..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
إحسان جواد كاظم
.
.
د.عبد الجبار العبيدي
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


صباحكم أجمل/ بيت لحم.. باب ومجدل وسلام / الحلقة الأولى

زياد جيوسي

بلدة العبيدية كعروس في أبهى حلتها تركب هودجها، وعدسة زياد جيوسي

 

   منذ الطفولة كان لديّ حلم خفي أن أزور بيت لحم وأجول فيها، ولعل ذلك ارتبط بذاكرة الطفولة حين كنت وأسرتي في رام الله، وانتقل والدي للعمل بشرطة السير الأردنية في بيت لحم، وكنت أسمع أحاديثه عن بيت لحم لوالدتي رحمها الله وأطال بعمر الوالد، فيجتاحني شوق لزيارة هذه المدينة التي اجتاحت روح الطفولة عندي، وأن أجول دروبها وأزقتها وأديرتها، وأتنسم عبق التاريخ، وكثيرة هي الأحلام، ولكن ليس كل حلم يتحقق، واعتدت في حياتي أن الكثير من أحلامي تأتي اللحظة لتحققها، فأتيح لي أن أمر من أطراف بيت لحم مروراً باتجاه الجنوب مرتين لمناسبات اجتماعية، وحين زرت بلدة (جناتا) مع حملة لنا جذور، أتيح لي أن أدخل ساحة المهد لوقت قصير بدون دخول كنيسة المهد أو التجوال، فاعتبرت كل هذه إشارات نحو تحقق الحلم.

   وكانت اللحظة حين وجّهت لي دعوة من جمعية الباب الثقافية عبر صديقي الروائي نافز الرفاعي، فلم أتأخر عن تلبية الدعوة التي أتت تحت عنوان مناقشة كتابي (أطياف متمردة) في قاعة مؤسسة المجدل الثقافية يوم الخميس 26أيار2011، وبرفقة صديقة طيبة تكرمت بمرافقتي لبيت لحم وتأمين عودتي منها بسيارتها، كنت أتجه مبكراً إلى بيت لحم، فقد كنت معنياً أن أجول قدر الإمكان فيها ولو لوقت قصير لن يشفي غليلي، وأن أحضر معرضاً للفنانة التشكيلية سمر غطاس، فغادرنا رام الله مارين بجوار القدس التي يحرمها الاحتلال على طيورها، متجهين إلى بلدة (أبو ديس) ومن هناك عبر طريق وادي النار باتجاه مدينة ميلاد المسيح عليه السلام.

دير ابن عبيد (دير القديس عطا الله- ثيودسيوس) للروم الأرثوذكس، وعدسة زياد جيوسي

 

   من لحظة الصعود من أسفل وادي النار؛ هذا الطريق الصعب والخطر الذي فرضه الاحتلال علينا منذ إغلاق الطريق إلى بيت لحم عبر القدس، كنت أنظر لبلدة العبيدية، وكنت أراها كعروس في أبهى حلتها تركب هودجها، وتفتح ذراعيها للقادمين من رحلة صعبة لترحب بهم وتمنحهم الراحة والأمان، فتمنيت لو أن الوقت يسمح أن أجول عبق التاريخ بها، فهي بلدة تمتد عبر التاريخ، ونالت اسمها من (العبيدي فارس) من أقحاح العشائر العربية، وتضم في جنباتها أديرة من أهم الأديرة مثل دير (مار سابا)، ودير ابن عبيد (دير القديس عطا الله- ثيودسيوس) للروم الأرثوذكس، وحين اقتربنا من هذا الدير همست صديقة الرحلة: أتمنى أن أزور هذا الدير، فكلما جئته وجدته مغلقاً، فقلت لها: توقفي، فلدينا بعض الوقت وسأفتح لك بوابة الدير لنـزوره معاً، ونزلنا من السيارة ودققت جرس البوابة فرد عليّ شخص من الداخل يسأل: من بالباب؟ فقلت له: أنا زياد جيوسي كاتب وإعلامي قادم من رام الله وأرغب بزيارة الدير، فقال أهلاً وسهلاً، وفتح بوابة الدير، ورافقنا في جولة سريعة لأنهم كانوا بانتظار حجيج قادم من روسيا حضروا أثناء وجودنا.

 

هنا كان سيدنا المسيح عليه السلام وسيدتنا العذراء مريم في الكهف الذي أوت إليه، وعدسة زياد جيوسي

  

   ما أن دخلنا الدير حتى شعرت بعبق التاريخ يفوح بالأرجاء، ويبدأ بالبوح لي عن عظمة الأجداد وتاريخنا، وهمست لنفسي: كم هو مجال فخار لك أن تكون هنا حيث كان سيدنا المسيح عليه السلام وسيدتنا العذراء مريم في الكهف الذي أوت إليه، وأن تتنشق عظمة الأجداد الذين بنوا الدير وجعلوه مكان عبادة ومنارة علم، فالدير بناه القديس عطا الله والملقب (ثيودسيوس) في أواخر القرن الخامس ميلادي ودفن فيه في العام 520 ميلادية، وأما الدير الحالي فقد بني في العام 1900 ميلادية، وقد بني على بقايا الدير القديم الذي ما زالت آثاره قائمة، ومنها الحوض الحجري القديم لمعصرة الزيتون، وقد تجولنا الدير بالكامل، ونزلنا إلى المغارة التاريخية والتي يقال إن سيدتنا مريم أوت إليها مع سيدنا المسيح عليه السلام، والتي كانت بداية إنشاء الدير حين استقر بها القديس عطا الله متعبداً، وقد كانت في الدير مدرسة لاهوت درس فيها البطريرك (صفرونيوس) الذي سلم مفاتيح القدس للخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومن ثم غادرنا الدير بعد أن شكرنا بحرارة الشخص الذي استقبلنا بكل ترحاب وخلق، وحين غادرنا همست لصديقتي: ألا ترين كم كان أجدانا عظماء ورائعين؟ فحجم الإصرار لديهم هائل، فالقديس عطا الله أتى إلى هذه العزلة بإيمان وبقعة أرض لم تكن مأهولة، ولا تعيش فيها إلا الوحوش الكاسرة، ولا يحمل بقلبه إلا الإصرار والإيمان، ولا يمتلك من الدنيا شروى نقير، ولكنه أسس الدير وتبعه أجدادنا وعاشوا وتحملوا واضطهدوا وقتلوا من الغزاة، ولكنهم لم يفقدوا الإيمان والصمود، إنهم الرائعون أجدادنا أبناء هذه الأرض وأبناء فلسطين، والآن هذا الدير وكافة الأديرة التابعة لطائفة الروم الأرثوذكس، العرب الأقحاح وأبناء فلسطين وأحفاد كنعان مستولى عليها من اليونان، فأملاكها وريعها والتبرعات التي تصلها تذهب لليونان، وتخضع لسيطرة كاملة منهم، وما زالت في الذاكرة عملية بيع لأراض للاحتلال الإسرائيلي من قبل بعض القائمين على أملاك الكنيسة الأرثوذكسية، وقد أتيح لي أن أشارك في بعض فعاليات من أجل تحرر الروم الأرثوذكس وأديرتهم وكنائسهم من هذا الاحتلال، فهذه قضية وطنية يجب أن لا نتوقف أبدا عن التضامن والتعاون من أجلها، فالأرض لنا والتاريخ لنا، وهذا الوطن بمساجده وكنائسة وأديرته التاريخية لنا بغض النظر عن الديانة، ويجب أن نكون ونبقى يداً واحدة من أجل تحرر الوطن من كل الاحتلالات.

 

بيت ساحور ترحب بالجمال بزوارها، وعدسة زياد جيوسي

  

   اتجهنا إلى بيت لحم عبر بلدة بيت ساحور والمعروفة بحقل الرعاة، وهي مدينة قديمة تعود آثارها إلى العصر الحديدي والبرونزي، وقطنها الكنعانيون أجدادنا الأوائل، وعرفت بحقل الرعاة بسبب إقامة الرعاة فيها لرعاية مواشيهم في سهولها، وهم الذين بشروا بولادة سيدنا المسيح عليه السلام من قبل الملائكة كما تورد الديانة المسيحية، بينما اسمها يعود إلى اللغة الآرامية وتعني (بيت ساهور) أي بيت الساهر كون الرعاة كانوا يسهرون بها لرعاية مواشيهم، والبعض يقول إن الاسم مشتق من كلمة (المسحور) نسبة للرعاة الذين سحروا ببشارة الملائكة، وإن كنت أميل للغة الآرامية فهي أم اللغات السامية، فمعظم البلدات التاريخية مشتقة أسماؤها من هذه اللغة، وكان من المفترض أن أزور بيت ساحور قبل أكثر من عام بدعوة من صديقي الشاعر طلعت شعيبات خفيف الظل ثقيل الوزن، ولكن في اليوم المقرر اضطر طلعت للسفر للالتحاق بعمله في الخارج، فأخذ مني وعداً أن لا أزور بيت ساحور وأجولها بقصد الكتابة بدون ضيافته، ولكن لا أعرف كم سألتزم بهذا الوعد بعد أن طال بقاء صديقي طلعت في ظل الغياب، وإن كان هو اعتبر دعوتي لبيت لحم من خلال مؤسسة الباب الثقافية خيانة للوعد، فذكرته أن الوعد ارتبط ببيت ساحور فقط.

 

بيت لحم مدينة كنعانية أصيلة، وعدسة زياد جيوسي

  

   وصلنا بيت لحم هذه المدينة الكنعانية الأصيلة، والتي بناها أجدادنا الكنعانيون قبل أكثر من ثلاثة الآف سنة، ويعود اسمها إلى (بيت لخمو) وهو إله الخصب عند الكنعانيين، وفي اللغة الآرامية وردت تحت اسم (عفراتة) بمعنى الأرض الخصبة، وجذور المدينة تعود للعصر الحجري، وقد وردت في رسائل تل العمارنة المصرية في العصر البرونزي المتأخر، ولكنها أخذت أهميتها كونها مهد سيدنا المسيح عليه السلام، فأصبحت قبلة للزوار من كل أنحاء العالم، وأنموذجاً للتعايش العربي الإسلامي والمسيحي، فالدم واحد والتاريخ واحد والأرض واحدة، فجميعنا أحفاد كنعان وأبناء فلسطين هذه الأرض المقدسة، وبيت لحم تشتهر بخصوبة أراضيها وسهولها المحيطة بالمدينة على امتداد أراضي المحافظة، وقد شكلت السياحة فيها مصدر دخل أساسٍ، وتميزت بالمنتجات التقليدية من خشب الزيتون والمطرزات الفلسطينية التي تعود جذورها للكنعانيين.

 

مهد سيدنا المسيح عليه السلام، وعدسة زياد جيوسي

 

   ما أن وصلنا المدينة حتى اتجهنا فوراً إلى كنيسة المهد، فلا معنى لزيارة مدينة السلام بدون زيارة مهد رسول السلام سيدنا المسيح عليه السلام الفلسطيني الجليلي، وما أن دخلت البوابة حتى همست بنفسي بالسلام وقرأت الآية الكريمة (والسلامُ عَلَىَّ يَوم وُلدتُ وَيَومَ أَموتُ وَيَومَ أُبعثُ حيّاً)، وبدأت التجوال تحكمني رهبة المكان وذاكرة الزمان، وشعرت بكل حجر من حجارة المهد يهمس لي بالحكايات ويروي لي حكاية شعب وأرض، فهذا المكان الطاهر مكان مقدس شهد ولادة سيدنا المسيح عليه السلام، وفوق مغارة المهد بنيت كنيسة من أقدم الكنائس في العالم، فقد بنيت على يد الإمبراطورة البيزنطية (القديسة هيلانة) تحقيقاً لرغبة ولدها الإمبراطور قسطنطين الكبير في أوائل القرن الرابع الميلادي ما بين الأعوام 326-339م، بعد اعتناقهم المسيحية وزيارة القديسة هيلانة للمهد كمكان له قدسيته.

   أصحو من نومي مبكراً كالعادة على الرغم من أنه يوم جمعة، أجول دروب رام الله القريبة وأعانق الشمس وهي تنـزع عن أكتافها سدل الليل، أتنشق عبق ياسمينات رام الله ومن ثم أعود إلى صومعتي، وذهني يدور في أحداث الأمس وزيارتي لبيت لحم وكنيسة المهد وكل ما رأيته وعايشته، من معرض الفنانة سمر غطاس التي أسرتني بفنها وإبداعها، وصولاً إلى الأمسية الأدبية الرائعة بمشاركة أناس أروع، فأقف إلى نافذتي أروي حوض النعناع وأحواض الزهور، أحتسي وطيفي المشاكس قهوتي الصباحية، وأستمع لشدو فيروز: (يا مغارة كلها بيوت تلمع مثل الياقوت، كيف جبتي عالدار ثلج شرايط وأقمار، مين اللي جاي بعيد عم بيرش مواعيد، يدق بواب الناس و يمشي والخير علينا يزيد).

   فأهمس: ما أجملك يا بيت لحم، وما أروع تاريخنا، وحتى التقيكم في الحلقة الثانية من همسات بيت لحم وقصة كنيسة المهد، "أناديكم وأشد علي أياديكم" وأهمس لكم: صباحكم كما الوطن أجمل.

(رام الله، صبيحة الجمعة 27/5/2011)




زياد جيوسي


التعليقات




5000