..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


الإحساس بالزمن .. جدلية الفيض الكتابي

زيد الشهيد

 

الإحساس بالزمن .. جدلية الفيض الكتابي  

 

  "  إنَّ أجملَ لحظة تلك التي فقدتها "  

 

     يشكلُ الإحساسُ بالزمن مرجعاً تنصبُّ على حيثياته كلُّ مكونات النص . ويغدو فعلُ الزمن من حتميات استمرارية الحدث وجهدِ الشخصية وتأثيراتِ المكان . إذ لا تنبني أبجديةُ النص بانتفاء وجودِ الزمن وهيمنته ؛ وليس ثمة هويةٌ لهذا النص عندما يُقلِّل  فيه تأثير الزمن بقصدية من الناص ؛ بل أن من العته تجاوزُ تأثيرِ الزمن في مجريات حياة النص بدءاً من استهلاله وانتهاءاً بخاتمته . ولقد انتبه كل ذي فعلٍ سردي إلى حتمية فاعلية الزمن التي لا تعرفُ التوقفَ ولا تتقبل محاولات إيقافه . فالزمن  " يوشك أن يصبح بطل القصة " (1) على حد قول رولان بورنوف .

    تهيمن معضلةُ الزمن – ( وهنا أُقر على أنها معضلة بحق ) على وعي الكاتب مثيرةً فيه حالةً من التوجس تجاه لوامسه التي تزحف باطراد ( هكذا يساور الكاتب من شعور ) ؛ وهو في تداولهِ الكتابي يُبصرُ لحظاتِ الزمن هاربةً كالومض ، ومتسارعةً كأنها تسعى للنهايةِ المروِّعة له . فهو في شعورِ انه في سباقٍ مستمرٍ لا ينقطع مع الزمن . ( هو ) الكاتبُ يريد أن ينجز اكبرَ رحيل تدويني يُشبع لديه النزوع بأنه قدَّم المُرتجى ولو بحدودِ المعدل ؛ ( هي ) اللحظاتُ تعدو ترومُ تحقيقَ ذاتها في انتصارها على الكاتب حتى وهي أدرى بانتحارها ولو بالحتمية الجدلية التي تُقر أن اللحظةَ تولدُ لتموت ، ولتخلِّف لحظةً  تاليةً ستموتُ بالقدرِ الذي سبقَ التي قبلها . ولأنَّ مهنةَ الكتابةِ تعتبر رسالةً تاريخية منوط بالكاتب تحقيق فحواها بما يضمن أداء فعلِها الإنساني الذي تحمله التواصلية الحتمية فإنَّ الكاتبَ يدخلُ دائرة السباق مع عَدو الزمن ؛ يساوره قلق إنساني مشروع بخط متوازٍ مع سيره الأدائي انطلاقاً من محدودية العمر الذي لا يكفي لإعطاء ما لدى هدا الكاتب من خزين معرفي ( علمي وثقافي ) يسعى لسكبه على الورق كنتاج ارثي إنساني  .

ويشكل تأثير الزمن وجوداً في نصوص الكاتب ، وهو في رحيله التدويني تساوره :

(1) خفة الإحساس به من خلال الشعور بالسعادة التي تنفثها ذراته كنثيث مطري رائق على ثرى مأسور بالعطش . فالزمن يغدو كحشد فراشات مهفهفة بألوانها الشفيفة الرائقة لدى الإنسان  حين يعيش لحظات سعادة  خلقها موقف غير محسوب  أو حققها لقاء  غير موعود .

(2) ثقل الإحساس به حيث نصوصه تأتي مثقلة محمولاته ، وتفح جملُه  برائحة وطيئة كامدة لا يمكن للمتلقي تجاوزها ما لم يُشر إليها شفاهاً أو كتابةً . فلحظات شعور ضيق كاتم حتَّمته حالة خانقة تفضح ثقل الزمن وجثوميته .

 (3) حضور الذكريات وتشيئها في الذاكرة الزمنية . والذكريات فعل زمني منصرم نسترجعه عبر شحذ الذاكرة ليسترجع حيويته على ثرى الواقع حتى ليغدو الواقع حاضنة زمنية حاضرة لباقة زمنية ماضية . كل ذلك يعبر عنه باشلار بقوله : "  أن ذكرياتنا محاطة بالواقع " (2) .

(3) دخول الأحلام حيز النص كوجه آخر للزمن وكمعبر عنه وناقل لأبجديته التي تنفتح على تشعبات تأخذ طابع : 

      (أ) الأحلام ساعات النوم الدفين

    و(ب) أحلام اليقظة التي تتنفس هواء الزمن وتعتاش على حيويته

    و(ج) التأمل وتماهيه مع جملة الأسئلة المنبثقة من رحم الاستفهامات الراجزة على إيقاع كشف الحقائق المتوارية خلف حجب الغيب .

(4) الفراغ المتكرس في شيئيات الحيّز المتكينن . وهو هنا يترجل كمصطلح لحيادية الزمن من جهة وبوح لانصرافه تاركاً الأثر غير المرئي من جهة أخرى .

وهذه المساورة بتوصيفاتها السابقة تعتاش معه ؛ ويسير في دوّامة حضورها وسطوتها عليه ؛ فتأتي نصوصه مضمّخة بكل ذلك . تعبّر عنها الشخصيات في حوارها الذاتي ( المونولوج ) أو تقاربها وحديثها مع الآخرين . ويصبح فعل الزمن من بوح الشخصيات . وقد يدونها الناص سرداً كتعبير عن موقف يحيط بهاته الشخصيات .

     ففي حالة الانشراح وتهيؤات قدوم الفرح وحلول السعادة تكون اللحظات الزمنية مؤرَّجة بإطار من ورود الهناء والاستقرار بعيداً عن المنغصات زحوفاً ، قريباً من الطيران جذَلاً . يُعبر الرئيس في رواية " زوربا " عن خفة الإحساس بالزمن وتحليقه السروري بقوله  : "  انطلقتُ نحو القرية بخطى حازمة سريعة . من حين لحين كنت اتوقف واتنشق الربيع . كانت الأرض تعبق بالأقحوان . وكلما اقتربت من البساتين جاءتني نفحات من  أريج اشجار الليمون والبرتقال ، والغار المزهرة . وفي الغرب كانت نجمة المساء قد أخذت ترقص . " (3) بينما تتعملق لحظات الشعور بالحزن والكآبة عندما تجد الشخصية في النص نفسها في حالة ضيق خانق  وأفق رمادي قادم لا يحمل معه غير تباشير التقهقر . فيغدو الزمن ثقيلاً ضاغطاً . وليس من ثقل للزمن كما هو حلول الشيخوخة التي تصبح برأي " زوربا " عاراً يتجاوز وطأته اقتراب الموت وحضوره . فهو يبوح صراخاً لرئيسه : "  أنني اخاف الشيخوخة ، أيها الرئيس ، فلتقينا السماء منها ! إنَّ الموت لا شيء ، مجرد بف ! وتنطفىء الشمعة . لكنَّ الشيخوخةَ عار . " (4) . إنَّ حضور الشيخوخة يُعَد من اعتى وأهول ضربات ناقوس القلق لدى الإنسان . هذا إذا كان عادياً بسيطاً فكيف به إذا كان كاتباَ خلاقاً يمتلك القدر الهائل من الوعي والراصد النبيه لحركية الزمن وفعله الحافر على بشرة الوجوه . كان " سانتياغو " لدى هيمنغواي في " الشيخ  والبحر " يتلمس فعل الزمن عليه( هو همنغواي نفسه )  وسخريته من شيخوخته من خلال هزء الصيادين الشباب به وكلماتهم الجارحة التي تشير إلى أفول انتصاراته على البحر ،  لكن هذا الشيخ لم يستسلم للسان الزمن الذي يُظهره كعلامة من علامات السخرية بل استمر يدخل حلبة التحدي مندفعاً إلى المسافات البعيدة  ليحقق فعل الصيد ونجازة البقاء في أتون العنفوان . وكلما عاودته رغبة الحنين للماضي وتذكر سنين جموحه ومغامراته كمحاولة من الزمن لإجهاض إصراره على المواجهة كبحها بالتصميم على النجاح ورمي عوالق الإخفاق وراءه . وتكمن حالة الإحساس بالزمن بالنظرة التفحصية التي يؤديها البشري وهو يطالع جملة التغيرات التي تحصل له عبر تقادم الأعوام . ففي مراجعة مع الذات ومقاربة مع تقلبات الحال يكتشف أن فعل الزمن حفر على أديم جسده ما يضعه في موقف تأمل كثيراً ما يسحبه نحو التحسُّر وإطلاق زفرة الألم لأنَّ ما مرَّ عظيم التأثير وما حصل يشير إلى جدلية لا تتوقف عند محطة القبول والرضا ؛ بل شعور ان ما قدم من جهد وما حصد من نتاج ليس بالذي يرُضي ويخلق قناعة معطَّرة بالانشراح . إنه يروم أن تُعاد دقائق الزمن لُيتقن استغلالها ؛ الاستغلال الموضوعي المؤثر ، ويتشربها التشرب الانهالي الشغيف . إنه لا يريد أن تهرب من بين أصابع انشغالاته كرات اللحظات ويفر الزمن بمحمولاته تاركاً له جرار ملأى بالفراغ . ولعلنا نجيد تقديم المثل للنظرة التفحصية للإنسان عندما نوقفه أمام المرآة ( مرآة الذات كوجه ومرآة الزئبق كوجه آجر ) . والمرآة بوجهيها تشكّل فماً تحاورياً يفضي بالمكنونات التي هي انعكاس لبوح نظرات المتطلع إلى بياضها الكاشف والفاضح تأثير الزمن . ولا يكاد كاتب من الكتاب في ميدان السرد لم يترك للمرآة في واحدة من نصوصه على الأقل الدخول في حوارية مع المنتصب أمامها .

وللذكريات أبجدية تحتمها مجريات الإحساس بالزمن ؛ فهي واحدة من التعالقات المتماهية بالزمن من قبل الناص الذي يجعل منها ساحة دخول إلى حلبته( أي الزمن )  والتعامل معه  . والذكريات التي هي خزين دفين في الذاكرة تتجسَّد عند استلالِها بطابعها الفسيفسائي المزيجي الذي يجمع بين الجذل والحسرة / المتعة والتأوهات / الانشراح والضجر / الأيام برداء السعادة تارةً والضيق والمعاناة تارةً أخرى / الشعور بالضياع وأخرى بالتشبث بما هو ناءٍ وقد حضرت بتأثير شفرة استجدَّت فجأة فأعادت ما كان مندثراً أو مطموراً تحت ركام الأعوام مُحدثة شعوراً مُربكا تمزجه رغبةُ الحنين بالبكاء ، بالآمال . فساعةُ مطر تجعل الرئيس ( في رواية زوربا ) يغرق في يمِّ أمواه الذكرى ويُصرِّح : " نهضت مددتُ يدي إلى المطر كأنني متسوّل . وفجأةً رغبتُ في البكاء . كان ثمة حزن ليس من أجلي . ليس لي ، أعمق ، وأظلم ، يتصاعد من الارض الندية . إنّه كالرعب الذي يتملك الحيوان الذي يرعى  بلا مبالاة ؛ ثم يشم حوله فجأة ، في الفضاء دون أن يرى شيئاً ، أنه محاصر لا يستطيع أن يفلت . وكدت أطلق صرخة ، مدركاً أن ذلك سيعيد  الهدوء إلى نفسي  ، لكنني خجلت . وكانت السماء تنخفض أكثر فأكثر . ونظرت من النافذة : كان قلبي يرتعد بهدوء . أنها للذيذةٍ وحزينة جداً ، تلك الساعات من المطر الناعم  تعيد إلى الذهن جميع الذكريات  المرة المدفونة في القلب  : فراق الأصدقاء / ابتسامات نساء قد انطفأت ؛ آمال  قد فقدت أجنحتها  كفراشات لم يبق منها إلا الدود . ولقد وقف هذا الدود فوق أوراق قلبي وراح يقرضها , ؟ (5)

ويستحيل الزمن ( مثل أيقونة  ) مرموزاً للتحنط في شيئيات المكان حين يعمُّ الفراغ . وتغدو الشيئيات الماثلة ( الغارقة في الصمت ) فعلاً زمنياً حياديا لحظة التطلع إليه والوقوف عند أهابه ؛ لكنه في نفس المشهد يمثل تفاصيلَ عهدٍ يتوجّه النص لتمثليه بكافة حيثياته ( البشر وفعلهم ومقتنياتهم وملبوساتهم / الطبيعة ومقومات إلفة البشر مع أبجدياتها / السماء ونثيث مطرها الرحيمي أو غضبها الرعبي ) . فحين الولوج إلى احد المدرجات الرومانية التي قد نشاهدها في اليونان أو في  عمان أو على الأراضي الليبية والتونسية سيُقر لنا بحياة من زمنٍ دامَ عقوداً دخل إليه أناس كانوا من على مدرجاته الحجرية يشاهدون الصراع الإنساني الذي هو  احد أوجه الحياة على الأرض بين قوي سيحْيا وضعيف سيموت . وسنشاهد  نحن من جانبنا طبيعةَ مقتنياتهم وارتداءاتهم وصرخاتهم أو ضحكاتهم أو انفعالاتهم الداخلية ؛ وغير ذلك ممن لا يجب الإطالة فيه . كل هذا يأتي به الزمن بصيغة أحساسية تنقلنا إلى المكان من خلال المكان . وتبرع " فرجينيا وولف " براعة واضحة في التعبير عن الزمن والإحساس به من خلال عبارة " لم يكن هناك شيء يتحرك " في الجزء الثاني من روايتها ( إلى الفنار )

 

الزمن في الفعل التدويني

 

    يتوجه الكاتب في المجال السردي ( الخطاب الروائي )  نحو إعطاء أهمية واضحة للزمن هو الأدرى أن هذا الزمن يدخل في السلوكية العملية لكلِّ أداءٍ يفعله وفعلٍ يصنعه . وجدليةُ الكتابة وفعلُها تتداخل فيها ثلاثة أزمنة منشطرة من الزمن العام حسب رؤية " ميشيل بوتور " هي : زمن المغامرة ( ويقصد به زمن أحداث الرواية ) وزمن الكتابة ( الزمن الذي يبدأ وينتهي فيه الكاتب )  وزمن القراءة ( عندما يصبح الخطاب الروائي بيد المتلقي ) .(6) هذه الأزمنة التي  قد لا تتوافر في الحرفة الشعرية وكتابة الشعر  حيث ينتفي زمن الأحداث هي الامتداد العام لوقت مطاط قد يمتد لأعوام أو  عقود أو حتى لقرون ماضية ؛ وقد يمثل زمنا يقرب من الحاضر ؛ وقد يتعدّى لينطلق متحركاً في فضاء هلامي لم يحضر زمنياً ونعني به المستقبل الذي هو في عِداد الغيب . وإذا كان الدخول إلى الماضي الغابر عبر زمن المغامرة يعتمد المصادر المدونة التي يستعين بها الكاتب ويكون الزمن لديه فضفاضاً بمقدوره ضغطه أو توسيعه فأن زمن الكاتب ابتداءً من أول جملة استهلالية إلى آخر فقرة ختامية للعمل المراد إنجازه ودفعه إلى ساحة القراءة يستحيل هاجساً يقضُّ عليه هناءه ويسلب منه فسحةَ التراخي إن هو تقصَّد ذلك . يأتي هذا عبر الضجر الذي سيداهمه والتأنيب الذي سينغل في خاصرة إهماله ، وسيجد نفسه في حالة من انقباض لا تنتهي هيمنته ولا يتوارى ألمه إلا لحظة الإمساك بالقلم للتدوين .

وتدخل حَرفية الزمن وتأثير وجوده في اللغة التي يستخدمها السارد عبر استخدام عبارات تنضح بالزمن وتدفع الذات القارئة أو المنصته إلى الانتباه لحدث سيتجلى تكون فيه انتقالة للزمن الذي سيكون حلبة تدور على أرضيته مفردات الحدث .

فأول مدخل للسرد والذي يُعد من أبجديات الاستهلال درجَ السارد وخصوصاً في الحكايات الشفاهية على استخدام بادئة زمنية تفتح باب الحكاية وتشرع أبواب القص ، بعبارة صارت متداولة كأنها مفتتح لزومي لكلِّ سردٍ حكائي ، هي عبارة : " كان يا ما كان ...... " . وفي خضم الأحداث التي تأتي على لسان السارد أو قلمه يبقى الإحساس بالزمن وضرورات وجوده ماثلة لا تغيب حتى لو تسرب للحظات بفعل قوة الحدث المُحكى أو بتأثير الفعل المؤدّى . وهنا ومن أجل أن لا يغيب الإحساس بالزمن فأن السارد يقرنه بعبارات زمنية صارخة ، وجاهزة لا تغيب يستخدم فيها بادئات زمنية كاستهلال فقرة لحدث يريد المتلقي أو المنصت إدراكها ومعرفة منتهاياتها ، من  مثل  : " وذات يوم ... "  ، و " وبعد أيام معدودات .... " ، و "  ذات مرة .... "  و " وفجأةً .... " و " عند المساء ...  و " وفي الصباح ..... " ، و " بعد لحظات .... " و " لم تمضِ عليه ساعة .... " و " بعد عدة أيام ...... " , و " انتهى  الأمر ( الحال ) ...... " إلخ .. يصاحب ذلك تقنية اسلوبية صارت من مستخدمات السارد المعاصر تلك التي استخدمها " غوغول " و " ديستوفسكي " و " فرجينيا وولف "  ومن جاء بعدهم ، تلك هي تقنية " التداعي " و " الاسترجاع Flash back    " اللتان يلجأ إليهما السارد لكسر التسلسل الزمني عبر تداخلاته التي تستفز ذائقة المتلقي وتدفع به إلى ضرورة التتبع المقرون بالانتباه لسيرورة وتوالي الأحداث ( 7 ) . تقنية ذكية نقلت المتلقي أو المنصت إلى أرض لا يسترخي فيها على لذاذة القص . وكان لفرجينيا وولف تقنيتها الخاصة في ما سمي في ما بعد بتيار الوعي المستند على الاسترجاع والتداعي ؛ وهما تقنيتان تتلاعبان بالزمن ويتخذان من تهشيمه نمطاً سردياً صار بفعل دكاء صانعته تياراً مهما في رحلة السرد . و عبارة " لم يكن هناك شيء يتحرك ... " في فقرة " النافدة " في  الجزء الثاني من روايتها ( إلى الفنار ) تتعامل مع الزمن الصامت عبر الشيئيات الماثلة في الوصف المندرج لتشكيل الصورة حيث تتحدث الفقرة عن تداعيات منزل بأثاث يغرق في الصمت إلا من نسمة هاربة فلتت من ريح ودخلت تطوف في فضاء البيت راويةً تواليات زمن مضى لحيوات بانفاسها وخلجاتها وصراعاتها وأمنياتها ونجاحاتها ونكوصاتها الرافلة على أرضية وتأثيثات تشكل زمنية الأحداث وهويتها : " لم يكن هناك شيء يتحرك في الاستقبال او حجرة الطعام او على الدرج ، لم يكن هناك سوى نسمة هواء انفصلت عن كتلة الريح تسللت من خلال المفصلات الصدئة والجدران الخشبية الرطبة بفعل البحر – تسللت تدور في الأركان وفي داخل الحجرات  ( كان المنزل متداعياً قبل كل شيء ) وكان المرء يستطيع أن يتخيل الرياح وهي تدخل الحجرة – حجرة الاستقبال – تتساءل وتتعجب ، تلعب بحواف الأوراق على الجدران وتسألها  : هل ستظل هكذا فترة أطول ؟ ومتى ستسقط ؟ "(8) كل ما في البيت يحكي بفم الصمت زمناً راقصاً على إيقاع تهافت أعوام قاطني البيت الدين لم يدركوا – وحتى لو أدركوا – غواية الزمن الذي يصاحبهم ويسير بموازاة أفعالهم .

كانت " وولف " واحدة من الكتاب المبرزين الدين آثروا " تسجيل تأثير الزمن الحاضر ، ومرور الزمن وتدفقه في خبرة الفرد على وعي الشخصيات بالزمن التاريخي ؟ " (9) وهي واحدة ممن خبروا وترجموا وطأة الإحساس بالزمن ما دفعها والعديد من أمثالها ذوي الوعي المتفاقم إلى التخلص منه – من الزمن -  عبر إنهاء مسبباته وتأثيراته وفعله الثقيل ؛ فكان الانتحار حلا لكل دلك .

 

 

 

 

(1)   عالم الرواية – " رولان بورنوف " و " ريال اونيليه " – ترجمة نهاد التكرلي – ص118

(2)   جماليات المكان – غاستون باشلار – ترجمة غالب هلسا – المؤسسة الجامعية للدراسات – بيروت – ص74

(3)   زوربا  - رواية كازنتزاكي – دار الآداب

(4)   المصدر السابق – ص148

(5)   المصدر السابق – ص94

(6)   عالم الرواية – " رولان بورنوف " و " ريال اونيليه " – ترجمة نهاد التكرلي – انظر ص118

(7)   المصدر السابق – 118

(8)   ادباء منتحرون – مكرم شاكر اسكندر – إصدار دار الراتب الجامعية – 1992 – ص 84

(9)   المصدر السابق ص 59

 

 

 

زيد الشهيد


التعليقات




5000