..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
جمعة عبدالله
.
رفيف الفارس
.......

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الذاكرة العراقية : البعد الدلالي لخصوصية الشطرة -القسم الثاني

موسى غافل الشطري

الموضوع خاضع للتعديل و الإضافة وفي حالة اقتضاء الأمر ، فإنه يعاد النظر فيه حسبما يدلي به ذوي الدراية من معلومة. و أنا لا يحق لي الإدعاء عن معرفتي بخفايا التنظيم و ما رافقه ، في الفترة ما بين ثورة 14 تموز 1958و بين انقلاب 8 شباط 1963 .

* * *

كان ينبغي أن لا أتردد و أعتبر كلاسيكيينا ، هم من أشقاء ( دانكو ) بطل مكسيم غوركي في قصة إيزركيل . و أبناء لأُم (الإخوة الأعداء) لكانزاكي . و أصدقاء ( أكاكي أكاكييفج) لكوكول . كانوا هؤلاء الكلاسيكيون ، يقدمون كل شيء ، من أجل المعدمين . يعيشون في فقر مدقع . وسادة من الطراز الفريد في أبوّتهم اللعنة . و أشبه برواد الأنفاق . و جُلاّس المعدمين . و متكلمين بفصيح الكلام . و لغتهم سوط يلهب ظهور مطارديهم و سجانيهم .

و لكي لا يفوتني القول : لأن هذا من حق جسد للشيوعي و روحه .. بالذات ، الذي يلصقون به تهمة الإلحاد . كمدان أمام العرف الأخلاقي الديني . كمنظور أخلاقي . و باعتبار الشيوعية سُبَّةٌ في القيم و الأخلاق :

فإني سأقول لكم و دون أية مغالاة . و بأن هذا لن يشفع لنا ما لجسدنا من حق فرّطنا به : إن الشيوعي: بالأخص في ظروف العمل السري ، قد أباح لنفسه الحق أن ينفصل جسده عن أي رغبة عاطفية. و تتعذّب روحه.في أي ظروف و حسبما يجب.

لو أن هناك تواجداً شخصياً مستقلاً لجسد الشيوعي .. و تقدم بشكوى ضد مسار منظوره المتحكم بعواطفه . لما أباح لنفسه أن يفرط بحقوق جسده و عواطفه، ولاستحقاقات ذلك عليه، بأن لا تُمس بسوءٍ ، و حرمانٍ ، و عذابٍ ، و قلقٍ ، و خوفٍ ، وليالٍ من الجوعِ و البرد. و نصيب كبير من رغيف المطاردة، في مقاومة آلة الحكومة الفاشية الرهيبة. و لما فرَّط بكل الاستحقاقات الذاتية ، حاله حال أي كائن بشري مشبوب المشاعر إلى أقصى حد . باعتباره إنسان يقدس قضيته . فبالتأكيد سيكون الحق أن يحكم على جنايته في كبح مشاعره ، بالإعدام حد الموت .

و لكن.. لو طلبت منه أن يجيبك عن كونه : هل هو نادم على عمره الذي انقضى و هو يجزل بعطائه ذاك؟ لأجابك دون تردد :

ـ أبداً لم .. ولن أندم .

لقد فَرَّطَ العضو الشيوعي الحقيقي ، مُتَعمِّداً ، عبر عشرات السنين الثقيلة الحالكة الظلام ، في أحقيته بالترفيه عن نفسه. و أُنسه. و لذته . و بهجة روحه . و تحوّل إلى مخلوق صوفي ، صوّر نفسه ، و ألزمها بأنه ملاك معصوم مطهر من أية رغبة دنيوية .

بالتأكيد سيحس بأنه يُحَمِّلُ نفسه فوق طاقتها . و لكنه ينبغي أن يكون ملتزماً بنكران الذات . و بالتأكيد كان يحس بتعففه متطرفاً . و هذا ما واجه ، أنا ألأشخاص الشيوعيين . وفي قضايا الحب العاطفي بكل ألوانه ،في مجرى حياته الاجتماعية، يحس بأنه ، كان متطرفاً بخلق اللامبالاة .و التعفف عن تلك ال ( مثلبة ) المنتقصة من شيوعيته ، كما كان يتصورها .

هذا ما أُريد أن أقوله للأدعياء ، حتى لأولئك المدعومين بقيم المال والتدجج بالقومية و العشيرة و (القيم المقدسة). أصحاب الصفقات التجارية ـ وقت الشحة في المُثُلِ ـ بكل القيم الوهمية ، التي لا تتجاوز حجم محابس الأصابع المرصعة بالأحجار الكريمة .

* * *

سأبدأ بمرور سريع ـ كراصد ـ للأحداث التي وقعت أثناء الثورة ، و انعكاساتها . و ما هيأت من تربة خصبة لتقبل الاحتمالات لما يمكن أن تحدث من تحولات عميقة في بنية المجتمع العراقي .

فما أن أُذيع البيان الأول لثورة الرابع عشر من تموز، حتى هبّتْ مدينة الشطرة بشبابها و نسائها و رجالها و أطفالها . و جالت المظاهرات بشوارعها ،و بادئ الأمر دون قيادة ، وسط الزغاريد و الفرحة الغامرة .

في تلك اللحظة .. نتحسس و كأنما هذه المدينة على موعد مع الحدث. و في المساء جرى تنظيم التجمع الجماهيري ، أمام حديقة الملك فيصل الأول ، نظمه الحزب الشيوعي العراقي. فأُلقيت به الكلمات . لا يخطر ببالي الخطيب الأول ، و من بعد ، كلمة حزب البعث و كلمة لكاتب هذه السطور. و كان الفقيد كاظم بريدي، و معه نخبة من الشباب هم الذين يشرفون على تنظيم الاحتفال .

وفي مجرى الأيام التي تلت بدء انتصار الثورة ، انخرطت أعداد هائلة من الشباب ، ممن يتحمسون لنصرة هذا الحدث و لم يتوضح بعد ، سوى ما سمي بمجلس قيادة الثورة . في حين .. هيمن الحزب الشيوعي على الشارع بعد انطلاق التظاهرات العفوية بأعداد غفيرة .

و تجلّت شيئاً فشيئاً قيادة (الزعيم عبد الكريم قاسم ) . و سرعان ما أُلصقت صورته على واجهات السيارات . و كان يبدو بملامح تفتعل بثقل المهمة التي نفذت . كان شعر رأسه ثائراً و عيناه صقريتان و ابتسامته لم تكتمل استكانتها .

بعد مضي وقت قصير ، بدأت زيارات ( عبد السلام عارف ) في المحافظات (ألألوية) و بدأت طروحاته ذات الميول القومية الناصرية ، لتكون الفيصل الذي لا تراجع فيه ، بين حزب البعث و التيار القومي الناصري من جهة . و من جهة أخرى اكتسحت الأصوات الهادرة المتمثلة بالقاعدة الجماهيرية العريضة . بتأييد قيادة عبد الكريم قاسم ،بقيادة الحزب الشيوعي . مناوئة لطروحات عبد السلام عارف. طاغية بهديرها على صوته الذي بدا غاضباً لا يني عن استخدام الكلمات غير المناسبة .و من ثم تعددت زياراته كداعية للطروحات الوحدوية الفورية .مع الجمهورية العربية المتحدة . و كانت هذه البداية ، هي القشة التي قصمت ظهر العير . و انهار تحالف ( جبهة الاتحاد الوطني ) و أصبحت أثراً بعد عين .

و لكون عبد الكريم قاسم لا يملك حزباً سياسياً عدا مكونات جبهة الاتحاد الوطني المتكونة بداية من الحزب الشيوعي و الحزب الوطني الديمقراطي و حزب الاستقلال وحزب البعث العربي الاشتراكي و حركة الضباط الأحرار .

و تلاحمت الجماهير المحبة لزعيم الثورة ، تحت راية الحزب الشيوعي ، المنظم القدير ، في القدرة على استقطاب الجماهير ، التي هي أيضاً تبحث عن وسيلة للمشاركة في الانخراط ضمن هذا التوجه .

بالتأكيد : إن الجماهير العريضة بدأت تتلاحم وراء قيادة عبد الكريم قاسم ، متعلقة به ، و مناوئة لطروحات عبد السلام عارف كداعية للوحدة العربية بقيادة جمال عبد الناصر. و هذا يعني أن لا ضرورة لبقاء عبد الكريم قاسم ، كونه قائداً للثورة . لكن الجماهير هدر صوتها بشعار ( إتحاد فدرالي . صداقة سوفيتية ) . أي أن الجماهير طرحت شعار الاتحاد الفدرالي مع مصر للحفاظ على الكيان السياسي العراقي. و الرفض القاطع للتسليم بالاستحواذ على العراق ,

و هذا الشعار يعتمد في خصوصيته على موقف الحزب الشيوعي العراقي لتجنب الوحدة الارتجالية كما حدثت مع سوريا و عواقبها الوخيمة التي أسفرت بعد حين .

و أصبح من الواضح جداً الموقف الثابت و الحاسم للجماهير تحت قيادة عبد الكريم قاسم .

أود أن أُثبّت ظاهرة تعبر عن استجابة الجماهير لبدء تقبلها، للتحولات الوطنية الجديدة ، و انتظارها بعين الترقب الثاقب لما تنتظر من مكتسبات لاحقة .

فما أن جرت الأمور نحو توطيد السلطة الوطنية ، و رفع الإنذار ، حفاظاً على الثورة، حتى تقدم جميع الهاربين و المتخلفين من الجيش العراقي ، للالتحاق بوحداتهم ، أو تجنيدهم .

الظاهرة الثانية : بدأت غالبية الشباب ، ممن يرتدون الكوفية و العقال ، بارتداء السترة و البنطلون و الرباط .

الظاهرة الثالثة : في جميع انحاء العراق ، و خلال شهر كامل ، لم تسجل حالات خصام دموي، سوى حالات بسيطة عددها ( إحدى عشر) حالة .حسب إحصائية رسمية نشرتها الصحف المحلية آنذاك .

هذه الظواهر تدلل على استعداد الشعب العراقي للمضي إلى أمام ، و بطاعة كاملة للتجاوب مع مبادئ وواجبات الثورة و الميل للاستقرار . و بناء حياة حضارية . و كان من المؤكد : لو أن الخطة موضوعة بإحكام ، و يجري العمل على زج الجماهير بمعارك جماهيرية مع الظروف مهما كانت قاسية ، لرأيناها تتجه نحو الالتزام الكامل . و هذا يوحي إلى تقبل ثقافة التحولات الجديدة ، و السير في ركبها ، دون أي اعتراض، و نبذ المفاهيم الرجعية و مغادرة ثقافتها .

و لو أن الخطة ـ آنذاك ـ وُضعت من أجل تنفيذ مشاريع لتسريع عملية التنمية بشكل عام ـ قبل أن تفيق الطبقات و الزمر المتضررة من هول الصدمة والذهول الذي سببته الثورة الخاطفة ـ لحدثت هناك تحولات عميقة في المجالات . و لمرت بسلام . و قطعت أشواطاً بعيدة دون أن يحظى تحرك الردة بنصيب لقدرته على امتلاك عنصر المبادرة من أجل استعادة توازنها .

عند ذاك ، حيث الطريق سالكاً ، حيث العدو في حالة من المعنويات الهابطة ، لكان بمقدور الجماهير أن تنفذ بكل همة و دون تراجع عملية التحول الديمقراطي سياسياً و اقيصادياً و اجتماعياً و ثقافياً .

أي أن عامل الاستجابة كان متوفراً. إلاّ أن المبادرة التي تكلمنا عنها مفقودة . و ظلت الجماهير ، سواء في الريف أو المدينة ، تقضي الوقت الثمين ، بالتظاهرات و المناسبات غير المنتجة و غير الضرورية .

و في الواقع لم يجر الاستثمار الأمثل للطاقات الجماهيرية . و حتى الإصلاح الزراعي ، الذي كان أخطر إجراء اتخذته السلطة الوطنية ، حوّل الأرض في الريف ، فيما بعد ، صاحبة العطاء في مرحلة شبه الإقطاع ، من مصدر إنتاج و فير ، بغض النظر عن عدم عدالة التوزيع ، إلى أرض قاحلة . أدى بالتالي إلى (تحرر) الفلاح من العلاقات القديمة . و لكن .. إلى النزوح ضمن هجرة غير منظمة ، و غير بنّاءة ، نحو المدينة و الانخراط ضمن أشغال غير منتجة . و غالباً ما تمتاز بالوسيطة و تحول المهاجر من الريف منافساً لابن المدينة في الحصول على قوت يومه. و من ثم زج عائلته في أشغال مثل خوض عمل البناء للأولاد و النساء حولهن إلى منتجات للحياكة و الغزل . و بهذا تحولت شخصيته إلى شخصية مزدوجة . فمن ناحية هو رب العائلة ، ومن ناحية هو رب عمل العائلة الأجيرة . أي أن دوره أشبه بدور (الكولي). لكنه في العائلة يستحوذ على كل شيء .

و لعل هذه الظاهرة كانت تسجل ، من حيث عدم جدوى تفتيت العلاقات شبه الاقطاعية ، لو أخذنا بنظر الاعتبار ما أصاب الأرض ـ كمصدر إنتاج ـ إلى الخراب الكامل .أي جرى إنهاء علاقات إنتاج قديمة ، دون حلول علاقات إنتاج جديدة مثمرة و أكثر تقدماً و عدالة .

* * *

لم يكن التيار القومي و الذي يهيمن عليه حزب البعث و تسوده مفاهيمه ، لم يكن يشكل أي ثقل يذكر .

كان ثقلاً هامشياً بائساً، استقطب جماهيره من بعد إجراء التحولات الثورية ، التي كان أبرزها الإصلاح الزراعي ، و بعد أن توضح هشاشة الوضع الأمني الذي لم ينحاز و لو جزئياً إلى جاني شرعية اسقاط النظام السابق ،انحازت عوائل الإقطاع من الذكور ، و مؤيدوه بالكامل إلى جانب حزب البعث. و بذلك تكونت يوماً بعد يوم، قاعدة و قيادة هذا الحزب من أبناء الإقطاعيين، و العناصر التي أضرت بمصالحها الثورة .

و لعل الطابع العام لمنتسبي حزب البعث في المدن المحاطة بالإقطاعيات الزراعية ، هم كما أوردنا من أبناء العناصر المتضررة . إضافة إلى أبناء الفلاحين الأغنياء . تركز تواجدهم في الغالب في المدارس المهنية الزراعية ، و التي تفتقر مراحلها إلى الدراسة الوسطى. بل يجيء الطالب ـ و هذا في مرحلة الخمسينات و أواسط الستينات ـ من مرحلة ما بعد إنجاز بكلوريا السادس ابتدائي . ثم يقضي خمس سنوات في التدريب العملي الصرف . مثل الزراعة و كري الأنهر و تربية الأبقار و الدواجن . و حتى ما بعد مرحلة بكلوريا الثالث متوسط ، حيث يكمل ثلاثة سنوات ، لينجز مرحلة الإعدادية .

أردت بهذا التنبيه على : أن من خلال هؤلاء ، برزت عناصر أُسندت لها أدوار قيادية ، على مستوى متقدم . توصلوا إلى مستوى الوزير و عضو القيادة القطرية . و محافظ الكويت مثل عزيز صالح النومان ، و محسن خضر عضو القيادة القطرية. و هما خريجي سادس ابتدائي ، ثم أكملا خمس سنوات عملي كما نوهنا .

مثل هذه المستويات ـ كنموذج ـ توسم نشاطها ، و تطبيقها لأعراف تنظيم حزب البعث . و السلوكية العامة في التطبيق ، توسم بطابع العقلية العشائرية. و الحلول لما يواجه الحزب من مهمات تقتضي الحلول لقضايا شائكة ، تتطلب نظرة موضوعية واعية تواكب التغيرات الاجتماعية و السياسية و الأخلاقية و غيرها. لكن البعثي لا يمتلك منظوراً متطوراً يماشي روح العصر. ولافتقاره لذلك يلجأ للعرف العشائري و الأحكام العشائرية . باعتباره هو المقبول على وفق العقلية السائدة .

هذا المفاهيم و بتشحيع مقصود من القيادة ، بالأخص في وقت صدام . أدت إلى تطبيق انحطاط المفاهيم السائدة في الريف . و رفض قيم المدينة. أي أن القائد البعثي يغمره الرضا، أن يحس بنفسه ، أنه هيئ له أن يكون في مستوى (هيبة الشيخ) ، أيام زمان ،. و استمرت هذه الحالة حتى بعد مجيء حزب البعث للسلطة. و ما حدث بعدها ، من مأساة و ترويع . و قد سادت المجتمع في المدينة العلاقات القروية . و اكتسحت عادات و تقاليد من المفاهيم المدينية السائدة و المستقرة منذ قرن و نيف .

و بعكس أيام عبد الكريم قاسم ، حيث اختار المجتمع طريق التحرر من التقاليد المتخلفة طوعاً، في حين نزع الفرد في عهد الحكم البعثي ـ بالأخص من هم من منحدر ريفي ـ إلى ظاهرة الردة في التقاليد و الأعراف و المظهر . و تخلى الفرد عن البذلة المدنية التي يتطلبها الزي الرسمي عند الدوام في دوائر الدولة ، فتقمص المظهر العشائري بارتداء الكوفية و العقال و العباءة . ليحظى بمظهر زائف . للانتسابات . و الفصال القبلي . و بذل الجهد لحفظ الأنساب . لكي لا يبدو مهلهل الانحدار في (نغولة) جوهر الانتماء لأعزة قريش .

و هكذا اغتالت الردّة العميقة التأثير ، و الناكصة على عقبيها بالكامل ، ما جرى من تحولات اجتماعية حضارية داخل المدن المرتدّة إلى المفاهيم المقبورة ، ذات المنحدر العشائري ، بكل صغيرة و كبيرة . و تحولت المدينة إلى أَعْراقٍ عشائرية، يسودها الاحتراب و العنجهية و المزايدة .

* * *

ما بعد 8 شباط الأسود. و هيمنة الحكم الفاشي على جميع مناطق العراق . و أنفلات كلاب الحرس الفومي من رباقها ، لتنهش . وتصول و تجول و تعتقل . و تتسلى بأساليبها المنحطة ضد الشيوعيين، فكان كل شيء يبرهن على أن من أبرز أهداف حزب البعث : إبادة تنظيم الحزب الشيوعي العراقي ( أي أن حزب البعث كان الكلب الأمين لتنفيذ مهمة إمبريالية رجعية استهدفت محو الحزب الشيوعي من ذاكرة الفرد العراقي ) . و بعد المقاومة البطولية للجماهير الوطنية ، و أنا أتكلم عن الشطرة حصراً، كشاهد ، و حالها حال جميع المدن العراقية المتمسكة بالسلطة الوطنية ، استمرت المقاومة ، بإسناد من مجموعات من الريف ممن ينتمون لتنظيمات الحزب الشيوعي و لثلاثة أيام. و لكن ، بعد صدر منع التجول و الإعلان عن مقتل عبد الكريم قاسم و النخبة المؤيدة له من المقاومين معه، حد الاستشهاد ، حتى توقفت المظاهرات و انسحب الفلاحون من المدينة . و بعد أن هيمن اليأس ، و كفّت التظاهرات ،سرعان ما تم اعتقال جميع تنظيمات الداخل من الشيوعيين . و تمت تصفية الحزب . و جنحت المنظمات الديمقراطية بشكل سريع إلى الاسترخاء . و كان السبب يعتمد ، قبل كل شيء على مدى صلابة و نوعية المنتمين بظمنهم قيادة التنظيم . و قد تبين من خلال عدم الاكتراث بتطبيق أوامر مركزية أو محلية ـ ملزمة ـ و اتخاذ مبادرة الهجوم المقابل ، الخاطف ، دون أي تردد لتقويض ، و إبادة بؤر التآمر.

و الحقيقة في مدينة الشطرة لم يبرز أحد من البعثيين و غيرهم طيلة أيام المقاومة، كعناصر فاعلة . بل ازووا في بيوتهم و تحت حماية الشرطة . و كان جهاز الشرطة هو الذي واجه الجماهير . لأن الجماهير ، بالأساس لا يبدو عليها ، ذات خطة واضحة و محكمة . سوى تظاهر عشوائي هدفه رفض الانقلاب و تحديه و عدم الإذعان للأمر الواقع .

و لو كان هناك وضوح في حسم الموقف لصالح السلطة الوطنية ، لكان من السهل جداً في اللحظات الأولى للسيطرة على المدينة و سلاح الشرطة . لو أن القيادة كانت على جاهزية تامة لمواجهة ما يطرأ ، لمثل هذا الحدث ،بشكل حاسم و دون خسائر .

و بالطبع فإن الانهيارات السريعة للتنظيم له مبررات عديدة. أهمها النوعيةـ بالأخص في رأس القيادة ـ ثم الكسب على حساب النوعية ، اعتماداً على من هم أليق في الهندام و المظهر، و التحرك للرقي إلى مواقع أعلى . و في قناعتي ـ لكوني عملت في التنظيم السري في مدينة الشطرة أكثر من غيري ـ فإن العناصر الأمينة و المخلصة . و المتمسكة بقيم النضال و المُقَدِّسة للحزب ، هذه العناصر تتهيّب من القفز إلى مواقع متقدمة . لسبب واضح هو : لكون هذه العناصر ـ أي المخلصة ـ تضع في مقدمة الأسباب : المسؤولية التاريخية و الأخلاقية و الحرفية ، للحرص، و إتقان العمل التنظيمي أولاً. و أنها لا تجامل على حساب معتقداته المبدئية.على أساس العلاقات الشخصية و العائلية .و لذلك فقد كان ما حدث ، بعد انتصار ثورة 14 تموز ، هو الاهتمام بالتراكم الكمي على حساب التغير النوعي . أي أن القيادة الحزبية التي يُفترض أن تربى على أُسس مبادئ ( الماركسية ) بسبب عوامل عديدة ، لم يتح لها أن تستوعب هذه الأعداد و تربيها التربية الشيوعية ، حسب المبادئ و الواجبات و الالتزامات . و الضبط الحديدي . و مبادئ النقد و النقد الذاتي . و الروح المبدئية . و الصراحة و الجرأة و التكتم على أسرار الحزب، ومحاربة الانتهازية و محاربة روح التسلق و غير ذلك .

ومع جل احترامي للمتفانين البواسل من الكسب الجديد ، واقع الحال : إن هذه المكونات القيادية ، لم يتح لها أن تخوض النضال السياسي السري . و إنما جاءت في ظروف علنية . و لم تواجه في البداية ، الظروف التي تستدعيها أن تصقل مواهبها و تنقيها من العناصر الوصولية و المنافقة . و لذلك فقد انزوت و أُهملت العناصر ذات الباع الطويل في النضال السري ، و المتدربة عل كل فنون مواجهة الأنظمة العميلة . و لها القدرة على المبادرة . و صعوبة اصطيادها . و تمتعها بالحذر الشديد . و الكتمان الشديد و الحنكة . و الحرص على الأمانة التي أوكلت إليها .

و الخلاصة.. مثل هذه المواصفات لم تتوفر في تنظيم ما بعد انتصار ثورة 14 تموز . و إن الكادر المتقدم أُصيب أغلبه بالغرور . أو دعنا نسميه ب(الدوار) نتيجة الزخم غير الاعتيادي لطلب الانتماء للحزب و منظماته الديمقراطية .

و في كل الأحوال يجب أن أُثبّت شهادة بصالح المقاومين في مدينة الشطرة . فقد استمرت المظاهرات بكل عزم و إصرار تتقدمها عناصر لديها العزيمة أن تواصل المقاومة . و لكن المقاومين الأماميين ، لا توجد لديهم فكرة عما يجب أن يفعلوه . فقد كان من الضروري أن يتم الاستيلاء فوراً على مركز الشرطة الذي أُطلقت منه النار . يجدر التذكير: إلى أن بعض البعثيين احتموا داخل المركز .. و قد استشهد أحد المقاومين . و لكن الحالة سادتها في الغالب الرفض العفوي للانقلاب . و بالتالي ظلت الأمور تستمر لصالح المتآمرين على نطاق العراق كله ، اعتماداً على مجموعة من الشقاوات ، الذين تدربوا على روح التحدي لقاء التراخي و الاستهانة بمضي الوقت المهدور . و تعمد المحابين من جهاز الدولة التنفيذي على إرخاء الحبل للعصابات الفاشية . فتدرعت المجموعات التي اقتحمت المواقع الحساسة داخل بغداد بطرق مُلتفة كرفع صور عبد الكريم قاسم على الدبابات المهاجمة لوزارة الدفاع وسط الجماهير التي صفقت لها بالبداية على اعتبار أنهم من أنصار عبد الكريم قاسم ، و ما أن وصلت ، حتى استدارت لترشق بنارها المقاومين للردة . و لم تستسلم الجماهير لذلك . و أفرغت كل ما عبّأته من خزين أساليب الخدع الملتوية التي تدربت عليها هذه الفلول عبر ممالئة جهاز الأمن . و برقيات التأييد الكاذبة لقادة الفرق و عمليات التصفية التي جرت لأمثال الشهيد جلال الأوقاتي .

بعد إلقاء القبض على المتظاهرين ، وهم فئات من مختلف المراتب الاجتماعية ، معلمين و موظفين و كسبة . و بعد عدة أيام من عمليات الاعتقال . و قيام عصابات الحرس القومي. و أغلبيتهم من طلبة الريف بعمليات مستهترة . ألأمر الذي أدى إلى خروج مظاهرات نسوية صاخبة ، امتدت على جانبي النهر باتجاه السراي، من الأمهات اللواتي يطالبن بإطلاق سراح أولادهن و أزواجهن. و فعلاّ كان للتظاهرة وقعاً إيجابياً بهذا الشأن .

إن الأمر الذي لفت الانتباه : إن التنظيم النسوي ، المتمثل برابطة المرأة و الاتحاد العام لطلبة العراق و اتحاد الشبيبة الديمقراطية ، من العناصر التي لم تقع في قبضة البعث . قد أُوقف نشاطها تماماً . ومن ثم ظلت التنظيمات القاعدية تتداعى أو تحترس . و فرغت الساحة للبعثيين و حرسهم القومي ، الذين ازداد عددهم من الانتهازيين ، ممن كانوا لا يميلون في يوم ما للبعثيين . بل كانوا هم أصحاب الشعارات و الملاحقات للبعثيين بالسباب و الشتائم ، رغم تأكيد الحزب على تحاشي ذلك . و هؤلاء هم البوق الذي طُرحت من خلالهم ، و بدفع وتوجيه من قبل أنصار البعث تلك الشعارات (البائخة) أمثال ( ماكو مهر بس كالشهر ) و حسبت على الشيوعيين . و لم يذكر المشهرون محدودية المنطقة لهذا الشعار ، فصوّروه و كأنه شعاراً مركزياً .

* * *

ما قبل 8 شباط 1963، وعبر تلك السنين التي توالت ، أُصيبت بالعطب مواصفات القيم و المبادئ الأساسية لبناء الرفيق الشيوعي المحنك ، و المسلح بالتجربة و المواجهة . و قبل سقوط حكومة الثورة ، تم استغلال هذه العوامل لشن حملات منتظمة ، متكونة من العناصر من الأمنية ، و القوى الرجعية و البعثيين و القوميين ، و كلابهم المسعورة من الحرس القومي . و ثم خلال فترة وجيزة ، أصبحت المدينة خالية من هيكلة التنظيم الشيوعي و الديمقراطي . و بقيت بعض المنظمات المشتتة في الريف ، ممن لا تطالهم يد البعث .

كان ثمة رفيقان قد تسربا إلى الريف هما الشهيد محسن وارد . و الرفيق أبو نغم / جليل حسون .ملتحقاً بهما فيما بعد الفتى اليافع و المواظب ( محمد حسين جلود ) في 1964 .

سعت هذه المجموعة لتكوين القاعدة لنواة إعادة التنظيم. التحق بهم حسين ياسين و حمد عطية و عباس لابد و آخرون .

بعد سقوط نظام حزب البعث في 18 تشرين 1963،على يد انقلابيين من عناصر قومية غير متجانسة . أُرخي الحبل . و أصبح بإمكان النواة التي حافظت على جزء من سلامتها في الريف ، أن تتسلل للمدينة و تحاول إعادة التنظيم من جديد . و قد بدأ ذلك بالفعل . فجرى الاتصال بالفقيد الرفيق خيري الدين القاضي. و هو مدرس في الزراعة من أصل كردي . سلٍم من قبضة الاعتقال . و الفقيد عزيز سعيد. كما تم الاتصال بالطالب في إعدادية الزراعة ( حسن جبارة ) الذي استطاع مع خيري الدين القاضي أن يبني تنظيماً طلابياً واسعاً . و قد ظلت الدورة الدراسية تتوسم باسمه لمكانته المتميزة بين الطلبة

 

موسى غافل الشطري


التعليقات

الاسم: موسى غافل الشطري
التاريخ: 19/05/2012 08:37:12
القاص و الروائي المبدع زيد الشهيد
تحية طيبة
أرجو أن تتقبل تهنئتي بمناسبة إصدارك الابداعي الجديد
حتماً سأسعى لاستلامها .
أنا من سكنة مدينة الحي حالياً و سأتصل بالأصدقاء للحصول عليها. مقدراً لك التفاتتك الجميلة .
أنا في غاية السعادة لهذه البادرة من زيد الشهيد . أنا فخور بذلك . تقبل محبتي

موسى غافل الشطري

الاسم: زيد الشهيد
التاريخ: 18/05/2012 20:41:55
عزيزي الاستاذ موسى
تحية لك ومباركة جهودك الابداعية ..
بعثت لك مع الشاعر والموسيقي تحسين عباس روايتي ارجو ان تتسلمها منه .. هو الان في الشطرة ..
مع الود

الاسم: موسى غافل الشطري
التاريخ: 17/05/2012 19:42:31
عزيزي فراس حمودي الحربي
/ سفير النوايا الحسنة
تحياتي الخالصة . و أرجو أن تتقبل شكري الجزيل.
موسى غافل الشطري

الاسم: فراس حمودي الحربي
التاريخ: 17/05/2012 16:52:21
موسى غافل الشطري

................... ///// لك ولجميع ابناء مدينة الشطرة الرقي والابداع ايها الثر دمت سالما

تحياتي فراس حمودي الحربي ................................ سفير النوايا الحسنة




5000