.
......
 
.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
.
عبدالجبارنوري
د.عبد الجبار العبيدي

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قصة // خبز وجمر ..

محمد سهيل احمد

  " ..أنا مثل الخبز الذي سوف تقطعه بيديك .. مثل النار التي ستكونها..

     مثل الماء النقي الذي سوف يرافقك الى ارض الأموات .. "

   ايف بونفوا

  

•·       لم تكن الريح من يقرع الباب هذه المرة :

       - من الطارق ؟

      طرقتان أخريان

   :- هل جهزت نفسك يا دكتور ؟ 

      قفزت كالملدوغ مغادرا سريري : -  دقيقة وأكون عندكم  ..

      تناولت من المشجب قميصا وبنطالا من قماش جينز آثرت ارتداءه تحوطا من نهشة كلب او لدغة عقرب وكممت قدمّي  بزوج جوارب من وبر وحشرتهما داخل  بسطال من الصنف  الذي يستخدم في المزارع . لطمني حال خروجي تيار بارد دفعت به رياح بحرية باعثا الرعدة تلو الرعدة في جسدي القرير. لمحت مصباحي " اللاندروفر " الخلفيين يتوقدان كجمرتين وسمعت هدير المحرك وصرير هيكل العربة المتراعد بتقطع ..

       شرقا, عند خط الأفق, خلف الأجمات المعشوشبة ثمة هالة نور ربما كانت انعكاسا شبحيا لذبالات مصابيح او إشارة مبكرة لمقدم نهار متسارع الخطى. حملت أجنحة الريح تكبيرة آذان الفجر ورائحة خبز التنانير . جذبني صوت مدير المستوصف :

      - هيا بنا با طبيب ..

        بجهد جهيد ميّزت اربعة ملثمين يتقاسمون مصطبتي الحوض الخلفي للعربة . تتلامع أعلى رؤوسهم اربع سبطانات بنادق . تساءلت بمرح منتزع من براثن صمت خيم على المكان :

      - ما هذا؟ هل نحن خارجون لحفلة جمر أخرى ؟

 انهمرت أصواتهم مثل أطلاقات :  

  -لانحسبك تتناسى اننا بصدد اقتناص طريدة  !

 ازدرت ريقي : - اقتناص طريدة ام .... ؟

 بتر"  الهونالي " تساؤلي : - لم نشأ إزعاجك ..

 أكمل بعيد لحظات وهويرتقي مقعد القيادة : - اركب .. ثمة تطورات في الطريق .. سنوضح لك كل شيء حال وصولنا لمركز التجمع ومن هناك نستأنف مطاردته ..

 انبرى الفهري

:- هو صاحبك  على اية حال ..

      - سامحك الله .. كان زميلي في الغرفة ..

 ربت الهونالي على كتفي :

 - لا بأس يا دكتور .. الرجال متوترون بعض الشيء !

       بدأت المطاردة في الصباح . خمس ساعات ومحرك اللاندروفر لم ينقطع عن الثرثرة الاّ لدقائق كان الهونالي يتوقف فيها لرفع غطاء المحرك . يفك الغطاء عن فوهة الرادياتور ويسكب ماء أجاجا من زمزمية مغلفة بنسيج قنّبي خشن الملمس . ينزل احد المطاردين هارعا باتجاه ربوة او صخرة ليتبول او يتيمم برمل الكثبان ثم يؤدي ركعتين جاعلا  من مهاد البرية وسائد لجبهة ملأى بالغضون .

لم تكن مهمة تمشيط الوادي هيّنة  على الاطلاق .: مساحات شاسعة من سهوب و تلال معشوشبة واخرى جرداء او مزروعة بالحصباء . ان الفاصل الوحيد بين الوادي والبحر المتوسط هو طريق السفر تليه مزارع الزيتون ومرابد الابل وكثبان الرمل التي تطل مباشرة على البحر حيث أوقف ابن البراري في زمن ما اندفاعته والقى بعصا الترحال ثم انكفأ متراجعا القهقرى وهو يكتم شعورا غامضا في انه يقف على حافة العالم وان اية خطوة قادمة تعني السقوط من حالق .

كنت جالسا في الوسط .كان أبوها جالسا جهة الباب الأيمن وهو يقذف بالشتائم بين الفينة والفينة . تتكدس القمرة بحرائق سجائره المتعاقبة  . كان عمران الهونالي يقبض بزندين متخشبين على حافة المقود وينثر بدوره رماد سيجائره على وجهي وثيابي . كنت أحاول ان أتفادى رماح الرمل اللاذعة وهي تتدفق من خلل الزجاج ومن فتحات الداشبورد . ارمق عبر زجاج المركبة جانبا من وجه واحد من ركاب الحوض الخلفي واحيانا عينيه وهما تكويان قفاي بجمر الرغبة بالقصاص , تتلامع فبهما نصال الارتياب .

 

             سارت عملية التمشيط ببطء قياسا باندفاعة الصباح الأولى ؛ ومع ذلك فأن المطاردين حرصوا ان لا يدعوا بيتا من بيوت الوادي المتناثرة هنا وهناك ولا عش طائر على شجرة ولا بئرا مالحا او غير مالح ولا برجا من ابراج الحمام دون ان ينخسوا خلاياه المقامة على تعاريش آيلة للسقوط ؛ ولا صخرة دون ان تقـلّـب لينساب  من تحتها عقرب او تفح منسلة افعى حتى بلغ مجموع العقارب المنهرسة تحت جزمات الرجال عشرين او اكثر حسب ما أحصاه الهونالي اضافة لأربع افاع ؛ وفتّشـت حظائر الماشية تفتيشا دقيقا وادلى المطاردون برؤوسهم في رماد التنانير ووخزوا بالحراب قطعان الماعزوالاغنام خشية ان يكون "عثمان كومبو" مختبئا بجسده الأكحل وزنخ إبطيه ونزواته القاتلة تحت جلد خروف او ملتصقا كقرادة في شعيرات كلب سخي النباح . ثم قاموا الى مكعبات القش وامعنوا  بطعنها بالفالات والمدي الطويلة ذات الرؤوس المدببة دون ان يعثروا على ما يدل عليه . تفاقمت الأمور حين اوشكت اللاندروفر ان تصدم جملا عملاقا اعترض سبيلها في احد المنعطفات فكادت ان تنقلب. اضطر الهونالي من جراء انفجار الإطار للتوقف إزاء ثلمة في سياج مزرعته . الآن بامكاني ان اعيد الدماء لعروق ساقين متخشبتين واملأ رئتي من هواء ما اعذبه وافرغ مثانتي الممتلئة . لم يكن الرجال اقل شعورا بالارتياح اذ سرعان ما تدحرجوا ملقين أجسادا مخضخضة لأقرب فسحة مزروعة بالثيل حيث اعدوا وجبة طعام تألفت من لحم جمال ورز وشاي اخضر ومواعين من "  هريسة" الفلفل الحارقة . في البداية لم اشعر بأي ميل لتناول الطعام خاصة بعد ان  شبع بدني تقافزا على طريق مفروشة بالحصباء مطرزة بالحفر ! بيد انني امتثلت لدعوة الهونالي  المتكررة . عاودتني بقية من حيوية كنت في امس الحاجة اليها  وانا أشارك المطاردين رحلة البحث عنا جميعا !

   كان بني وبين الهونالي شكل من إشكال المودة . تعجبني فيه بساطته وصراحته . كان ذا اطلاع جيد _.لعله يعد من بين قلة من ابناء الوادي  ممن أفادوا من وجود مكتبة في البيت -  كذلك من رحلاته الى الخارج . كان اطلاعه الواسع يثير غيرة الفهري وكنت الحظ ذلك من بريق عينيه . كان مديد القامة أصهب الوجه أكرت الشعر يذكرني على الدوام بمحارب روماني . قلت مازحا وانا أهشم كسرة من خبز الجمر :

 - لا تستطيعون ان تكونوا الا كما انتم .. رعاة حتى النخاع !

  - بالضبط .. نحن نسكن بيوتا من آجر .. صح .. ولكننا لسنا سوى رعاة .. خلقنا للترحال ليس الا..  بدواخلنا نفور فطري من المدينة وبغض اقل درجة للواحات . نحن أصلا نعشق الريح . ان أي ثبات لنا على ارض ما - أيما ارض - سيؤدي لإصابة أرواحنا بالتفسخ وها أنت ترى بأم عينيك .. !

  قلت مهونا عليه : - لا .. لا .. هذه حادثة استثنائية !

 ابتسم بوداعة : - ليست لأنها الوحيدة التي وقعت بل لكونها الوحيدة التي طفت على سطح أحداث رتيبة ..

 - هل تعتقد بذلك ؟

  - الجدب .. هو داؤنا ودوائنا . نحن في الحقيقة أبناء البراري لا ابناء المرتفعات .. الا اذا استثنينا سنامات الابل  وكبرياء الرجال  وصدور النساء وأحلامهن ..

 - انت لا تفكر بالطريقة التي يفكر فيها ابناء جلدتك ..

  - قد تكون أساليبنا غير مألوفة للغريب بيد انه من السهل على أي وافد ان يلحظ وجوهنا الخالية من أي انطباع ..وجوهنا رسائل بلا عناوين .. خذ أي وجه من وجوهنا .. هشم قشرته الخارجية .. ستفاجأ بأنه لا ينطوي على شيء  سوى الخواء في الداخل ..

 - خـواء الصـحـراء ؟

 - تماما .. لقد أمعنا تحديقا في السراب .. حلمنا بفراديس تجري من تحتها الأنهار حتى شارفنا اقاليم اليأس س والقنوط .. أصبحنا في ريبة من كل ما تبصره العيون .. نحن أبناء السراب !

 سألته مستفسرا  : -  عثمان كومبو هذا .. أتظن انه فعل ما فعل حقا ؟ 

 - اسأله هو .. ألم تسكنا معا في غرفة واحدة ؟

 - كانت الفترة من القصر بحيث لم يتح لي ان ..

 قاطعني :

 - لكي أكون صادقا مع نفسي .. لا ارى شخصيا ان وراءها دوافع أخرى .. ولكن ماذا افعل عندما اجد نفسي امام تيار جارف ؟ انا مجرد سنام على جمل ..

 غمغمت بصوت خفيض : - غير معقول .. أكل من زادكم وملحكم !

 - يصح القول بنعم ويصح بلا .. نعم بمعنى ان أي واحد منا يمكن ان يكون عثمان كومبو حتى وان لم تكن هي بذلك الجمال الذي يدير الرؤوس . ان الرجال ليشتهون النساء في اية بقعة من بقاع الدنيا .. انما نحن في هذه البقعة - وربما في كل مكان - ننجرف تحت وطأة شعور حاد بالخطيئة فنعلق شهواتنا على مشاجب غيرنا . لست في معرض الدفاع عن احد . ثمة بدائل لاحتواء الأزمة . دعوا الفحص الطبي يأخذ مجراه.. اتركوا الأمر لذوي الأمر . ان الناس ليندفعون مثل مركبات بلا فرامل .. يتسرعون بإطلاق الأحكام قبل ان يدركوا انهم بتسرعهم ينسون فضيلة جوهرية اسمها التروي .. قد يدركون امرأ كهذا في وقت متأخر .. في وقت ينقلبون فيه الى أطلاقات يستحيل ان ترتد الى فوهاتها !

   استمرت المطاردة حتى الساعات الأخيرة من النهار دون ان يظفر مطاردو عثمان كومبو بقشة تدل علبه . أعادوني للبيت على ان يكون اليوم التالي بمثابة إجازة عن العمل لكن ليس عن عدم مواصلة اصطحابهم  ..كما انهم سألوني عدم مغادرة الواحة تحسبا لأي طاريء. أويت الى غرفتي قاذفا للسرير بجسد كمتهالك . نضوت عن جسدي ثيابا عفّرت رملا وروثا ودخان مواقد . قلعت من بنطالي حفنة اقراص شوكية . ايقظني قرع المطر عند منتصف الليل .. أرهفت سمعي . ثمة حركة داخل البيت . تجمد الدم في عروقي : - من أنت ؟

   -  انا عثمان كومبو .. لا تخف !

   شهقت من هول المفاجأة : - يا الهي !

 ضمني الى صدره .. أعرضت بوجهي عنه :

 - أنهم يبحثون عنك في كل مكان ..

 - اعرف ..

 - كيف دخلت ؟

 - لا يهم ..

 انكب على يدي يقبلها :

 - أسألك ان تؤويني لما تبقى من الليل والصباح رباح .. أرجوك .. هل تفعل ؟

 امسى وجوده في البيت امرا واقعا :

 - شريطة ان ترحل قبل مقدم الصباح ..

 طلبت منه ان يخرج جوربيه وحذاءه فامتثل . نضا عنه قميصا موحلا . شد اليه وعاء التسخين . افرغ ماء من الخزان ودلف للحمام . عاد للغرفة بجسد متقاطر تفوح منه رائحة صابون . جفف بدنه بقميصه . انصرفت عنه منشغلا بترتيب سريري . انبرى قائلا وهو يتثاءب :

 - مستاء انت مني .. اليس كذلك ؟

 - الى حد الانفجار .. أوضاع عديدة لاتسر الخاطر وفي مقدمتها وضعك انت !

      لم ار امتقاعا بمثل ما ران على وجهه من امتقاع. كان متكدسا بطلاء زعفراني ضارب للخضرة. اما عوده فقد هزل الى الحد اذي كفّ  فيه عن ان يكون رمحا , كما اعتاد ان يكون, ومال الى ان يمسي عصا عجفاء مقتطعة من شجرة ميتة ..تذكرت هيأته قبيل شهور يوم اتى به عوام الفهري نفسه للسكنى معي في هذه الغرفة بالذات قبل ان يلتحق بالعمل في مزارع الزيتون. كان انيقا بلا هوادة .. بعد نهاية كل دوام يغتسل ويرتدي من البذلات أكثرها أناقة ويضمخ ثيابه بالمسك . كان وجهه اكثر روعة وعيناه احفل بالحبور وكان حريصا على حلاقة شعر رأسه بأحدث القصات . لم تكن عيناه تخفيان , في ومضة , مرحا طفوليا ممزوجا بمكر . لا يعرف احد عن اصله .بيد انه كثيرا ما ردد بتهكم خفي بأنه ترعرع بالقرب من بحيرة فكتوريا حيث ينابيع النيل  وقذف به طفلا بصندوق محكم الاغلاق ليأخذه الموج الى قلب الدلتا بمصر. غير ان بائعا سودانيا لأشرطة الكاسيت كذّبه موضحا " .. ليتق الله هذا الماكر .. إنما هو من غربي السودان .. هذا مؤكد ! "  يقول آخرون معترضين " .. بل هو  من أعالي النيجر .. من اسرة نزحت للعاصمة نيامي عاش متسكعا بعد ان طرده ا بوه من البيت . عمل بطلاء الجدران . جمع اثر ذلك مبلغا من المال أتاح له ركنا لا يتعدى مساحة راحة اليد على ظهر شاحنة كانت تضم في حوضها الخلفي حشودا من الباحثين عن العمل في الشمال الافريقي ممن سينتهي بهم المطاف الى بيع اشرطة الكاسيت وتخصيف النعال على أرصفة واحدة من مدن الشمال الإفريقي الساحلية او ان يصبحوا سعاة في مقاهيها ؛ سماسرة او مهربين عند الحدود . كانت الشاحنة تضم حفنة من نساء مكركبات تنبعث من صررهن روائح الكافور النيجيري والجيلاتين والواح تخضيب الشفاه واعواد المسك ومناديل مطرزة بكتابات غامضة وقواقع واصدافا للبيع او للكشف عما تخفيه الأيام . كان لا يهدأ لكومبو بال فما ان تستقيم له الامور في حرفة ما حتى ينصرف عنها الى حرفة اخرى. كان كثير الميل للشجار غير انه كان في الوقت نفسه ينام ليله كما ينام طفل قريرالبال. كان عثمان كومبو سودانيا بطريقة تشعرك    بأنه يحمل جانبا من خصال السودانيين , وداعتهم , أسلوبهم في التهكم على مجريات الأمور. وكان تشاديا وواحدا من ابناء النيجر وموريتانيا, بيد انه في الغالب ؛ لم يتح لنفسه ان يكون ايا من هؤلاء او أولئك اذ كان خلاصتهم جميعا . كان ذا مقدرة هائلة على تحمل اطنان من الألم ,تلك هي خصلته رقم واحد وهي الخصلة التي تسم ابناء افريقيا قاطبة . كان إفريقيا قبل ان يكون سودانيا او تشاديا او ليبيا , الا ان حياة كتلك لم تعش دون ان يدفع عثمان عنها ثمنا باهظا  فقد أضاع عثمان كومبو محليته وفقد مع الصعلكة انتماءه الى أي تراب .. احمر كان او رصاصيا وصار يمضي الى حيث تمضي الرياح !

 

      ادرت كنفه نحوي : - إياك واللامبالاة .. انت متهم بإغواء فتاة قاصـر !

 - من يقول ؟ هم يقولون . هم لا يصدقون بأحد .. أنت أيضا لا تصدق !

 - عرفتك ذكيا لا تخلف وراءك اية آثار ..

   رماني بنظرة عتب :

 - حتى انت يا دكتور!

   قفز كمن لدغته انثى عقرب .. أستطرد :

  - هذا افتراء .. غير ممكن .. انت تعرف أميرة جيدا ! قل لي بالله عليك .. ألم تصلك منها رسالة ؟!

  ادر ت وجهي باتجاه الجدار :

 - اسمع .. لنكن صرحاء مع أنفسنا .. ان لها من الأنوثة ما  يكفي لأن تلوي أعناق مائة رجل .. انت شاب وفيك تفجر وهو ما تعّده بعض الصبايا شكلا من إشكال الجاذبية .. ولكنها قاصر .. وأنت غريب .. أتفهم ما ارمي اليه من قولي بأنك غريب في عرفهم ؟ انها تعني أحيانا رجلا من العشيرة نفسها لكن من فخذ آخر ..

 - أقولها صريحة بلا مواربة .. أقولها لرجال الواحة ..منْ من الرجال لم يعشق أميرة فليرمني بحجر !

 -الحقيقة .. أريد الحقيقة الناصعة من عظمة لسانك !

   - أهو تحقيق ؟

  - بل هو مراجعة قاسية للذات !

   - أنت تريد الحقيقة .. هم يبحثون عنها .. ان الحقيقة التي لا يرغب احد في الاستماع اليها هي مسألة خلافي مع الفهري حول الإجحاف الذي ألحقه بي أجورا  وساعات عمل .. هذا الكائن الجلف الغريب الأطوار الذي لا يملك ذرة من بساطة أهله وأبناء عشيرته ! صدر الفهري محارة .. خذ سكينا ولتشق بها تلك المحارة ..ستجد لؤلؤة اسمها الحقيقة .. ومع ذلك لن تصل اليها بيسر .. يتعين عليك ان تحك وتكشط وتحفر فهي مخبوءة تحت طبقة من أقذار.. نعم .. اعلم جيدا انه هو الذي تنكب بندقيته وانه في طليعة المشاركين بحملة مطاردتي .. انه رجل مهزوم لحد العظم .. حتى النخاع !

 - المهم ان الفأس قد وقعت في الرأس.. نم الآن  واستيقظ مبكرا ولتتدبر لنفسك خروجا آمنا لحين ظهور الحقيقة..

   سرعان ما استسلم لسلطان إغفاءة تخلله شخير . هرعت الى درج خزانتي وأخرجت من مظروف باهت اللون ورقة وشرعت اقرأ:

   ..يا طبيب القلوب .. هل أعجبتك وجبة خبز الجمر التي أرسلتها أليك؟ ليتك تفرجت على الرجال وهم يحمّصون الرغيف بدفنه في أعماق رمل تحت وهج الصندل والعوسج والخيزران .. بضربتين او بثلاث ينكتون ما يعلق في حافاته من رمل وساخنا يلتهمونه . ألسنا نحن النساء - محظياتهم - أرغفة جمر.؟ ! . كالخبز جيء بنا لكي نعجن ونكور ونحمص وندفن ونحمص من جديد ؟ قدرنا ان نكون مشاريع للاشتهاء .. وقليلات منا من يجازفن بالخروج على القبيلة ..هو قدرنا .. وعلى هذا المنوال تسير الحياة في الوادي بطيئة مضجرة .. حتى آخر العمر ...

   الى اللقاء مع أرغفة جمر أخرى ... !

   قمت بإحراق الورقة هارسا رمادها المنقوع الى قلب المطفأة .. واستغرقت في نوم عميق !

                                 -----------------------------------------------

      سطعت شمس صباحية لاسعة على جدران غرفتي وعثمان كومبو ما زال يغط بنوم عميق . داهمني غضب ساحق . خضضته بعنف :

   - استيقظ يا كومبو وانظر الى حصاد مبيتك عندي  .

.فتح عينين حمراوين . هرع للنافذة . اطل من أضيق خرم :

   - ياالهي .. ! هلكت في يومك يا عثمان ..ليتك أيقظتني عند الفجر ..

   - وهل انا ملاك نومك الوديع .. ؟!

   - اعذرني .. سببت لك الكثير من الأذى .. لم اكن اقصد أن ..

   تابعت حديثي مجففا وجهي قاذفا بالمنشفة للسرير :

   - اسمع .. خروجك الساعة شبه مستحيل وفيه خطر علينا معا .. لماذا أقحمتني في دوامة مشاكلك ؟

   - والحل ؟

   - ان لا تبارح هذا المكان حتى مقدم الليل ..

   ارتديت ثيابي على عجل . نتشت ساعة فحص المرضى وجهاز الضغط وعبرت الشارع للمستوصف . انهمكت بفحص المرضى .. تعمدت عدم تناول الغداء في البيت . عدت في الغروب .. أدرت أكرة الباب .. وجدته وقد حرص على ارتداء بذلة من الصنف الذي اعتاد ابناء الواحات ارتداءه فقد تلثم بكوفية وزيادة على ذلك تمنطق بمسدس . لمحت في عينيه حزنا دفينا . أهوى بهيكله على يدي :

   - هلا غفرت لي ..

   رددت باقتضاب :

 - ليغفر الله لنا جميعا !

   ثم قلت مضيفا :

 - سأتأكد من خلو الطريق ..

   تجولت ساعة حول البيت . كانت السماء مزدانة بملايين المصابيح .. مصابيح زرق كبيرة الحجم شديدة التوهج وكأني بها مدلاة من سقف تطاله يدا صبي . شقشقت أنوار مصابيح واحة (الطروس)  المجاورة وتمايلت أوراق الأشجار كأشباح في حفلة وداع . أقفلت الباب عائدا للداخل :

   - بإمكانك الرحيل الآن  ..

 لفّ كوفيته بإحكام وغادر المكان في صمت . دوت أطلاقة .. تلاها سيل من الاطلاقات من   اتجاهين . ارتد عثمان على عقبيه الى داخل الغرفة وهو يلهث . طرق أسماعنا نداء منبعث من مكبرة صوت : - يا عثمان يا كومبو .. نعلم تماما بأنك في بيت الدكتور .. ننصحك بأن تسلم نفسك !

   بخفة افعوانية زحف صوب الشباك. أطلق النار من جديد . انهمر سيل من الرصاص . لذت بركن الردهة. انتهى الأمر بأسرع  ما يتوقعه المرء اذ سرعان ما نفدت ذخيرته . طلع عليهم رافعا يديه للأعلى . عبثا كنت ابحث عن سترتي . قرع باب الخروج . اطل وجه الهونالي :

- هل انت بخير؟

   اجبت بعد تردد :

:- يبدو انني كذلك !

   خرجنا معا ..

   أخفقت في تصور الكيفية التي اجتمع بها حشد المطاردين  وبمثل هذه السرعة القياسية . اختلطت في عتمة الخارج أصوات حاملي الفوانيس بجلبة أصحاب السيارات وقد ادلقوا مصابيح أنوار سياراتهم المبهرة على عثمان كومبو الملتصق بجدار البيت وهو يتلوى مذعورا مثل دودة . تعالت جلبة المحاصرين وارتفع جدالهم . كان بعضهم ينحني . يلقط حجرا ويرجم به عثمان . اما الآخرون فقد بدوا أكثر جرأة وأوغر صدرا . كانوا يدنون منه  باصقين على وجهه ثاقبين قناعا من الاعتداد حاول عبثا ان يتمترس به وهم يهتفون : - الموت للفاسق !

   دفع بهم الهونالي جانبا . أطلق صرخة مدوية .ران صمت ثقيل على المكان . هتف :

   - تعقلوا .. دعوا الأمر لمحاكمة عادلة , ولكم ان تفعلوا به ما شئتم ان ثبت جرمه .. !

      رويدا رويدا تفرقت الجموع احتراما لسن الهونالي ومكانته في القبيلة . من وسط الغمام- في اقصى الافق - طلع قمر شاحب . تقدم احد الرجال , شد ذراعي كومبو الى ما وراء ظهره واحكم الوثاق عليهما ومن ثم قذف به , كما يقذف بعجل يعد للذبح الى حوض اللاندروفر . كان ذلك الرجل عوام الفهري دون غيره .

   تضاربت الأقاويل حول مصير عثمان كومبو . ثمة من قال انه نال حكما بالبراءة حيث ثبت بالفحص الطبي كون الفتاةا عذراء . وقيل ان الفهري تدخل شخصيا وذكر انه لمح الاثنين - ذات يوم - في وضعية غير لائقة وبهذا تركت شهادته أثرا سلبيا على حجم العقوبة التي صدرت بحق كومبو , والتي كانت مقتصرة على إبعاده عن الواحة . وقيل أيضا ان الفهري غافل الجميع وقاد جماعة من الموتورين الى حيث كان عثمان محتجزا . اقتادوه الى مزرعة زيتون نائية .علقوه من قدميه بالمقلوب .. وشفرة حلاقة عمدوا الى تشطيب عضوه التناسلي ومن ثم سقوا جروحه من ماء ملح أجاج وكومبو يصرخ ولا من مغيث !

      لحين من الزمن  اثارت  سادية  الفهري صدمة و استياء لدى ابناء الواحة ممن جبلوا على معالجة الأمور بدون تعقيدات .. رغم انهم جميعا كانوا مسرورين بالخلاص من جسم غريب من الواحة .

   بين الفينة والفينة قد يعن لأحدهم ان يذكّر الفهري بأسلوب معاقبته لعثمان كومبو :

 - ان كان ما قيل صحيحا .. ألم تكن قاسيا اكثر ما يجب يا عوام ؟! لقد قام المسكين على خدمتنا لسنوات واكل من زادنا وملحنا !

   يهز الفهري رأسه مرددا بتهكم خفي :

•-         لا مناص .. ما بدأ بالملح لا بد وأن ينتهي بالملح !

 

                                                            ( ليبيا ـ ضواحي سرت   )

                                                               

                  *     ( قاص عراقي ) عمل  مدرسا  في ليبيا

محمد سهيل احمد


التعليقات

الاسم: مقداد مسعود
التاريخ: 16/08/2012 21:52:17
أستاذي الذي صار صديقي القاص الرائع محمداحمد سهيل
محبتي
استوقتني الاستعارات لديك وانت تصف عثمان الذي كان رمحا
ثم امسى عصا غليظة..يالها من شفرة خضلة!!
احييك ثانية ياأبارافد
تلميذك/ مقداد مسعود




5000