..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
د.عبد الجبار العبيدي
.
رفيف الفارس
امجد الدهامات
.......

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


ذكرى وتأريخ / الفصل السادس (الحلقة الثالثة والاخيرة)

د. عدنان الظاهر

الخميس 03.03.1988

غادرتُ بالحافلة الساعة الحادية عشرة صباحا مدينة ستوكهولم الى مدينة مالمو جنوب السويد ( 650 كيلومترا ) ومنها ركبت زورقا بخاريا صغيرا الى العاصمة الدنماركية كوبنهاكن . استغرقت السفرة 45 دقيقة فقط . جلس بقربي شاب وسيم طويل القامة يتكلم العربية قال انه فلسطيني من جماعة فتح (( قلت في سري يا ساتر !! )) .حين وطأتْ قدمي أرض العاصمة كوبنهاكن كانت الساعة حوالي التاسعة مساء . سالت الشاب الفلسطيني هل يعرف المدينة جيدا قال نعم ، وانه يزور خالته التي تقيم فيها . طلبت منه ان يدلني على فندق في وسط المدينة فاستجاب الشاب مشكورا . كلفني الفندق 175 كرونا دنماركيا في اليوم مع فطور غاية في التواضع والبساطة : قطعة كيك واحدة مع شاي او قهوة بدون حدود : اشرب على قدر ما تشاء بدون حساب . كان الفندق خاليا تقريبا كما كانت بعض اجزائه تحت التعمير والصباغة . وكما كان الامر في ستوكهولم ، قدمت لي السيدة مديرة الفندق لحظة وصولي استمارة مشابهة لتلك التي عبأتُ هناك طالبة مني الاجابة عن كل ما فيها من اسئلة ومعلوات . بعد استراحة قصيرة غادرت الفندق لاتعرف على المدينة التي اراها كسابقتيها لاول مرة في حياتي (( تذكرت عرقلتهم طلبي زيارتها حين كنت في ليبيا وها انا فيها رغم انوفهم !! )) .لم اكد ابتعد عن الفندق الا قليلا حتى اعترضتني شابة جميلة في مقتبل العمر تدعوني لممارسة الجنس معها في مكان قريب اشارت نحوه . اعتذرت وواصلت سيري فلاحقتني بالحاح غريب متساءلة ً لماذا ارفض عرضها . قلت لها لا حاجة لي بالجنس ثم اني متعب . لم تكف عني ، ظلت تلاحقني وتسال لماذا اشعر بالتعب ؟ من اين جاءتني هذه البلية السوداء ؟ رفعت صوتي قليلا طالبا منها ان تتركني وشاني وان تبحث لها عن زبون غيري . تذكرت تلك الساعة حادثا مماثلا وقع لي صيف عام 1983 في لندن اذ كنت في طريق ضيق يتفرع من شارع اكسفورد مؤديا الى المدينة الصينية وكان قصدي ان اتمتع باكلة بط صيني مطلي بتوابل واصباغ ذهبية اللون مع الرز الحلو . خلاف الفتاة الدنماركية ، لم تلح صاحبتها الانجليزية كثيرا ، الإنجليز قوم مهذبون !!

عدت بعد التجوال العشوائي الى الفندق فكانت مفاجأة جديدة في انتظاري.  وجدت ثلاثة رجال يشغلون حجرة الاستقبال في ادارة الفندق . كانت الاستمارة التي عبأت

Boarding Card

في يد واحد منهم . بادرني هذا بالانجليزية سائلا : هل اتيتَ من السويد وستغادر الى المانيا ؟ كنت قد كتبت اجابتي عن هذا السؤال في الكارد الذي يحمله في يده فعلام هذا السؤال السخيف ؟ لم اجبه ، اخذت مفتاح غرفتي ومضيت . نهضت صباح اليوم التالي كعادتي مبكرا واتجهت الى حجرة الاستقبال قبل ان اتناول الفطور . وجدت السيدة المديرة اياها وحدها هناك فقلت لها محتجا : من الذي سمح للرجال الثلاثة الذين شغلوا مساء امس مكانك هذا ان يطلعوا على تفاصيل المعلومات التي كتبتها في بطاقة التسجيل في الفندق وكنت قد سلمتها بالامس لك ؟ ثم قلت مهددا : ساخبر الشرطة بالامر فورا . ابتسمت السيدة ابتسامة ودودة وقالت ببرود : لا تخف ْ ، إنهم هم الشرطة ... لست بحاجة ان تخبر البوليس !! فضحتهم السيدة ولا اعرف لماذا كشفتهم وعرفتني على حقيقتهم . لم يمر يوم آخر حتى اكتشفت ان احد هؤلاء الفرسان الثلاثة مصري والثاني من بنغلاديش اما ثالثهم ...  فيا للمصيبة !! إنه عراقي رأيته مرة في طرابلس مع احد وفود المعارضة العراقية قال إنَّ اسمه احمد ... فهل هذا هو اسمه الصحيح ام انه اسم حركي ؟؟ لم يفارقني السيد احمد وكانت برفقته فتاة جميلة طويلة القامة وخاصة في الاماسي . أجدهما حيثما وليّتُ وجهي وفي اي مطعم او مقهى جلست . اقترب مني مرة وانا اشاهد التلفزيون في قاعة الفندق فوجه لي اسئلة بسيطة من نوع ماذا تفعل في الدنمارك وفي اي بلد   تقيم وما هو البلد الذي ستقصد بعد الدنمارك . كنت شديد الحذر منه فاردت تضليله بتزويده بمعلوات خاطئة ثم قلت له اظن اني رايتك ذات يوم في العاصمة الليبية طرابلس فلم ينكر . سالته بدوري وماذا تفعل انت في الدنمارك ؟ قال انه لاجئ ولكن في النرويج . سالته عن الفتاة التي ترافقه ليلا ونهارا قال انها احدى معارفه من النرويج .

كوبنهاكن / الجمعة 04.03.1988

مكالمة طويلة مع ولدي امثل وابنتي قرطبة وكارد بريدي لكل منهما . جولات في الشوارع وبعض المخازن . البضائع غالية الثمن بشكل لا أتوقعه أبدا ً . تمشيات طويلة ليلا . جو صاح ٍ مع ريح .

السبت 05.03.1988

تمشيات طويلة تحت الثلوج . كنتُ صباحاً في محطة الزوارق المغادرة إلى مدينة مالمو السويدية . إنه الشوق الدائم للحركة والتغيير والسفر . أرى نفسي أحد راكبي هذه الزوارق من باب التمنّي .

الأحد 06.03.1988

زرت ُ مُتحفاً عظيماً فيه بعض تماثيل مصر القديمة واليونان والرومان ولوحات زيتية ومومياوات . إسم المُتحف

NY Carlsberg Glyptoters

( ملاحظة : قد يكون هناك خطأ في كتابة بعض أحرف الكلمة الأخيرة من إسم المُتحف فمعذرة ).

الإثنين 07.03.1988

تمشيتُ حتى الجامعة وزرتُ معهد

Orsted INS

للكيمياء وقابلت هناك البروفسور كلاوس شيفر

Claus Schäffer

والبروفسور الشهير في عالم الكيمياء التحليلية

J. Bjerrum

فوجدته في سن التقاعد لكنه كان ما زال قويا ً نشطا ً يمارس البحث العلمي في مختبر خاص به وربما يشرف على رسائل وأبحاث بعض طلبة الدكتوراه فأمثاله من كبار العلماء لا يقف العمر حائلاً بينهم وبين  مواصلة الأبحاث بل ويُمنحون ألقاباً تشريفية من قبيل  لقب أستاذ متمرس متفرغ للبحث فقط دون ممارسة التدريس وإلقاء محاضرات . عاصرت واحداً شبيهاً به وبمجمل وضعه الأكاديمي بعد ذلك بثلاثة أعوام في جامعة شفيلد البريطانية . ناقشت مع الأستاذ الآول إمكانية مشاركتي في إجراء بعض الأبحاث معهم في مختبراتهم فأبدى بعض المرونة لكنَّ القرارَ النهائي والكلمة الفاصلة كانتا للبروفسور ( بجيروم / يلفظونها بَيْرُمْ أو بيروم )  الذي إعتذر وسحب البساط من تحت قَدَميْ زميله الأصغر سناً منه . قبل أن أشكرهما وأغادر معهدهما دعياني لحضور محاضرة يلقيها مساء الآربعاء ، أي بعد يومين، عالم ٌ زائرٌ قادم ٌ من فنلندا فسُررتُ بالدعوة ووعدتُ بالحضور . الطريف أني كنت أسمّي البروفسور المتقاعد ( جيروم ) فإعترض محتجا ً قائلاً لماذا تهمل حرف الباء من إسمي ؟ قلت له لا يجتمع لفظا ً وصوتا ً الحرفان

B

و

J

ضحك البروفسور الوقور ثم قال معك حق ... إننا هنا نلفظ الحرف

B

ولا يظهر الحرف الآخر في النُطق .

J

وعليه فالنطق الصحيح لإسمي هو (( بيروم )) وليس (( جيروم )) .

الثلاثاء 08.03.1988

زرت مُتحفاً قريباً من هذا المعهد . وجدته مُتحفاً كبيراً فيه لوحات رسم وبعض التماثيل وفيه لوحات كثيرة للرسام ماتيس

H. Matisse

 الآربعاء 09.03.1988

زرت صباحاً المُتحف الوطني فأذهلتني مجاميع الميداليات والنقود الذهبية

القديمة المرتبة بعناية فائقة تحتل مكانا ً خاصاً في أحد أبهاء المتحف محفوظة  خلف زجاج خاص متين وتحت حراسة رجال يقظين ! قرأت في بعضها أسماء بعض أباطرة الرومان كالقيصر يوليوس ومارك أنطونيو صاحب كليوباترا المصرية مع صورهم محفورة بدقة وكتابات لا أفهم لغتها . لم أفق ْ من سلطان ما أرى من سحر روما وقدماء الرومان حتى وجدتُ نفسي مشلول الحواس واقفا ً بخشوع المصلين أمام

قطع نقدية أخرى تحمل أسماء بعض خلفاء بني أميّة في دمشق من بلاد الشام محفورة بخطوط عربية بالغة الروعة . وثمة َ نقود أخرى تعود لحقب إسلامية شتى . دنا مني إذ رأني مستغرقاً في النظر ومحاولة قراءة ما خُط َّ على هذه النقود ... دنا مني أحد حرّاس هذا المكان بكل أدب ولطف وقدّم لي عدسة مكبِّرة قائلاً : هذه العدسة تساعدك على قراءة ما تود قراءته ... ثم سألني ما الذي يغريك في هذه النقود التي إستغرقتك بالكامل حتى لكأنك بوذي يقف أمام تمثال بوذا ؟ قلت له أجد فيها تأريخي ... بعض حقب تأريخي مجتمعة ً في وجهيْ هذه النقود . أنظرْ ، قلتُ له ، هذا هو الخليفة الأموي الشهير عبد الملك بن مروان وهذا هو الخليفة فلان وهذا وهذا ... سلمته عدسته وودت لو أقضي باقي عمري في هذا المكان .

حل َّ المساء وحان موعد محاضرة الأستاذ الفنلندي فقصدت معهد البروفسور (( بيروم أو بيرْمْ )) . قدم الضيف محاضرة طريفة ووجهت له بعض الأسئلة فأجاب عنها وأفاض . دُعي بعد المحاضرة الحاضرون وأنا أحدهم للمشاركة في حفل عشاء أُقيم  تكريماً للأستاذ الزائر . أجلسني البروفسور شيفر بجوار أستاذة كيمياء في نفس المعهد وهمس في أذني قائلاً : بيد هذه السيدة الحل والربط في المعهد ، إذا أعجبتها فسوف تمنحك فرصة للعمل معنا ... ثم ضغط بكفه على كتفي الأيمن كأنما أراد القول : دير بالك !! تكلمتْ معي طوال وقت الأمسية تقريبا ً عن بروفسور بريطاني سبق وأن إلتقيته  في جامعة موسكو حيث قدم محاضرة في القسم الذي كنت أجري فيه أبحاثي في حقل كيمياء التحولات النووية .  كنتُ أعرف أنَّ للرجل أبحاثاً كثيرة منشورة قريبة من مجال إختصاصي الدقيق وإنه معروف في عالم كيمياء العناصر المشعّة . وحين فاجأتها بأني أعرف هذا الرجل وقد إلتقيته يوما ً في جامعة موسكو إستدارت نحوي بكامل جسدها رافعة ً بكفها كأس البيرة ثم دقت بكأسها كأسي قائلة ً : إذا ً لنشربَ نخب البروفسور مادوك

Maddok

... بعد أن إمتصت من كأسها رشفة طويلة عميقة قالت بشئ من اللؤم والخباثة : إنه أكبر منك بعشرة أعوام فقط ... عشرة أعوام فقط !! غدت الأمور واضحة ً أمام عينيَّ ... أني لم أحزْ على إعجاب السيدة صاحبة الحل والربط . كانت تراقبني بدقة ماذا أتناول من طعام أو شراب وعلقت مرة قائلةً أراك تشرب البيرة !! قلت لها لا أرى في ذلك أيَّ ضرر . قالت وأراك تأكل لحم الخنزير !! قلت لها حين أُضطرُ إلى ذلك ، وإنكم لم تقدموا لنا في حفل معهدكم هذا أية لحوم أخرى بديلة !! أزعجتني هذه البروفسورة الفضولية السليطة اللسان المكشوفة الأغراض والنوايا والطبيعة لكني لم أشعر بالأسف إذْ حضرت المحاضرة وعشاء الأمسية .

مثل هلسنكي وستوكهولم ... كل شئ غالٍ في مدينة كوبنهاكن . ثم إني لم أجد فيها إلا مخزناً كبيراً واحداً شبيهاً بهذه المخازن المنتشرة بكثرة في لندن أو المانيا مثلاً . أبنيتها قديمة حتى بدت لي وكأنها مدينة بائسة ما خلا متاحفها .

الخميس 10.03.1988

 مغادرة كوبنهاكن

غادرت الساعة الثالثة بعد الظهر مدينة كوبنهاكن ، عاصمة الدنمارك ، سالكاً الطريق البحري المألوف متجهاً صوب مدينة مالمو السويدية لأستقل الباخرة المتجهة من هناك نحو سواحل المانيا كما يقتضي جدول حركة سفر البواخر . ( تجري الرياح بما لا تشتهي السَفَنُ ) !! وجدت مفاجأة كبيرة في إنتظاري وباقي المغادرين معي . كان الخط البحري المسمى إختصاراً

T - T

  بين مالمو وميناء ( ترافيمونده ) الألماني معطلا ً بسبب إضراب عمال الموانئ . لذا ركبنا باخرة أخرى كبيرة أخذتنا ثانية ً إلى الدنمارك وأمضينا ليلتنا في أحد فنادق مدينة

RQDYHAVEN

الراقية على حساب شركة النقل . خصصوا حجرة لكل إثنين من المسافرين واسعةً جداً بسريرين وحمام وباقي المرافق الصحية . كان شريكي في حجرتي شاباً حيرني أمره ، فقد ظل طوال الليل يدخّن ويقرأ في كتاب معه وهو في فراشه . لم أستطعْ النوم بالطبع : الدخان ثم الضوء الساطع . سألته ساخراً : هل أمامك إمتحان جامعي تؤديه غداً أو بعد غد ؟ قال كلا ثم أطفأ الأنوار وتظاهر بالنوم . غادرت سريري وقد أطلَّ الفجر فأخذت حماماً ساخناً وأعددتُ نفسي لتناول طعام الفطور .

الجمعة 11.03.1988

غادرنا الساعة السابعة صباحاً مدينة

RQDYHAVEN

الدنماركية التي أجهل موقعها على الخارطة ... غادرناها على ظهر باخرة أخرى غير تلك التي أتت بنا إلى هذه المدينة كان هدفها إيصالنا إلى ميناء ومدينة هامبورغ الألمانية . وصلناها الساعة العاشرة صباحاً . في محطة حافلات مدينة هامبورغ غيّرت فجأة ً خط سفري . فبدل الرجوع ثانيةً إلى مدينة ميونيخ قررت السفر إلى لندن إذ رأيت حافلة ً تتأهب لمغادرة هامبورغ إلى لندن . إبتعت ُ على عجل تذكرة سفر وركبت الحافلة مع باقي الراكبين وكان لحسن حظي مقعدٌ واحدٌ هناك لم يزل غيرَ مشغول .

وجدتها فرصة سانحة لأتم َّ مشروعي الأصل في الإطلاع على المخطوطات القديمة المتوفرة في المكتبة البريطانية التي كانت تُسمى مكتبة المتحف البريطاني قبل تغيير إسمها . ثم تصوير ما يمكنني تصويره وما تسمح لي به إدارة المكتبة . كان جُل ُّ إهتمامي منصبّا ً على الفترة الزمنية التي سبقت زمن أوائل كيميائيي العرب الثلاثة : خالد بن يزيد وجعفر الصادق وجابر بن حيان .

تحركت الحافلة بنا العاشرة والنصف صباحاً متجهة ً نحو لندن مارة ً أولا بالأراضي الهولندية ومدائنها الجميلة ( غروننغن )

Groningen

ثم العاصمة أمستردام فالميناء الشهير روتردام . حلَّ زمنَ وصولنا روتردام الظلامُ الدامس وبعد توقف قصير فيها واصلت الحافلة سيرها بإتجاه الأراضي البلجيكية . لا تفارقني المفاجآت المضحكة ـ المزعجة معاً ... ففي الميناء البلجيكي المعروف ( سيبروكه )

Seebrueke

عرفنا أنَّ الباخرة التي ستقلنا من هذا الميناء إلى بريطانيا ستغير خط َّ  سيرها المألوف وستتضاعف المسافة التي ستقطعها وسوف ينتهي المطاف بنا ليس في الميناء البريطاني ( دوفر ) إنما في ميناء مدينة أخرى تقع على السواحل الشرقية للجزيرة البريطانية تُدعى

Felixstowe

فما كان سبب ذلك التغيير المفاجئ ؟ سألنا فقالوا إنه بسبب إضراب عمال الخطوط البحرية التي تربط هذه الموانئ ببعضها . لم أستطع النوم . قضيت الليلة يقظاً تعبانَ منزعجاً والظلام الشديد الحِلكة يحيط من جميع الجهات بالباخرة . أردتُ أن أنأى بنفسي عن هذا الجو المتوتر الخانق البائس فسألت أحد قبطانات أو قباطنة [ جمع كابتن = قبطان ] الباخرة عن موضعها في هذا البحر الغريب الغارق بالسواد لا من ضوء يسطع ولا من نجم يبرق ولا من بواخر أخرى تمخر عُباب هذا اليم الغامض . أخذني نحو خارطة كبيرة جداً تغطي أحد جدران كابينة قيادة الباخرة ثم تناول عصاً طويلة وضع نهايتها على نقطة على الخارطة تقع في عرض البحر وقال : هنا أنت وأنا والباخرة ! ماذا تعني هنا ؟ لا شئ ، لا شئ البتة . ظلام في ظلام والنقطة إياها وجدتها تتوسط المسافة بين سواحل بريطانيا الشرقية وسواحل بعض جُزر الدنمارك . تغيير كبير وجوهري على خط السير المألوف .

السبت 12.03.1988

رست سفينتنا في الصباح الباكر من هذا اليوم على أرضٍ بريطانية بعيدة عن ميناء دوفر وبرِّ  لندن . وها أنا وجهاً لوجه أمام أكثر من مفاجأة . وقفتُ مع باقي المسافرين في خط طويل في القسم المخصص في الميناء لتفتيش الحقائب والسماح لهم بدخول الأراضي البريطانية وإسم هذا القسم كما يعرف الجميع

Customs Office

جاء دوري فوجدت أمامي تلك الفتاة الطويلة الجميلة التي  كانت كظلي لا تفارقني في مدينة كوبنهاكن ومعها صديقها العراقي الذي يدّعي أنَّ إسمه أحمد ! شارك هذه الفتاة في تفتيش محتويات حقيبتي المتواضعة شخص آخر قصير القامة وتصرفا برعونة وسوء أدب بل وحتى بإستفزاز . حصل كل ذلك أمام أنظار ضابط الجوازات البريطاني المؤدب والحازم معاً . لقد صدّهما مرة ً بتأنيب حين أبديا بعض الملاحظات السخيفة . وحين إحتججتُ بقوة ضد سوء تصرف الفتاة دافع الضابط الإنجليزي عنها قائلاً إنها أحد ضباط شعبة المكوس والحدود في الميناء ! قلت له إنها ليست ضابط حدود ولا ضابطة مكوس بل إنها بهلوان سيرك ... ثم أضفتُ  إنها كانت تترصد خطواتي وتراقبني في كوبنهاكن برفقة شاب عراقي آخر وإنها جاسوس !! تركتْ المكان على الفور وغابت !! كانت اللعينة قد وجدت أثناء تفتيشها لحقيبتي جواز سفري العراقي القديم المنتهي الصلاحية منذ شهر كانون الأول عام 1979 حيث رفض حكام بغداد وسفارتهم في العاصمة الليبية طرابلس تمديد صلاحيته وأبقوني بدون جواز سفر ...  وقد قلبتُ الدنيا حينذاك على رأس صدام حسين ونظام حكمه ولكن بدون نتيجة تذكر . سألني ضابط الجوازات عن سبب إصطحابي للجواز العراقي معي ؟ قلت له إني أعتز به غاية الإعتزاز وإني أحمله معي حيثما ذهبت رمزاً وتذكاراً لوطن حرمني منه حكام بغداد. ثم إنه وثيقة قوية جداً تثبت عراقيتي . ظن الرجل أنَّ الجواز صالح وذو فاعلية فظل يقلب أوراقه بدقة ويقلب النظر فيما فيه من أختام وتأشيرات دخول بعض البلدان وتواريخها ويسألني ما هذا وما معنى ذاك وأنفق في هذا الأمر وقتاً طويلاً حتى إنتبهت إلى أنَّ الرجلَ واقع ٌ في وهم كبير يحسب فيه أني أحمل جوازَي سفر إثنين لا جوازاً واحداً . تهاويتُ من شدة الإعياء على كرسي مجاور وقلت له : أنظر هذا التأريخ رجاء ... إنه تأريخ إنتهاء صلاحية هذا الجواز ... إنه شهر كانون الأول عام

1979 ونحن اليوم في عام 1988 . بهتَ الرجل وذهل ! أراح نفسه على ظهيرة كرسييه ثم قال ولِمَ لمْ تقل ذلك قبلاً ومنذ البداية ؟ قلت له حسبتك قد إنتبهت إلى ذلك وكنت تدقق النظر في كل صغيرة وكبيرة في أوراقه . هنا فتحت له صفحة جديدة للمزيد من الأسئلة من قبيل ما سبب إمتناع حكومة العراق عن تمديد جواز سفرك وأسئلة آخرى كثيرة بعضها غير مريح والبعض الآخر ينكأ الكثير من الجراح التي إندملت أو أوشكت . كنت أجيبه عن أسئلته بإقتضاب شديد لأنني كنت في غاية التعب مُنهكاً لم أنمْ الليلة الفائتة ثم إزعاجات ضابطة المكوس طويلة القامة واللسان إياها . قبل أن يسلمني الجواز النافق والذي أسميته فيما بعد [[ حذاء أبي القاسم الطنبوري ]] ... سألني ما سبب زيارتي لبريطانيا وكم من الزمن سأبقى فيها وهل معي ما يكفي من نقود ؟ أجبته عن كامل أسئلته فقال سأعطيك شهراً وسارع في وضع ختم التأشيرة في وثيقة سفري الألمانية . إعترضت طالباً أكثر من شهر قال بوسعك تمديد الإقامة في لندن لشهرين آخرين . نادى على سائق سيارة تاكسي كان واقفاً قريباً من مركز الحدود وطلب منه أن يأخذني إلى محطة للقطار في مدينة أخرى قريبة من هذا المركز تُدعى

Ipswich .

 سألته وقد تسبب في تأخيري قرابة الساعتين من سيدفع الأجور؟ قال بحزم : أنت !!

وصلتُ لندن بعد الظهر وأقمتُ في أحد الفنادق القريبة من محطة فكتوريا للقاطرات والحافلات . تركت حقيبتي في غرفتي قاصداً أماكنَ أخرى في مدينة لندن تقع على شوارع تتفرع من شارع أكسفورد حيث إعتدتُ في السنين الخاليات أن أقضي أوقاتاً طويلة في بعض حانات البيرة

Pubs

مع بعض معارفي من الإنجليز . دخلت أحد هذه البارات المتميز بجوّه الإجتماعي الدافئ والعلاقات الحميمة بين مرتاديه والعاملات فيه والغارق بدخان السجائر ورائحة البيرة فلمحتُ سيدة كنتُ قد تعرفت عليها في هذا المكان في سالف الزمان . كبرتْ المرأة كثيراً وبانت على قسمات وجهها متاعب الحياة ووطأة الزمن ... إنها الآيرلندية جويس

Joyce

... إبتسمتْ إذْ لمحتني بود وطلبت مني أن أشاركهم الطاولة الكبيرة التي تحلّقت وصديقاتها حولها . قالت هل تشرب بيرة آيرلندية سوداء ؟ قلت بل أفضِّل سواها عليها ... إنما أشرب ( لاكر)   قوي

Lager.

 قالت جرّبْ السوداء . قلت سأجربها آخر الليل ! قالت لم أركَ منذ فترة طويلة . قلت نعم ، إلتقينا هنا صيف عام 1982 وصيف عام 1983 وخريف عام 1986 حين كنتُ أزورُ لندن ومدنَ بريطانية أخرى غيرها لقضاء بعض الحاجات أو لزيارة أصدقاء أو للسياحة أو للمساهمة  في بعض المؤتمرات العلمية  قادماً إليها من طرابلس في ليبيا . قالت والآن ؟ أنا الآن أقيم وعائلتي في ألمانيا . قالت كم ستبقى في لندن هذه المرة ؟ قلت لها لا أدري . سأغادر لندن حالما أنتهي من إجراء بعض الأبحاث في المكتبة البريطانية . دارت الكؤوس ودار معها رأسي وإرتفع دخان السجائر الكثيف وظلت تدور الكؤوس دون توقف حتى دق َّ جرس الإعلان عن طلب الكأس قبل الأخير كما هي العادة في بارات الإنجليز . ثم تلاه بعد قليل صوتُ الجرس الثاني والأخير الذي يُنذرالزبائن في أن يطلبوا الكأس الأخير قبل غلق البار .

في الحادية عشرة مساءً غادرتُ البار مع مَن غادر من روّاده الذين تربطهم علاقات ود وصداقات متينة .

London

الأحد 13.03.1988

خابرتُ  ثم زرت الصديق  ص . س . ص . وعائلته في سكنهم الجديد وتناولنا طعام الغداء الجيد الإعداد . بقيت في ضيافتهم حتى الساعة الخامسة عصراً . تمشيت في شوارع لندن طويلاً فقد كان الجو ودوداً غير بارد .

لندن / في المُتحف البريطاني

الإثنين 14.03.1988

 توجهتُ في الصباح الباكر نحو المُتحف البريطاني فتوقفتُ إذ ْ واجهتُ مفاجأة أخرى لا تخلو من طرافة . ماذا رأيت في مُدخل المُتحف ؟ رأيت الفتاة الطويلة القامة واللسان [ ضابطة المكوس ومفردها مَكْس ! ] بصحبة فتاتين أخريين وما أنْ إقتربتُ من الجميع حتى أحاطت بي هاتان الفتاتان من كلا جانبيَّ  لِصق ذراعيَّ بينما شرعت صاحبتنا ـ الثالثة ـ في إلتقاط صورة لنا ثلاثتنا وسط ضحك وبهجة وسرور مفتعلة . تظاهرتُ أني لا أعرف صاحبة الكاميرا وكأني لم أرها لا في الدنمارك ولا أهنتها في نقطة الحدود البريطانية . ضحكتُ معهنَّ عليهنَّ وجاريتهنَّ في عبثهنَّ ثم إستنكرتُ ما فعلن بي وقلت : ماذا فعلتنَّ بي يا فتيات ؟ ستحتج زوجي عليكن َّ وستغضب مني لو رأت هذه الصورة التي إلتقطتم عنوةً وبدون رغبة مني ولا إستئذان من طرفكم . تضاحكنَّ ثم سارعن إلى  مغادرة المكان .

دخلت المتحف البريطاني الذي يختصرون إسمه بحرفي الباء والميم

B.M.

وسألت أحد مسؤوليه عن قسم المخطوطات الشرقية القديمة فقال إنها تشغل مكاناً آخر في بناية أخرى ليست ببعيدة عن المتحف تقع على شارع إسمه

Store Street

وإنَّ المكتبة بكافة محتوياتها قد إستقلت عن المتحف البريطاني لتأخذ الإسم

The British Library.  

تركت المُتحف البريطاني وتوجهت نحو المكتبة . عرّفت نفسي على بعض موظفيها وبينت له القصد من زيارتي فأفاد أنَّ دخولَ القسم الخاص بالمخطوطات القديمة والإطلاع عليها أو تصويرها أو إستعارتها يتطلب موافقة خاصة وإستصدار هوية خاصة تسمح بدخول القسم ثم الإفادة مما موجود فيه . أعطاني الموظف المسؤول إستمارة لجمع المعلومات عني طالباً تعبئتها لغرض تزويدي بالهوية المطلوبة . رأيت في أحد حقول الإستمارة حقلاً يشترط فيه توثيق هويتي وشخصيتي من قبل إثنين من البريطانيين أو غيرهم من المقيمين بشكل دائم في بريطانيا وأن عليهما  تثبيت إسميهما الكاملين كما هما في جوازات سفرهما وعناوين سكناهما في بريطانيا وطبيعة عملهما ثم ، ماذا يعرفان عني وهل هما مستعدان لتزكيتي . تطلب المكتبة إذا ً تزكية شخصين لمن يروم دخول قسم المخطوطات وقراءة ما فيه . لم يكنْ لي في لندن وقتذاك إلا القليل من الأصدقاء وبضعة معارف لا أكثر . الطلب إذاً شبه تعجيزي فهل أُعيد النظر في كامل مشروعي وأتركه ظهريا ؟ قلت كلا ، وصلت لندن وفي رأسي صورة مشروع كبير أنفقت عليه وفي سبيله الكثير وتحملت ما تحملت فلأمضِ ِ فيه حتى نهايته . أخذت الإستمارة إياها وتركت المكتبة قاصداً مكتب الصديق الذي كنت بالأمس في ضيافته وعائلته . عرضت عليه الأمر وأنا في حرج كبير وإستشرته وسألته هل يزكيني حسب شروط المكتبة البريطانية وهل هناك شخص آخر غيره مستعد لأن يساهم في تزكيتي ؟ تردد الصديق قليلاً ثم قال إني سأزكيك وسأكلف أحد أصدقائي أن يقومَ بتزكيتك . أترك الإستمارة معي وتعال غداً في مثل هذا الوقت .

الثلاثاء 15.03.1988

زرته في اليوم التالي حسب الموعد فوجدتُ الإستمارة معبأةً جاهزةً حسب الأصول . لا يكفي في مثل هذه المناسبات قول كلمة (( شكراً يا صديق )) ولكن ، كيف أُجازيه ومتى أرد له الجميل وهل سيحتاجني يوماً في موقف مماثل أو شبيه أو أصغر أو أكبر ؟ إفترقنا ولا أعرف اليوم أين هذا الصديق وما حلَّ به بعد كل هذه التطورات والتغييرات .

الأربعاء 16.03.1988

في المكتبة البريطانية / قسم المخطوطات القديمة .

نظّم بسرعة لي رئيس القسم الهوية الخاصة ( ما زلتُ محتفظاً بها ) فطلبت على الفور كتاب { الجفر } المنسوب لجعفر الصادق . كانت معي قائمة طويلة بأرقام ورموز وأسماء المخطوطات القديمة التي يعنيني شأنها والتي تناولت أو أشارت إلى موضوع الكيمياء القديمة وكيمياء العرب . أتاني كتاب الجفر ففوجئتُ ... وجدته يتكون من بضعة صفحات لا غير !! كنت أعوّل كثيراً عليه فصُعقت وقد رأيته على ما هو فيه . لم أجد فيه شيئاً ذا علاقة بالكيمياء . مع ذلك طلبت إستنساخه فقال المسؤولون إنَّ إستنساخ هذه الوريقات يتطلب موافقة خاصة قد تستغرق أسبوعين في أقل تقدير !! قلت لهم إني قادم من ألمانيا ولست مقيماً في بلدكم . قالوا أتركْ معنا عنوانك البريدي في ألمانيا لكي نخبرك بحصول الموافقة فإنْ رغبتَ في مواصلة مشروعك أرسلْ لنا أجور الإستنساخ والبريد . قلت حسناً ، موافق . تجولت بعد ذلك في قسم المخطوطات وتطلعت على المعروض منها على الرفوف فلم أجد بُغيتي . تركت المكتبة وتمشيت من هناك حتى مُتحف فكتوريا وألبرت ... مسافة طويلة لكني أحب التمشي .

الخميس 17.03.1988

 تمشيات طويلة في منطقة

Nottingham Palace

ثم قضيتُ المساء حيث مقهى المعارف والأصدقاء القدامى وكان العشاء في مطعم تركي مجاور مختص بتقديم المشويات ولا سيما الكباب . البارات مزدحمة بشكل غير عادي . عدتُ إلى فندقي مشياً خلال شارع  شارع ( بيكر )

Baker .

غداً أغادر عائداً إلى ألمانيا .

لندن

الجمعة 18.03.1988

في مطار هيثرو

تركتُ معطفي وصندوقَي شاي ثقيل تبيعه مخازن بعينها في بريطانيا . تركتها في مكاني ورجوت جارتي أن ( تحط َّ ) عينها على ما تركت قريباً منها ريثما أتناول كأس شاي مع قطعة كيك كفطور مختصر . رجعت وقد أكلتُ وشربتُ إلى مكاني فلم أجد الحاجيات التي تركت تحت رعاية السيدة جارتي . لم تتركني وحيرتي فبادرتني بالقول : جاءت شرطة المطار وأخذت ما كنت َ قد تركتَ معي . هُرعتُ أسأل عن مكان شرطة المطار . وجدته ، سألتهم عمّا أخذوا فقالوا وماذا تركت َ من حاجيات ولماذا تركتها وهذا الأمر ممنوع ؟ أجبتهم قد تركت معطفي وأكياس  شاي ثقيل لا يباع إلا في المخزن الفلاني تحت رعاية جارتي الإنجليزية وإنصرفتُ لفترة قصيرة ريثما أتناول فطوراً خفيفاً وهذا كل ما في الأمر. أخرجوا لي ما أخذوا وقالوا بأدب لا تكررْ هذا الأمر ، إنه ممنوع ... لا تترك حاجياتك وحدها أبداً . شكرتهم وتركتهم . لم تكدْ أن تتم فرحتي بتجاوز هذه الأزمة غير المتوقعة حتى دنا مني رجل باكستاني أو من بنغلاديش حاملاً حقيبة يدوية كبيرة طالباً مني إدخالها معي ضمن حقائبي إلى الطائرة مدعياً تجاوز ما يحمل من متاع للوزن الأعلى المسموح به !! إعتذرتُ فوراً فسأل لماذا وأنا أخوك أو كأخيك ؟ قلت له لا أنت أخي ولا أنا أخوك . ظلَّ يتوسل ويلح حتى إنتهرته قائلاً : أنظر يا رجل : ربما في حقيبتك هذه متفجرات أو مخدرات أنت تتحمل مسؤوليتها لا سواك ... لا أنا ولا غيري. ظلَّ يرطن بلغته بعد أن تركته ومضيتُ .

غادرتْ الطائرةُ مطارَ هيثرو في الساعة الثالثة وخمس ٍ وثلاثين دقيقة بعد الظهر فوصلنا مطار ( ريم ) في ضواحي مدينة ميونيخ بعد ساعة .

في ميونيخ                                    

 

إستأنفتُ وقد عدتُ إلى مدينة ميونيخ محاولات إيجاد عمل مناسب فراسلت العديد من الشركات المنتجة للأدوية أو الكيماويات وغيرها من الشركات المعروفة لكنها جميعها ردّت معتذرة ً . لم أيأس ، واصلت مراسلاتي داخل وخارج المانيا إلى معاهد علمية متخصصة وجامعات ومنظمات عالمية تابعة لهيئة الأمم المتحدة أو بعض فروعها التي تمارس مهمات إنسانية شتى في إفريقيا أو أمريكا اللاتينية فلم أحصل على عرض للعمل وكانت العقبة الكؤود أمامي هي نوع وثيقة السفر التي أحمل بالدرجة الأولى ، وإعتذار معظم هذه الجهات والأطراف بعدم توفر التخصيصات المالية اللازمة . بالتوازي مع هذه المحاولات كنت أقضي الكثير من وقتي في مكتبتين إحداهما قريبة من بيتي تقع في منطقة ( هاراس ) والأخرى بعيدة تقع في منطقة ( شفابنك ) . كنتُ في الأولى منصرفاً لقراءة كتاب الفيلسوف الألماني  ( هيكل )

Hegel

في عشرين مجلداً يبحث فيها عن الفن . لم أقرأ جميع هذه المجلدات إنما قرأتُ أجزاءً منها خاصة ولغة هذا الفيلسوف صعبة . أما في المكتبة الضخمة الأخرى فلقد واظبتُ على طلب المزيد من المصادر التي تبحث في موضوعات الكيمياء قبل الإسلام وفي قرنيه الأول والثاني . كما إطلعت على كتاب طريف جديد عليَّ  حول ( جابر بن حيان ) من تأليف الدكتور زكي نجيب محمود ، وعلى كتاب لجابر نفسه يحمل عنوان

( الآثار الباقية من القرون الخالية ) فضلاً عن كتاب بالألمانية لمؤلفه

( كراوس )

P. Kraus .   

 مع حلول موسم الربيع ثم أشهر الصيف إستأنفتُ رياضة ركوب الدراجة الهوائية والمضي بها لمسافات طويلة أقطع فيها قرابة الخمسين كيلومتراً ذهاباً إلى البحيرة الشهيرة المسماة

Starnbergersee

وإياباً منها إلى مدينة ميونيخ . بفضل الدراجة الهوائية وسيطرتي على ما أتناول من أطعمة تحسنت صحتي وإنخفضت مستويات السكّر في الدم . هذا فضلاً عن تمشياتي الطويلة في المدينة نفسها أو في متنزهاتها الكبيرة كالحديقة الإنجليزية أو بإزاء إحدى ضفتي نهر ( إيزار ) الذي يشق مدينة ميونيخ إلى نصفين . ما كنت الوحيد في عائلتي الذي أفاد من شهور الربيع وأوائل أشهرالصيف ، فلقد ساهم ولدي أمثل وشقيقته قرطبة في سفرات مدرسية متعددة منها إلى برلين وأخرى إلى باريس وثالثة إلى بعض

مدن المصحات والمياه المعدنية ... بل وقام أمثل بسفرة مع مجموعة من أصدقائه على الدراجات الهوائية إلى مدينة سالسبورك النمساوية حاملين معهم الخيمات ومعدات طهو الطعام . وفي بعض منعطفات الطرق جهزوا طعامهم وإصطادوا السمك من البحيرات وهي في طريقهم كثيرة ثم ناموا ليلاً  تحت ما حملوا معهم من خيمات . مغامرة لا يجرؤ على القيام بها

إلا أشدّاء الرجال ... وما كان ولدي أمثل وصحبه إلا فتيانا ً في أو حتى دون السادسة عشرة .

لكثرة مراسلاتي للحصول على عمل مناسب ولكثرة ما وصلني من ردود إعتذار شرعت في مراسلة بعض الجامعات والأساتذة في بريطانيا وكندا

عارضاً إستعدادي لإجراء أبحاث علمية في مجالات الكيمياء غير العضوية على أمل أني وقد أصبحت هناك ـ ربما ـ  سأحصل على عمل جانبي داخل أو خارج الجامعة يمكنني من مواصلة البحث والبقاء هناك فضلا ً عما سيصلني من مساعدات من أحد أشقائي في بغداد . جاءني عرضان في وقت واحد أحدهما من بروفسور في جامعة سوانزي والآخر من بروفسور في جامعة كاردف البريطانيتين . أعربت لهما عن موافقتي وأعددت نفسي للرحيل وخوض مغامرة جديدة عليَّ كل الجدّة .

 

 

ذكرى وتأريخ  / الفصل السادس (الحلقةالاولى)

 ذكرى وتأريخ  / الفصل السادس (الحلقة الثانية)

 

 

د. عدنان الظاهر


التعليقات

الاسم: الحاج عطا الحاج يوسف منصور
التاريخ: 15/11/2011 15:35:05
أخي الفاضل الكريم أبو أمثل

تحية العيد ثانيةً أتقدم بها إليكَ ، قرأتُ مقالتكَ

الاولى عن مذكراتكَ في يوم العيد واعتبرتها عيديتي إلا أني

لم أجد تعليقي ، ولا أدري ما السبب وما أعزوه إلا لسوء

حظي ، ذكرياتُكَ أومذكراتك هي شجن كل العراقيين الذين

عاشوا مأساة أبناء العوجه .

لكَ مني خالص الامنيات مع التقدير .

الحاج عطا

الاسم: الحاج عطا الحاج يوسف منصور
التاريخ: 15/11/2011 15:34:30
أخي الفاضل الكريم أبو أمثل

تحية العيد ثانيةً أتقدم بها إليكَ ، قرأتُ مقالتكَ

الاولى عن مذكراتكَ في يوم العيد واعتبرتها عيديتي إلا أني

لم أجد تعليقي ، ولا أدري ما السبب وما أعزوه إلا لسوء

حظي ، ذكرياتُكَ أومذكراتك هي شجن كل العراقيين الذين

عاشوا مأساة أبناء العوجه .

لكَ مني خالص الامنيات مع التقدير .

الحاج عطا

الاسم: الحاج عطا الحاج يوسف منصور
التاريخ: 15/11/2011 15:33:38
أخي الفاضل الكريم أبو أمثل

تحية العيد ثانيةً أتقدم بها إليكَ ، قرأتُ مقالتكَ

الاولى عن مذكراتكَ في يوم العيد واعتبرتها عيديتي إلا أني

لم أجد تعليقي ، ولا أدري ما السبب وما أعزوه إلا لسوء

حظي ، ذكرياتُكَ أومذكراتك هي شجن كل العراقيين الذين

عاشوا مأساة أبناء العوجه .

لكَ مني خالص الامنيات مع التقدير .

الحاج عطا




5000