.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
.
....
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
رفيف الفارس
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


كيف يمكن أن تُنتزع وتُنتهك مضامين النظام الديمقراطي؟

د. كامل العضاض

المحتويات:

•1.     المدخل؛

•2.     مضامين الديمقراطية الرحبة؛

•3.     الممارسة الديمقراطية في الحالة العراقية؛

•4.     آفاق إستكمال شروط البناء الديمقراطي.

                                                                       المدخل؛       في محاولات الإنسان عبر التأريخ أن يجد نظاما سياسيا/إجتماعيا للعيش المشترك ضمن جماعات متساكنة، يسودها تقسيم العمل ويعمها السلام والوئام ويبعدها عن النزاع والصراع الذي تأججه، عادة، المصالح الذاتية والفئوية، و/او تحفزه الإختلافات في المصالح الطبقية والمذاهب والتناشز الثقافي والأثني او العرقي، وهي إختلافات لا يخلو منها أي مجتمع إنساني مهما بلغت فيه درجة التطور والتجانس العرقي والمذهبي، وضمن تلك المحاولات دأبت البشرية عبر القرون على تجريب أنظمة سياسية مختلفة للوصول الى نظام يحقق غاية الوئام والمشاركة، بهدف تمكين الناس من العيش المشترك، مع تقاسم المسؤولية والملكية العامة للحق الإجتماعي. جربت البشرية إنماطا مختلفة من النظم السياسية/الإجتماعية، إبتداءا من نظم الحكم الفردية المستبدة، سواء كانت ملكية مطلقة أو دكتاتورية أو أوليغاركية أو أتوقراطية، أو عسكرتارية، الى برلمانية بدرجات متفاوته من حيث تمكينها لحكم الأغلبية، سواء كان كل ذلك من خلال ما سُمي بالعقد الإجتماعي، أو، في حالات التفريط في العقد الإجتماعي، بالقهر السياسي أو التوافق المفروض من قبل الأقوى. ولسنا بصدد إستعراض حتى سمات وخصائص هذه النظم هنا، لأن ذلك سيقع في مجال دراسة تأريخ النظم السياسية، ولكننا سنركز على آخر مبتدعات العقل البشري، وهو النظام الديمقراطي الحر، حيث يكون فيه الشعب هو مصدر السلطات ومصدر التشريع في آن، وحيث تؤول السلطة الى ممثلي الأغلبية البرلمانية المنتخبة مباشرة من الشعب، ولكنها سلطة تخضع لرقابات متعددة، أولها رقابة البرلمان الذي ينتخبه الشعب، ولرقابات أخرى، منها، الصحافة والقضاء ومنظمات المجتمع المدني، بل وآخرها وأهمها رقابة الشعب برمته، من خلال منظماته، أو من قبل الإرادة الجمعية، حتى ولو لم تكن ممثلة بتنظيمات فوقية. فالنظام البرلماني أو الرئاسي يستند الى إرادة الشعب ويستمد سلطاته من ممثلي الأغلبية من ممثلي الشعب في البرلمان، أو مباشرة من الجماهير الساحقة، فكلها ستخضع بدورها الى رقابات توازنية ومستقلة عن بعضها، ما بين البرلمان والقضاء والسلطة النفيذية، ورقابات أخرى تنبع من الشعب ومؤسساته؛ الصحافة والإعلام ومنظمات مدنية وجمعيات إجتماعية وخيرية وغيرها. ولابد من إقرار حقيقة تأريخية عامة، ألا وهي أن إنتقال المجموعات البشرية، والمعبر عنها هنا بمجتمعات أو دول، كان يمر عبر مسار إرتقائي عموما، إي ينتقل من حالة تسلطية الى حالة أكثر إنفتاحا أو إشراكا للناس في الحياة السياسية، ولكن ذلك كان يتم عبر نضالات مرّة وتضحيات جسيمة، بل وعبر ثورات عظيمة، كالثورة الفرنسية، (1789-1799) والثورة البلشفية في أكتوبر من عام 1917، والثورة الأمريكية التي سبقتهما، رغم ما أعترى تلك الثورات، وخصوصا الفرنسية والبلشفية من إنتكاسات ونكوص عن تطبيق الديمقراطية، كما إستلهمها الرواد الأوائل، مثل روسو و منتيسكيو وجون لوك وأدمن بيرك وغيرهم في أوربا. ولكن يمكن القول أيضا، بأنه بعد إنتصار الديمقراطية في بريطانية، بتضحيات أقل مما في فرنسا والولايات المتحدة لاحقا، أضحت هذه النظم السياسية في هذه الدول نماذجا جاذبة في جميع أنحاء العالم، على الرغم من كونها لا تمثل النموذج المثالي أو القريب من المفهوم النظري المثالي للديمقراطية. فالديمقراطية نظريا قد تمثل حالة حالمة، ولكنها ما دامت نظم يطبقها البشر فلابد أن تنطوي على عيوب او نواقص، بما يضيّق من مضامينها الإنسانية الرحبة. بيد أن الإرتقاء الحضاري والثقافي والفكري والسلوكي للبشر يمثل خطا صعوديا نحو إستكمال مضامين الديمقراطية وملامسة تخومها، بمعناها الإنساني الرحب وبمضامينها في العدل الإنساني والإجتماعي. سنحاول، بإيجاز، بيان المضامين الإنسانية والحضارية للديمقراطية، وكيف تعمد المصالح الحاكمة، بفعل مصالحها او تنكرها المضمر للمبادئ الديمقراطية الحقيقية، الى نزع هذه المضامين الأساسية دون المس بجوانبها الشكلية، بما يفضي الى إنتهاكها، أي إنتهاك الديمقراطية من الناحية الجوهرية. وسنتخذ من الحالة العراقية بعد إسقاط النظام الديكتاتوري السابق في عام 2003، إنموذجا تطبيقيا في هذا المجال.                        

1 - المضامين الإنسانية الرحبة للديمقراطية وشروطها؛

     إذا ما تأملنا تأريخ البشرية سنجد بأن نزوع الأنسان نحو الحرية والمساواة لازم هذا التأريخ عبر مساراته وتطورات أنماط نظمه السياسية والإجتماعية، فمحاولات المستضعفين والمستلبين كانت وستبقى نضالا مستمرا نحو تحقيق درجات أعلى من إسترداد بعض الحق "الطبيعي" للضعفاء وإستخلاصه من أيادي الطغاة والحكام والطبقات المهيمنة والمستَغِلة. ولم يكن ذلك ليأتي من خلال النضال التأريخي والوعي بقيمة الذات الإنسانية وحده ، إنما ايضا من خلال ما دعى له المفكرون والفلاسفة وخصوصا خلال قرون التنوير في أوربا، لاسيما خلال القرن الثامن عشر ومابعده. فالفلاسفة الإنكليز، من جهة، مثل لوك وهيوم كانوا يُنظّرون على أساس أن الإنسان في الطبيعة كان حرا، وهو إذ تنازل عن حريته في الحكومة المدنية، فذلك بمقابل قيام الحكام بحماية أمنه وتمتعه بخياراته الحرة. ولكنه، في كل الأحوال، يقبل بالتنازل عن بعض حريته لصالح الحكام مقابل الحماية والأمن والإستقرار الذي يمكّنه من السعي من أجل عيشه بسلام. أما المفكرون في أوربا، وخصوصا في فرنسا، مثل روسو، ومونتيسكو، فأن الأنسان عندهما كان حرا في الطبيعة وسيبقى كذلك في حياته المدنية، وذلك من خلال ما سمُي بالعقد الإجتماعي، إذ سيبقى صاحب العقد وهو، في هذه الحالة، الناس الذي عيّنوا حكامهم، أي سيبقى لهم، بموجب العقد، الحق في إزاحة الحاكم إذا أخل ببنود العقد الإجتماعي، يقول روسو؛ " يولد الإنسان حرا، ولكنه سرعان ما يكبل بالقيود"! ومن هنا سيتضح بأن الحكام موجودون وفقا للإرادة الحرة لمالكي العقد الإجتماعي، وهم هنا الناس. فالعقد الإجتماعي المفترض يضمن حرية الناس في إنتخاب حكامهم وإزاحتهم حينما يسيئوا الحكم. فالمبدأ الأنساني الأول في مفهوم الديمقراطية، هو إقرار حق الشعب في إختيار حكامه وإزاحتهم عنه متى شاء. بيد أن فكرة الديمقراطية لا تقف عند هذا المبدأ، هي أعمق من ذلك، حيث تنظر الى البشر كسواسية، تجمعهم طبائعهم الإنسانية، وان اية تنوعات أخرى، مثل العرق والدين أو المذهب، فهي خصوصيات لا تمس الجوهر الإنساني، إنما تميل المجموعات البشرية الى تكوين مجتمعاتها السياسية على أساس أقوى، ألا هو اساس مصالح العيش المشترك. ويمكن التذكير بأن موضوعة الحرية الفردية والإجتماعية تجد لها منابع في الحضارات الأسبق، كالبابلية، وإبان العصر الإسلامي الأول، حيث عبارة عمر بن الخطاب الشهيرة؛ "متى إستعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا"!

ومن هنا يبدو جليا، بأن العرق والطائفة أو الدين، أو حتى الخصوصية الثقافية، هي تفرعات أو تنوّعات خصبة لذات الجنس البشري الذي توافق، بحكم البيئة والموارد المتاحة، من أجل العيش المشترك، ومن أجل الخلق الإنساني الحضاري. فالديمقراطية إذن تنطوي على مبادئ المساواة وحرية إختيار الحكام وإزاحتهم، وتقوم على التعددية والتنوّع، وعلى حق الناس في مسائلة حكامهم والرقابة على تصرفاتهم بموارد الشعب. وهذا المبدأ الأخير أنطوى على مجموعة من الخصائص المميزة في النظام الديمقراطي. فضمان الرقابة على تصرفات الحكام أو الحكومة بموارد البلاد، لابد أن ينتخب الشعب ممثلية ليس فقط ليراقبوا الحكومة، وإنما لإصدار ما تحتاجه من تشريعات للقيام بمهامها على أفضل وجه. ومن أهم هذه التشريعات هي تلك القوانين التي تضمن نزاهة وعدالة التصويت لإنتخاب الحكام، فلكل مواطن صوت واحد، لايجوز تجييره لغير صالح الشخص المرشح الذي إنتخبه بنفسه. ولمنع الحكام من ظلم الناس، ولإتاحة الفرص الكاملة لهم لإثبات براءآتهم من الإتهامات، فقد إقتضى الأمر إستقلال القضاء عن الحكومة إستقلالا تاما، لا بل فإن القضاء ينظر في أية إتهامات بسؤ التصرف توجّه للحكومة من قبل المواطنين. ولإحكام سيطرة الشعب وسيادته على موارده، لابد أن يكون هناك نظام لتداول السلطة من خلال نظام سياسي حزبي يضمن التعددية والتناوب. كما يضمن النظام الديمقراطي، وفقا لدستور مكتوب، وحتى عُرفي، في بعض الحالات، حرية التعبير عن الرأي، ويضمن حق المسائلة والنقد، ليس فقط لمجلس ممثلي الشعب، أي البرلمان، إنما أيضا للصحافة ولمجالس الحكومات المحلية ومنظمات المجتمع المدني، ولكل فرد يعيش في حياض الوطن الديمقراطي بهذه المواصفات.

    في ضؤ هذه الخصائص، تطور الفكر الديمقراطي ليوفر منهجا لفض النزاعات، وخصوصا منها النزاعات بين شرائح أو طبقات إجتماعية أو أثنيات مختلفة داخل الوطن الواحد. كما وفر أسس مبدأية لحل النزاعات الحدودية، و/أو النزعات مع دول الأخرى، وهذا يعني أن الديمقراطية تقدم مجموعة من المبادئ لإحلال السلم بين الأطراف المتنازعة داخل الوطن الواحد من خلال إحترام أو صيانة حقوق الأقليات ضمن الوطن الواحد، من جهة، والسلم بين الدول أو الأوطان المتنازعة على الصعيدين الإقليمي والعالمي، من جهة ثانية. فعلى الصعيد الداخلي، يتم إقرار إحترام حقوق الأقلية أو الشريحة الإجتماعية، وحق الأقليات الأثنية في تقرير مصيرها. وعلى الصعيد الدولي تصان حقوق الدول بكل ما يتعلق  بمصالحها التأريخية و/أو حقوقها المثبتة تأريخيا وجغرافيا وإقتصاديا؛ وهذا الأمر ينطوي على بعدين؛ الأول هي الحقوق الإنسانية للجماعات التي تمثل أقليات، والثاني مصالح الدول المتعلقة بأمنها ومصادر عيش سكانها ومنافذها وحدودها.

    ولكي ياخذ النظام الديمقراطي مفعوله العملي، يصار الى تشكيل الحكومات من قبل من يفوز من الأحزاب بالأكثرية البرلمانية، على تصان حقوق الأقلية في الدفاع عن مصالحها. ولكن قد يتعذر في حالات معينة تحديد الأكثرية، او تستجد ضرورات أمنية وطنية، عندها يُصار الى تشكيل حكومات إئتلافية، قد تُسمى حكومات شراكات وما شابة، وذلك خصوصا في حالة وجود قواسم مشتركة أوبرنامج متفق عليه وطنيا. ولكن، في الحالة الأعتيادية تتطلب المبادئ الديمقراطية وجود معارضة فاعلة، لتقوم، كحكومة ظل بديلة أو كمعارضة بناءة لمراقبة الحكومة ولتقويم أدائها، حفاظا على مصالح الشعب الكبرى.

    ما تقدم يمثل السمات العامة لمضامين النظام الديمقراطي، فأين نحن منه في الحالة العراقية. لقد تم إسقاط نظام صدام الديكتاتوري بتدخل أحنبي منذ نيسان من عام 2003، على أساس أن يُقام نظام ديمقراطي على أنقاضه، فهل إتسم هذا النظام البديل بهذه السمات العامة، أم أنه تبنى المسمى الديمقراطي، ونُزعت عنه، بل أُنتهكت فيه المضامين الديمقراطية الحقيقية، هذا ما سنناقشة في الفقرة التالية.

2 - الممارسة الديمقراطية، كما أفرزتها الحالة العراقية بعد إسقاط النظام السابق في 9 نيسان 2003 وتداعياتها حتى الوقت الحاضر؛

    تبدو التجربة الديمقراطية العراقية التي أُقيمت تحت الإحتلال الأمريكي وحلفاءه، ليست فقط غير مستوفية للشروط الديمقراطية، بل حتى شوهاء بالمقارنة الى أي نظام ديمقراطي آخر. لقد أُولدت ولادة قيصرية، بالنظر لفوقيتها ولعدم توفر أحزاب سياسية متجذرة بين جماهير الشعب العراقي قبل الإحتلال، مستثنين منطقة كردستان العراق لأنها بحزبيها الأساسيين كانت تتمتع بحماية أجنبية وشبه إستقلال لأكثر من عشر سنوات قبل الإحتلال؛ فهنا قد تكون العملية مختلفة، ولكن مقدار إتسامها بالديمقراطية يمكن الحكم عليه من خلال مقارنة وضع الحزبين، الإتحاد الوطني الكردستاني والديمقراطي الكردستاني ونظام حكمهما المشترك لهذه المنطقة شبه المستقلة مع خصائص ومضامين الديمقراطية الإنسانية الرحبة التي أشرنا إليها، وكذلك من خلال إشتراكمها بالعملية السياسية الشوهاء التي خلقها الإحتلال. ولتجنب الإسهاب في عرض هذا الموضوع الشائك، سنحدد بالنقاط السردية الآتية، العوامل والسمات التي تجعل العملية السياسية التي سيمضي عليها ما يقرب من عقد من الزمن، تتصف ليس فقط بالتشوه، وإنما أيضا بالفساد والفشل:

•1.   ان الأساس الذي بُنيت عليه العملية السياسية لم يكن، في واقع الحال، ديمقراطيا، حيث إعتمد التقسيم المذهبي والأثني للسكان في تشكيل الحكومة، إبتدا من مجلس الحكم الصوري الذي أقامه الإحتلال، مما أدى الى تكريس هذه الإنقسامات في الإنتخابات العامة اللاحقة التي جرت لتشكيل الحكومة ولتسيير العملية السياسية. ومن إسقاطات هذا النمط الإنتخابي أنه جرى ويجري لغير صالح  مبدأ المواطنة، جاعلا التصويت منحازا للمذهب الديني أو العرق. فهنا نجد إذن الطامة الأولى لتشويه العملية السياسية، بما يجعلها غير متسقة والخيار الحر لإنتخاب الأكفْ والأصلح من العراقيين، بغض النظر عن هوياتهم المذهبية او الطائفية او العرقية.

•2.   قبل سقوط النظام كانت هناك جماعات معارضة خارج العراق،  ولكن أهمها كانت جماعات قائمة على أساس مذهبي ديني أوطائفي، إلا انها لم تكن تملك قواعد وجذور جماهيرية واسعة ومنظمة سياسيا لهذا الغرض داخل العراق، فحينما عادت الى العراق مع الإحتلال بعد سقوط النظام السابق، فإنها من أجل الإستحواذ على العملية السياسية، ومن ثم تشكيل الحكومة من خلال الإنتخابات، لم تجد أيسر من توظيف الإنحياز الديني المذهبي لهذا الغرض. والأحزاب الكردية الأثنية على الطرف الآخر كانت قد سبقت في هذا الأمر، إذ أقامت وكرست سلطتها في كردستان على أساس أثنيتها الكردية وليس على أساس هويتها العراقية، وذلك قبل سقوط النظام السابق. ومع الإقرار بحق الكرد في تقرير المصير وحتى الإنفصال، لكن الأحزاب الكردية، وخصوصا الحزبين الرئيسين، خرجت من ناحية عملية عن كونها أحزاب تعمل للعراق ككل، بل صار همها تكريس إستقلال كردستان وضمان مصالح إقليمها، ولم تعد تهتم بمشاكل العراق الأوسع والأعم، مثل مشاكل التنمية والتوزيع الأمثل للموارد، فصار همها تعظيم مصالح الإقليم حتى ولو على حساب المصالح الوطنية العراقية الأعم والأشمل. وكذلك من جانب آخر اصبح من مصلحة الأحزاب المذهبية، الشيعية، مثل الدعوة والمجلس الأعلى والتيار الصدري والفضيلة التركيز على الوازع المذهبي، سواء في طروحاتها أوفي توظيف أنصارها أو في مناهج عملها السياسي. وعلى الضفة الأخرى صارت الأحزاب السنية، مثل الحزب الأسلامي وجبهة التوافق الإسلامية، تجد من مصلحتها تجييش المشاعر السنية وتوظيفها سياسيا. وهكذا صارت لدينا أحزاب تقود العملية السياسية على أسس مذهبية طائفية، وأخرى على أسس عرقية. في هذه المتاهة، نُسيت الهوية العراقية، وتعرضت وحدة العراق للخطر وإنقسم الشعب العراقي، وتفتت الوطن، نظرا لما أفرزه من نموذج مشوه للنظام الديمقراطي، إذ لم يتبق منه إلا جانبه الشكلي، حيث تُجرى إنتخابات ويصوت الناس بإرادتهم الحرة والمسيرة، ولكن المضامين الديمقراطية الجوهرية قد جرى إنتزاعها وإنتهاكها.

•3.   تقوم الديمقراطية من حيث الجوهر على الشفافية والرقابة، وهذان بعدان متلازمان، فحينما تغيب الشفافية تضعف الرقابة، وحينما تضعف الرقابة يتم التحكم بحقوق الناس ومواردهم، ويزداد الفساد. ولم يعد خافيا على أحد، خلال السنوات التسع الماضية، مقدار الفساد الذي عم أجهزة الدولة بكاملها، وتورط فيه مسؤولون ووزراء، كما هو مشهود في بعض القضايا، كقضية كل من الوزير أدهم السامرائي ووزير الكهرباء كريم وحيد، وقضية وزير التجارة عبد اللطيف السوداني، وهناك آلاف القضايا التي وضعت تحت التحقيق أو علقت، وقليل من الصغيرة منها حُسم. وهناك شهدات عالمية عن الفساد وعدم الشفافية تضع العراق في أسفل الدرك بالمقارنة ببقية دول العالم، وهناك وثائق ودراسات عديدة عن الفساد تُنشر ونُشرت في العديد من وسائل الإعلام، حتى ان قسما مجلجلا منها تحدث عنه بعض المسؤولين أنفسهم من وسط القادة والأحزاب المسيطرة على العملية السياسية. ونحيل القارئ الى مقابلات أحمد الجلبي الأخيرة بهذا الخصوص وما ينشر حاليا على موقع الجديدة الغراء. ولسنا بصدد الأسهاب، فالموضوع أضحى مادة للتحليل وحتى التندر في الصحافة وعلى مدى سنوات. من هنا نخلص الى أن أهم مضمون من مضامين الديمقراطية قد جرى إنتزاعه وإنتهاكه في العراق .

•4.   ولما كان قادة العملية السياسية قد أنتهجوا منهج التمترس الطائفي والعرقي، فقد عميت بصائرهم عن المصالح الوطنية الكبرى التي تتعدى مصالح الفئة والمذهب والعرق. لقد فهموا من العملية السياسية أنها صراع من أجل الإستحواذ على المناصب والإمتيازات، وأن تشكيل الحكومة يمكن أن يقوم على مبدأ المحاصصة وتوزيع المغانم. وعليه فالكل يريد المشاركة في الحكومة لهذا الغرض، ونسيت الأحزاب التي لا تشكل الأكثرية البرلمانية أن واجبها المبدأي والدستوري أن تخدم الشعب وتدافع عن قضاياه على أساس يومي من خلال الإضطلاع بدور المعارضة البناءة. ولكن الغريب أن هذه الاحزاب لم تفهم المشاركة في الحكم بمعنى تحمل المسؤولية بالكامل مع بقية الأطراف في الحكومة، وهذا هو مفهوم حكومة الوحدة الوطنية، فهي إبتدعت لنفسها دور الحاكم والمعارض في آن، أي أن لمثل هذه الأحزاب قدم في الحكومة وأخرى في المعارضة. في هذه الحالة تحول الوضع من مشاركة في السلطة الى تناحر يومي. فاصبحت سياسات التسقيط والنكد هي ديدن هؤلاء السياسيين. فكيف يتماهى هذا الوضع مع المضامين الرحبة للديمقراطية؟ فهذا الإصطراع اليومي أدى الى شلّ فعالية الحكومة وإضعافها، من جهة، كما كشفها أمام الإرهاب المنظم والمدعوم أجنبيا، من جهة أخرى. ومما يزيد الطين بله أن لبعض الأحزاب مليشيات عسكرية، كما هي الحالة مع التيار الصدري بجيشه المسمى "جيش المهدي"، أو المجلس الأعلى بمنظمته المسماة "منظمة بدر" العسكرية؛ وهذه الأخيرة إستقلت الآن وأصبحت، أما سيدة نفسها أو أنها بندقية توضع تحت تصرف من تناصره من الحكام! كيف يتماهى، مرة ثانية، هذا الأمر مع المضامين الرحبة للديمقراطية؟!

•5.   وفي نطاق التصويت في العمليات الإنتخابية والترشيح للإنتخابات وتقرير القوائم الفائزة، فقد جرت ثلاثة إنتخابات عامة خلال هذا العقد من الزمن، مع عدم وجود قانون للأحزاب، كا أُعتمد منهج جائر لتوزيع نتائج التصويت على القوائم المرشحة، فقد تُنقل أصوات شبه فائزين في الإنتخابات لصالح القوائم الكبيرة، كما يعطي رئيس القائمة الحق لنفسه لإحلال من يشاء في حالة حصول القائمة على أصوات فائضة. يتنافى هذا الأمر مع مبدأ صوت واحد لكل ناخب، وإن أصوات الناخبين لا تذهب لغير من إختاروا حتى ولو لم يفوزوا. هنا نجد أن التشريع لأغراض الإنتخابات العامة لا يتسق مع مضامين الديمقراطية بمعناها الحقيقي.

•6.   ان هذه الثغرات والعيوب الجوهرية في العملية السياسية العراقية، فسحت المجال لغير الأكفاء أن يستحوذوا على مناصب مهمة في الحكومة والبرلمان، كما أنتجت حكومة ضعيفة وعاجزة في الكثير من القضايا التي تجابهها. والحصيلة التراكمية، كان هناك هدر هائل في الموارد، فشل في إنجاز المشاريع، تفشي للفساد، إستمرار الإرهاب والدمار، تضخم ملاك الحكومة مع تدني الإنتاجية، وزيادة البطالة، وزيادة نسبة الفقر لتشمل ما يقرب من ثلث الشعب العراقي، وذلك على الرغم من الميزانيات المليارية بالدولار التي تخصص سنويا، وآخرها ميزانية عام 2012 التي بلغت 117 مليار دولار، بسبب عوائد النفط الهائلة. وكل هذا الى جانب بطالة طالت ما يقرب من ربع القوى العاملة العراقية. كيف يتسق كل هذا مع مضامين الديمقراطية التي تعني إختيار الأكفْ وتحقيق الإنجاز الأعظم، في ظل منافسات سياسية وإقتصادية، تقتضي تفعيل القطاع الخاص العراقي، وفتح جميع النوافذ التنافسية البناءة أمامه، وليس ترهيل الحكومة وتعطيل القطاع العام، وفتح الإقتصاد العراقي للنهب التجاري، من خلال الإستيراد الفالت مع تعطيل قوانين الضرائب والرسوم الجمركية. ألا يشير كل هذا بوضوح الى فشل العملية السياسية حتى الآن؟

•7.   من أهم مضامين الديمقراطية الرحبة أن تشترط حرية التعبير عن الرأي وعن حرية الصحافة والإعلام، ولكن الإجراءآت القمعية التي جوبهت بها مظاهرات الشباب ألأسبوعية منذ آذار عام 2011 حتى الآن يتناقض بشكل فاضح مع مستلزمات البناء الديمقراطي. أما الإعلام المنحاز والمتمترس على غرار نمط المحاصصة، فحدث ولا حرج، إذ يكفي أن تستعرض العشرات من القنوات والفضائيات المتنافسة والمتحاصصة في آن. أليس في هذه السياسات والإجراءآت ما يتناقض وينتهك مضامين الديمقراطية بمعناها الإنساني الرحب؟

3- هل من آفاق لإستكمال شروط البناء الديمقراطي في العراق في ضؤ حالته المتردية، كنظام ديمقراطي؟

•1.   لعل في مقدمة الشروط التي ستفتح الآفاق من أجل بناء ديمقراطي سليم هو أن تعالج العلة الجوهرية التي بنيت عليها العملية السياسية، وهي علة إرتهانها للإصطفاف الطائفي والأثني، وما أفضى إليه من نظام للمحاصصة، وهي حالة مشوهة عن الديمقراطية.

•2.   لابد من الإقرار بأن الحالة السابقة تسربت بسب إنخفاض الوعي والثقافة السياسية والديمقراطية لدى القطاعات الأوسع من ابنا شعبنا الطيب. وهذا يعني بأنه ينبغي على الأحزاب والهيئات والإئتلافات السياسية ان تجعل نشر الوعي السياسي الديمقراطي، لترصين العملية السياسية ولجعل المواطنين يصوتون بوعي وفقا لمن يرونه الأكفْ والأعلم لخدمتهم وخدمة العراق بغض النظر عن إنتماءه الديني أو هويته العرقية او خصوصياته الثقافية. فالعمل من أجل بث الوعي لإنضاج الخيارات الوطنية امام المواطنين يجب يكون عملا لا هوادة فيه، هذا إذا كنا فعلا نطمح الى خلاص العراق من محنته الحالية، وهي محنة هيكلية، وليست أزمة حكم طارئة.

•3.   أن أهمية الدور الفاعل للقوى والشخصيات الديمقراطية في عقد تحالفات وتنسيق فعال مع جميع القوى الديمقراطية، ومد نشاطها بين الجماهير عموديا وأفقيا، بهدف محاولة إصلاح العملية السياسية في الإنتخابات العامة القادمة، تتجلى في قدرته على إعادة التوازن للعملية السياسية، وإبعادها عن مهاوي الطائفية والعرقية والمحاصصة، وما تفرزه من عجز كبير عن تقديم سلطة تنفيذية نشطة وفاعلة ومستجيبة تماما لمصالح الناس وآراءهم. فالتيار الديمقراطي المشكل حديثا، كتشكيل سياسي إئتلافي واسع وحديث يمكن أن يصبح من الأدوات الفاعلة لخلاص العملية السياسية من إزمتها الهيكلية الحالية. ولكن الأمر لايقف عند التمني، إذ لابد من عمل دؤوب وتكريس كبير خلال السنتين القادمتين.

•4.   ولكي تنجح القوى الديمقراطية، ممثلة بالتيار الديمقراطي، في النضال من أجل إصلاح العملية السياسية وإنقاذها من وضعها البائس الحالي، توجّب عليها أن تضع برنامجا حصيفا من أجل النهوض لبناء الديمقراطية في العراق ولإرسائها على أسس صحيحة، مستندة بذلك الى الجماهير ومتجهة إليها بحزم وقوة وإصرار. فضلا عن البعد الديمقراطي الأساسي، ينبغي أن يتضمن البرنامج حزمة واسعة من الأهداف والمشاريع التي يجب أن تتناول موضوعات التنمية وما يجب أن تنطوي عليه من خلاص من حالة الإقتصاد العراقي الريعية، ولتنمية القطاعات غير النفطية ولمكافحة الفقر والبطالة، ولمعالجة البنى الإرتكازية ولتقديم كافة الخدمات والمنافع العامة التي يحتاجها الإقتصاد والوطني والبناء الإجتماعي والثقافي والحضاري في البلاد.

•5.   و من أجل إستيفاء الشروط الأساسية لبناء الديمقراطية بمضامينها الإنسانية الرحبة، لابد في المدى القصير أن يركز التيار الديمقراطي على وضع مقترحات واضحة لتطوير وتشريع قانون ديمقراطي فعلا للأحزاب، كما يجب تقديم البديل الديمقراطي لنظام التصويت الفردي وحسب القائمة في آن، ولكن ينبغي إستبعاد إجراءأت تجيير أصوات الناخبين لمرشحين من قوائم أخرى؛ وهذا يعتبر برنامجا عاجلا وله أولوية، وذلك قبل خوض الإنتخابات العامة القادمة، حيث يحين الإحتكام الى رأي الشعب في مجمل العملية الساسية، ومن أجل إنتخاب ديمقراطيين حقيقيين.

•6.   و مما لاريب فيه، لابد وأن يبني التيار الديمقراطي لنفسه شبكة إعلامية وصحفية فاعلة، فيعززها بكُتّابه التقدميين والمفكرين الديمقراطيين، ويسعى لإقتحام كل ما يتوفر من وسائل الإعلام والإتصال الجماهيري، لإقامة رابطة متينة مع جميع شرائح الشعب العراقي.

د. كامل العضاض


التعليقات




5000