.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


حوار القرآن والشّعر في (نون) أديب كمال الدين - القسم الرابع

أديب كمال الدين

د. حياة الخياري - تونس

القسم الرابع

 

هذه النّظرة المعياريّة المستحكمة في نون أديب كمال الدين بين مدّ الألوهة وجزر الأنوثة، تتجاوز علاقة الجسد بالمياه التي سبح فيها الأنبياء بحرا ورحما، لتضعنا في صميم الأزمنة والأمكنة التي تحرّك فيها الحرف شعريّا وخاضها الشّاعر فعليّا أثناء رحلة الإبحار من الماضي إلى الحاضر، ومن الوطن إلى المنفى، وقد لخّصتها قصيدة "سرقـة":

" هكذا كُتِبَ علَيّ

أن أَرَى رأسي يُحْمـَلُ فوق الرّماح

مثل رأس الحُسين،

وأن أرى جسدي يتقرّح ويموت

مثل جسد أيّوب،

وأن أَحمِل على ظهري

صخرة بروميثوس

لأبادل جنون الوطن بجنون المجهول

ورماد الفرات برماد الأنهار الكسيحة

وبهجة دجلة ببهجة الغيمة

ذات الملابس الداخلية المتهرّئة. (49)

إنّ مجرّد استحضار رأس الحسين، وجسد أيّوب يكشف عن الازدواجيّة التي يعيشها الحرف بين ألف الشّاعر وهمزته المنفصمة توحي برغبة مبطّنة في تعذيب الجسد كضريبة تدفعها الذات التي أساءت اختيار الفضاء الأنثويّ للتّجلّي المعرفيّ.

وهو ما وعاه الشّاعر بمقابلة ضمنيّة بين أمومة المرأة وأمومة الوطن، ولكن عبر تفعيل الجسد المُتّخَذ معراجا من وجهة نظر صوفيّة، من ثمّ فإنّ توقّف الشّاعر عند الجسد، يبدو أشبه بوقفة متأمّل. وما دامت المعرفة قيمة مقدّسة فإنّ الصّوفيّ يحتاج إلى بيان الحدود الفاصلة بين العرض والجوهر في التعاطي مع ثنائيّة الرّوح والجسد. يقول جلال الدين الرّومي: "إنّ العارفين بالأجساد سرعان ما ينكروننا، لكنّ شاربي الماء من العين يَتركون القِرَبَ والدِّنانَ." (50)

تذكّرنا المقابلة بين العين من جانب والقِرب والدّنان من جانب آخر بالمأثور الإسلاميّ: "إذا حضر الماء بطل التيمّم". وبين فيوضات الرّوح وإشراقات الجسد، يظلّ مداد الشّاعر أديب كمال الدين نافرا من وعاء نون امرأة يوسف، غائصا في الرّحم الأوسع والأنقى في اقترانه بأمومة دجلة وأبوّة الفرات. على هذا الاعتبار، تكثّف في قصيدة "سرقة" معجم "المبادلات" ما بين متعلّقات الوطن حرفا دافقا بمياه الفرات ونقطة معتّقة بهويّة دجلة، ومتعلّقات المنفى المجهول حرفا كسيحا وغيمة لا تمطر. وأهمّ ما يلفت انتباهنا السّطران الأخيران من القصيدة، حيث تبدو بهجة دجلة معادلا ترميزيّا لأمومة الرّحم القدسيّ (مريم) في حين تتراءى "بهجة الغيمة ذات الملابس الدّاخليّة المتهرّئة" معادلا ترميزيّا لغربة البديل المبتذَل، لا لكنايته عن الجسد المستهلَك لامرأة فرعون فحسب، بل لأنّ تهرّؤ الملابس الدّاخليّة يردّنا أيضا إلى قمصان يوسف التي "قُدَّتْ مِنْ دُبُرٍ"، وبِسببها سُجن متّهما بمياه لم يذقها وبغيمة لم تمطر. تلك الصّورة الشعريّة الجامعة بين الشّغف والحسرة والنّدم، تُلقي بظلالها الكئيبة على قصائد مختلفة لأديب كمال الدين ومنها المقطع التّالي من قصيدة "محاولة في الحظّ":

"والفرقُ بين الغيمة والطّفولة لا شيْء

لأنّ بياضَهما سرقته امرأة العزيز

وباعَهُ أخْوة ُ يوسف بدراهم مَعْدُودة."  (51 )   

لعلّ الامتناع الذي كسا جسد امرأة العزيز هو ما سحب عليه غلالة من الغموض جعلته يتعدّى الدّلالة المستَهلَكة في النصّ القرآنيّ برمزه إلى الغواية، وينزل إلى فضائه البشريّ الطبيعيّ حيث يرمّزه الشاعرُ غيمةً مرتَقَبة تعلو صحراء متعطّشة لزخّّات باء البدء والباءة.

غير أنّ باء خصب الأنوثة تستحيل عند أديب كمال الدين باء بلبلة، كلّما فارقت جنّة الشّعر وغاصت في الجحيم المعيش مثلما ألمحت إليه قصيدة "أخبار المعنى" :

"مرّتْ سبع مثمرة بالموحش من أخبار الطيرِ وأخبار الوحـشِ،

الناس. ومرّتْ سبع مثمرة بالطيّب من أخبارالعسلِ الأسـودِ

والزنبق والماء. ومرّتْ سبْعٌ لاهيةٌ لا تَعرف بيتا أو عنواناً

أومعنى، وأنا أتجلَّى في لغةِ الجسدِ الغامض أمحو أمطاراً لم تسقطْ

وغيوماً لم تفْزعْ وبحيرات من أسْباخ طفولتي المُرّة، أشكو وجعي

للسّنوات وما من سنوات تقدر أن تفهم هذا الوجَع الأزْرق.    (52 ) 

يحدّث السّياق الشّعري عن يوسف بمختلف الخيوط التي نسجت قمصانه في الحبكة القصصيّة القرآنيّة. فليس يوسف أخا مغدورا، وجسدا معشوقا فحسب، إنّه أيضا العارف الذي خلّصته رؤياه من السّجن. وهنا يطرح الجسد مساحة للاستثمار المعرفيّ بالاستبصار في الممكن الآتي، إذ ينفتح المقطع الشعريّ على محاورة الآيات الخاصّة برؤيا يوسف التي يوضّحها السّياق القرآنيّ التّالي: ﴿يوسفُ أفْتِنا في سبعِ بقراتٍ سِمانٍ يأكلهنَّ سَبعٌ عِجاف وسَبْعِ سنبلاتٍ خُضْر وأُخَر يابساتٍ.﴾ (سورة يوسف، الآية 46)

لقد تزامن الانزياح بالآية عن سياقها القرآنيّ مع انزياح عن الإحالة الزّمنيّة من مستقبل السنوات المرتَقَبَة (وهي المساحة الزمنيّة لرؤيا يوسف)، إلى ماضي السنوات التي مرّت (وهي المساحة الزمنيّة لرؤيا الشاعر).

ورغم أنّ البعد الرّؤيوي الذي لابس حرف النّبوّة ظلّ مرتهَنا في الحالتين بنقطة الغواية، فإنّ الشّاعر قد عمد إلى التغيير من وِجهة الإعجاز النبويّ. فبعد أن كانت الرّؤيا مجلَّى لصدق الجسد في السّورة القرآنيّة، استحال الجسد مجلّى لصدق الرّؤيا في الصّورة الشّعريّة.

وبالعودة إلى سياق القصيدة يتّضح أنّ مجالي "الجسد الغامض" ومِنصّاته لم تكشف للشّاعر سوى عن المزيد من العذابات والالتباسات، حتّى أنّ الذّات تبدو مكرهة على الانحسار داخل وعائها البشريّ إكراها لا يهوّن من وطأته سوى المكافأة التي سيمنّ بها الله كلّما أحكمت الرّوح كبح جماح الجسد.

إنّ استراتيجيا الاقتباس القرآنيّ تعكس نظرة انتقائيّة تجعل من نون الأنوثة فضاء رحبا لاختبار آليّات جديدة من الترميز الشّعري مثلما كانت نون الأنثى فضاء رحبا لمعاريج الرّؤيا في نبوّة يوسف.

وسواء اتّصل الأمر بسياقه القرآنيّ أم بسياقه الشّعريّ، فإنّ جسد المرأة في غالب الأحيان لا يحضر لذاته بل لما يُرتجى من ورائه من مغانم معرفيّة. لذلك لم تقم ثنائيّة اللذّة والمعرفة التي عكستها ذاتيّة النبيّ الإنسان في جلّ قصائد أديب كمال الدين على تناغم وانسجام بقدرما قامت على اغتراب واستلاب.

هذا المنطلق المعرفيّ يتقاطع إلى حدّ بعيد مع النّظرة المعياريّة التي يصدر عنها جلال الدين الرّومي في موقفه من الجسد، وقد استنطقها على لسان "العقل المستعار" قائلا: "وقد بقيتُ زمنا ما بأمره في هذا المكان الملوّث العفن أي الجسد، ووجودي فيه من أجل المصلحة وليس جهلا، ومِن ثمّ كان عليَّ أن أبقى مغتربا في هذا المكان، ولولا هذا الأمر لما كنتُ كابن الملك الذي فرض عليه الرّعي وحراسة الكلاب."   (53 )  

لا شكّ أنّ أديب كمال الدين لا يستعير من التّجربة الصّوفيّة متنها بقدرما يستلهم آليّاتها الرّؤيويّة المنفتحة على استشراف الممكن الكتابيّ قبل الممكن المعيشيّ. وفي هذا السّياق تتنزّل كيفيّات استثمار الجسد بما هو فضاء تجريب شعريّ أكثر ممّا هو انعكاس لتجارب حياتيّة، لذلك نراه معنيّا بالممكن لا بالمتحقّق، إذ التجلّي لا يكون إلاّ في جسد غامض "لم تسقط أمطاره ولم تفزع غيمته بَعْدُ"، تماما كجسد امرأة العزيز، وجسد القصيدة التي لم تُكتَب بعْدُ.

ليس التّرميز بنون الأنبياء، إذن، مجرّد تداعيات وجدانيّة "عشوائيّة"، إنّه خاضع لرؤية فنّية متكاملة ترمي إلى إبقاء النّقطة بعيدا بقصد تشويش الرّؤية على الحرف.

ولئن انطلقت القصيدة من النصّ القرآنيّ في رسم ملامح شخصياتها وأزمنتها وأمكنتها فإنّها قد شكّلت فضاءها المسرحيّ الخاصّ بها، وأضاءت على زوايا ظلّت معتمة بعد أن سحبت عنها الكساء الإلهيّ.

ممّا جعل مشهد إبحار الحرف بحثا عن موضوعه، ينتهي في مطلق الأحوال بخيبة المسعى. حينئذ يُلفظ الشّاعر من مياه النّون مرّتين، فيخرج من المبادلة بخسارتين: خسارة الأنثى اللذّة، وخسارة الأنثى الهويّة. وهو استبعاد يتقصّده الشاعر حتّى يبقي على هامش لبدء رحلة إبحار جديدة تتبّع الشّاعر مختلف تموّجاتها الفنّية والدّلاليّة في قصيدة "إبحار":

(1)

"كلّما اتجهَ الحرفُ نحو نفسه

حاملاً صرّة ملابسه،

واضعاً الشمسَ حلماً يتألقُ في عينيه،

راكباً حافلةَ المسرّة

باتجاهِ فراتِ المسرّة،

وَجَدَ بانتظاره نقطةً غامضة

مليئةً بالشوقِ والندمِ والألم.

(2)

كلّما أبحرَ باتجاه الصحارَى

عابراً خيامَ البدو ونارهم وكلابهم

أو أبحرَ باتجاه السحرة

عابراً طقوسهم وطلاسمهم وبخورهم

أو أبحرَ باتجاه السماء

عابراً طقوسَ المتصوِّفة

ودموعهم وصيحاتهم وشطحاتهم

أو أبحرَ باتجاه المحيط

عابراً شمسَ اللهِ وسفنه وكواكبه

أو أبحرَ باتجاه اللّغة

عابراً كتبَ العشقِ والموتِ والشّعوذة

أو أبحرَ باتّجاه الخرافة

عابراً قصصَ العجائز التي تنامُ وقت الغروب

كلّما أبحرَ باتّجاه الأساطير

عابراً كلكامش وأنكيدو والأفعى التي سرقت السرّ

عابراً الثيران المجنّحة وأهرام الفراعنة

أو أبحرَ باتجاه النّار

عابراً طيورَ الرّغبةِ وبيضَ اللذة

أو أبحرَ باتجاه اللّعنة

عابراً بيوتَ النساءِ بأشكالها

المليئة بالعرْي والمرايا والظلام

أو أبحرَ باتجاه الشيطان

عابراً وشْمَه وشينه وشطآنه

أو أبحرَ باتجاه الماضي

عابراً صيحاته وسكاكينه التي أكلها الصدأ

أو أبحرَ باتجاه العبث

عابراً تاريخه الذي لا ينتهي عند حدّ

كلّما أبحرَ الحرفُ باتجاه الذي أو التي أو الذين

وَجَدَ بانتظاره نقطةً غامضة

مليئةً بالشّوقِ والنّدمِ والألم

وَجَدَ، واأسفاه، نقطةَ دم!  (54) 

من الواضح أنّ القصيدة تختزل مختلف الأمواج التي خاض الحرف غمارها أثناء إبحاره باتّجاه نقطة النبوّة بدءا من رحلة نوح، مرورا برحلة يونس، وانتهاء برحلة عيسى ثمّ يوسف. غير أنّ الشّاعر الذي استعار حال الشّغف اليوسفيّ ونقلها من الإمكان إلى التحقّق، لم يخلع عنه "قمصان يوسف" كليّا، بل ظلّ ملتحفا بعباءة النّبيّ الإنسان المحبوكة من مشاعر متضاربة ومعارف متباينة وتجارب مزحومة بالشّغف والألم، لم تكن لتجد لها أرحب من البحر حاضنا.

من ثمّ يصبح البعد التراجيديّ لرحلة الإبحار غاية يتقصّدها الشّاعر، إذ يقابله إبحار للقصيدة المحمّلة بخبراتها المتراكمة من أجل اختبار وسائلها الفنيّة على محكّ جميع صنوف التعبير الرّمزيّ دونما استثناء، عابرة الرّمز الطّلسمي، والصّوفيّ، والرّومانسيّ ، والميثيّ، ثمّ انتهاء بالعقائديّ حيث سفن الأنبياء ونساؤهم وقمصانهم.

ولو محّصنا النّظر في مجمل العناوين لوجدناها تحمل بين طيّاتها شروط تجاوزها، لأنّها عناوين غير منقوطة محكومة بعدم الوصول إلى الوجهة الأبعد التي ضبطها الشّاعر منذ بداية القصيدة: "كلّما اتجهَ الحرفُ نحو نفسه."

أثناء إبحارها في نون النّفس لا تنسى نقطة الشّاعر أنّها تخوض رحلة بحث لا تنتهي، التماسا لوسائلها الكتابيّة المستجدّة. لذلك تضمّنت قصيدة "إبحار" مختلف الخيوط التي حاول بها حرف أديب كمال الدين إعادة توضيب "صرّة ملابسه" أوحياكة لبوس جديد أملا في رتْق فتْق قمصان القصيدة بخيوط مبتَدَعة.

إنّ كلّ ما خرجت به الصّور الشعريّة من السّور القرآنيّة نقطة دم مصحوبة بآهة حسرة وزفرة أسف. ومن ثمّ تحوّلت نقطة المعجزة التي خلّصت النبيّ إلى نقطة دمعة تحسّس الشّاعر انحباسها في عينيّ يوسف القرآن فتلقّفتها عينا يوسف الشّعر وصرّفتها مكاشفات ومشاهدات تبدأ من نون النّفس وإليها ترتدّ. وهو المبرّر الذي جعل "خطاب النّون" أبلغ من "خطاب الألف" ودمعتها أسمى وأشفّ، لأنّها قادرة على تكثيف معابر الجسد ومعاريج النّفس بحسب ما همست به قصيدة "خطاب النون":

"أنا دمعتُكَ التي ستوصلكَ إلى إسراء الحروف

ومعراج النّقاط ."   (55 )  

نقطة الدّمع هي نقطة النّفس من دون عنوان، ومسرى حرف جهول بمعراجه. بيد أنّ سين التسويف تومئ إلى الممكن المُدّخَر في بريق العين الدّامعة. فتتراءى نقطة النّون وميضا أومأ به الموحِي وعزّ على الموحَى إليه، فهمس به "خطاب الألف" قصيدةً ألقاها الشاعر في حَضرة خُضْرة كاف "كُن":

" بَعْد قليل سأَجْلِسُ قُبالة الكاف

وأشكرها على شمس لقائكِ

التي ومضتْ اليوم لي.

فابتهجتُ كنبيّ أوحِيَ إليه

ولم يُوحَ إليه بشيء !"   (56) 

إنّ وحي الشّاعر أشبه بومضة حلم غائم أوهو تأصيل للأصول التي نعته بها القرآن في موازنته بين حرف الشّاعر وحرف النبيّ بمعيار نقطة الوحي في مثل قوله: ﴿بَلْ قالوا أضغاث أحْلامٍ بلْ هو شاعِرٌ، فلْيأْتِنا بآيَةٍ كما أُرْسِلَ الأوَّلونَ.﴾ (سورة الأنبياء ، الآية 5)

حال الشّاعر من دون "آية" كحال الحرف من دون نقطة، ما يمدّه الحرف تجزر به النّقطة، إنّه طَوَفان في أرخبيل الضّياع يدمنه الشّاعر وإلاّ نزحت أمواج الكتابة.

فبانتهاء لحظة التجلّي يطفو الألف بجسده النّحيل ليدرك أنّه قد أضاع ليس فقط نقطة حكمة الأنبياء بل وأيضا نون سفينتهم، وقد تبيّن ملامحها في قصيدة "خطاب الألف" :

"أنتِ بالسّفينة الضائعة أشبه !

وأنا أتلمّسُ رحلتكِ بين الصّخور

فأرى الدّم يَسيل بين أصابعي."   (57)

لم يقنع الشّاعر بمجرّد معايشة الضياع الجديد بل تجاوزه إلى محاولة فهم دواعيه وأبرزها التباس عنوان الرّحلة أوالازدواج بين اتّجاه سفينة الأنبياء واتّجاه سفينة الشّعراء، ممّا يوحي بأنّ تشبّه الشاعر بالنبيّ لم يقده سوى إلى المزيد من الاختلاط والالتباس، ذلك أنّ بوصلة النبيّ معدّله على اتّجاه سماويّ، أمّا بوصلة الشاعر فمشدودة إلى الصّخور والأرض. لكنّ المعرفة "الأرْضيّة" أيضا دونها مكابدة ومجاهدة تدمى لها الأيادي البشريّة.

إنّ حال العجز والدّهشة التي أفصح عنها "خطاب الألف" تردّنا مرّة أخرى إلى سورة يوسف والحال التي عايشها النسوة في قوله تعالى: ﴿فلمّا رأيْنَه أكْبرْنَهُ وقَطّعْنَ أيْدِيهُنّ.﴾( سورة يوسف، الآية 31)

إنّه استلهام رمزيّ معمّق لما يترتّب على حال الإشراف على ما لا يجب أن يُرَى، إذ تحيل الأصابع الدّامية على النّزيف المركّز الذي تعيشه الذّات المختلجة في مهبّ أعاصير لحظة المكاشفة الشّعريّة، وهو بلا شكّ حضور مهيب يتوسّل به العاشق إكبارا لجلال المعشوقة: قصيدة وأبجديّة.

الحرف الشعرّي المتنبّئ لغة نازفة دامية لا كتابةً فحسب بل وقراءةً أيضا، وهو ما أدركه "زرادشت" في تجربته مع "القراءة والكتابة" قائلا:"مِن بيْن كلّ ما كُتِب، لا أَقرأ إلاّ ما كُتِبَ بالدّم. اكتُبْ بدمكَ، وسترى أنّ الدّمَ عقْلٌ."  (58)

المصادر والمراجع

49 - حاء ، ص 59

50- جلال الدّين الرّومي، المثنوي، ج3، ص 306

51 - النقطة، ص 110

52 - أخبار المعنى ، ص 8

53 - المثنوي، (في صفة العقل المستعار) ج5 ، ص 46

54 - شجرة الحروف ، ص 47-48-49

55 - نون، ص 53

56 - نون ، ص 58

57 - نون ، ص 57

Frédérique Nietzsche , Ainsi parlait Zarathoustra, (Lire et écrire) , p 5 -  58

Todorov, Recherche sur le symbolisme linguistique ; Poétique, N18, Paris  -  59  1974 (L' épargne et le non- sens; p 233- 235)

*******************************************

لقراءة الدراسة كاملة يرجى استخدام الرابط :

http://www.adeebk.com/plaz/223.htm

يتبع -

د. حياة الخياري - تونس

 



أديب كمال الدين


التعليقات

الاسم: فراس حمودي الحربي
التاريخ: 26/09/2011 23:21:25
أديب كمال الدين

---------------- ///// سيدي الكريم لله درك ولك وقلمك الرقي والابداع دمت سالما

شكرا دمتم سالمين ياابناء النور

تحياتي فراس حمودي الحربي سفير النوايا الحسنة




5000