..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الشاعر مهدي محمد علي: شجرة مثمرة..ومنجز غمرته الظلال

جاسم العايف

1  

تربطني بأخي الشاعر "مهدي محمد علي"، منذ بداية مطلع عقد ستينيات القرن الماضي، علاقة قامت على اهتمامات ثقافية - أدبية ، بالترافق بدايات تطلعاتنا الجادة تلك. وكان الشاعر ، عبد الكريم كاصد، صديقنا المشترك، جسر تلك الصداقة التي توطّدت وتعمّقت جداً أوائل السبعينيات. في منتصف عام 1978 تصاعدت موجة العسف السلطوي وسرعان ما انقلبت إلى هستيريا من القمع الأعمى الذي أهوى بسياطه على ظهور الوطنيين والتقدميين، ما اضطرنا مهدي وكريم وعزيز السماوي، شبه المقيم في مسكن عبد الكريم ، وكان منسباً للعمل في دائرة طرق البصرة، وأنا إلى أن نلتقي،دائماً، في بيتي، بعد أن بات التردد على المدينة ومباهجها البريئة صعباً، ولا ضرورة تستدعي علنية اللقاءات. عن ذلك البيت المؤجر، كتب مهدي، خلال إقامته المؤقتة، سراً، في الكويت قصيدة(صديق) ، التي نشرها بعد ذلك في (عدن) ، دون أن ينشر الإهداء ،خشية منه عليَّ، وقد أكد ليّ ذلك (كريم) أولاً، في رسالة مطولة كتبها لي وبعثها من عدن بوساطة أحد الأصدقاء المسافرين إلى دمشق، ووصلتني مهربة، بعد عشرة أشهر من تاريخ إرسالها، وعندما التقينا ،مهدي وأنا ، خلال زيارته البصرة في منتصف شباط عام 2005 ، وهي الزيارة الأولى له بعد هروبه ،منها، والأخيرة لها أيضاً ، أخبرني بذلك:

صديق

"أعرف الباب

والعتبة الحجرية

والممر الصغير

والشجيرة نحو اليمين

.......

أذكر الآن قهوته مُرّة

وابتسامته مُرّة

وهو يجهد أن يستضيء الكتب

وكلامَ الصديق"

الكويت/ 1979/ ديوان/ رحيل عام 78

كانت تلك اللقاءات محفوفة بمخاطر كثيرة غير متوقعة، إلا أننا كنا نتغلب فيها على ما يحيطنا من خوف وخشية ، متجاهلين كل ما سيحدث أو نتوقع حدوثه لنا ، في أي لحظة ، ونظل ، إلى ما بعد منتصف الليل نستمع بمرح وحميمية ، إلى طرائف (مهدي وعزيز) المتواصلة، حول ما آلت إليه الأمور العامة. في إحدى الليالي ، غادر كريم ومهدي، جلستنا الليلية ، بعد منتصف الليل ،دون انأ تجرا على سؤالهما إلى أين!؟. وبقي (عزيز) معي، لكنه استيقظ في الساعة الرابعة فجراً ، فأتحفته، بكوفية ملونة قديمة كانت زوجتي تحتفظ صدفة بها لتقيه البرد وأعين حرس النظام، ثم ودعته في باب مسكني ، وغادر نحو مرآب السيارات المتجهة إلى بغداد، ومذ ذلك الفجر لم أشاهده أو التقه نهائياً إذ توفي ودفن في إحدى مقابر لندن. علمت بعد ذلك أن كريماً غادر أيضاً متخفياً تجاه بغداد ، ولم أره ، إلا في سفوان بعد سقوط النظام ، وضمن وفد كان بانتظاره ومعه بعض الشعراء القادمين بناء على دعوة رسمية ، وضم الوفد عدد من أدباء البصرة والعراق ، لحضور مهرجان المربد الثاني/ المنعقد أوائل نيسان عام 2005/ . بعد تلك الليلة وفي الصباح تم اقتيادي من مقر عملي إلى مديرية أمن البصرة. وفي وقت متأخر من الليل (تكرموا) عليّ، فنقلوني، بالسيارة الـ(فولكس واكن) ذاتها، وألقوني قريباً من منزلي بوحشية وقسوة وفظاظة. لا ضرورة أن أسرد ما حدث لي، طوال النهار وجزء من الليل، في سراديب مديرية الأمن ، فهذا الأمر لا يشكل ليّ أي امتياز، إذ شاركني فيه آلاف الناس، الذين تعرضوا لأقسى وأفتك وأشد ضراوة مما تعرضت له ، وفيهم من بات مجهول المصير حتى اللحظة، وآخرون لم يعثر لهم إلا على وثائق ، باردة، تكشف عن المصائر الغادرة المحزنة التي انتهوا إليها، دون ذنوب أو معاصٍ ارتكبوها، ومع ان كل ما جرى عصيّ على النسيان، إلا انه بات من الماضي وأطمح ويشاركني في ذلك ملايين العراقيين في أن لا يتكرر أيّ مقطع منه، تحت أية ذريعة ما ، وبأي شكل أو مسمى كان، الآن أو في المستقبل لأي آدمي يعيش،أو سيولد في قادم الأيام على هذه الأرض. في الصباح ، أرسلت أخي الصغير إلى مكان، يقع في منطقة العشار، أكدت له انه حتماً سيجد (مهدي) فيه، ويوصيه باقتراحي عليه ضرورة مغادرته البصرة وفي اليوم بالذات، وفيما إذا تمكن من ذلك فعليه المغادرة في اللحظة ذاتها. وفعلاً التقاه هناك، واستجاب ، سريعاً، مهدي، لمقترحي، فانتقل سراً إلى (بغداد) مع حلول ظلام ذلك اليوم. وهناك بقي مختبئاً في غرفة بالقرب من أحد الأسواق العامة ، تعود لوالد أحد أصدقائه ، الذي يعمل بالتجارة ، وهي عبارة عن مخزن لحفظ البضائع المستوردة والمحلية، تم ترتيب مكان بسيط جداً لمهدي بينها:

"حينما يهبط الليل تخرج،

خمسون يوماً

لم ترَ شمس النهار،

خمسون يوماً

وأنت قابع في غرفة عاديّات

في طابق علوي

***

خمسون يوماً

تتمطى في ظلام النهار

على حشد من الوسائد والأوراق !"

/بغداد/ رحيل عام 78

2

غادر مهدي ،العراق ، بصحبة الشاعر" "عبد الكريم كاصد" ، بدلالة بعض المهربين ،عبر بادية السماوة ، في رحلة جحيمية ، نحو(الكويت)، ومنها إلى جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية - حينها:

" في أول هذا العام

غادرتُ الوطن بزيِّ بدويّ

وعبرت صحاراه على ظهر بعير

في قافلة من رمل ورياح

ونياق و أدلاّء

ورجال تبحث عن رزق ما بعد الصحراء

........

سبعة أيام بلياليها

لم نعرف غير ذّلول ودليل

وسماء ورمال

وصحارى تصفر فيها الريح

........

وطن يمتد إلى أقصى الأرض وأقصى الروح

***

شربنا من مياه السيل

شاركنا الرواحل تمرها

والاهتزاز المرّ فوق ظهورها

والهمهماتِ إذا قطعنا سبخة زَل زَلَقاً

وأنصتنا لها تجترّ

***

أمي تذكرني

وأنا أتوسد رمل الصحراء

ملتحفاً برحال

تملأ سمعي أصوات كلاب الصحراء

تخطفني أنوار الدوريات ". / الكويت/ رحيل عام 78

3

خلال زيارة "مهدي" البصرة ، شباط عام 2005، وفي استضافة لاتحاد الأدباء والكتاب له، أعلن انه وعبد الكريم كاصد غادرا الكويت بجوازات سفر رسمية يمنية، وقد سافرا بطائرة متهالكة جداً عائدة لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية ، وإنها خلال تحليقها فوق مياه الخليج العربي، كادت أن تهوي هناك، فأمسك بيد عبد الكريم كاصد قائلاً:" حتى لو سقطت الطائرة هنا، وأصبحنا فريسة سهلة وشهية لكل ما هو مجهول في تلك المياه.. فأننا نكون قد نجونا "!؟. ظل مهدي سنوات في اليمن الجنوبية يعمل في المجال الإعلامي والثقافي. حتى غادر إلى مناف لا عد لها . لكنه بقي يعيش حياته في "البصرة" ، وكتب عنها كتابه (البصرة..جنة البستان)- إصدارات دار المدى/1998- دمشق. وقد استغرق منه ثمان سنوات بدأ فيها من عام 1982 حين تأكدت حالة النفي ، وبعد أن استشرف المستقبل، رأى انه لن يعود إلى مدينته إلا بعد سنين طويلة ، وربما لن يعود أبداً، وانه بالتأكيد، حتى وإن عاد، فهو لن يعود مطلقاً، إلى بصرة الطفولة والصِبا ، لأنها بدأت في الواقع تتثلم منذ إزالة (الطاق) في (العشار) ومبنى (البنك العربي) وساعة (سورين) ، وتغير ملامح ( كورنيش) شط العرب، وكذلك مقهى بعض مثقفي وأدباء المدينة الذين يغلب عليهم توجه سياسي معين، ومن المشخصين جيداً من سلطات ذلك الزمان وأجهزتها الحزبية والأمنية المتعددة. ومع تتابع وتواصل هدم ومحو شواخص بصرته، بقي (مهدي) في كل قصائده التي كتبها خلال أكثر من ثلاثة عقود وهو خارج البصرة، مصراً على تذييلها بـ(البصرة-....) ويضع المدينة التي هو فيها بعدها مثلاً:(البصرة-عدن)أو(البصرة- موسكو)أو( البصرة- طرابلس) وأخيراً(البصرة-حلب).يذكر (مهدي) في مقدمة (البصرة ..جنة البستان) : "قررت أن احمل بصرتي معي مهما تتبدل المنافي والبلدان، بكل أحوالها وتحولاتها ، ورأيت إن ذلك يستلزم أن أحفظ مدينتي تلك في صفحات كتاب ، وعليه باشرت برسمه بالكلمات..وقد رسمت المدينة كما رأيتها وعشتها وكما رأيت ناسها وعايشتهم من عمر الخامسة حتى الخامسة عشرة..إنه رؤيا طفل، لواقع مدينة البصرة في بداية العقد الخمسيني" يلاحظ في (البصرة جنة البستان) المزج بين الاستذكارات النثرية المطعمة بالشعر، للكشف عن تصورات ذلك الطفل وأخيلته/ الشقي تارة ، الرقيق في الغالب/ الذي يجلس في أعلى شجرة (التوت - التكي) العالية ليتذوق ما يشاء من ثمرها ، ويمسك بيديه صغار البلابل بلحمها الطري ، لكنه يرق لصراخ أمها، التي تحوم حوله فزعة، فيتركها دون أذى، كما انه وعي الطفل وذاكرته الحادة جداً التي تحتفظ بسمات مدينته، ومع انه في المنفى ، إلا انه يتفحص قصص مَنْ عايشهم فيها ومنهم أمه وإخوته وأخواته وجيرانه وأصحاب طفولته ، من الذكور والإناث ، وحتى أصوات بائعي (الصمون الحار والقيمر صباحاً)، وكذلك يؤرخ لصوت (البلبل) الذي عادة ما كانت تبدأ (دار الإذاعة العراقية) بثها الصباحي بإشارته، والذي يختفي صباح 14 تموز958 . بدأت مسيرة (مهدي) الشعرية منذ خريف عام 1961 إذ عرف به أستاذه،في الدراسة، الشاعر سعدي يوسف، ونشر له مع مقدمة خص بها قصيدته ، الأولى ، المنشورة، في إحدى الصحف اليومية التي تصدر في بغداد ، في خريف عام 1945 ولد مهدي أيضاً!!. رسخت تجربته الشعرية منذ بداية السبعينيات بتواصله مع النشر، واعتماده ما سمي،حينها، بـ(القصيدة اليومية). بعد كل ما قدمه(مهدي) ثقافياً وأدبياً ومع كل إصداراته الشعرية التالية :/رحيل عام 78/ وزارة الثقافة والإرشاد القومي / دمشق 1983 /، سِر التفاحة/دار بابل/ دمشق 1987/، شمعة في قاع النهر/ وزارة الثقافة السورية 1995/، خطى العين/ اتحاد الكتاب العرب/ دمشق 1995/ ، سماع منفرد/ دار المدى للثقافة والنشر/ دمشق 1996/، ضوء الجذور/ وزارة الثقافة السورية 2001/ ، قَطْرُ الشَّذى/ الهيئة العامة السورية للكتاب 2008 ، وكذلك /البصرة جنة البستان/ . إضافة لعضويته في هيئة تحرير مجلة "الثقافة الجديدة" ومسؤوليته عن صفحاتها الثقافية والأدبية والفنية وما كتبه فيها طوال أكثر من عقدين ونصف لكنه بقي بعيداً عن الاهتمام اللائق بما أصدره وتناول دواوينه نقدياً ، وفحص تجربته الشعرية التي تنتمي في صميمها للشعر العراقي . وما كتب عنها ، بعضه ، لا يتجاوز التعريف الصحفي. وربما لم يرد له ولشعره /دون جزم/ في الانطولوجيات الشعرية التي صدرت عن الشعر العراقي ، أي ذكر باستثناء اختيارات الشاعر "هاشم شفيق"،ضمن سلسة "كتاب في جريدة" الذي تصدره منظمة اليونسكو، والشاعر (شفيق) لم يذكر كل ما صدر له من مجاميع شعرية واكتفى ببعضها. بقي "مهدي " كاسم شعري، مع كل تلك المنجزات، مغموراً بالظلال، حتى أنه لم تتم دعوته إلى مرابد بعد السقوط ، إلا في المربد الثاني، وضمن أدباء المنافي الذين يحضرون على نفقتهم الخاصة، وكأنه لا ينتسب للشعر العراقي أو البصرة بالذات !؟.

4

يستثمر مهدي محمد علي في ديوانه (رحيل عام 78) ثنائية / الحضور - الغياب/ حضور الذاكرة - الماضي - وغيابها الآني، استدلال الأمكنة والأحداث والأشخاص بوضوح، محاورتهم ، طغيان ملامحهم ، الاحتفاظ بأدق الخصائص الواقعية للمشهد - الماضي القابع في الذاكرة - غياب الوطن في المنفى واختراق المنفى ذاته في حضور الوطن، الناس، الأحداث، الصلات اليومية ، المدن ، الشوارع، الساحات العامة وغبارها، حدائق البيوت، الأزقة، البساتين، الأنهر ، ألوان الستائر، المنزلية، تراب الغرف المقفلة، وحتى فسحة ضوء نافذة المطبخ. هذه الاستحضارات، محاولة للتشبث بالماضي الهارب، استناداً إلى قوة الذاكرة وحضورها العيني- المتفوق، المتوقد من خلال إقصاء المنفى ، والعمل على نفيه كوجود متحقق، ومُعطى دون اختيار شخصي، ثم العمل على تجاوز حضوره اليومي - الطاغي المتجسد بالحاضر ذاته، الملموس المباشر. تعتمد ذاكرة(مهدي) الشعرية المشاهد بطريقة ليست حلمية، بل متجاوزة ومنظمة من خلال اشتغال آليات الذاكرة التي تستدعي الوطن (الحاضر - الغائب) ، وكذلك الصديق ، الأم، صبية الجيران والسياج الذي يتسلقونه كأنهم نبات بشري، المكتبة، الأخت الكبرى، كلاب الحي وقططه، وتعود قصيدة "مهدي" لتحتفي بالبئر العذبة - بئر الطفولة :

" أتدلى فيه كما أتدلى في بئر

بحثاً عن صحيفة قديمة

أو تلبية لرغبة طفل

بحثا عن أجزاء لعبة محطمة

وأنا الآن أتدلى نحو وطني

كما أتدلى نحو بئر أليفة وموحشة " عـدن

تقبض ذاكرة المنفي على الماضي، لتستريح من أعباء الحاضر، ولتخترق الراهن وتسعى لان تمسك بالأشياء - الغائبة - ولتؤنسن العلاقات الشخصية، التي تتمسك بها الذاكرة بقصدية لمغالبة الحاضر المشخص عبر المنفى. تفعل الذاكرة حتى الجمادات، وتستدعي كلاب الجيران السائبة النابحة ليلا في مشهد فنتازي، بقصدية، لتجاوز وقائع الحياة اليومية للمنفي قسراً، فحضور الطفل المتدلي مرتبط بفضاء الذاكرة لخلق معادلة مع الحاضر (الموجع - الموحش) ، تتشبث الذاكرة بالأشياء الهاربة من الحاضر والساكنة هناك، في الماضي البعيد، لكنها لا تتوقف عند الشخصي فقط:

" أما زالت غرفتي وحيدة

تتمرغ في سكون الوطن

الوطن الذي تلوى على رماد الحرب

الحرب التي تلتهم الذكريات ؟!" موسكـو

ثمة حضور يومي للمشاهد، مستقى من بساطة الحياة، ومصادفاتها الغريبة، المدهشة المكتظة، فالأطفال، في قصيدة -سياج- بصخبهم وشقاواتهم والذين يمتنعون عن تسلق سياج البيت، بعد نَهرِهم، يحولون السياج إلى عازل عن الحياة ذاتها، بعد أن كانوا (النبات البشري المتسلق)، وتبادل الأدوار بين المانح والمتسكع في قصيدة- مواقع- والخاضع للمصادفة البحتة، وصَبيّة الحارس في قصيدة- ستائر- التي تراقب ستائر المنزل،وتجهل لماذا وكيف وأين توضع تلك الستائر؟!. وتتحول الصور اليومية إلى فعل مملوء بالغضب والمرارة ، ويبقى الأمل الذي يفعّل هذه الكائنات البشرية ، المقتنعة بحياتها الهامشية التي تحولها اللغة والصور إلى نسيج يضج بالحركة والوجود المتوتر والإنساني.

5

عام 1973 نشر (مهدي)،في جريدة طريق الشعب، قصيدة بعنوان (قصيدة منزلية) عدت حينها من أهم القصائد التي تناولت ربة البيت، وعبودية عملها المنزلي اليومي، والتي ترى الغرفات والأبواب والشبابيك مشرعة والحديقة مهجورة للعصافير عند الضحى، وهي تنقل خطواتها في بيتها لتعيد ترتيبه ، الأواني ، الستائر ، الأحذية ، الأسرة، الكتب المدرسية المبعثرة ، ملابس النوم، كراسي الحديقة، وبعد دورتها تلك في عبوديتها اليومية - المنزلية الدائمة ، تستدعي ضحكاتهم وإهمالهم المتعمد المملوء بصخبهم الذي يثير الزوابع في بيتها المرتب بأناقة والساكن الآن، وتؤاخذهم بأسى مغلف بالحنان والحب غير المحدود والممزوج بالعتب:

" يثيرون زوبعة في الفناجين..؟

هم قد يثيرون كل الزوابع في الأرض

لكنهم ، داخل البيت

يخفون أنفسهم بالصياح الحبيب إلى النفس

يلقون أنفسهم في أتون المناقشة الفجة الطعم...

لا ترغبين مناقشة حتى الجذور

.......

تحبينهم

تهمسين لنفسكِ: " لو يدخلون المطابخ يوماً "

وتبتسمين قليلاً

......

تودين لو يكبرون سريعاً

وأن يمكثوا وسط حجركِ

تبتسمين طويلاً

وقد تدمع العين، إذ تبتسمين!"

وتظل(امرأة المنزل) معلقةً بين حالتين، أولاهما هواجسها عند تأخر عودتهم، والأخرى فرحها ببيتها المتوازن حالياً ، الأنيق بعملها ، وبصماتها، ثم لتبدأ دورة معتادة يومية أخرى:

"يصطفق الباب

تملأ ضجتهم باحة البيت والغرفات

ترين الشبابيك تفتح ثانيةً

والعصافير تهتزّ فوق غصون الحديقة

والبيت يرتج

.....

تبتسمين طويلاً

وقد تدمع العين،إذ تبسمين!" البصرة

بعد سنوات يختبئ الشاعر" مهدي محمد علي" مُكرهاً في بغداد، وفي تلك الحالة التي عليها يستدعي " امرأة المنزل " ويكتب عنها ثانيةً قصيدته (هوامش.. على قصيدة منزلية) عن امرأة المنزل ذاتها ، التي تفقد الأبناء واحداً واحداً. وبعد انقطاع توازنها وسكونها القديم، وهي تنتقل بين المدن وبوابات المواقف والسجون وحتى المقابر، باحثة عن الأعزاء ، ومحاصرة بالأسئلة التي لا جواب لها، فتحاول أن تشم رائحة الأبناء الذين كبروا :

" لقد أوغل الأبناء في الكلام

أوغلوا.. حتى تهشمت الفناجين

وانفطرت الصحون

و أُرهفت السكين

وانفجرت دمية الصبر!"

وتبعثروا هنا وهناك دون أدنى أمل بلقائهم أو حتى معرفة مصائرهم . وعند عودتها ، يائسة قانطة وحيدة وذليلة، منكسرة ، يلفها السواد، إلى بيتها القديم ذاته، حيث حديقته خالية ومهجورة ترابط فيها العصافير ،والغربان نهاراً وليلاً:

"ترين البيت خالياً

بينما يمتلئ فراغه بالأناشيد المعادية

تأتي من مدرسة مجاورة

تأتي في كل وقت

لتمحو من على الجدران

أرقاما عزيزة " بغداد

6

يذكر الشاعر عبد الكريم كاصد في كتاب (الشاعر.. خارج النص/ ص 73) :" حين كنا في سوريا،هاربين من النظام،نعيش متجاورين،مهدي محمد علي وأنا، كان هو مشغولاً بمشروعه الرائع (البصرة..جنة البستان) وهو من أجمل الكتب التي صدرت في المنفى. قرأه الكثيرون: مهندسون، أطباء، عمال، طلاب، وتم تهريبه إلى العراق آنذاك، ولكنه للأسف لم يجد أي صدىً، في الجو الثقافي العراقي والعربي الصديء". عن تجاهل منجزاته الشعرية والنثرية المتعددة المتنوعة يقول (مهدي) في حوار أجراه معه الناقد (مقداد مسعود):"هذا من اختصاص النقاد ومن مهماتهم..ومن جانبي فأنني لا أبيح لنفسي أن احدد صفتي أو موضعي غير أنني استطيع أن اصف تجربتي الشعرية وكتاباتي الأخرى لأضيئها لا لكي أعطيها قيمة محددة أو درجة بعينها..ولقد وصفت نفسي مرة وأنا أتحدث عن تجربتي: بأنني شجرة في حديقة عامة انتظر أن يلتفتَ إليَّ احد العابرين فينبه عابراً آخر، فآخر..حتى يقبل الناس نحوي"!؟. مع الغياب النهائي لأخي العزيز (مهدي) ترى مَنْ سيلتفتَ إلى ما قدمه من منجز شعري ثرّ طافح بما هو إنساني، ثريّ بملامحه المحلية، غنيّ بناسه البسطاء القابعين في أسفل القاع الاجتماعي والمقصيين عن الحياة الإنسانية اللائقة والغارقين في الإهمال، في بلد لا حد لثرائه المادي الهائل، وليس هناك مَنْ تفقدهم أو سأل عنهم، خاصة ممن حكمهم سابقا أو حالياً،..كيف يمكن أن يقبل أولئك الناس وغيرهم نحوه.!؟. وكيف سيصله ذلك !؟ ومَن سيطلعهُ عليه!؟..بعد رحيله المفجع في حلب ..والذي لم يكن في أوانهِ قط.

 

جاسم العايف


التعليقات




5000