..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


شعرية العنونة : اسميك بحرا..اسمي يدي الرمل

أ.د.بشرى البستاني

شعرية العنونة 

 اسميك بحرا.. اسمي يدي الرمل 

****

أهي غواية ام استشراف ام اغراء قصدي ذلك الذي يدفع الكاتب إلى بلورة "ثريا نصه.." حسب جيرار جينيت في مفردة او جملة او اكثر ليكون عنوانا لقصيدته، هذه الغواية التي ترفع اشرعه لرحيل المتلقي، وتفتح نوافذ لتامله، وابوابا لولوجه...

أهي عملية اختيار ام اكتشاف ام مشاكسة تلك التي تدفع المبدع إلى حسم الأمر بعد تأمل ومفاضلة وتدقيق ومقارنة من اجل وضع العنوان موضع الصدارة من نصه..

ليس هذا هو شان هذه الدراسة، فقد اختار الشاعر خالد ابو خالد عنوانات اثنتي عشرة قصيدة وجمعها في ديوان وضع له عنوانا هو.. ((اسميك بحرا..اسمي يدي الرمل))(**) وهذا العنوان هو عنوان القصيدة الخامسة من قصائد الديوان، واذا كان لكل مبدع طريقته في اختيار عنواناته، ولكل عنوان ظروفه واليات اشتغاله من حيث علاقته بالنص أولا وبالمتلقي ثانيا، فان هذه الدراسة قد حددت مهمتها في قراءة عنوانات الديوان وقصائده قراءتها الخاصة التي ربما فتحت افقا اخر على قراءات لاحقة..

والعنوان من عنون الكتاب وعلونه، وهو مشتق من المعنى وفيه لغات.. قال ابن سيدة: العُنوان والعِنوان: سمة الكتاب، وعنونه عنونة وعنوانا: وسمه بالعنوان ..وفي جبهته عنوان من كثرة السجود: أي اثر..(1) وسمي بالعلوان لانه يعلو النص، وبهذا فهو لم يعد عنصرا تابعا بل صار عنصرا بنائيا بعد ان اولته المنهجيات الحديثة اهتمامها الكبير يوم حولته من عامل تفسير مهمته وضع المعنى امام القارئ إلى مشروع للتاويل، فقد اصبح نصا مكتوبا يتطلب جماليات خاصة من حيث التركيب والخط والدلالة، وقد تتعدد الاشارات الدلالية للعنوان حسب توظيف النص والقراءة معا؛ لانه مفتاح تأويلي يومئ إلى امر غائب في النص، على القارئ ان يبحث عنه لاكتشاف البنية المولدة للدلالة والجديرة باولية التحليل..(2) فالعنوان اذن بنية صغرى، وهي بنية افتقار لا تعمل باستقلال تام عن البنية الكبرى التي هي النص المنضوي تحت العنوان سواء كان النص قصيدة ام قصة ام رواية، فهو يغتني بما يتصل به من هذه النصوص ليؤلف معها وحدة تامة على المستوى الدلالي، وبسبب من وظيفته التاويلية كما يقول ايكو فان احدا لن يستطيع الافلات من ايحاءاته التي يولدها، وعليه فان العنوان لن يفهم منقطعا عن نصه، ولا تدرك اشاراته الا عبر العلاقة بينهما(3). وهكذا، وانطلاقا من هذه الاهمية فقد صار له وظائف ومهمات حصرها جيرار جينيت في اربع هي: تحديد هوية النص، والوظيفة الوصفية، ووظيفة دلالية ضمنية او مصاحبة، والرابعة هي الوظيفة الاغرائية، حتى ان ايكو يدعو إلى عنوان يشوش الافكار ولا يسجلها، وهذه دعوة لاثارة القارئ وتفعيل دوره من خلال اللبس والتضليل والحيرة التي يثيرها ذلك التشويش من اجل تاويل اكثر ثراء..(4) فالعنوان علامة، وبيرس يعد العلامات نائبة عن موضوعها،وهو يميز بين الموضوع المباشر والموضوع الدينامي الذي هو مجموع السياقات الخارجية، التي تنفتح بشكل مباشر في الممثل، فالمدلول المباشر للعلامة هو الذي يشكل منطلقالعملية التاويل، بينما يقدم المؤول الدينامي جميع المعارف. التي يمكن ان تسعف في التاويل والتي لها علاقة مباشرة بالعلامة، اما المؤول النهائي فهو الذي يمنح انظمة تأويلية تتخذ في اشتغالها اشكالا متعددة وفاعلة حسب انفتاحها على السياقات الخارجية المرتبطة بالنظام العلامي المراد توصيفه..(5) ولعل في مجال الشعر والشعرية ما يمنح هذا النظام التاويلي فاعلية اشتغال بارعة، ذلك ان التكثيف والايحاء الذين يميزان الشعر يعدان من اخصب ميادين اشتغال هذا النظام، لكننا بالرغم من ذلك نجد العنونة واقعة قلما اهتمت بها الشعرية لحد الان حسب جان كوهين، لان ذلك يعود برأيه إلى ان الشعر يمكنه الاستغناء عن العنوان والتسمية ما دام مبنيا على اللااتساق واللاانسجام، ويفتقر إلى الفكرة التركيبية التي توحد شتات النص المبعثر، على العكس من النثر الذي يقوم على اسس منطقية..(6) ومع ذلك فقد اولى علم العلامات اهمية كبرى للعنوان كونه مصطلحا اجرائيا ناجعا في مقاربة النص الادبي، ومفتاحا اساسيا يتسلح به المحلل للولوج إلى اغوار النص العميقة قصد استنطاقها وتاويلها، ويستطيع العنوان ان يوحي بتفكيك النص من اجل تركيبه عبر أستكناه بنياته الدلالية والرمزية، وان يضيء لنا في بداية الامر ما اشكل من النص وغمض، انه مفتاح تقني يجس به نبض النص وتجاعيده وترسباته البنيوية وتضاريسه التركيبية على المستويين الدلالي والرمزي، حتى ان كوهين عده مسندا اليه اذ عد النص مسندا، بينما عده روبرت شولز هو خالق النص الادبي ومانحه الهوية(7)، انه رسالة لغوية تعّرف بتلك الهوية وتحدد مضمونها، وتجذب القارئ اليها وتغريه بقراءتها، وهو الظاهر الذي يدل على باطن النص ومحتواه، فهو نص صغير يهدف إلى تحقيق وظائف شكلية وجمالية ودلالية تعد مدخلا لنص كبير يشبه بالجسد وراسه العنوان، فهو من منظور علم العلامات علامة لغوية ذات دور علامي مهم بالنسبة للنص الذي يتصدره..(8) وتتراوح العناوين عادة من الحرف إلى المفردة إلى الجملة، إلى جمل متعددة، ويبدو ان مقتضيات الاشارة إلى ما يدور داخل النص هي التي ستحدد ذلك في تركيبة أي عنوان، وفي تشظيات دلالته اذ تشكل العناوين في الغالب مهيمنات دلالية تستقطب كل محاور النص.

•×   وردت عناوين ديوان "اسميك بحرا، اسمي يدي الرمل" جميعها بتركيب جملي، وعلى الشكل الاتي:

1-بيروت 78.

2-حوار خاطف مع فتى فلسطين.

3-تلويحة للوجه الاتي.

4-للسيدة الكنعانية ارفع هذا النخب.

5-اسميك بحرا، اسمي يدي الرمل.

6-يا ميجانا صبرا، يا ميجانا يا ريم.

7-المسافة بين غريبين، والفتى من رماد.

8-رسالة إلى ليلى الجنوب.

9-احزان الايام الاخيرة.

10-توقعات الولادة الثانية.

11-مرثاة على زجاج النافذة.

12-موسم الصعود إلى الفجر.

ويمكن تقسيم هذه العناوين على الانماط البنائية الاتية:

•1- جمل اسمية تامة ومثالها:

حوار خاطف مع فتي فلسطين والمسافة بين غريبين، وقد يتحول العنوان الثاني إلى المجموعة الثانية حسب التاويل القرائي له.

•2- جمل اسمية حذف احد طرفيها، والمحذوف هنا وبرؤية الدراسة -هو المبتدا، وقد يتشكل المحذوف من مبتداين تقديرهما: هذه هي المسافة بين غريبين والمراد باسم الاشارة محتوى القصيدة، وينضوي في هذه المجموعة اكثر من نصف العناوين حيث قدر لها مبتدا محذوف هو اسم اشارة مهمته الاشارة إلى متن النص، وفي ذلك تاكيد للوشائج النازلة والصاعدة ما بين دلالة العنوان ومضون النص وارقام هذه العنوانات هي (1، 3، 8، 9،10، 11، 12)، وقد تتوجه القراءة نحو تقدير خبر غائب فيكون السياق: المسافة بين غريبين -هذه- او بيروت عام 78 هذه، وهكذا:

•3- جمل فعلية فعلها مضارع:

للسيدة الكنعانية ارفع هذا النخب.

اسميك بحرا، اسمي يدي الرمل.

•4- جملة انشائية قائمة على النداء:

يا ميجانا صبرا، يا ميجانا يا ريم..

ان نظرة متأنية لعنوانات الديوان تؤكد هيمنة الجمل الاسمية بنسبة 9/12 وهذا ما يشير في ظاهره إلى نوع من الثبوت والاستقرار، ولدى الفحص الدلالي للتشكيل العلامي لهذه العنوانات، نجد ان الثبوت الذي تفرزه معظم الجمل الاسمية المشار اليها هو ثبوت تمويهي لان دلالة المفرادات المتشكلة يوحي معظمها بحركية داخلية كامنة تمكن الشاعر من تاسيسها بالغام دلالية فاعلة في خفاء وسرية لا يلبثان ان يعلنا عن حضور واضح ليس في العنوان حسب، بل وفي مضامين القصائد كذلك، فاسمية جملة بيروت 78 توحي بثبوت داكن يحمل مكابدة العذاب المتمركز في بيروت ذلك العام، لكن الدخول إلى متن القصيدة يواجهنا بانفراجات متعددة:

وبيروت

في قلبها جمرة من ندى

وزنابق من شجر مشرق

نخيل وتوت ... ص10

وهكذا تؤشر الوحدة الدلالية الكبرى فجوات واضحة لرؤى مستقبلية لا يرقى اليها الشك، فبيروت برغم الحرائق تبدو هكذا في القصيدة: ميدانا لتداخلات شتى، يلتحم فيها الياس بالامل، والحلم بالمجزرة، وتنتهي القصيدة نهاية مفتوحة:

وكن قمرا شاسعا كالسماء

وكن ما تشاء

فان الجرار التي طفحت، طفحت

والصبايا تحجرن

واتسع الليل حتى غدا خيمة من خواء ...

فاتساع الليل بهذا الشكل يشير إلى فضاء احتمالي تكمن في داخله امكانية الانحلال والتلاشي ليغدو الانفتاح على افق جديد واردا، فاليل اذ يتحول إلى خواء تكون عناصر الظلمة في موقع التفكك وحينها يسهل الانقضاض عليها، مما يعطي فرصة لحلول النور ومؤازراته الدلالية.

اما عنوان (حوار خاطف مع فتى فلسطين) فبالرغم من اسمية جملته فان ما توحي به مفردات الجملة يؤكد فاعلية من نوع خاص، ففي الحوار حركية وفي مفردة خاطف نوع من التوثب السريع، وفي مفردة (فتى) تكمن فاعلية الشباب وما فيه من فتوة وحياة، ومفردة (فلسطين) توحي بدلالات عدة اولها الصراع واخرها المستقبل. ويتآزر كل ذلك ليشكل فاعلية نصية تتحرك نحو تاسيس شعرية توحي وتتألق بما سياتي من خلال ومض دلالي يكسر حدود المتوقع المعجمي وما يؤطره المعنى خارج الشعر، ذلك الومض الذي ينبع من اعمال الشعر الذي يعتنق الخطف والايحاء والدهشة وتفجير الكثافة التي شكلتها وبلورتها بنية اللغة الشعرية وهي تتوهج لتعبر بتجربتها الفنية نحو الاخر.

وفي عنوان (تلويحة للوجه الاتي) نلحظ حركتين متصادمتين، واحدة صادرة عن، وهذا الصدور يكمن في التلويحة واخرى آتية من (الوجه الاتي)، ومن هذا الصدام التواصلي يصدر متن القصيدة.

(في المسافة بين غريبين والفتى من رماد) يكمن مشروع لقاء، ففي المسافة اغراء دائم بالسعي من اجل نفي الانفصال، وفي امتداد المسافات يشتعل هاجس التواصل، ومن ذلك الهاجس يبدا النضال ضد مشاريع التمزق والاغتراب والعزلة. ان جملة (والفتى من رماد) جملة تمويهية توحي باحتراق الفتى ونهاية مشروع الثورة بهذا الرماد الذي يشير إلى نهاية المطاف، لكن المغامرة الشعرية لا تنتهي عند الرماد في شعر المقاومة بل تبدا منه حيث تعاود الكرة اذ تعيد صنع انسانها الثائر من جديد، ليكون مشروعا للمكابدة والنهوض مرات اخر، حيث تعاود العنقاء من ذلك الرماد فاعليتها من جديد حينما يسعى ذلك الثائر الى الملاءمة بين عكازه والنجوم ولا يتعب لانه حاضر في الغياب:

موغل في الندى

موغل في العذاب

فليكن جسدا وادعا كالشهيد المندى

من النهر للبحر.. يرصفنا

واحدا، واحدا

ليقوم ويمضي من البحر للبحر

يلقي علينا السلام

ويرشقنا بالحمام.. ص 92 - 93

ان اللبس النحوي الكامل في اعراب الواو التي سبقت الفتى، ما بين الحال والاستئناف انما هو لبس مهمته توسيع الدلالة واثراء تنشظياتها.

في عنوان (رسالة الى ليلى الجنوب) تنهض فاعلية التناص شكلا ومضمونا ليعمل اسم العلم (ليلى) وما يحمل من مرجعيات صبابة وانفصال واتصال وشوق ووجد وحب، استطاع ان يحرك حقبا زمنية طويلة بالاخذ والرفض والجدل حول الاصول والجذور بحثا عن الحقيقة، وسواء اكانت قصة ليلى والمجنون قصة حقيقة ام من صنع خيال الشعر والادب فانها استطاعت ان تشكل محورا دارت حوله اقنعة وتقنيات اثرت الشعر واججت موضوعاته وعمق رؤاه، وذلك من خلال النسيج الفني الذي حيك حول تلك القصة. وليلى هنا تغادر حكايتها المعروفة لينسج النص حولها قصته الاخرى، وينحرف بانعطافة شعرية نحو التعبير عن رؤى جديدة هي رؤى الارض والقضية والثورة والوطن ومقاومة العدوان، انها المعشوقة المفداة التي تسقط عند قدميها القرابين والنذور.

وتنهض عوامل السلب والانفصال في عنوان (أحزن الأيام الأخيرة) لكنها ما تلبث في المتن ان تنكفئ لتفسح مجالا لكل أنواع التواصل في لغة مشرقة تحطم قيودها واغلال سجانيها لتصنع جمالياتها الجديدة:

فوداعا

أيها العادي والمألوف

أو يا أيها المسكون بالتبغ وبالخمر الرديئة والخراب

ووداعا لطيور خلعت أجنحة البرق

وللقهروعذر الأصدقاء

ووداعا لجدار الكلمات .. ص: 118

ان الاحزن المعتمة التي تبدو في عنوان القصيدة اذن هي اشارة مضللة لانها تنحل في المتن لتتحول الى مشروع للحلم والحرية وانفراجات على غد تصنعه الثورة من اجل ان يكمل الشاغر اغنيته المجيدة:

انني آتيك من مدن محرمة.. وقلبي..

مشرع للضوء

والبحر مواويلي، وانت

جبل منكسر في الشمس، والوقت رصيف

وانا امشي بلا ظل

ووجهي جبل يبحث عن منفى وورد ودوالي.

اما تشكيل (توقعات الولادة الثانية) ففيه اكثر من حركة تنهض به مغادرة اطر سكون الجملة الاسمية، ففي التوقع انتباه وتوجس ورصد، وفي الولادة يكمن الجديد الاتي، وفي (الثانية) تكمن استمرارية الخصب من خلال مغادرة فعل الولادة الاولى الى اخرى، وعنوان (مرثاة على زجاج النافذة) لا يخفي الا سكونية تمويهية كذلك، فالزجاج حاجز شفاف قد يعكس وراءه صداما وصراعات ومجازر، ويشف عن انتصار وانكسارات، وفي (موسم الصعود الى الفجر) تكمن بشارات عدة، وفي الموسم ثراء وغنى ومتعة، وفي الصعود علو وحركة وسمو، والى الفجر: توجه نحو الهدف حيث النور والظهور والهوية.

ان فاعلية الثورة ونبض الانسان وارهاص التطلع نحو حياة خالية من القسر والاستلاب، والتوق نحو مستقبل يتجاوز الظلم وعذابه، كل ذلك اذ يكمن في صميم الجمل الاسمية انما يعني حقيقة التضحية في التحرك نحو تلك الاهذاف، كما يشكل اشارة الى معاناة انسانية تبذل في سبيل التحقق، بينما تعمل الجمل الفعلية على جريان الحدث في الزمن، كما تعمل على انسايبية الزمن بيسره وعسره مما يخفف من المعاناة الانسانية ويعجل من عملية الوصول والتحقق.

في عنوان (يا ميجانا صبرا، يا ميجانا يا ريم..) يتجلى التناص في تعالق فني فلكلوري مأساوي دموي، فالميجانا غناء شعبي واسع الانتشار في فلسطين وبلاد الشام، وهو غناء ينهل من شجى الحياة القروية في بساطتها وعمقها، وأهميته هنا متأتية من انه استطاع ان يحفظ تراث الشعب الفلسطيني في افراحه وحزنه، في وجده وحبه ومحنته، كما استطاع ان يعبر عن معاناة مرحلة الشتات والتشرد والمجزرة. ان ميجانا صبرا هي موال وجع ودم الفلسطيني الذي ذبح في مخيمه وهو صامد، والريم علامة غزلية يطيب للشعر العربي ان يصف بها جماليات المرأة في اكثر من سمة لعلّ أميزها الخفة والرشاقة وسعة العيون.

ان جماليات الايقاع في هذا العنوان لا تتجلى في تكرار مفردة الميجانا فحسب بل وفي الانعطاف من الالف في (صبرا) نحو الياء في (ريم ..) فظلا عن تكرا حرف النداء ثلاث مرات وما في ذلك من ضربات يحققها التنبيه الكامن في النداء والحركية التي يشيعها الاستدعاء في هذا النوع من الخطاب، يضاف الى ذلك تكرار الالف الطويلة التي تتسم بوضوح صوتي عال ثماني مرات مما جعل العنوان يتسم بالجهر الذي ينسجم ومتطلبات الغناء في الميجانا. ان الوقوف الساكن على ميم (ريم) في النهاية تعبير عن عجز لغة الكلام حيث لا يبقى ما يعبر عن عمق المأساة الانسانية غير الصمت، هي لوعة المذبوح اذن تلك التي تمزج الغناء بالمجزرة، وهو ليس أي غناء، لانه نشيد شعب كامل يرفض ان يموت مجانا، ولذلك يموت بتفاؤل الواثق بالغد، هذا ما اراد التناص ان يقوله، وهذا ما يعنيه حضور الميجانا يالذات، ان حضور هذه المواويل يعني حضور الشعب، حضور ابداعه وحضور الاشياء اليومية الصغيرة الاليفة في حياته، هذا الحضور الذي يقف باذجا بوجه مشروع الموت والابادة، وحتى صبرا - المجزرة لا تحضر هنا مجردة عن تراثها الغريب في مخيم آمن يزخر بالحياة، فضلا عما في جذر المفردة من ارادة الصبر والتأكيد على الصمود.

في عنوان (للسيدة الكنعانية ارفع هذا النخب ..) ينزاح الجار والمجرور متقدما على الفعل اهتماماً بما حقه التأخير في المعيار النحوي، حيث تكمن سيميائية التبجيل في علامات ثلاث هي تقدم شبه الجملة الى مطلع العنوان، وما يكمن في مفردة (السيدة) من اجلال وسيادة، وما تتضمنه جملة (ارفع هذا النخب..) من معاني الأكبار والاحتفاء. ان السيدة الكنعانية رمز لفلسطين، هذه الكنعانية الاتية من بعيد في اصولها العربية لتستقر على ارض فلسطين عبر آلاف السنين.

عنوان الديوان - عنوان القصيدة

 

 

اطلق الشاعر عنوان القصيدة الخامسة في المجموعة (اسميك بحرا، اسمي يدي الرمل..) على الديوان، وذلك واحد من منهجين متبعين في تسمية المجاميع الشعرية والقصصية، اولهما ذلك الذي يضع للمجموعة عنوانا خاصا بها غير عنوانات القصائد، عنوانا تكمن في داخله مهيمنات دلالية تجتمع في فضائها الخيوط النسيجية الآتية من متون القصائد كلها، وثانيهما هو ان يختار الشاعر عنوان احدى القصائد لتكون اسما لديوانه حينما يكون ذلك العنوان قادرا على احتواء تلك المهيمنات، وهذا ما فعله الشاغر خالد ابو خالد في تسمية هذا الديوان، ومن خلال مقاربة هذه الدراسة لتشكيل العنوان المدروس نسجل الملاحظات الاتية:

1. التسمية واحدة من مقاليد خلافة الانسان في الارض، وسر القدرة على الرمز بالاسماء للمسميات وهي موهبة السماء لادم كي يسمي الاشخاص والاشياء المحسوسة وهي قدرة ذات اهمية لا يمكن ادراك قيمتها الا بتصور غيابها او فقدانها في الحياة اذ كيف كان الانسان سيفعل فعله في تأثيث حياته وخياله وتصوراته لو لم يعرف الرمز بالاسماء للمسميات، وكيف ستتم مشاهد تفاهمه وحواراته مع الاخرين لو لم يمنح هذا السر المهيمن، سر الاشارة الى الاشياء حسية كانت ام ذهنية" وعلم ادم الاسماء كلها.. البقرة (31) اذ وقع فعل العلم على مفعولين اولهما ادم من دون المخلوقات كلها لحاجته الماسة لذلك، فالملائكة لا حاجة لهم بهذا العلم لانه لا يقع ضمن وظائفهم وعليه فلا حاجة بهم لمعرفته ولذلك اعلنوا عن عجزهم بان جهروا بتسبيح الله العليم اذ سئلوا عنها.. (9)

2. الفعل المضارع (أسمي) من (سمى) فعل رباعي مضعف العين دال على تكثيف المعنى وتكثيره وزيادته كما ونوعا، والاسم: اللفظ الموضوع على جوهر او عرض لتعيينه وتمييزه من سواه (10).

3. جذر الفعل هو (س. م. و) من السمو والرفعة وعلو الشأن وهو وان انعطف عن الاصل الى معناه الجديد الا ان المفردات بانعطافها عن الاصل تبقى حاملة " شيئا من اصولها الدلالية يتحكم بتوجيهه السياق وطبيعة القراءة معا.

4. ان نسبة الفعل (أسمي) الى ضمير المتكلم يزيده فاعلية، وكون الفاعل مضمرا يزيد الحدث حركية، ويمنحه حيوية داخلية متأتية من قدرة الـ (أنا) على الهيمنة والجذب والتوجيه ولا سيما في الشعر الغنائي الذي اكتسب روحا درامية كشعر المقاومة.

5. اتصال الفعل بكاف المخاطب مفعولا به الى جانب ضمير المتكلم المستتر دليل على تلاحم المتكلم بالمخاطب وتعبير عن التواشج ما بين الذات الشعرية المسمية وبين المخاطب - المسمى.

6. الفعل المضارع يفعل في الزمن الحاضر ويحتوي على الزمن الاتي او يجري نحوه، والحاضر هو الزمن الوحيد الذي يمكن الامساك به على وجه التحقق، ولذلك كان العنوان موفقا في التشبث بأبنيته لانه من خلال هذا التشبث وحده سيعمل على امتلاك الاتي..

7.ان التمويه الشعري هو الذي دفع الشاعر الى اطلاق ضمير الكاف المتصل دون حركة تشير الى هويته اهو مؤنث ام مذكر، وقد تفحصت هذه القراءة حرف الكاف في (اسميك) اينما وجدت المفردة في الديوان، فلم تجد كسرة واضحة ولا فتحة ظاهرة، ولذلك صارت القراءة حرة في تاسيسها هوية الخطاب وجنوسته.

8.ان الفعل (سمى)من الافعال المتعدية الى مفعولين اصلهما مبتدا وخبر، وعليه فان عملية التلاحم ستغدو حقيقية من خلال التشبيه البليغ الذي يشكله التركيب: انت بحر

9.ان تفسير الضمير بهوية المؤنث قد يشير الى : الارض، الحبيبة-المرأة، الثورة، القضية، (القصيدة) وما يدور في افلاك هذه المفردات، بينما تشير هوية المذكر الى: الوطن، الثائر ، المقاتل...

10.قد يشير البحر الى كل ما يدور في فلك عوامل الاتصال والانفصال من الحرية والحب والجمال وحتى السطوة والقطيعة والموت، وغير ذلك مما يلوح لعملية التأويل.

11. ان تكرار الفعل (أسمي) تكرار لفاعلية فعل التسمية مع التأكيد على الضمير المستتر (انا..) العامل في الخفاء بجدلية وعمق، والمتسرب في اعماق النص محركا جذوره الغائرة في صميم الثورة المتصدية للقسر والخراب ولعوامل تغييب الانسان ومصادرة حقوقه، وتكرار الفعل بهذا الشكل دون حرف عطف دليل على تواشج الجملتين حتى لا مكان لحرف ربط بينهما، فالعنوان بهذا التركيب علامة على الحسم ووضوح المسميات وهذه الصيغة الفعلية محاولة لتحويل مدول التسمية الى توصيف وجودي يمنح الاشياء هويتها ويؤكد حضورها، فالتسمية تاكيد للهوية، وتشخيص للمسمى واثبات وجود للذات في اللحظ التاريخية، كما انها مقاومة لمحاولات هدمها وتضييعها وتغييب سماتها الدالة.

12.اليد اداة الفاعلية والكشف والتغيير، اداة الفعل الثوري المقتدر، وهي اذ تكون رملا فذلك يعني في احد من تأويلاته الخصب والقدرة على التواصل والتجدد، فالرمل ظاهره الهشاشة والتفكك وباطنه تكمن قوة الخصب والنماء وبين البحر والرمل اغراء دائم بنشوة العناق والتلاحم وسطوة الحب بين البحر والرمل ما بين الظما والندى وما بين اللهفة والوصال وهذا ما يجمع جملتي العنوان في شبكة دلالية واحدة، لكن أليس في هذا التركيب غواية جديدة ما تلبث ان تنكشف للمتأمل عن تمويه شعري آخر إذ يتبدى زلال البحر المأمول للظامئ عن ماء أجاج لا يروي عطشا ولا يزيد ملحه المخاتل الظمآن إلا حسرة وخيبة أمل ..! هل يفضي التشكيل العلامي للعنوان إلى معضلة انفصال من طراز خاص مفادها انفصال الاتصال، وكيف السبيل إذن إلى دحر عوامل الانفصال وتطهير البحر من ادرانه التي تهدد لهفة الرمل وتصدع نقاءه هذا ما سيحاول الكشف عنه نص القصيدة التي حمل اسمها الديوان، ثم من سيكتب الآخر البحر يكتب الرمل ام الرمل هو الذي سيشكل البحر إذ يكتبه.. يد الشاعر- الرمل هي التي تكتب القصيدة، ام القصيدة هي التي تكتب الشاعر..؟!

13.يعلن العنوان عن تواز واضح ولان التوازي في رأي ج. مولينو وج. نامين هو بمثابة متواليتين متعاقبتين أو اكثر لنفس النظام الصرفي والنحوي المصاحب بتكرارات إيقاعية: صوتية أو معجمية دلالية فهو يتضمن خاصيتين متلازمتين، الأولى انه علاقة تماثل تتم على مستوى أو مستويات لسانية بين طرفين أو اكثر والثانية ان العلاقة القائمة بين هذين الطرفين تنبني على مبدأين هما التشابه والاختلاف ما دام كل طرف يحتفظ على الرغم من التشابه بما يميزه عن الآخر.. (11).

14.إن تشكيلة العنوان تشكيلة متواشجة يتداخل فيها حوار الطبيعة بعناصرها الأساسية   (الماء - الأرض) بحوار الإنسان جسداً وروحاً وفاعلية، وهو حوار يتداخل فيه الزمان بالمكان، وينشد فيه المكان سمفونية الزمان الشاسع الممتد الجذور في أعماق الرمل والبحر وفي صميم امتزاج صوت الشاعر بصوتيهما معا، ولعل هذا ما يفسر غياب العنوان المفرد الذي يشير غيابه الى دلالات عدة اولها غياب الصوت الواحد والدلالة المفردة وليس اخرها التداخل الذي يشير الى التعدد ويعلن عن تواشجات دلالية مفتوحة على احتمالات شتى والمتأمل في متن هذه القصيدة يجد ان اللغة التي يتخلص مجدها في قدراتها المدهشة على احتواء الزمن والامساك بالأشياء ضد الاندحار والفناء بحيث قامت مقام عشبة الخلود يوم حفظت للانسان مكابدته وامجاده في صراعه النبيل ضد قوى الشر وعوامل القهر استطاعت هنا ان تحرر الشعري من سطوة السياسي بمرونة وطواعية بحيث تحولت الصور الشعرية من خطها الافقي في المستوى التركيبي الى بنية عميقة تداخلت فيها الاصوات والايقاعات والرؤى بحيث صار هذا التداخل الذي ينثال في صيرورة متنامية هو الرصيد الحركي لقصيدة شعر المقاومة الفلسطينية وهي تنسج نموذجها بجماليات فعلها الشعري اذ تنهض بتلاحم مدهش ما بين الفكر والجمالي بحيث لا يمكن استلال احدها من الاخر، لانهما يشكلان وجودا واحدا يرقى على الانفصال.

ان سلسلة الصور الشعرية التي كانت تشكل قصيدة المقاومة في مراحلها الاولى تغادر افقيتها من خلال استبدال العلائق القريبة بين الدال والمدلول بعلاقات جديدة متشابكة صنعها الواقع المركب الذي يخطو كل يوم من معقد الى اكثر تعقيداً بحيث صار الخيال بسمته التركيبية وبما يغذيه من نسغ ثقافي عميق الجذور هو المهيمن على صياغة العلاقة الجديدة بين الدوال ومدلولاتها بعيدا عن السطوة السكونية لعلائقها التراثية والمعجمية، وهكذا ارتقت القصيدة الى مستوى جديد مفارق لما كان عليه من قبل. ان تحرير المفردة في الشعري من الاستقرار الماضوي الذي اثقلها، وإطلاقها من جديد حرة في سماء الفن لهو النقلة النوعية التي عاشتها القصيدة العربية الحديثة، كما انها بداية التحديث النوعي الحقيقي الذي ابتدأ بالوعي الجديد لاسرار اللغة العربية القادرة دوما على التواصل مع الحياة والاشياء، المتحفزة ابدا لانتاج دلالات شتى من مختلف انواع التشكيل،والقادرة على دحر كل ما هو فاقد لنبض الحياة وداخل في غبار العقم والنمطية، ولعل اهم سمة لغوية في شعر هذه المرحلة تلك القدرة على انسنة الاشياء والجمادات ومظاهر الطبيعية والحلول فيها من خلال الأقنعة والتقمص والتناسخ، ومنحها الحياة حتى غدت الأشياء كلها ترفل بحوارية انسانية فاعلة، وكأن الشعر يرد رده الحاسم على عمليات ابادة الحياة في المنطقة العربية كلها من المحيط حتى الخليج باضفاء الحياة على كل شيء حد الاعجاز الخارق او الاسطرة، وهكذا يستبدل الشعر رموز الرواد وأساطيرهم ومعادلهم الموضوعي وأحلامهم اليوتوبية بلغة جديدة، لغة تكتفي بذاتها ليس لكونها نظاما اشاريا فحسب، وانما بوصفها مجموعة من الأنساق المعرفية المترابطة داخليا بقوانينها الجديدة القادرة على الانسنة والتلوين وبعث حياة جديدة في زمن جديد هي حياة الشعر وزمنه...(12) وهكذا يصير الغائب في اللغة الشعرية هو الفاعل في القصيدة تؤازره الرؤيا وعيا للضرورة وادراكا لعمق المكابدة وهي ترصد معاناة التعامل مع لغة الشعر وبها، وهي تواجه محنة الانسان وانكساره وعذاب منافية ولوعة فقدانه وهو يبصر الزوال بام عينيه، زوال كل ما هو غال وجميل:

وها نحن - والحلم يكبر الفا من السنوات،

ويبقى صبيا..

يغازل كفيك

يركض من وجع..

ويحوّم حول الفراشات

تأتي اليه النوارس حاملة انجما

ودما..

طرقا..

ومباني.

وحاملة كتبا.. وليالي

وحاملة قلما.. ودفاتر كالغيم ناصعة

ثم يمطر من ماسة كالمدى ..ص 65

وهكذا تصير القصيدة هي القدرة الرائدة على بناء الذات التي يتكاتف الخارج على تدميرها وتحطيم مشروع حلمها ، ولذلك فهو شعر يحتفل بالنماء والولادة دوما، ولادة العنقاء التي تطلع من نارها ورمادها مكللة بالغار، طافحة بالحياة المقتدرة على مواجهة عوامل الخراب في واقع يفرش شباك المكيدة من اجل اسقاط البراءة وشفافية الحلم، من هنا ظل هذا الشعر يبلور سؤال الوجود باسئلة الحلم والموت والحياة، معبرا عن ازمة الذات المقهورة، ساعيا الى النهوض بهويتها والتشبث بسمات هذه الهوية حتى الموت، لذلك كان التأكيد على فعل التسمية في القصيدة لافتا للنظر، فالاسم علامة الهوية الدالة وسمتها الاولى، ولذلك يحرص الشاعر على تسمية كل الاشياء الحاضرة في ميدان قضيته، فضمير المتكلم في هذا الشعر ليس اشارة فردية لانه ضمير يتماهى منذ اللحظة الاولى في مشروع المخاطب الانساني :

اسميك..

ماذا تسمين هذا الصباح

وهذا الوطن

وهذا الذي بيننا والسماء

وماذا نسمي الشبابيك/ والورد

والليل/ والقمر اليعربي الحزين

وهذا النخيل المسائي/ والبحر

والكلمات التي لم تقل

وماذا نسمي الينابيع

...ماذا نسمي مدار الصحارى

وماذا نسمي الصواعق

ماذا نسمي زمانا يجئ

وماذا نسمي اختناق المناديل في البحر..ص :67-68

ان محاولة طمس هوية الانسان العربي الفلسطيني هي الخطر الذي ظل الشعر يقاومه بضراوة وظل رده على عملية التفتيت والتضييع صارما:

هنا القدس .. ليست هنا

موزعة بين نبل النجوم

وموت الشتاء معذبة بين بين

معذبة بين ...بين

معذبة بين ... بين

ان هذا التكرار الذي تنتهي به القصيدة هو الترتيلة التي تبوح بوجع التصدع الاليم الذي لحق بهوية الوجود، وجود الشاعر- الوطن على حد سواء، بسبب مشروع التدمير والابادة الذي ينفذ كل يوم ضدهما، وهذه المجابهة الواعية هي السر المضني الذي تشكلت به ومن اجله القصيدة ، ولذلك صار بناء القصيدة الفني والحرص على تطويره هو المعادلة لبناء الذات التي يعمل المشروع المضاد على هدمها، فالقصيدة بهذا التوجه هي مشروع التوحيد القادر على احتواء كل انواع التباين الفلسطيني، وقد استطاعت وسط الركام ان تكون وطنا وهوية، لانها نبع الحلم وبؤرة بثه وعنوان وجوده، صارت القصيدة علامة بارعة واشارة حادة لذلك التحقق المستحيل الذي لابد سيكون يوماً، ولذلك صارت التسمية بالفعل المضارع المستمر اعطاء عنوان لهذه الهوية التي ظلت شاخصة بحضور باذخ. من هنا ترى هذه القراءة ان الخطاب في الفعل (اسمي) هو خطاب موجه للقصيدة، هذا الكائن الانثوي الذي احتضن الانسان المثقل بمكابدته عبر العصور وكان له وطنا وشجرا حنونا وصدرا دفع عنه ويدفع غائلة الألم والشعور بالضياع والانكسار، القصيدة الفلسطينية هي التي حفظت تراث شعب كامل وضمت قيمه وشعوره الجمعي ومنحت شهداءه حياة جديدة اذ خبأت بطولتهم في صميم اللغة الشعرية واضفت على استشهادهم سموا ظل يتألق عبر مسيرة الدم، من هنا وجدها الشاعر جديرة بحفظ الهوية حينما صارت تجسيدا للمعاناة الكبرى:

وان الذي ادفأ القلب ذات مساء شديد البرودة

كان قصيدة ....ص: 64

واذا سميت القصيدة بحراً، فان اليد الفاعلة المحركة الذاهبة الى تغيير مجرى الحياة دوما، اليد اداة الفعل ومحركة الاشياء والابداع برؤى الشعر ستكون هي الرمل الذي يستجيب لسطوة الموج ولهفة التطلع، لكن السؤال الذي ظل حاضراً عبر السطور هو : من الذي قام ويقوم بفعل الكتابة.. البحر ام الرمل، القصيدة ام الشاعر. من يكتب الاخر في صميم المخاض...؟ لابد ان تكون الكتابة لفاعلية البحر، فالبحر هو الذي يقتحم الرمل، يكتبه، يغير وجوده، يغمره ويرسم خطوطه ويحفر فيه الخلجان، والشاعر لايكتب القصيدة، انما القصيدة هي التي تكتبه "تكتب دواخله ولواعجه وتخط اغواره ومكابدته، انها لا تتماهى به حسب، بل تغمره بفيض عذابها وجروحها ومغامرتها الازلية كما يغمر البحر مقتحميه، واطلاق الاسم المذكر (البحر) على الانثوي (القصيدة) فيه توجه نحو اجلالها بجلاله، واضفاء سمة الاطلاق عليها، فضلا عن الايحاء بتوحدهما معا من خلال استمرارية التواصل ومشروع الاقتحام ضد العزلة والموت، وهي تنهض بمهمتها الصعبة هذه في ذلك الزمن العسير:

وان الذي ادفأ القلب ذات مساء شديد البرودة

كان قصيدة ...

الهوامش:

•(1)أسميك بحرا، اسمي يدي الرمل، خالد ابو خالد، منشورات المجلس القومي، الرباط، ط1، 1991.

•(2)ينظر: لسان العرب، ابن منظور، مادة: عنا.

•(3)ينظر: شعرية كتاب الساق على الساق في ما هو الفرياق، د. محمد الهادي المطوي، مجلة عالم الفكر، 1/1999، الكويت، 458.

•(4)ينظر: ثريا النص، مدخل لدراسة العنوان القصصي، محمود عبد الوهاب، دار الشؤون الثقافية، سلسلة الموسوعة الصغيرة، بغداد، 1995.

•(5)ينظر: شعرية كتاب الساق على الساق، 459-460.

•(6)ينظر: السميوطيقا وحدود التفضية في الشعر العربي، بلقاسم الزميت، مجلة فكر ونقد، 18/1999، الرباط، 99.

•(7)ينظر: السيموطيقيا والعنونة، د. جميل حمداوي، مجلة عالم الفكر، 3/1997، الكويت، 98.

•(8)ينظر: المصدر نفسه، 96، 98، 99.

•(9)ينظر: شعرية كتاب الساق على الساق، 455-457.

•(10)    ينظر: في ظلال القران، سيد قطب، 1/67، دار احياء التراث العربي، بيروت، ط5، 1967.

•(11)    ينظر: المنجد في اللغة والادب والعلوم، لويس معلوف، مادة سما، بيروت، ط19، 1966.

•(12)    ينظر: التوازي ولغة الشعر، محمد كنوني، مجلة فكر ونقد، 18/1999، الرباط، 80.

•(13)   ينظر: محمود درويش، عصفور الجنة ام طائر النار، غالي شكري، مجلة القاهرة، 151/1995، 13.

 



(

**) اسميك بحرا، اسمي يدي الرمل، خالد ابو خالد، منشورات المجلس، القومي للثقافة العربية، الرباط، ط1، 1991.

 

 

 

أ.د.بشرى البستاني


التعليقات

الاسم: علي ماجد
التاريخ: 28/10/2012 17:13:46
ممتاز

الاسم: علي ماجد
التاريخ: 28/10/2012 17:13:21
ممتاز هذا البحث انا ادرس عنه كوني طالب دكتوراه في العراق واخذ شعرية العنونه بحث رائع ومفيد

الاسم: اسماعيل الياسري
التاريخ: 20/01/2012 20:09:03
شكرا دكتورا على هذا البحث الرائع اتمنى لك التوفيق




5000