..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


نـظــرة قـانــونيــة: مـبــدأ الـتــدخــل الـفـيــدرالــي

د. فلاح اسماعيل حاجم

شكّلَ تنظيم العلاقة بين المركز واقاليم الدولة الفيدرالية واحدة من المسائل الاكثر حساسية في التاريخ الدستوري للكثير من البلدان التي اتخذت من الاتحادية شكلا للدولة. واذا كان العقل البشري (والاباء المؤسسون) قد اعتمدوا الفيدرالية تاريخيا لتوحيد ولايات واقاليم ومقاطعات وكنتونات، وفيما بعد، دول مستقلة وذات سيادة، ووضعوا الاسس السياسية والقانونية وابتدعوا آليات واقروا اعرافا اصبحت فيما بعد ثوابت للعيش المشترك، اذا كان كل ذلك تعرض، وما يزال، لهزات تصل في الكثير من الاحيان الى حالة الصراع العنيف، نتيجة تصادم المصالح، فان تداعيات التطور العكسي المتمثل في انتقال الدولة من شكلها البسيط الى الفيدرالية تكون اشد وطأة، ذلك ان الصراع في الحالة الاولى يتم حول ما هو موجود وما يمكن ان يظهر مستقبلا، في حين يجري الصراع في الحالة الثانية على ارث الدولة القديمة وكل ما يتمخض عن ذلك من اشكالات، هي نتاج لعيش ازلي مشترك بين مكونات الدولة المختلفة. ويتخذ الصراع على السلطة والارث طابعا اشد ضراوة في البلدان كثيرة الخيرات، وخصوصا تلك التي تتميز  بتعددية الاثنيات القومية والاختلافات العرقية والدينية والمذهبية والطائفية ...الخ، وهذا ما يمكن ملاحظة مقدمات فصوله الاولى بكل جلاء في الحالة العراقية الراهنة. من هنا الضرورة القصوى لدراسة الموروث الدستوري للبلدان التي تمكنت من تثبيت قواعد متينة للحفاظ على وحدة الدولة وضمان الحقوق الاساسية لجميع مكوناتها، والحيلولة دون انتهاك حقوق الانسان وحرياته الاساسية، ولمنع تعسف سلطات الاقاليم.  

ان مساهمة الاطراف الفيدرالية (الاقاليم) في رسم سياسة الدولة وفق آليات دستورية محددة، تقابلها رقابة السلطات الاتحادية (المركزية) على نشاطات سلطات الاقاليم، وفق اشكال وآليات يقوم دستور الدولة والتشريعات الاتحادية الاخرى برسم اطرها. وعادة ما يتضمن الدستور الاتحادي اشكال الرقابة تلك، ويمكن ان يكون تنظيم البعض من تلك الاشكال موضوعا للعرف الدستوري (غير المكتوب). وتتوزع اشكال الرقابة بين العادية (الطبيعية) والطارئة. فالرقابة المالية، على سبيل المثال، تعتبر من بين اكثر الاشكال العادية شيوعا، ذلك ان الموارد المالية لاقاليم الدولة (الكنتونات، الاراضي، المقاطعات...الخ) عادة ما تكون ضئيلة، ربما بسبب ذهاب الغالبية العظمى من الضرائب الى ميزانية الدولة المركزية. فيما تقوم سلطات الاخيرة بتحويل ما تحتاج اليه الولايات، اما على شكل مساعدات او من خلال بتمويل المركز لمشاريع التنمية داخل الاقاليم، وفي بعض الاحيان يتم تحويل الاموال اللازمة لميزانية الاقليم على شكل قروض. فيما تتولى الاجهزة المختصة التابعة للسلطات الاتحادية مهمة مراقبة سبل صرف تلك الاموال من قبل الاقليم، ولاسيما الاموال الممنوحة على شكل مساعدات. وكثيرا ما تلجأ السلطات المركزية للدول الاتحادية الى استخدام الرقابة القضائية بالعلاقة مع اقاليمها، وخصوصا اذا ما تعلق الامر بالنزاعات بين المركز والاطراف حول الاختصاصات، حيث تقوم السلطات المركزية للدولة الفيدرالية بتحريك دعوى قضائية ضد سلطات الاقاليم، اذا ما وجدت ان في نشاط الاقاليم ما يخالف الدستور والقوانين الفيدرالية. وتعتبر الرقابة عن طريق الاجهزة التنفيذية واحداً من اكثر اشكال الرقابة على نشاط اجهزة السلطة في الاقاليم انتشارا. فبخلاف الاجهزة التشريعية للاقاليم، والتي تتمتع بالأستقلالية -كونها منتخبة من الشعب ومفوضة من قبله- تشكل اجهزة الاقاليم التنفيذية في الكثير من البلدان الفيدرالية امتدادا لمثيلاتها المركزية، مع كل ما يترتب على ذلك من خضوع اجهزة الاقاليم التنفيذية لاجهزة الدولة العليا (وخصوصا اذا ما تعلق الامر بالاختصاصات الاتحادية الحصرية). هذه القاعدة بالذات منحت رؤساء الولايات المتحدة الامريكية الاعتماد على قطعات المتطوعين في القوات المسلحة المتواجدة في الولايات الامريكية (الحرس الوطني للولايات) في فترة تمرد حكام الولايات وبروز الحاجة لتطبيق القانون الفيدرالي وقرارات المحكمة الفيدرالية العليا القاضية بتامين عمل المؤسسات الاجتماعية مثل المدارس والستشفيات وخدمات المياه والكهرباء والاطفاء ...الخ، بغض النظر عن كون تلك الاجهزة  حكومية او بلدية او خاصة. وقد ظهر ذلك جليا اثناء احداث العنف التي رافقت احتجاجات الزنوج والهنود الحمر، وكذلك خلال الكوارث الطبيعية.

ان تجربة البلدان التي اتخذت من الفيدرالية شكلا للدولة في مجال تفعيل مبدأ التدخل الفيدرالي تفيد بان هذا المبدأ يشكل الوسيلة التقليدية لسياسة المركز بالعلاقة مع اطراف الدولة. على انه لابد من الاشارة هنا الى ان التدخل كثيرا ما يأخذ طابعا خفيا (سريا)، وخصوصا في فيدراليات "العالم الثالث" حيث الثأثير الكبير لنظام الدولة السياسي (ديمقراطي او غير ديمقراطي) على شكلها المساحاتي (الفيدرالي في حالتنا هذه). وفي جميع الاحوال فان اغلب دساتير الدول الفيدرالية تضمنت حق التدخل الفيدرالي كاحد الاختصاصات الحصرية لهرم السلطة التنفيذية الاتحادية. فيما اشترطت موافقة جهاز الدولة التشريعي (البرلمان الاتحادي) للقيام بالتدخل. فالمادة 37 (1) من القانون الاساسي الالماني، على سبيل المثال، تقول " في حال عدم تنفيذ الاراضي للالتزامات المنصوص عليها في الدستور الاتحادي او القوانين الفيدرالية، فان بامكان الحكومة الفيدرالية، وبموافقة البندوسرات اتخاذ الخطوات اللازمة لاجبار الاراضي على تنفيذ التزاماتها".

اما الوسائل غير العادية (الطارئة) للرقابة على الاقاليم فيمكن تمييز اربع اساسية، وهي: اعلان حالة الطوارئ في الاقليم او في اجزاء منه، واخضاع الاقليم للادارة الرئاسية المباشرة،  واجتياح اراضي الاقاليم، وحل اجهزة السلطة في الاقليم او ايقاف نشاطها. فقد تضمنت الغالبية العظمى من دساتير البلدان الفيدرالية امكانية اعلان حالة الطوارئ. حيث تناولت التعديلات  التي اجريت على الدستور السوفيتي لعام 1977 والتي اقرت في عام 1990 هذا المبدأ، غير ان حالة الطوارئ لم تفرض ولا مرة واحدة اثناء وجود السلطة السوفيتية. على العكس من الاتحاد الروسي، والذي تضمن دستوره لعام 1993 هذا المبدأ ايضا (المادة 88)، اذ قامت السلطات الفيدرالية بالفعل باعلان حالة الطوارئ في الاجزاء الجنوبية من روسيا في التسعينات من القرن الماضي. وعادة ما يتم اعلان حالة الطوارئ وفق مرسوم رئاسي وبموافقة البرلمان (او احد مجلسيه)، مما يترتب عليه تعطيل بعض الحقوق الدستورية مثل منع الحركات الاحتجاجية كالتظاهر والاعتصام ووقف نشاط الاحزاب السياسية والتضييق على حرية الصحافة وامكانية الحبس الاحتياطي للمواطنين، وخصوصا المتهمين بارتكاب نشاطات اجرامية (180 يوما للمتهمين بالارهاب في الهند مثلا)، بالاضافة الى تفتيش وسائط النقل وتحديد حركة الافراد وابعاد المقيمين بشكل مؤقت الى مناطق سكناهم الدائمة، والقيام بحل بعض الاجهزة المحلية وابدال الموظفين المحليين بآخرين من المركز....الخ. ويترافق اعلان حالة الطوارئ كذلك بتعبئة المواطنين والزامهم القيام ببعض الاعمال، وخصوصا عند اعلان حالة الطواري بسبب الكوارث الطبيعية. وتقوم السلطات الختصة بادخال تغييرات على مواعيد عمل المؤسسات الخدمية واتخاذ الاجراءات اللازمة لتامين الضرورات الحياتية وتوفير ما يلزم للتغلب على عواقب الكوارث (وسائل النقل مثلا).

    وما زلنا بصدد الحديث عن اعلان حالة الطوارئ، اجد من المفيد التذكير بان الولايات الهندية كانت الاكثر تعرضا لاعلانها، قياسا باقاليم البلدان الفيدرالية الاخرى، وربما كان ذلك ناتجا عن النشاط المتزايد للحركات الانفصالية في الهند. وشهدت ولايات الباكستان وماليزيا وجزر القمر اعلان الطواري ايضا والتي شملت، في بعض الاحيان، البلاد بكاملها. فيما شهدت بعض الولايات المكسيكية حالة الطوارئ في اوقات مختلفة. وكثيرا ما اعقب الانقلابات العسكرية اعلان الطوارئ في بعض البلدان الفيدرالية (البرازيل، نيجيريا، باكستان ...وغيرها)، غير ان اعلان حالة الطوارئ بعد الانقلابات العسكرية تأتي مخالفة لدستور الدولة، وليس تنفيذا لقواعده التي عادة ما تقوم  برسم الحدود اللازمة لاعلان الطوارئ. الامر الذي ينتج عنه، كما تثبت التجربة، التجاوز على الاختصاصات الحصرية لاقاليم الدولة الفيدرالية واقامة نظام المركزية المفرطة. وفي كثير من الاحيان تمتد فترة الحكم العسكري لسنوات، تتخللها فترات قصيرة من الحكم المدني (الباكستان مثالا) فيما امضت نيجيريا الجزء الاكبر من فترة استقلالها السياسي في ظل الحكم العسكري، وكان مجموع سنوات الحكم العسكري الذي شهدته البرازيل اكثر من عشرين عاما، اخرها امتد من عام 1964 ولغاية 1970.

 اما في العراق فقد اشترط الدستور الدائم (2005) موافقة مجلس النواب باغلبية الثلثين لاعلان حالة الطوارئ "بناءا على طلب مشترك من رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء" "المادة (61) تاسعا- أ". وذهب المشرع الى تحديد اعلان حالة الطوارئ بمدة "ثلاثين يوما قابلة للتمديد وبموافقة عليها في كل مرة" (الفقرة ب من المادة المذكورة). اما بخصوص آليات تطبيق احكام حالة الطوارئ، فقد جعلها الدستور من اختصاص رئيس مجلس الوزراء حيث ذهبت الفقرة -ج- تاسعا- من المادة (61) الى تخويل "رئيس مجلس الوزراء الصلاحيات اللازمة التي تمكنه من إدارة شؤون البلاد في اثناء مدة اعلان الحرب وحالة الطوارئ وتنظم هذه الصلاحيات بقانون بما لايتعارض مع الدستور.". ولم يقصر الدستور دور مجلس النواب بالموافقة اعلان حالة الطوارئ وتمديد فترتها، وانما منحه دورا رقابيا، وذلك من خلال الزام رئيس مجلس الوزراء عرض "الاجراءات المتخذة والنتائج في اثناء مدة اعلان الحرب وحالة الطوارئ خلال خمسة عشر يوما من انتهائها." (الفقرة- د). ولم نعثر في الدستور العراقي على اشارة الى اعلان حالة الطوارئ الجزئية، والتي ذهبت اغلب دساتير البلدان الفيدرالية الى تثبيتها، والتي تعني اعلان الطوارئ على جزء محدد من الدولة (اقليم، محافظة، مدينة...الخ). ما يجعل من نص المادة (61) المذكورة قابلا للتنازع مع تشريعات اقليم كردستان والاقاليم المزمع اقامتها، وكذلك المحافظات غير المرتبطة باقليم. وما يعزز خشيتنا من حصول التنازع، السجال الحاصل حاليا بين سلطات اقليم كردستان والحكومة المركزية، حول امكانية الاقاليم ابرام عقود مع شركات اجنبية للتنقيب عن النفط في كردستان العراق وبعض المناطق المتنازع عليها. الامر الذي يدفعنا الى ادراج القواعد الواردة في نص المادة (13) اولا
ضمن ما يطلق عليه القواعد الميتة، حيث تنص المادة: "يُعدُ هذا الدستور القانون الاسمى والاعلى في العراق، ويكون ملزماً في انحائه كافة وبدون استثناء. ثانياًـ لايجوز سن قانون يتعارض مع هذا الدستور، ويُعد باطلاً كل نص يرد في دساتير الاقاليم أو اي نص قــانوني آخــر يتعارض معه.".

   ان واحدا من اشكال مبدأ التدخل الفيدرالي، والذي تضمنته الكثير من دساتير الدول الفيدرالية هو الادارة الرئاسية المباشرة في اقاليم الدول الاتحادية. ففي الاتحاد السوفيتي السابق، على سبيل المثال، مع ان التعديلات الدستورية لعام 1990 تضمنت هذا الشكل من التدخل، الا انه لم يطبق، ربما بسبب انهيار الاتحاد السوفيتي بعد ذلك بفترة قصيرة، ما يمنحنا الحق بالاعتقاد ان ادخال مبدأ التدخل على شكل الادارة الرئاسية المباشرة جاء كمحاولة لوقف حالة الانهيار المتسارع للدولة السوفيتية حينذاك وتمرد جمهوريات البلطيق السوفيتية على السلطات المركزية. ولم يتضمن الدستور الروسي لعام 1993 مبدأ الادارة الرئاسية المباشرة، ذلك ان المشرع الروسي وجد في اعلان حالة الطوارئ، مارة الذكر، الاسلوب الانسب للرقابة على سلطات الاقاليم ومعالجة تعسفها تجاه الاقليات الاثنية ومواطني الاقليم، وكذلك لمجابهة (وهذا هو المهم) نزعاتها الانفصالية.

مثلما هو اعلان حالة الطوارئ، وجدت الادارة الرئاسية المباشرة استخدامها الواسع في الهند، التي شهدت التطبيقات العملية لهذا الشكل من التدخل اكثر من مئة مرة، وفي مختلف الولايات، منذ اقرار الدستور الهندي في العام 1950. وتنظر التشريعات الهندية ايضا في آليات ادخال الولاية (او الولايات) ضمن الادارة الرئاسية المباشرة، حيث يتخذ قرار التدخل في اجتماع الحكومة الفيدرالية. وهنا تجدر الاشارة الى ان اجتماعات الحكومة الهندية قلما تلتئم بكامل اعضائها، اذ عادة ما يقوم مجلس الحكومة المصغر باتخاذ القرارات الهامة، فيما يقوم رئيس الدولة بتوقيع المرسوم الرئاسي الخاص بفرض الادارة الرئاسية المباشرة. وبخلاف حالة الطوارئ والتي عادة ما تفرض اثر الانقلابات العسكرية، تلجأ السلطات المركزية للدولة الفيدرالية الى فرض الادارة الرئاسية المباشرة لاحلال الامن والاستقرار في الولاية (او الولايات) التي تتعرض لاعمال عنف واسعة النطاق قد تهدد منظوماتها الدستورية، او بسبب تعسف سلطات الاقاليم وانتهاكها لحقوق الاقليات الاثنية والتجاوز على حريات المواطنين وحقوقهم الاساسية، ما يستدعي التدخل لفرض القانون واعادة الحياة الدستورية الى نصابها، ويتم ذلك من خلال جملة من الاليات ربما تقف في المقدمة منها حل السلطة التشريعية للاقليم واقالة اعضاء السلطة التنفيذية، ونقل السلطة بالكامل الى مؤسسات يتم تعيينها بمرسوم رئاسي، وتقوم بتنفيذ قرارات السلطات الاتحادية للتغلب على الاسباب التي دعت الى فرض الادارة الرئاسية المباشرة، واجراء الانتخابات لتشكيل برلمان جديد ياخذ على عاتقه تشكيل السلطة التنفيذية (حكومة الاقليم) والاشراف على عملها.

يعتبر الاجتياح واحدا من اكثر الاشكال خطورة في تطبيق مبدأ التدخل الفيدرالي. وربما كانت الدول الفيدرالية لامريكا اللاتينية السباقة لتثبيت هذا الشكل وتفعيله. فقد تضمنت دساتير كل من المكسيك والبرازيل والارجنتين وفنزويلا قواعد واضحة تتيح للسلطات المركزية التدخل عسكريا اذا ما تعرض نظام البلاد الدستوري للخطر. حتى ان دستور البرازيل لعام 1988 حدد ثمان حالات يحق فيها للسلطات المركزية التدخل عسكريا للحفاظ على وحدة البلاد وسلامة اراضيها. ومن بين تلك الحالات صد الغزو الاجنبي، وحماية النظام العام، والحفاظ على مبادئ الجمهورية الخمسة (النظام الجمهوري، النظام النيابي، الديمقراطية، حقوق الانسان، والادارة البلدية الذاتية). بالاضافة الى التدخل من اجل تنفيذ قرارات المحاكم، وفي حال رفض الاقاليم تسديد ما يترتب عليها من اشتركات لميزانية الدولة المركزية. وكانت القوات المسلحة البرازيلية قامت خلال الفترة من 1930 وحتى 1945 باجتياح جميع ولايات الدولة الـ 24 ما عدى ولاية ميناس - جيرايس. ولم يحصر المشرع البرازيلي حق الاجتياح باجهزة الدولة المركزية، بل منحه ايضا لسلطات الولايات بالعلاقة مع الحلقات الادنى في سلسلة البناء الاداري لتلك الولايات، حيث تتمكن سلطات الولاية من اعطاء الاوامر لاجتياح الوحدات البلدية في حالات ثلاث هي : الامتناع عن دفع الضرائب خلال سنتين، وعدم تقديم كشوفات عن نشاط اجهزتها التنفيذية، وعدم صرف الاموال المخصصة من قبل السلطات الفيدرالية لتطوير الخدمات وخصوصا التعليم. اما في الارجنتين فقد تم استخدم الاجتياح اكثر من 220 مرة منذ عام 1953 (موعد اقرار الدستور). وقبلها بين الاعوام 1853 و 1916 تم التدخل 74 مرة. واكثر من 50 مرة بين الاعوام 1930 و1950. لكن النصف الثاني من القرن العشرين شهد انحسارا كبيرا لاستخدام الاجتياح، فيما تطورت اساليب وآليات التنسيق بين السلطات المركزية وسلطات الاقاليم لحل المسائل الاشكالية بين الطرفين. غير ان دساتير تلك البلدان ما زالت تتضمن الاجتياح كأحد اشكال التدخل الفيدرالي. وهذا ما يمكن العثور عليه ايضا في الدستور الاثيوبي لعام 1994، والذي اشترط لاجتياح اراضي الولاية (او الولايات) موافقة مجلس الفيدرالية، دون الاشارة الى اسلوب والية تفعيل الاجتياح.

وشهد تاريخ سويسرا الدستوري ايضا اكثر من عشر حالات قامت خلالها السلطات المركزية بالتدخل في شؤون الكونتونات (الاقاليم)، واتخذ التدخل في احيان كثيرة طابعا عنيفا. حيث قامت الوحدات العسكرية الفيدرالية بسحق التظاهرات المعادية للحرب والتي حدثت في زيورخ في عام 1916، واجهاض الاضرابات العامة عام 1918 ، واضرابات زيورخ وبازل عام 1919 وكذلك قمع تضاهرات 1932 والتي كان من نتائجها مقتل ثلاثة عشر وجرح خمسة وستين عاملا. وكانت المرة الاخيرة التي استخدمت فيها القوة في سويسرا في العام 1968 ، حيث اجتاحت القوات الحكومية مناطق من كانتون يوري بيرنسكي.

الشكل الرابع لتفعيل مبدأ التدخل الفيدرالي يتلخص في تجميد عمل الاجهزة المحلية، وحتى اقالتها، واقامة الادارة المركزية المباشرة. وبخلاف الاسايب الثلاثة المذكورة يتخذ هذا الاجراء ليس من قبل رئيس الدولة، وانما بقرار حكومي وتصديق برلماني لاحق. وقد تضمن هذا الشكل من التدخل الفيدرالي دستور غوينيا الجديدة لعام 1975 ، حيث يتم الحاق ادارة المحافظات الى المركز الفيدرالي، الذي يقوم بدوره بحل الجهاز التشريعي للمحافظة واقالة حكومتها. وهنا يكون من المفيد الاشارة الى ان دستور غوينيا الجديدة اعتبر انتشار الفساد الاداري في اجهزة السلطة للمحافظة سببا لاعلان الادارة المركزية المباشرة. وعادة ما يتم تعيين وزير الحكم المحلي مسؤولا مؤقتا للمحافظة، ذلك ان اجراء انتخابات لمجلس المحافظة التشريعي وتشكيل جهازها التنفيذي تعتبر من اولى مهمات الادارة الفيدرالية المؤقتة. وهي ذات المهمات التي تحيلها التشريعات لرئيس الدولة في البلدان التي اتخذت من الادارة الرئاسية المباشرة اسلوبا للتدخل الفيدرالي.

ونحن بصدد الحديث عن مبدأ التدخل الفيدرالي لابد من التاكيد على ان جميع اشكال تفعيل هذا المبدأ (الحالات الاربع مارة الذكر) تحمل طابعا مؤقتا، عادة ما يحدد ببضعة اشهر، وفي بعض الاحيان يتم تمديد الفترة من قبل البرلمان الاتحادي لفترات اضافية (في روسيا مثلا). وهنا اجد مفيدا التذكير بان مجلس البرلمان الروسي الاعلى (مجلس الفيدرالية) اعترض في عام 1994 على تمديد حالة الطوارئ في جزء من جمهورية اوسيتيا الشمالية (القوقاز)، ما اوقع البلاد في ازمة سياسية اجبرت رئيس الدولة على ادخال تعديلات جوهرية في مرسوم اعلان حالة الطوارئ تلك. اما في البرازيل فقد اشترط الدستور تمديد حالة الطوارئ مرة واحدة، مشددا على ضرورة التئام البرلمان الفيدرالي خلال خمسة ايام من اعلان الطوارئ في جميع انحاء البلاد وذلك للاشراف على نشاط السلطة التنفيذية خلال تلك الفترة. فيما يتم رفع الحالة نهائيا اذا لم يلق اعلان حالة الطوارئ موافقة البرلمان (دستور البرازيل لعام 1988).

انني ارى ان استكمال بناء الدولة العراقية وتعزيز دور اجهزتها المركزية، بما في ذلك من خلال تفعيل مبدأ التدخل الفيدرالي، سيسهم ليس فقط بالحفاظ على سيادة العراق، وانما بحماية اقاليمه ايضا.

 

د. فلاح اسماعيل حاجم


التعليقات




5000