظلام المطبق . وزيادة في الحيطة احكمت قبضتي على سياج الإفريز المتحدر شاعرة ببرودة معدنه مستنشقة زنخ الصدأ  في راحة يدي ممتزجة بعطر انثوي  يبدو انه علق بها إثر رشة او

مصافحة . خنقت صرخة وانا اتحاشى وطء فأر متراكض .. كان دوار خفيف يلفني مثل غمامة وتقرح في جفني يجعلني كالسائر في نومه .. عثرت على نفسي لصق نافورة السوق تطوقها قلادة من مصابيح مطفأة, زرقاء الزجاج ؛ حمراء او صفراء  كان السوق شبه خال من مرتاديه مما اثار استغرابي وتساؤلي ان كان اليوم احد ايام الجمع. كانت بقية المكاتب  مضاءة الواجهات بيد ان مكتبه هو بالذات كان مضاء من الداخل . ثمة من ينتظرني هناك .. شئ مألوف او اشخاص . الآن او بعد ساعات .او ايام ..ستمتد ذراع بلون الظلام لتأخذ بيدي او لتطبق على عنقي وانا لا املك ان انطق بشئ او ان افعل شيئا.. سينفتح باب ويدعوني صوت ممغنط ان ادخل فأفعل .. هل تنتهي الأمور بهذه السهولة ؟ لمحت نورا احمر وهاجا  اعلى باب المكتب الخارجي . انفلق مصراعا باب منزلقين آليا خلفي . لقطت اذني صراخا هامسا : -ارجعي .. إرجعي قبل ان يتأخر الوقت ..

لهوت بتلمس سجاد المكتب الوثير . كان ذلك المكتب شبه فارغ .: مجرد طاولة لها هيئة حدوة حصان , تلفون للإتصال المزدوج_ داخلي وخارجي _ لوحة جدارية تمثل نمرا يتأهب للوثوب الى امام , الى خارج اللوحة . جاء الآن دور المفتاح .. أخرجته من حقيبة يدي وحين بحثت عن الباب الداخلي فوجئت بوجود ثلاثة ابواب متجاورة . الفارق الوحيد وجود لافتة كتب عليها بحروف حمراء بارزة ( الدخول ممنوع )  وهوباب اقصى اليمين. بدأت بالأول . لم يدر المفتاح . جربت الباب الأوسط . لا فائدة . لم يتبق سوى الباب الممنوع .. دسست المفتاح في الثقب ؛ كمحاولة اخيرة.. فدار دورة كاملة ! لم يكن ثمة وقت للتساؤل فيما إذا كنت قد اعطيت المفتاح الخطأ. اصدر الباب ازيزا ناعما وهو ينفتح . كان حلقي جافا. تقت الى جرعة ماء او صفعة تعيدني الى حيث كنت :

•-          هل يوجد احد هنا ؟

اجابني صمت المكان !

كنت في حاجة لمزيد من النور .. لشمعة .. لعود ثقاب .. اسعفني الزر وانا ادعسه في انارة المكان كاشفا عن عنق زجاجة هو الدهليز المتشكل من جدارين متقابلين .. سرت عبرذلك الخانق لأجد نفسي في عالم غريب عصي على الوصف : قاعة متداخلة اكتظت جدرانها برايا بيضوية ومستطيلة . رفعت رأسي للسقف .تلألات بنور وهاج ثريات تدلت من سقف يغص بعدد من المرايا لم يكن حجم الواحدة منها يتجاوز علبة الكبريت مساحة والتي رصعت السقف على نحو فسيفسائي باهر . اما الأرضية التي  كنت اقف عليها فقد اوحت الي بكونها بحيرة . بدون ادنى تردد رحت اقدم ساقا وأؤخر اخرى رافعة حاشية ثوبي الى ما فوق ركبتي قارعة الماء بقدمي . لم يتناثر الماء بل ارتطمت قدماي بزجاج صقيل . كان عليّ ان اتيح لأنفاسي ان تنطلق من اسارها داخل صندوق تتوسطه ساعة تدق بعنف  ففعلت . وما ان تقدم خطوة او خطوتين حتى تملكني ذهول احال جسدي كتلة متراعشة ..على جهة اليمين صـفّ من الأحواض الزجاجية . كان الحوض الأقرب مزدحما بأسماك زينة .. طحالب ونواعير وعلائق عشبية , رمال وقوقع.. كان للأسماك وجوه عجيبة القسمات كما لو كانت وجوها بشرية .. وإذ تفرست فيها اكتشفت في تلك الوجوه قسمات شرق آسيوية : عيون لوزية , انوف فطساء واخرى بخزامات. في الأحواض الملاصقة- ثلاثة او اربعة كانت لااذكر- عثرت على اصابع مبتورة ؛ دبابيس شعر , وفي احواض اخرى ابصر كائنات ممسوخة الى الحد الذي يتعذر معه معرفة اشكالها . في حوض مقابل تماوجت ابواق فالوب , ورود وازاهير وعوالق طحلبية , ضفائر مجزوزة شقراء وفاحمة السواد , وترجرجت في احواض غيرها نهود بحلمات وردية وداكنة . على كل حوض لوحة معدنية تحمل عنوانا او ايضاحا مثل ( رقيق ) , ( انا سمك قرش مسالم ) , ( الورد لمن يقطفه لا لمن يعشقه ). كان تخاطف الأنوار يحوّر الاشكال ويقلص المساحات . تتسع الفراغات زاحفة للأمام .. بوصة تلو بوصة يصاحبها تقلب الوان .. كنت لحظتئذ اردد التساؤل اثر التساؤل: أهو متحف ام تجسيد لدخيلة بشرية ؟ دخيلة من ؟ وبدلا من التوقف عند هذين التساؤلين عنّ لي ان ابحث عن سطوع يميط اللثام عن هذه الغوامض..كنت بالضبط ابحث في الأ ركان  , تحت الأحواض وراء  اللوحات الجدارية عن دليل مطبوع لهذا المتحف . وبينما كنت لاهية بالبحث والتفرس في هيكل محنط لذئب على محفة رخامية فوجئت بذلك الكائن ينهض مكشرا عن انيابه مطلقا عواء طغى على صرختي قاذفا بجسدي للوراء , وإذا بأصداء قهقهة تتردد طالعة من ركن خفي ..كان قلبي يدق بعنف , اختلست النظر ثانية للذئب : لعينيه , لأسنانه . بدا جليا ان مصمم المكان قد اعتمد اعتمادا كليا على فن الخداع البصري . هل تتوفر حقا , لدى صاحب المكتب , موهبة الى  هذا الحد من الوعي والإتقان ؟ كنت مغمورة بفضول ان اعرف كل شيء .. افترست عيناي لوحات سريالية , تماثيل نصفية من برونز او صلصال لنساء, اناث  حيوانات تنزو عليها ذكور , تكوينات عنكبوتية , علب كافيار , مجلات عري, سراويل نسائية تحمل الوان قوس قزح بينما نقش على بعضها الآخر ايام الإسبوع .. بلغ من صغر احداها انه كاد ان لايرى بالعين المجردة . خطرت ببالي فكاهة " يبدو ان من خاط للإمبراطور ملابسه قد خاط هذا السروال للإمبراطورة ! " تدلت حمالات صدر وتأرجحت على حبال هدلاء قمصان نوم .. ثم توقفت هنيهة عند قسم القورير الزجاجية وجعلت أقرأ " ماء الحياة تحت عدسة مجهر " " اظافر مقلمة لسكرتيرة حسناء " " زغب شقراء اوربية " , صور فوتوغرافية لأزهار وأجزاء زهرية : مياسم , مبائض , تويجات . لابد انني قد توغلت بعيدا داخل هذه المغارة . اجل . كنت اداوي ذعري باليأس وإختناقي بالفضول . كنت اشعر بلذة خفية . كان ذلك المتحف ؛ بشذوذ معروضاته وبالكم الهائل من القاذورات التي مررت بها ذا وظيفة تطهيرية إذ اعانني على استعادة جانب من نقاوتي. ؛ ذلك الجانب الذي تجدد في حضرة  " صفاء "  . كنت اتطهر من ادراني في حضرة هذا التلوث مثلما تفعل يدان يزيح  الصابون  المراغ عليهما بقعا زيتية عصية  على الذوبان . وإذ انتهى  امر كل ذي امر شعرت بروحي كائنا من ريش  ثم حلّت لحظة اليقظة .. ادركت بعد فوات  الأوان انني على الأغلب , سأمسي واحدة من هذه المقتنيات وانني ربما لن اغادر هذا المكان. سأضم مثل مثل فراش الى دفتي " البوم " او يولج بي في داخل قمقم او احنط ويقذف بجسدي الى محفة جنبا الى جنب هياكل لا حياة فيها او القى الى اناء به ماء حامضي يذيب جسدي نافذا لملايين المرايا التي ترصع سقف المكان مثل نجوم . انتهى وقت الفضول وطفق جسدي ينضح عرقا وطافت بعيني غمامة وفجأة انهمر على وجهي تيارهواء بارد وتناهى الى مسمعي صرير باب تدفقت من جهته حزم نور ..

 

الآن او فلا !

جريت  بأقصى ما تستطيع قدمان ان تفعلا شاعرة بمقاومة تيار الهواء وإذ عرفت انني صرت خارج المكان امتدت ذراعي بحركة عفوية للباب محاولة اقفاله . سمعت صوت ارتطام ورائي مالبث ان انقلب الى طنين  متعال . ادرت رأسي للوراء . اكتشفت لرعبي ان الباب عاد للإنفراج ليندفع من الداخل اعصار لولبي استطعت في لحظة عدم تصديق هيمنت على حواسي ان   اتبين مابداخله من مكونات فإذا بها لوحات واحواض زجاجية , منحوتات , معروضات منها ماهو اليف ونها ما هو مستهجن . كان باب المصعد لحسن الحظ مفتوحا .. القيت بجسد منهوك للداخل ضاغطة زر الطوابق العليا .. أي طابق كان . جعل صدري يعلو ويهبط . حملقت بوجهي المذعور غائصا في مرآ ة المصعد . ابت ساقاي ان تسعفانني فإنحدرتا بي الى ارضية المصعد لأعانق اعقاب السيجائر ووحل الأحذية والبصاق . نهضت بتثاقل يسيطر علي شعور بالغثيان.. فتح باب المصعد لأجد باب المعرض قبالتي . عدت الى  الطابق الأرضي من جديد . ركضت نحوه تطاردني دبابير ذلك التيار لاذعة كل بوصلة في جسدي . صرخت في هلع حاجبة عيني بحقيبة يدي . اقتحمت الكافتيريا وهو يطاردني . هرب لقسم الأثاث . وجدته قبالتي . لا جدوى . لم اجد من ملاذ اخير سوى الإتجاه لقسم الأطفال . ارتطمت يصادق . كان كعهدي به منهمكا بمراجعة حساباته في دفتر صغير .راح يبحلق فيّ من خلا ل نظارة طبية هازا يده في تساؤل . دفعت بترس العتلات التي تتحكم بدخول الأطفال ثم قذفت بجسدي المحرق بلدغ السرب .. الى بحيرة الكرات البلاستيكية وسط دهشة الصغار ووجوم ذويهم ممن كانوا منهمكين في مراقبة اطفالهم في تقافزهم , عبر زجاج الركن العازل . سمعت احد الآباء وكان في الداخل لحظتئذ وهو يدمدم : - ماذا دهى هذه الموظفة ؟ هل ترى جنّت ؟ !

 

مليا رحت احدق في ما وراء الزجاج . لم اجد التيار . كان قد تلاشى مختفيا الا من بقايا دويّ متبدد . اطلّ عليّ " صادق " تلوح على وجهه  علائم دهشة اخفق في اخفائها :

•-          مابك ؟ ماذا حدث بالضبط ؟

•-          الجريان , اطلاق الصرخات وكأنـكِ استيقظت من ..

ابتسمت وانا ابسط ذراعي راجية ان يشدني اليه :

•-          كنت على وشك ان ..

اترع كياني , رغم كل شئ , بفرح واسترخاء يغمرا ن عادة كل من ينفض عن كاهله عبئا ثقيلا . غرفت ما استطاعت يداي ان تغرفاه من كرات ونثرتها على وجهي :

•-          والآن ؟

•-           انني استعيد توازني .. لكن ببطء ..

•-          هل تريدين الخروج ام لا ؟

•-          دعني . سأظل هنا لبعض الوقت .. انه ادعى للإطمئنان !

محمد سهيل احمد


التعليقات




5000