..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


صعود الإمبراطورية الأمريكية أو سقوطها - نقاش حول التراجع الكبير

غسان أحمد نامق

صعود الإمبراطورية الأمريكية أو سقوطها - نقاش حول التراجع الكبير

بقلم: 

دانييل دبليو دريزنر - جدعون راتشمان - روبرت كيغان

By: 

Daniel W. Drezner - Gideon Rachman - Robert Kagan

 

ترجمة: غســـان نـامـق Translated by: Gassan Namiq

 

دان دريزنر:

عزيزيّ بوب وجدعون،

إنه ليشرفني أن أرأس هذا النقاش بينكما أنتما الاثنين. لقد قمتما بتأليف كتابين ممتعين كانا محل نقاش على الرغم من كونهما مختلفين عن بعضهما حول مستقبل النظام العالمي. "جدعون"، أنت تؤيد الرأي القائل بأن عصر القلق مشرف علينا، وذلك يعود بدرجة ليست بالصغيرة إلى تضاؤل القوة الأمريكية والنموذج الغربي للاقتصاد السياسي عموماً. "بوب" ["بوب" هو إسم مشتق من إسم "روبرت" ويستعمل للتحبب - المترجم]، أنت ترد النقاشات حول التراجع الأمريكي بإبراز كيفية قيام المحللين الحاليين بتضخيم القوة الأمريكية في الماضي وكيف أن مصادر القوة الأمريكية الحالية ما تزال قوية.

ويبدو أن النقطة التي تتفقان عليها هي ضرورة ضمان القوة الأمريكية النظام والازدهار العالميين. "جدعون"، لقد أكدتَ في كتاب "مستقبل ينعدم فيه الربح والخسارة" [العنوان الكامل للكتاب هو "مسـتقبل ينعدم فيه الربح والخسـارة - القوة الأمريكيـة في عصـر القلق" وقد صدر بتاريخ 1 شـباط / فبراير 2011 - المترجم] "أن أمريكا القوية والناجحة والواثقة من نفسها تبقى أفضل أمل للعالم المستقر والمزدهر." "بوب"، في مقتطف من كتاب "العالم الذي صنعته أمريكا" [صدر بتاريخ 7 شباط / فبراير 2012 - المترجم] الذي ظهر في "النيو ريببلك" وصلتَ إلى الاستنتاج القائل بأنه "إذا تراجعت القوة الأمريكية، سيتراجع هذا النظام العالمي معها. وسيحل محله نظام من نوع آخر يعكس رغبات وصفات قوىً عالمية أخرى." وفي هذا البعد نجدكما متجانسين مع ومختلفين عن أناس من مثل "جون آيكنبيري" الذي يقول في كتاب "المارد الليبرالي" أن القوى الصاعدة ستعتنق النظام الليبرالي الذي صنعته الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها قبل أكثر من 60 عاماً. ["جون آيكنبيري" هو منظّر في العلاقات الدولية والسياسة الخارجية الأمريكية، وهو كذلك أستاذ السياسة والشؤون الدولية في كلية "وودرو ولسن" للشؤون العامة والدولية في جامعة "برنستون" في الولايات المتحدة الأمريكية - المترجم].

ومن أجل الإبقاء على دحرجة الكرة، دعوني أبدأ بتوجيه بضعة أسئلة إلى "جدعون". ظهر كتابك قبل الربيع العربي، وتحول الولايات المتحدة الأمريكية إلى الجانب المطل على المحيط الهادئ، والمرحلة الجديدة والمثيرة من أزمة اليورو، والإشارات إلى أن نمو الصين يتباطأ. هل يحثك أيٌّ من هذه الأحداث على القيام بإعادة التفكير؟ وإن كان الجواب بالنفي، فهل تأكيدات "بوب" باستمرار التفوق الأمريكي تخفف من قلقك؟ وأخيراً، واستناداً إلى مجلة "السياسة الخارجية"، فقد حقق كتاب "العالم الذي صنعته أمريكا" قراءاً ذوي نفوذ كبير: من الواضح أن باراك أوباما هو أحد المعجبين. ودعني أتحدث معك على طريقة "باربرا وولترز" وأسألك: إن كان هناك ثمة زعيم عالمي كنت تود أن يقرأ كتاب "مستقبل ينعدم فيه الربح والخسارة" فمن هو ولماذا؟

تحياتي،

دان

 

جدعون راتشمان:

عزيزي دان،

أنت مُحِق في أننا أنا و"بوب" متفقان على أهمية القوة الأمريكية لاستقرار العالم وازدهاره. ولكن النقطة التي نختلف فيها عن بعضنا تكمن في أنني أعتقد بأننا نشهد تآكلاً خطيراً في القوة الأمريكية. ويُعد هذا جزءاً من ظاهرة أوسع: العالم الذي يهيمن عليه الغرب يفسح المجال لنظام جديد تكون القوة الاقتصادية والسياسية فيه محل نزاع أكثر كثيراً.

إنك تطرح بعض الأسئلة الممتازة حول الكيفية التي تأثرت بها آرائي بالأحداث التي وقعت منذ إكمالي كتابي في بداية عام 2010. وقبل أن أتناول هذه الأسئلة بصورة مباشرة سوف أوضح بإيجاز ما أعنيه بعبارة "عصر القلق".

يقول كتابي أن العولمة لم تكن ظاهرة اقتصادية وحسب. بل كانت كذلك مركز التطور الجيوسياسي في السنين الثلاثين التي سبقت الأزمة المالية. فقد خلقت شبكة من المصالح المشتركة في ما بين القوى الكبرى في العالم واستبدلت العالم المنقسم إبان الحرب الباردة بنظام عالمي واحد تكون فيه كل القوى العظمى مرتبطة بنظام رأسمالي مشترك. فلو كنتَ قد ذهبتَ إلى "دافوس" أثناء هذه الفترة لوجدتَ زعماء الحزب الشيوعي الصيني والاتحاد الأوربي والولايات المتحدة الأمريكية يقولون أموراً شديدة التشابه حول الحاجة إلى تشجيع التجارة العالمية والاستثمار الأجنبي وما إلى ذلك. وكانوا يشتركون بافتراضات هامة حول الكيفية التي ينبغي بها إدارة العالم.

إنني أصف الفترة من 1991 حتى 2008 بأنها "عصر التفاؤل" لأن كافة القوى العظمى في العالم كان لديها السبب الذي يجعلها مقتنعة بالطريقة التي كان النظام العالمي المتعولم يعمل بها لأجلهم. فقد بدأت إصلاحات الهند في عام 1991 وأدت إلى طفرة اقتصادية وصعود ملموس في الثقة القومية. أما الاتحاد الأوربي فقد ازداد حجمه أكثر من الضعف من خلال دمج الكتلة السوفيتية القديمة. كما كان لأمريكا اللاتينية أزمات الديون الخاصة بها، ولكن عند نهاية الفترة كان يُنظَر إلى البرازيل نظرة جادة على أنها قوة عالمية للمرة الأولى في تاريخها. وحتى زعماء روسيا الجديدة، ومع كل حنينهم إلى الماضي بعد المرحلة السوفيتية، فقد كانوا مشاركين متحمسين في عالم معولَم.

والأهم من هذا كله فإن الفترة 1991 - 2008 كانت عصر تفاؤل لكل من الصين والولايات المتحدة الأمريكية. فأثناء هذه الفترة نما الاقتصاد الصيني بسرعة إلى درجة أن حجمه كان يتضاعف كل ما يقارب ثماني سنوات. وكان بإمكان الشعب الصيني رؤية بلاده وأسره تزداد ازدهاراً بشكل واضح. ومع ذلك فقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية هي القوة العظمى الوحيدة. كما إن نمو "وادي السليكون" وصعود "غوغل" و"آبل" وغيرهما أكدت الثقة الأمريكية بالقوى الخلاقة الفريدة للرأسمالية الأمريكية. وأمْلت الأفكار السياسية والاقتصادية الأمريكية شروط النقاش العالمي. ولا شك في أن مصطلحي "العولمة" Globalization و"الأمركة" Americanization كانا يبدوان مترادفين تقريباً.

كانت هذه الثقة الأمريكية بالغة الأهمية بالنسبة للنظام العالمي. فقد سمحت للولايات المتحدة الأمريكية باعتناق نمو كان سيبدو مثيراً للتهديد في ظروف أخرى: وهو صعود الصين. ففي عصر التفاؤل رحب الرؤساء الأمريكان المتعاقبون بالنمو الاقتصادي الصيني. وكان رأيهم يقول بأن الرأسمالية ستلعب دور حصان طروادة بحيث تقوم بتغيير النظام الصيني من الداخل. فإن اعتنقت الصين الحرية الاقتصادية فمن المؤكد أن تتبع ذلك الحرية السياسية. ولكن إن أخفقت الصين في اعتناق الرأسمالية فإنها ستفشل اقتصادياً.

لا شك في أنه كانت هناك أزمة إقتصادية ومالية هائلة في عام 2008، ولكنها جاءت في الغرب وليس في الصين. وقد أدى هذا التطور غير المتوقع إلى تعجيل نزعة كانت قائمة مسبقاً: وهي إنتقال القوة الإقتصادية من الغرب إلى الشرق، وضمنياً من الولايات المتحدة الأمريكية إلى الصين. ومنذ ذلك الحين إزدادت صعوبة الجدال بأن العولمة قد خلقت عالماً يقوم على المكاسب فقط. فبدلاً من ذلك، بدأ الأمريكان بالتساؤل، ولهم سبب وجيه في ذلك، فيما إذا كانت الصين الأغنى والأقوى قد تعني ولايات متحدة أمريكية أفقر نسبياً وأضعف نسبياً. ولذلك فقد منحت كتابي عنوان "مستقبل ينعدم فيه الربح والخسارة".

والآن فإنني أعرف أن "بوب" يخالفني في الفكرة القائلة بأنه كانت هناك نقلة في القوة الإقتصادية. فهو يقول أن الحصة الأمريكية في الإقتصاد العالمي قد بقيت ثابتة تقريباً عند 25 في المائة. ولكني لا أقرأ الأرقام بهذه الطريقة. فمجلة "الإيكونومست" (التي كنت أعمل فيها سابقاً) ترى الآن أن الصين ستكون أكبر إقتصاد في العالم، وبالتحديد بحلول عام 2018. ويعبّر "جيفري ساكس" عن هذا الأمر بشكل حسن حين كتب ما يأتي في "الفاينانشال تايمز" بتاريخ 9 شباط / فبراير:

"في عام 1980 كانت الحصة الأمريكية في الدخل العالمي (مقاسة بأسعار تعادل القوة الشرائية) هي 24.6 في المائة. وفي عام 2011 كانت 19.1 في المائة. ويرى صندوق النقد الدولي أنها ستنخفض إلى 17.6 في المائة إعتباراً من عام 2016.

وبالمقارنة نجد أن حصة الصين لم تكن سوى 2.2 في المائة من الدخل العالمي عام 1980، وارتفعت إلى 14.4 في عام 2011. ويرى صندوق النقد الدولي أن الصين ستلحق الولايات المتحدة الأمريكية بحلول عام 2016 بحصة قدرها 18 في المائة.

فإن لم تكن هذه نقلة تغير العالم، فمن الصعب تخيل ما هيتها."

إني أعرف أن معارك الإحصائيات المتنافسة يمكن أن تخدر العقول، فدعوني أضيف أن تجاربي كمراسل في أنحاء العالم تعزز بشدة هذا الإنطباع حول تنامي النفوذ الصيني القائم على تصاعد القوة الإقتصادية. وفي البرازيل، قيل لي أن الرئيسة "ديلما روسيف" كانت تقوم بزيارتها الرسمية إلى بكين، وليس إلى واشنطن، لأن الصين - وهي الشريكة التجارية الأكبر لبلادها - أكثر أهمية الآن بالنسبة للبرازيل. وفي بروكسل يتحدثون بكلام ملئ بالأمل عن الصين، وليس عن أمريكا، وهم يكتبون صكاً كبيراً بغرض التخفيف من أزمة اليورو. وبالطبع يتضح الآن أن الصين أكبر كثيراً من بقية آسيا.

هذا التحول في القوة الإقتصادية والسياسية له معانٍ ضمنية هامة بالنسبة للنظام العالمي. فالولايات المتحدة الأمريكية الأكثر ضعفاً تُعد أقل رغبة وقدرة على لعب دور قيادي في حل أزمات العالم الإقتصادية والسياسية. فلن تكون هناك "خطة مارشال" لأوربا. بل لن تكون هناك "لجنة لإنقاذ العالم" تقودها أمريكا خلافاً لما كان عليه الحال أثناء الأزمتين الصينية والروسية. وحين يأتي الأمر إلى الإضطراب في الشرق الأوسط، فقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية سعيدة جداً في "القيادة الخلفية" بشأن ليبيا. وفي غضون ذلك إنسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من العراق وهي في طور الإنسحاب من أفغانستان. لا تفهمني على نحو خاطئ. فإني أعتقد أنه من الأمور العقلانية تماماً بالنسبة لـ "أوباما" محاولة تقليل الإلتزامات العسكرية الأمريكية في أنحاء العالم، وخصوصاً إذا أخذنا بعين الإعتبار الوضع القاتم المتعلق بالميزانية. غير أننا في عصر جديد بلا ريب. فلن يستطيع أي رئيس أمريكي الآن أن يقول أن البلاد سوف "تتحمل أي عبء" من أجل ضمان تحقيق أهدافها.

دعني الآن أتناول المسائل التي أثرتَها. المراحل الأولى من أزمة اليورو تظهر في كتابي. أما مراحلها المتأخرة فإنها تزيد من تعزيز رأيي. فالإتحاد الأوربي يعد مثالاً كلاسيكياً على المنظمة القائمة على المنطق الإقتصادي الذي يؤيد "الربح للجميع". فقد كانت فكرة الآباء المؤسسين للإتحاد الأوربي هي أن التعاون الإقتصادي والإزدهار المشترك سيخلقان ديناميكية سياسية إيجابية. وقد عملت هذه الفكرة على نحو جميل لمدة 50 عاماً. غير أن ذلك المنطق الخاص بـ "الربح للجميع" أمسى يسير بالإتجاه المعاكس. فبدلاً من أن تشعر بلدان الإتحاد الأوربي بأنها أكثر قوة مجتمعةً، فإننا نجد قلقها يتزايد من أنها تسحب بعضها إلى الهاوية. والنتيجة هي تصاعدٌ في التوترات السياسية في داخل أوربا، وتفشّي المشاعر المعادية للألمان على وجه الخصوص. وثمة معانٍ ضمنية لهذا الأمر. أحد هذه المعاني هو أنّ توجه أمريكا نحو آسيا يعتمد على الفكرة القائلة بأن أوربا لن تتطلب الإهتمام - وهو إفتراضٌ أرتابُ فيه بعض الشئ.

في ما يتعلق بالتوجه الأمريكي نحو آسيا، أعتقد أنه إستجابة متوقعة وعقلانية للقوة الصينية الصاعدة. ولكني غير متأكد من نجاعة هذا التوجه. فحلفاء أمريكا في المنطقة يواجهون مأزقاً مثيراً للإهتمام. حيث نجد أن أهم العلاقات التجارية لليابان والهند وأستراليا وكوريا الجنوبية هي مع الصين - أما أهم علاقاتها الإستراتيجية فهي مع الولايات المتحدة الأمريكية. فمالم تبالغ الصين بشدة في تصرفها وترهب جيرانها، سنجد تلك الروابط الإقتصادية تصبح أكثر أهمية من العلاقات العسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية بمرور الزمن. وبالنتيجة، سيزداد النفوذ الصيني في آسيا باطراد - على حساب الولايات المتحدة الأمريكية.

وبالطبع فإن هذا كله يقوم على إفتراض النمو المستمر للإقتصاد الصيني. ولكن ماذا عن تلك "الإشارات إلى أن النمو الإقتصادي الصيني يتباطأ"؟ لن أتفاجأ أبداً. لا ريب في أني أستطيع الذهاب أبعد من ذلك لأقول أن الإقتصاد الصيني والنظام السياسي الصيني غير مستقرين وعرضة للأزمات. فإذا حدثت أزمة سيتلهف العديد من الناس في الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها إلى التصريح بأن صعود الصين كان سراباً. لكنهم لن يكونوا على صواب. فهذه عملية طويلة المدى ذات أهمية تاريخية شبيهة بصعود الولايات المتحدة الأمريكية في القرن التاسع عشر. فالتاريخ الأمريكي يجب أن يخبرك بأنه من الممكن تماماً الربط بين الإضطراب السياسي وصعود إقتصاد قاري ديناميكي. فبالرغم من كل شئ، دخلت أمريكا حرباً أهلية ومع ذلك برزت "رقم 1" في بداية القرن العشرين.

وأخيراً، تسأل عن الربيع العربي. يمكن أن يشير هذا إلى إتجاهين مختلفين تمام الإختلاف. فإذا نجح العالم العربي في إعتناق الديمقراطية والحرية الإقتصادية، فإن هذا سيعيد توكيد الرواية المفعمة بالأمل حول عصر التفاؤل الذي تنتشر فيه الديمقراطية والحرية الإقتصادية في أنحاء العالم وتقيمان نظاماً عالمياً يتزايد فيه التعاون والليبرالية (سمّه عالم "جون آيكنبيري" إن شئت). وعلى المدى الطويل جداً، لا يزال الأمل يحدوني في أن الربيع العربي سيخلُص إلى هذه النتيجة. ولكن في السنوات العشر القادمة يبدو لي أن الإحتمال الأشد هو أن الربيع العربي سيتجه نحو الرواية الأكثر ظلاماً لعصر القلق والتي تتميز بالدول الفاشلة والنزاعات عبر الحدود وصعود الإيديولوجيات غير الليبرالية والمعادية للغرب وهجرة أعداد كبيرة من المهجّرين من ديارهم.

أما في ما يتعلق بالقارئ الحالم فلا أظن أنني سأتمكن من التغلب على "أوباما". ولكن إن كنتُ نزيهاً، فإن كتابي في الوصف أقوى منه في تقديم الوصفات والتعليمات. إن المقصود من عبارة "مستقبل ينعدم فيه الربح والخسارة" هو عرض إتجاه محتمل وليس تقديم توصيات. وفي الواقع فإن الإعتناق الطوعي لمنطق إنعدام الربح والخسارة سيكون أمراً خطيراً. أما الإستجابة العريضة التي أوصي بها فتنطوي على التركيز على إعادة بناء القوة الإقتصادية الأمريكية الداخلية ومحاولة الدفاع عن مبادئ نظام عالمي ليبرالي، والتحوط في الوقت ذاته من صعود القوى العالمية الإستبدادية.

وهكذا، فبدلاً من ترشيح قارئ مثالي، دعني أنهي كلامي بإخبارك عن القارئ الواقعي. لقد إلتقيت مؤخراً بمفوض أوربي موجود في قلب أزمة اليورو. قال لي أنه قد قرأ كتابي ووجده ممتعاً - وذلك قبل أن يضيف: "عملي هو أن أثبت أنك مخطئ." وإذا أخذنا جسامة الأزمة التي تواجه أوربا والغرب في عين الإعتبار، فإنني أرجو أن يحالفه النجاح.

 

دريزنر:

عزيزيّ جدعون وبوب،

أشكرك على إجابتك يا "جدعون"!

ولكي أنقل الكرة إلى ملعب "بوب"، ها هي بعض الأسئلة. قال "جدعون" أثناء إجابته أن معلوماتك بشأن إستمرار القوة الأمريكية باطلة نوعاً ما. وهو ليس لوحده في تبنّي هذا الرأي. فقد أشار "روبرت بيب" إلى أمور مثل هذه قبل بضع سنوات في "ناشنال إنتيريست "، كما أشار "إدوارد لوس" إلى أمور مماثلة في الأسبوع الجاري في "الفاينانشال تايمز". وبدون الدخول في أعماق جحر الأرنب بحثاً عن المعلومات، فربما يكون من الممكن ترتيب سلسلة بديلة من المعلومات التي تبين تراجعاً أمريكياً منذ ستينيات القرن العشرين. فما مدى أهمية مسألة المعلومات هذه بالنسبة إلى نقاشك الإجمالي؟ وبعموم أكثر، ماذا عن التقدم إلى الأمام؟ النقطة التي أثارها "جدعون" بشأن الصين جاءت في مكانها. فحتى لو كانت تعاني فعلاً من تباطؤ في النمو، هل سيؤدي ذلك بالضرورة إلى إبطاء صعودها في آخر الأمر؟ لقد عانت الولايات المتحدة الأمريكية من حالات كساد خطيرة في أواخر القرن التاسع عشر، ومع ذلك أصبحت القوة الصناعية الأولى في العالم.

إجابة "جدعون" تسلط الضوء على مشكلة أخرى في طور التكوين بشأن صدارة أمريكا: حتى لو لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية في مرحلة تراجع، إلا أن حلفاءها القدماء يعانون من مشاكل خطيرة. فحلفاء أمريكا في حلف الناتو واقعون في شرك أزمة الديون السيادية، واليابان مشغولة بقضاياها الديموغرافية الخاصة بها. هناك حلفاء آخرون، ولكنهم أصبحوا في حالة ترابط كبير مع الصين كما يشير "جدعون". وهناك دول صاعدة قد تشترك في القيم الأمريكية - البرازيل والهند على سبيل المثال - ولكن ليس من الواضح فيما إذا كان إصطفافها إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية ليس مجرد أمر تكتيكي. فبدون وجود مناصرين، هل ستتمكن الولايات المتحدة الأمريكية من الإستمرار في القيادة؟

وأخيراً، نحن نعلم أن "أوباما" قد قرأ مقتطف "النيو ريببلك" من كتابك. فهل قرأه "مِت رومني"؟ [إشارة إلى "ويلارد مِت رومني"، وهو رجل الأعمال والسياسي الأمريكي المولود بتاريخ 12/3/1947. وهو الحاكم السبعون لولاية "ماساشوسيتس" الأمريكية من عام 2003 حتى عام 2007، ومرشح الحزب الجمهوري الأمريكي للإنتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2012 - المترجم]. يتملكني الفضول بهذا الشأن لسببين: (أ) أنت مستشاره لشؤون السياسة الخارجية، (ب) يبدو أن خطاب المرشح الجمهوري للرئاسة بهذا الشأن - وهو أن "أوباما" يؤمن بالتراجع الأمريكي، بينما هو يؤمن بأن القرن الحالي سيكون القرن الأمريكي - مناقض لاعتناق "أوياما" وجهة نظرك.

تحياتي،

دان

 

روبرت كيغان:

عزيزيّ دان وجدعون،

شكراً جزيلاً لكليكما على هذا النقاش المثير والهام. يسعدني ذكر "أوباما" المقتطف المأخوذ من كتابي، ليس فقط للأسباب الواضحة، بل لأنه أعلن كذلك بداية نقاش مفيد حقاً حول الموقع النسبي للولايات المتحدة الأمريكية والقوى الأخرى في النظام الدولي. يبدو أننا دخلنا في "عالم ما بعد أمريكا" قبل بضع سنوات بدون تحليل دقيق لمسألة فيما إذا كان ذلك وصفاً حسناً بحق للنظام الدولي. لا أظن ذلك.

أولاً، لدينا أرقام الناتج المحلي الإجمالي تلك. قَوْلي بأن الحصة الأمريكية قد بقيت ثابتة نوعاً ما بما يقارب ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي منذ عام 1969 يعتمد على أرقام الحكومة الأمريكية التي يمكن أن نطلع عليها هنا [النص في المجلة يحيل القارئ إلى موقع آخر لم نذهب إليه كي لا نتشعب - المترجم].

كل من يكلف نفسه النظر بسرعة في هذه المسألة سيكتشف بالطبع أن الأرقام في كل مكان. فأرقام صندوق النقد الدولي تتغير باستمرار، حتى بالنظر للماضي. على سبيل المثال، وكما كتبتُ في إجابتي على "لوس" و"ساكس"، ووفقاً لتقرير صندوق النقد الدولي حول مستقبل الإقتصاد العالمي عام 2010، فقد كانت الحصة الأمريكية من الناتج المحلي الإجمالي العالمي إستناداً لتعادل القوة الشرائية عام 1980 هي 22.499 في المائة. وفي عام 2007، وهي السنة الأخيرة قبل الركود الكبير، كانت الحصة الأمريكية هي 21.289 - وليس هذا تغيراً كبيراً. ومن ناحية أخرى، وفي تقريره للعام 2011، وضع صندوق النقد الدولي الحصة عام 1980 عند 24.6، وهذا يجعل التغير يبدو أكبر. فأيهما صحيح؟ بالنسبة لتوقعات صندوق النقد الدولي، هل يمكننا الإنتظار لرؤية كيف ستكون قبل وضع نظرية عالمية شاملة حولها؟ إنهم يراجعون هذه الأرقام باستمرار صعوداً ونزولاً، وقد تبدو الأمور بوضع مختلف عندما تخرج الولايات المتحدة الأمريكية من ركودها.

ولكن ماهو مقدار الأهمية التي يجب أن نعلقها على هذه الإحصائيات في أي حال من الأحوال؟ بعض الأهمية بالتأكيد. لا جدال في أنه مع نمو حصة الصين في الإقتصاد العالمي سينمو النفوذ الصيني من بعض الوجوه كذلك. ولكن من الجدير بالملاحظة أنه في العديد من هذه النقاشات نجد أولئك الذين يشيرون إلى حصة الصين المتنامية في الناتج المحلي الإجمالي يغفلون الإشارة إلى نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الصين والتي تبلغ جزءاً من نصيب الفرد في الولايات المتحدة الأمريكية والقوى الإقتصادية العالمية الكبرى. فنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة الأمريكية يبلغ أكثر من 40,000 دولار أمريكي، أما في الصين فهو أكثر قليلاً من 4,000 دولار أمريكي، وهو المستوى ذاته تقريباً في أنغولا وبيليز. وحتى لو كانت التوقعات المتفائلة صحيحة، فبحلول عام 2030 لن يكون نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الصين سوى نصف نصيب الفرد في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو الرقم الذي تقف عنده سلوفينيا في الوقت الحاضر تقريباً. إنه لمن المثير للإهتمام أن نتأمل ما معنى أن تصبح الصين هي المهيمنة إقتصادياً، وذلك لأن هذا ليس له سابقة تاريخية. ففي الماضي، كانت القوى المهيمنة في العالم هي الأغنى في العالم كذلك.

وفي ما يتعلق بالجغرافيا السياسية وبالقوة فإن حجم إقتصاد البلاد لوحده لا يُعد أمراً ذا أهمية بالغة. فلو كان ذا أهمية، لكانت الصين هي الأقوى في العالم في عام 1800، وذلك حين كانت حصتها في الناتج المحلي الإجمالي هي الأكبر في العالم. السؤال التالي إذن هو فيما إذا كان بإمكان الصين ترجمة قوتها الإقتصادية إلى نفوذ جيوسياسي. ومرة أخرى أقول بأنها لا شك ستفعل ذلك إلى حدٍ ما. غير أن القوة والنفوذ لا ينبعان من القوة الإقتصادية فقط، والصين هي أفضل برهان على هذا. فخلال السنوات الماضية، حين كان الإقتصاد الأمريكي ينهار والإقتصاد الصيني يزدهر، نجد أن الولايات المتحدة الأمريكية قد حسّنت موقعها كثيراً في شرق آسيا بينما تدهور موقع الصين. وفي الواقع، كلما زادت الصين من إستعمال عضلاتها الجديدة كلما نتج عن ذلك رد فعل في المنطقة التي تلتفت إلى الولايات المتحدة الأمريكية طلباً للنجدة. (كانت هذه هي وجهة النظر الرئيسة التي طرحها "وليام وولفورث" في مقاله الرائع "إستقرار العالم الأحادي القطب.") ويستمر "جدعون" في التنبؤ بأن اليابان على وشك الميل نحو الصين، إلا أن كل العلامات تشير إلى الإتجاه المعاكس - ليس فقط بالنسبة لليابان بل لمعظم جيران الصين الآخرين. فالحقيقة القائلة بأن الصين هي الشريك التجاري الرئيسي لكافة هذه البلدان لا يزيد نفوذ الصين بالضرورة. وإنني أستنتج أنه حتى البرازيليين تتناقص سعادتهم في أن يصبحوا مجرد مورّدين للمواد الخام إلى الصينيين. لا يوجد إقتصاد في العالم أكثر إعتماداً على الصين من أستراليا، ولكن أنظر إلى القاعدة الأمريكية الجديدة التي رحّب بها الأستراليون على ترابهم مؤخراً. إن التجارة لا تؤدي بالضرورة إلى المجاملات أو التبعية الإستراتيجية. وكما أشار الكثيرون، ففي عام 1914 كانت ألمانيا وبريطانيا هما أكبر شريكين لبعضهما كذلك.

في الواقع، توجد أمام الصين عقبات ينبغي عليها تجاوزها قبل تمكنها من أن تصبح قوة عالمية على قدم المساواة مع الولايات المتحدة الأمريكية - وتأتي في مقدمة هذه العقبات مخاوف وشكوك جيرانها الذين يتمتعون بقوة كبيرة أيضاً والذين يأخذون بالصعود بمثل سرعة صعود الصين، وذلك في حالة الهند. وليس ثمة داعٍ لتكرار الكليشيه القائل بأن الولايات المتحدة الأمريكية تتمتع حقاً بموقع جغرافي مؤاتٍ. فلا توجد قوى كبرى في محيطها ولا تواجه أي تهديد مباشر من أي من جيرانها. أما الصين فإنها محاطة بأعداء قدماء ومستقبليين. حتى الإتحاد السوفيتي كان في حال أفضل إبان الحرب الباردة.

هذا يجيب بشكل جزئي عن سؤال "دان" حول حالة حلفاء أمريكا. إن عدم مسير الهند والبرازيل إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية لا يُعد أمراً ذا أهمية كبيرة. فنفوذ الولايات المتحدة الأمريكية لا يتأتى من تمكنها من أن تُملي على الجميع ما ينبغي عليهم فعله على الدوام. لم يكن بإمكانها فعل ذلك أبداً حتى في أوربا في ذروة الحرب الباردة. على العكس من ذلك، فإن التوازن الكلي للنفوذ في العالم هو الذي يساعد في تحديد موقع أمريكا. ففي مستقبل قد تكون فيه الولايات المتحدة الأمريكية والصين متنافسين نجد أن الهند القوية ستعزز القوة الأمريكية بصرف النظر عن مدى العلاقة الودية بين نيو دلهي وواشنطن.

وبالنسبة لأوربا، دعونا ننظر بمنظار أوسع رجاءاً. فبالمقارنة مع أوربا المدمرة التي ورثتها الولايات المتحدة الأمريكية كحليف عام 1945، لا شك في أننا نجد أوربا اليوم قوة عظمى كبيرة وحليفاً ممتازاً على الرغم من أزمتها الإقتصادية.

 

راتشمان:

عزيزي بوب،

أتفق معك في نقطة هامة واحدة. القوة السياسية والأهمية الإقتصادية أمران مختلفان عن بعضهما. ولهذا السبب ستستمر الولايات المتحدة الأمريكية في كونها القوة السياسية المهيمنة في العالم لبعض الوقت حتى لو أصبحت الصين أكبر إقتصاد في العالم حوالي عام 2018. إن شبكة تحالفات أمريكا وقوتها العسكرية وبراعتها التكنلوجية و"قوتها الناعمة" واستقرارها السياسي وموقعها الجغرافي كلها أمور تفتقر إليها الصين.

وهكذا، حتى لو كانت القوة السياسية والحجم الإقتصادي أمرين مختلفين، إلا أنهما بالتأكيد مرتبطان ببعضهما إرتباطاً وثيقاً. فإذا أصبحت الصين أغنى، ستنمو قوتها الجيوسياسية وتمثل تحدياً لقوة أمريكا الجيوسياسية. إن نمو ثروة الصين سيمنحها المزيد من المال لإنفاقه على الممتلكات في الخارج وعلى المعونات الخارجية وعلى جيشها. وفوق كل شئ، سيصبح إغراء الإستثمار الصيني والسوق الصينية أداة قوية في تشكيل سلوك البلدان الأخرى. تستطيع أن ترى هذا في أوربا في الوقت الحاضر. فقابلية الصين على تقديم الثقة والعقود المربحة تجعل الأوربيين أقل رغبة في مواجهة الصين، سواء حول أمور حقوق الإنسان أو البيئة.

لهذا السبب أجد حديثك عن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لا يبعث على الإطمئنان. نعم، صحيح أن الأمريكي العادي سيكون أغنى من الصيني العادي لعشرات من السنين - وربما إلى الأبد. لكن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في لوكسمبورغ أكبر كثيراً من الصين والولايات المتحدة الأمريكية. ليس لهذا الأمر أهمية من الناحية الجيوسياسية لأن شعب لوكسمبورغ صغير جداً.

هذا أمر حسابي بسيط إلى درجة كبيرة. فاليابان ما كان لها أن تكون "رقم 1" لأن سكانها أقل من نصف سكان الولايات المتحدة الأمريكية. أما الصين فإنها متأكدة تقريباً من أنها ستكون "رقم 1" من الناحية الإقتصادية لأن سكانها يبلغون أربعة أضعاف سكان الولايات المتحدة الأمريكية. أنت أصبتَ في قولك بأن الفقر النسبي للمواطن الصيني العادي سيجعل الصين نوعاً غير مألوف من أنواع القوى العظمى - أغنى وأفقر منا في وقت واحد. وهذا يمكن أن يجعل الصين تنكمش نسبياً على ذاتها، أو قد يجعلها أكثر عدوانية في سعيها وراء الموارد لدفع صعودها وإرضاء طموحات سكانها. وبالنسبة لي، فإن علامة الإستفهام الأكبر على صعود الصين هي فيما إذا كان مجئ الديمقراطية (إن وصلت) سيؤدي إلى تفكك البلاد، خصوصاً مع نيل الحركات الإنفصالية زخماً في التبت وشينجيانغ. ولكن حتى لو كانت هذه المناطق تمثل جزءاً كبيراً من الأراضي الصينية، إلا أنها لا تمثل إلا 2 في المائة من السكان.

وعلاوة على ذلك، ليست الصين وحدها التي تواجه مسائل مثيرة للإزعاج. لقد أصبتَ في إشارتك إلى قوى أمريكا القادرة على البقاء. إلا أن النمو السريع للدَيْن القومي الأمريكي يثير إحتمال حدوث أزمة مالية سيئة بحق. وحين نأتي إلى الدَيْن السيادي، فنحن في أوربا إكتشفنا لتوّنا حقيقة تلك الطرفة الإقتصادية القائلة بأن "الأمور التي لا تستطيع الإستمرار إلى الأبد لا تستمر." إن الولايات المتحدة الأمريكية لا تستطيع الإستمرار في إدارة الديون بمعدلها الحالي. وحتى الجهد العقلاني المخطط لإدارة الدَيْن ستكون له آثار خطيرة على الإنفاق الأمريكي - وعلى القوة القادرة على الإنتشار.

أوافق على أن توازن القوة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين سيتوقف إلى درجة كبيرة على خيارات البلدان الأخرى. لقد أصبتَ في قولك في أنني ربما كنتُ مبالغاً في تأثري بمَيْل اليابان إلى الصين بقيادة رئيس الوزراء "يوكيو هاتوياما". ولكن ثبت أن ذلك كان أمراً عابراً. ومع ذلك، فلقد كان ذلك حدثاً مثيراً للإهتمام لأنه سلط الضوء على نقطة مركزية بشأن النظام العالمي الصاعد. فمع إزدياد قوة الصين لا تستطيع الولايات المتحدة الأمريكية الإفتراض بأن الحلفاء التقليديين أو الديمقراطيات الصديقة ستتشبث بأمريكا. ففي الإنتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة، بذل المرشحون جهوداً كبيرة للترويج لفكرة "عُصبة الديمقراطيات". ولكن خلال السنوات الأربع التي تلت تلك الإنتخابات رأينا أن الديمقراطيات لا تبقى متشبثة ببعضها على الدوام. ففي محادثات التغيّر المناخي في كوبنهاغن، كانت البرازيل والهند وجنوب أفريقيا إلى جانب الصين وليست إلى جانب أمريكا - فقد فاقت هويتهم كبلدان نامية هويتهم كديمقراطيات. كما دانت البلدان ذاتها التدخل الذي قاده الناتو مؤخراً في ليبيا والذي تطور إلى حملة عسكرية حقيقية. لقد فاقت ريبتهم بالنوايا الغربية تأييدهم لحقوق الإنسان.

في المعركة لنَيْل القلوب والعقول في أنحاء العالم، ستكون هوية أمريكا بصفتها الديمقراطية المهيمنة أمراً بالغ الأهمية. غير أنه لا ينبغي الإستخفاف بإمكانية الصين الإستفادة من الإستياء واسع الإنتشار من الهيمنة الغربية التي دامت قروناً من الزمن.

ما تزال أمريكا بعيداً في المقدمة حين يأتي الأمر إلى القوة العسكرية الفعلية. لكنني أرى أنه من غير المحتمل دخول الصين وأمريكا في حرب في أي يوم من الأيام. إنها القوة الإقتصادية - وليست القوة العسكرية أو "القوة الناعمة" - التي سيكون لها أكبر شأن في التنافس بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين. وأخشى أن اللحظة التي ستسبق فيها الصين أمريكا من الناحية الإقتصادية تقترب بسرعة.

 

كيغان،

عزيزي جدعون،

أخشى أننا نقف الآن في رقعة واسعة من الأرض المشتركة. نحن متفقان على أن الولايات المتحدة الأمريكية ستبقى القوة العالمية المهيمنة وتتمتع بمزايا تميزها عن الصين "لفترة من الزمن". ونحن متفقان، كذلك، على أن الصين قد تمثل تحدياً هائلاً في السنين القادمة، وهو تحدٍ قد يكلف الإمكانيات الأمريكية والحكمة الأمريكية كثيراً. فالولايات المتحدة الأمريكية تواجه مشاكل خطيرة في الداخل تضعف من قدرتها على الإستمرار في لعب دورها الحيوي في العالم - ليس أقل هذه المشاكل حالات العجز المالي الهائلة الناجمة عن الإستحقاقات. لقد بدأنا برؤية التأثيرات على ميزانية الدفاع التي تجري التضحية بها من أجل المصلحة السياسية على الرغم من أن الإقتطاعات الدفاعية لا يكاد أن يكون لها أثر في العجز. وليس على أولئك الذين يرتابون في تأثيرات هذه الإقتطاعات إلا النظر إلى آسيا. لقد أعلنت الإدارة عن "محور" إستراتيجي، ولكن فيما إذا كانت الإدارة ستتمكن من الوفاء بتعهدها المتجدد بشأن توفير الأمن لمن يشعر بالتهديد من الصين فإنه أمر متروك للمستقبل.

النقطة الرئيسة في كتابي، في الواقع، هي دراسة ما الذي يمكن أن يحدث في العالم إذا ما أثبتت الولايات المتحدة الأمريكية عدم قدرتها على الإستمرار في كونها القوة المهيمنة وإنزلقت إلى مساواة قاسية مع قوىً أخرى، مثل الصين. أظن أنه من قبيل التفاؤل الإعتقاد أن الصين لن تمثل سوى تحدياً إقتصادياً للولايات المتحدة الأمريكية تحت تلك الظروف. فتأثيرات عالم جديد متعدد الأقطاب ستكون بعيدة المدى. وأحياناً أعتقد بأننا نسينا كيفية سلوك البلدان عندما تتزايد قوتها. فإننا نعيش منذ مدة طويلة في عالم فيه قوة واحدة أقوى كثيراً من كافة القوى الأخرى. إن وجود الهيمنة الأمريكية أجبر كافة القوى الأخرى على ممارسة ضبطٍ غير إعتياديٍ للنفس وكبح المطامح الطبيعية وتجنب الأفعال التي قد تؤدي إلى تشكيل تحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية مثل ذلك الذي هزم ألمانيا مرتين واليابان مرة واحدة والإتحاد السوفيتي بشكل سلمي أكثر في الحرب الباردة.

يدرك الصينيون تماماً، كمؤرّخين جيدين، المصير الذي حل بهؤلاء الآخرين وبذلوا جهدهم لتفادي مصير مماثل، متبعين بقدر إمكانهم نصيحة "دينغ شياوبينغ" التي تنص على "الإبتعاد عن الأضواء وتجنب القيادة". ولكن مع تغير القوة النسبية يغدو من الصعب جداً إتباع تلك النصيحة. ولقد رأينا بعض الدلالات المبكرة على ما قد يحمله المستقبل لتصاعد الحزم الصيني في بحر جنوب الصين. أما رد الولايات المتحدة الأمريكية، التي تأرجحت خلف القوى القلقة في المنطقة، فلربما أقنع الصينيين بأن تحركاتهم كانت سابقة لأوانها. ولربما كانوا هم أنفسهم قد دفعوا الكثير ثمناً للكلام واسع الإنتشار الذي يقول أن أمريكا في حالة تراجع. وإن كان لذلك التراجع أن يصبح أمراً واقعاً في السنوات القادمة، فإنه تأكيد على أن عمليات الضغط وجس النبض الصينية ستعود. كما إن القوة الصينية النسبية الأكبر قد تجعل بكين تفقد صبرها أمام عدم تحرك تايوان بشأن الإذعان إلى سيادة البر الرئيسي. إن الموقف الذي تكون فيه القوة الأمريكية في حالة تراجع والقوة الصينية في حالة صعود ومسألة تايوان مثيرة للمشاكل يُعد من الناحية العملية كتاباً مدرسياً عن كيفية بدء الحروب - حتى لو لم يكن أيٌّ من الطرفين راغباً بالحرب. ولهذا السبب أشار البعض إلى تايوان بأنها سراييفو شرق آسيا.

إن كانت مشكلتنا الوحيدة هي أن الصين ستصبح أكثر نفوذاً في المجال الإقتصادي، بينما تحتفظ الولايات المتحدة الأمريكية بالهيمنة في كافة المجالات الأخرى، فقد يكون هذا أمراً تسهل السيطرة عليه. لا أبالي إن إشترى الصينيون "مركز روكفيلر". أرجو أن يحصلوا على صفقة جيدة مثلما حصل اليابانيون عام 1989. إن الخطر يكمن في أنه قد تتراجع الولايات المتحدة الأمريكية بالمقارنة مع الصين في كافة مقاييس القوة. سيعني ذلك نهاية النظام الدولي الذي دعمته الولايات المتحدة الأمريكية واستفادت منه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ومن ناحية أخرى، فإنني أبقى متفائلاً بأن الولايات المتحدة الأمريكية ستحل مشاكلها، مثلما فعلت في الماضي، وأن الصين ستجد مطبات أمامها في الطريق، مثلما حدث معها في الماضي. وفي غضون ذلك، فمن المهم أن تعمل الولايات المتحدة الأمريكية على الحفاظ على موقعها القيادي في العالم وعدم الرضوخ إلى نزعة التراجع التي ستصبح نبوءة ذاتية التحقيق.

 

دريزنر:

عزيزيّ جدعون وبوب،

أشكركما على إجاباتكما. وأنا بهذا أعلن نفسي بأنني توحيدي ولست تقسيمياً حين يأتي الأمر إلى تبادلات الإعتدال، كما إنني أضمن أن القوى القائمة في مجلة "السياسة الخارجية" لن تطلب مني أبداً أن أفعل أي شئ مثل هذا مرة ثانية.

وإن عُدنا خطوة إلى الوراء لوجدنا أن المناقشات مثل هذه التي أجريناها تميل إلى الدوران حول ما هي المجاهيل المجهولة. وبالنسبة للمحللين الغربيين، فالمجهول هو الصين وجيرانها، وليس الولايات المتحدة الأمريكية. كما إن المنظّر في العلاقات الدولية الكامن في داخلي يرى بعض الأسئلة غير القابلة للإختزال حول المستقبل. هل الصين التي تمتلك حجماً سوقياً هائلاً ولكنها أفقر نسبياً في نصيب الفرد تُعنى أكثر بالمكاسب المطلقة أو المكاسب النسبية بالمقارنة مع الولايات المتحدة الأمريكية؟ هل سيحقق جيران الصين القريبون والبعيدون التوازن مع قوة صاعدة أم يتورطون بالترابط في وضع توفيقي أكثر؟ ما هي الدروس التي ستتعلمها الصين من أعقاب إنقلابها العدواني في سياستها الخارجية في عامي 2009 و 2010؟

أتطلع إلى سماع إجاباتكما على هذه الأسئلة في السنوات القادمة.

 

* * * * *

 

دانييل دبليو دريزنر: أستاذ السياسة الدولية، كلية فليتشر، جامعة تفتس. وهو محرر مشارك في مجلة "السياسة الخارجية".

جدعون راتشمان: كبير محللي الشؤون الخارجية في "الفاينانشال تايمز" ومؤلف كتاب "مستقبل ينعدم فيه الربح والخسارة - القوة الأمريكية في عصر القلق" الصادر بتاريخ 1 شباط / فبراير 2011.

روبرت كيغان: زميل أقدم في مؤسسة بروكلنغز ومؤلف كتاب "العالم الذي صنعته أمريكا" الصادر بتاريخ 7 شباط / فبراير 2012.

 

عن مجلة "السياسة الخارجية" بتاريخ 14 شباط / فبراير 2012.

http://www.foreignpolicy.com/articles/2012/02/14/the_rise_or_fall_of_the_american_empire

غسان أحمد نامق


التعليقات




5000