..... 
....
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


جائزة النور الثانية للابداع/ المسرح / الفائز الثاني عن مسرحية ( في الثلاجة )

ايفان الدراجي

  جائزة النور الثانية للابداع  

دورة المفكر عبد الاله الصائغ

 2009

جائزة النص المسرحي

 

 

" فـــي الثــــــلاجة "

مسرحية من فصل واحد


شكر وتقدير:

السيد نوّار ( اللامنتمي ).

الأستاذ إبراهيم جاد الله ( روائي وناقد مسرحي مصري ), للمراجعة اللغوية.

مقدمة للمؤلفة

"من الممكن الاستمتاع بإحساس الحرية عندما نكون قادرين على ترك سترة المنطق (Straitjacket of logic)"

سيجموند فرويد/Sigmund Freud

معنى العبث:

تم اشتقاق المصطلح ( عبث ) من مقالة للفيلسوف الفرنسي "ألبير كامو/Albert Camus” بعنوان “Myth of Sisyphus” التي كتبت عام 1942، حيث قدم فيها الموقف الإنساني بشكل أساسي على أنه موقفاً عبثياً لا معنى له.

ترجمة كلمة ( عبث- Absurd) هو النشاز أو اللامعنى .

أما معنى العبث في المسرح أو المسرح العبثي (Theater of Absurd) هو مصطلح تم صياغته على يد الناقد "مارتن إسلين/Martin Esslin" من خلال المؤلفات من مسرحياته التي كتبت معظمها مابين الخمسينات والستينات من القرن العشرين, والذي أكد مع غيره من الكتاب الذين توالوا بتناول مصطلح ( العبث ) في أعمالهم بما ينطوي عليه من معنى عدم الجدوى واللامعقول،على فكرة أن الإنسان يقطن في هذا الكون بدون أن تكون المفاتيح بحوزته، وأن وجوده هذا بلا هدف، وفى نفس الوقت هو وجود مهدد.

سمات مسرح العبث:

ونجد أن المسرح العبثي من أجل أن يحقق الرسالة التي يرمى إليها، كان يسلك طريقة توجيه الصدمة للشخص بحيث يخرج عن نطاق حياته اليومية التقليدية المريحة، وضمنياً يجعله إنسان مبتذل في كافة تصرفاته. لذا فإن مسرح العبث هو شكل من أشكال الأعمال الفنية المبتكرة وغير المعتاد عليها، يجعل المتفرج يحملق معه من الدهشة والاستغراب، فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وما تلاها من مفاهيم سلبية مثل عدم وجود معنى لحياة الإنسان كان لابد من الخروج عن النماذج التقليدية للفنون التي فقدت قوتها الإقناعية .. وبمعنى آخر يمكن القول بأن المسرح العبثي ما هو إلا تمرد على المسرح التقليدي.. أجل فهو "مسرح ضد المسرح"، مسرح تغلب عليه السمات التالية:

- عدم المنطقية (غير عقلاني).

- مسرح بلا صراع.

- مسرح بلا حبكة بعيدة عن المنطق ليس لها معنى، والأفكار غير متسلسلة وغير منطقية..

- الحوار ليس محكماً.

- غياب عناصر المسرح التقليدية فلا مكان ولا زمان في المسرح العبثي.

ركزّت مسرحيتي على حيرة الإنسان وارتباكه التي استقاها من حقيقة أن الإنسان ليس لديه إجابات عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالوجود، ألا وهى:

- لماذا نعيش؟

- لماذا سنموت؟

- لماذا يوجد ظلم ومعاناة؟


<!--[if !supportLists]-->-        <!--[endif]-->المشهد الأول -

المسرح فارغ ومعتم إلا من ضوء خفيف يتوسطه لتبيان ملامح الممثلين والديكور المكون من ثلاثة أسرة من الألمنيوم أو ( الستانليس ستيل ) الفضي مرتبة بشكل مستطيل مفتوح للأمام – على جهة الجمهور – ليمثل باب المشرحة بهذه الجهة الفارغة.

<!--[if !supportLists]-->-    <!--[endif]-->ينام على احد الأسرة رجل مُسِّن يطلق عليه ( العجوز ), مغطى بشرشف ابيض , رمادي الشعر, ضخم الجثة, أسمر البشرة, بلحية وشوارب خفيفة, يرتدي دشداشة (جلباب) رمادية اللون , ممزقة من جهة الصدر بسبب جروح ما أو اطلاقات نارية مع آثار للتراب والدم في مناطق مختلفة من الجسم واللباس.

<!--[if !supportLists]-->-    <!--[endif]-->رجل آخر يرتدي بذلة- بأي لون غامق – وقميص ابيض أو حليبي بلا ربطة عنق سيطلق عليه ( المثقف ) , ينام على السرير المقابل للعجوز, مغطى بشرشف ابيض أيضا, نحيل الجسد, اسمر البشرة, حليق الوجه, مثقوب الرأس من الخلف بطلق نارى هشمت له جمجمته تاركة حواف الجرح متخثرة وغليظة بالنسبة لباقي قشرة الرأس بشكل مخيف ومقرف.

<!--[if !supportLists]-->-    <!--[endif]-->رأس مقطوع لرجل كئيب, مشعث الشعر- من كثرة حمله من شعره – موضوع على طرف السرير الذي يتوسط الآخران (مقابل الجمهور ) بلا تحديد ملامح, مغطى بشرشف ابيض أيضا سيطلق عليه ( الرأس ) .

<!--[if !supportLists]-->-    <!--[endif]-->فتى صغير ربما يكون بالثانية عشرة من العمر, اسمر البشرة, يرتدي سروالا فقط, آثار كثيرة للجراح في مختلف أنحاء جسمه ووجهه بسبب شظايا انفجار مع هوة واضحة في صدره, يجلس القرفصاء على الطرف الآخر من الرأس متكئا على السرير المتوسط المقابل للجمهور ورأسه بين ركبتيه ويديه حولهما.

<!--[if !supportLists]-->-    <!--[endif]-->فتاه مراهقة, طالبة ثانوية ترتدي الزّي المدرسي, تمزق في تنورتها يوحي بحادث اغتصاب بشع, آثار وخطوط على فخذيها( عضّات,آثار ضرب, خربشة أظافر).

<!--[if !supportLists]-->-         <!--[endif]-->تدخل المسرح في المشهد الثاني.

الخمسة لهم وجوه بيض مزرقة تدل على الموت لعدة أيام إضافة لأثر الثلج على أطراف الشعر أو اللحايا والشوارب بسبب انخفاض درجة حرارة الثلاجة- التابعة لأحدى المستشفيات – الخاصة بحفظ الجثث, مع زرقة الشفاه وتيبسها, وهالات داكنة حول العيون.

  

صوت بثبات وبأسلوبٍ راوٍ:

<!--[if !supportLists]-->-         <!--[endif]-->يا خلوة التابوت (1)

تمهلي.. فكلنا نموت

 يا كلما كثر السلاح على الحدود

وقفت ببابي القنبلة

كالأسئلة..

يا كلما حضر التراب

قدام باب

فتحت يدٌ 

فتدافعت للقبر كل العائلة.

( تنهض الجثث من أسرتها نافضة الشراشف البيضاء ( العجوز والمثقف ) يتلفتان حولهما بدهشة وتفحص ثم ينهض المثقف ليرفع الغطاء عن ( الرأس ) الذي ينظر حوله واليهما بنفس الدهشة, والفتى ما زال بنفس الوضعية ).

 

(1) أبيات للشاعر: مصطفى عبد الله

العجوز: أين نحن؟

المثقف: في ثلاجة إحدى المستشفيات.

العجوز(نافضا أكمامه): أخيرا (وقفه)

 ارتحت من حرارة الشمس التي جففت جسدي.

المثقف(ناظرا إليه باستغراب ودهشه): وهل تشعر بحرارة الشمس أو برودة الثلاجة أصلا؟

العجوز ( ناظرا إليه موافقا): لا.

( يومئ المثقف موافقا ، ينظران للرأس).

المثقف: أين جسدك؟ هل جئت هكذا ...

اقصد ..

فكما يبدو فنحن أموات الآن.

الرأس(مذهولا): لا ادري.

العجوز: من أنت؟.

الرأس: لا ادري.

المثقف(للعجوز): و من أنت؟

( يلتفت الجميع احدهم للآخر متذكرين إنهم لا يذكرون شيئا أبدا فهم مصابون بفقدان ذاكرة ما بعد الموت ).

الرأس: كنت في كومة نفايات, هذا كل ما اذكر ..

ثم أنا..

ثم هنا..

لا ادري أين بقيتي( متسائلا بفزع).

العجوز: ( مقهقها) ربما سبقتك بالسفر إلى الله.

( يكلم نفسه مطأطئاً رأسه )

: هذه أول مرة اضحك فيها دون أن اسعل.

( يرفع رأسه ويسأل المثقف )

: من أنت؟

المثقف( ينظر للعجوز متفحصا): لا ادري .. لا اذكر شيئا.

العجوز: حتى أنا لا اذكر شيئا.

(  يسمع الجميع صوت شهقة صادرة من الفتى تنبههم لوجوده كأنهم لم يعلموا به من قبل)

العجوز: لكن..إذن.. لماذا تبكي؟

الفتى: لا ادري..لا ادري.. لكني أريد أمي.

العجوز(متسائلا): أمك؟.. هل تعرف.. تذكر أمك؟

المثقف(متسائلا بحماس): هل أنت هنا قبلنا؟ كيف جئت إلى هنا؟

ما..

الفتى(مقاطعا): لا ادري.. لا ادري..(يصرخ) أريد أمي فقط.

( يعود الفتى ليخفي رأسه بين ركبتيه ويكمل بكاءه بصوت خفيف هازا كتفيه)

العجوز: لا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.

المثقف: نحن من يطلقون علينا  ( مجهولي الهوية )

العجوز( فاغراً فاه ): هه.

الرأس( بعد صمت لثوان): لكننا بأمان الآن أليس كذلك؟

اقصد.. قبل ذلك..و لا اعرف متى أو أين أو كيف.( صمت)

كان الخوف رغيفنا اليومي..

نرتشف الحزن فناجينا.

(صمت)

( يفتش المثقف جيوبه ليعثر على ورقة في أحدها قائلا )

: أها.. هذه قصيدتي التي لم أكملها..

 حمداً لله أني وجدتها.

العجوز: قصيدة؟

الرأس: أنت مثقف إذن.

المثقف ( بتأمل ): نعم.. هذا أنا.. مثقف.. شاعر..

(ينهض ويقول مهموما)

: لكني لا اذكر باقي القصيدة ماذا سأفعل؟

يجب أن أكملها.. إنها مهمة.

( يجلس على سريره متفحصا الورقة ).

العجوز ( متأملا الباب ): كل ما نملك الآن هو الانتظار حتى يسأل عنا أحدهم.

الرأس: ثم ماذا؟

المثقف (ما يزال يتفحص الورقة ويقلبها بجميع الاتجاهات): يجب أن أكملها.

العجوز: ومن ثم نسافر جميعا إلى الله.

( يلتفت الجميع بالعجوز بما فيهم الفتى مذهولين تعلوهم بعدها نظرات الخوف.. يغوصون بصمت مخلوط بحيرة وتفكير, كأنما كل يفكر بمصيره وما ينتظره).

 الرأس( بفزع ): لكن أين جسدي؟

لن اذهب بدون جسدي.

المثقف(فزعا أيضا): يجب أن أكمل القصيدة.

العجوز(بهدوء وهمّ): انتظر قدوم احد أولادي.. لابد إنهم يبحثون عني في كل مكان الآن.

المثقف(سائلا العجوز): هل تذكر أولادك؟

العجوز( بعد تفكير وحيره): لا!

 ( يرجع المثقف رأسه للوراء مشيراً للتعجب )

العجوز(محاولا الدفاع عن كلامه): رجل بعمري لا بد أن يكون له أولاد.. أليس كذلك؟

المثقف( يهمهم ): هممممممم.

الفتى ( رافعا رأسه): وأنا.. هل ستأتي أمي لأخذي؟

( يجلس المثقف, يتفحص الورقة ويقلبها بجميع الاتجاهات )

(صمت لثوان )

( ينهض بعد لحظات باتجاه الباب, الرجل العجوز جالسٌ على سريره ورجلاه متدليتان نحو الأرض ونظره صوب المثقف)

المثقف ( بتأفف ): لا استطيع أن أجد الكلمات.. ضاعت مني..

( يجوب المثقف الغرفة الصغيرة ذهاباً وإيابا ليتوقف أمام احد أعمدة الأسرّة ليصنع منها مرآةً يتأمل وجهه ويتحسسه بكلتا يديه ثم ينتبه للهوّة خلف رأسه يتحسسها بدهشة ورعب ثم يقول)

: رأسي.. انه مثقوب من الخلف!

أصبت برصاصة خلف رأسي!

الرأس: نعم..و أنا رأسي.. أنا رأس فقط.

العجوز (ضاحكاً): نعم.. ربما وقعت قصيدتك من هناك .. من الثقب خلف رأسك.

المثقف: متخلّف, القصيدة ليست هنا (مشيراً لرأسه) القصيدة هنا (مشيراً لقلبه).

العجوز: إذن لماذا لا تتذكرها؟

( يتجاهل المثقف العجوز مكملا دورانه بالغرفة ثم يقف باتجاه الرأس و ظهره للجمهور قائلا:

و ما قصة هذا الباب؟

( الرأس يحرك عينيه محاولا اكتشاف الباب خلفه دون جدوى, فهو لا يمكن ان يحرك نفسه).

العجوز: أي باب؟

( يقف العجوز جوار المثقف محاولا إيجاد الباب بعينيه).

الرأس( بفضول شديد):أي باب؟ أين الباب؟

المثقف: هناك( مشيرا للحائط – الافتراضي- خلف سرير الرأس).

( تُسمع بتلك الأثناء جُلبة خلف الباب الأمامي- باتجاه الجمهور- كأن احدهم يحاول فتحه)

العجوز( قافزا لسريره): أسرعوا.. ارجعوا للموت مرة أخرى.

المثقف( بدهشة وغرابة): ماذا؟

العجوز: تصنعوّا الموت. أووووووه.. افعل ما أقول لك, غطيّ نفسك وإلا أعادوك.

المثقف(مستغربا العبارة): أعادوني؟ إلى أين؟

الرأس: إلى الحياة طبعا أيها المثقف!

 ( بسخرية ) لم نصدق إننا خلصنا!

( يسرع المثقف بتغطية الرأس ويهم الجميع للنوم وتغطية أنفسهم بالشراشف البيضاء)

( يفتح الباب ويدخل نور آتٍ من الخراج- من جانب الجمهور – إلى الغرفة ويدخل رجلان بالزّي الأبيض الخاص بالمستشفيات وعلى أفواههم وأنوفهم كمامات. يهمان بأخذ الفتى ووضعه على نقالة جلبوها معهما فتسقط كمامة احدهما ليبدي انزعاجه من الرائحة ثم يخرجان ومعهم جثة الفتى).

                                       ( ينتهي المشهد الأول )

                                         - المشهد الثاني -

(  يجلس الجميع على أسرتهم بما فيهم الفتى  مستغرقين بالتفكير مطأطئين رؤوسهم إلى الأرض.

جثة جديدة( الفتاة) تتوسط الغرفة على الأرض, رأسها باتجاه سرير المثقف وقدماها نحو سرير العجوز – بمحاذاة سرير الفتى و الرأس لكن تفصله عنه مسافة ما.. مغطاة بشرشف ابيض.

ينهض الفتى ويجلس على الأرض متخذاً وضعيته السابقة بالمشهد الأول)

العجوز: لا تقلق بني.. لابد أن تأتي أمك.

 ( ما زال الفتى دافنا رأسه بين ركبتيه )

العجوز: كما ولا بد أن يأتي أولادي.. لا بد أن يأتي أحدهم ليتعرف علينا.. لدينا أهل

( ينهض كأنه يود إلقاء خطاب) لدينا أحباب, أهل, أصدقاء, أقرباء.. لابد وأن يأتي أحدهم.

الرأس: لدي جسد لأبحث عنه.. أو .. ليس لدي.

المثقف: هل رأيتم كيف تأفف من رائحتنا وانزعج؟

الرأس: رائحتنا؟

العجوز( يجلس): ألا تشمّها؟

الرأس: لا!

 العجوز: و لا أنا.

( بهذه الأثناء ودون أن ينتبه احد, تنهض الجثة الجديدة فجأة مفزوعة نافضة الشرشف الأبيض حتى منتصف الجسد, طالبة مدرسة مراهقة, ترفعه بكلتا يديها وتنظر تحته إلى ما بين ساقيها بخوف ورعشة- إحساس بالذنب-.

المثقف: الميت لا يشعر بأي شيء, لا يتذكر أي شيء, لا يتوجع.. الموت راحة أبدية.. هذا هو الموت.

( ينهض العجوز ممازحاً المثقف ويصفعه على وجهه )

( يغضب المثقف كثيراً ويصرخ بوجهه ناهضا باهتياج)

: ماذا فعلت؟

العجوز: أنت قلت إننا لا نشعر بأي شيء.

المثقف (بغضب): ومع هذا أنا لا أُصفعُ أبداً( ينهض من مكانه هائجا).

العجوز: نعم بدليل الثقب خلف رأسك( يقولها عائدا إلى سريره).

المثقف: لأنه جبان لم يواجهني حين أطلق عليّ الرصاص.

الرأس: لكنه واجهني.

( كانت الفتاة ما تزال تنظر تحت الغطاء كل برهة بخوف كأنها تحاول إخفاء شيء.. ربما فضيحة ما.

العجوز: واضحٌ جداً.

الرأس: والآن إذا جاء من يتعرف عليّ.. كيف سأجد جسدي؟ كيف أذهب بدونه؟

الفتاة( تنظر ناحية الجمهور وتقول بارتعاش): أنا خائفة.

تنهض محاولة لفّ نفسها بالشرشف لكن رغم هذا تتوضح أمام الجمهور تمزّق تنورتها لتتبين آثار جروح وعضّات على فخذيها).

( يتسمر نظر المثقف والعجوز والرأس نحوها).

الفتاة( بارتعاش وصوت أعلى بعدما لفّت نفسها بالشرشف) : أنا خائفة.. خائفة.. خائفة.

( تطرق رأسها).

( يهزّ العجوز رأسه متأففا ثم ينهض و يمدّ يديه للفتاة مشيرا إليها بالجلوس قربه على السرير).

( صمت لثوانٍ), يتخلله صوت دندنة هادئة مصدرها الرأس.. مجرد لحن حزين ما.. يخلو من الكلمات, يستمر لثوانٍ أخرى, يهم المثقف بتفحص الورقة ويقلبها بينما الرأس يدندن.. ينظر المثقف إلى الأعلى متأملا ويقول بأسلوب شعريّ)

:  لم أمت إلا من وقتٍ قريب

( ينهض مقابلا الجمهور)

ومع هذا, نصفي المعلّق على جدار الحزن..

 أجهله..

لم نعد نعرف بعضنا, لم أُصافحني أيضاً

( يطرق رأسه)

أو أواسيني لفراقي.

( الرأس بعدما سكت والعجوز والفتاة ينظران إليه بعدم فهم)

العجوز(بفزع): هه؟

الرأس: تذّكرت القصيدة؟

المثقف(ملتفتا إليهم): لا.. لا أدري.

العجوز: هل هذا ما هو مكتوب على الورقة؟

المثقف: لا.. أنا لا استطيع قراءة ما مكتوب عليها.

الرأس(بتعجب): ها ؟

العجوز: ماذا؟

المثقف( يستدير نحوهم): لأني لا املك نظارتي.

العجوز: هل ترتدي نظارة؟

المثقف: لا بد من ذلك.. أولست شاعراً؟

العجوز( وكأنه فهم أخيراً): ها.

( صمت مرةً أخرى, صوت فتح الباب, يهّم الجميع لأسرتّهم متخذين وضعية الموت! الفتاة على الأرض.

يُفتح الباب بضوء ساطع ويدخل الرجلان نفسيهما بنقالتهما ويأخذان جثة الفتى مرة أخرى, يلتقط احدهما ورقة عن الأرض ويقول بدهشة)

: دكتور, إنها رسالة تهديد.

الدكتور)للرجل الآخر): أقرأها.

الرجل الأول:

" لا تكتب.. لا تعشق.. لا تتنفس..

وإلا تموت" !

 يخرجان ويوصدان الباب.

هنا, يضاء المكان ليتبين وجود باب ابيض في وسط المسرح للجهة اليمنى خلف سرير المثقف, وجه الباب نحو السرير.

ظلّ الجميع بلا حراك كما هم, يُسمع بعد بُرهة صوت بكاءٍ وصراخٍ وعويل لنسوة ورجال ثم.. صمت)

( ينهض المثقف قائلاً )

: لقد جاءت أمه..

تعّرف أهله عليه.

(ثم يرفع الشرشف من على الرأس)

العجوز(ناهضا): تصورت إنهم جاءوا لأخذي.. تصورت أن أحد أولادي جاء من أجلي .

تنهض الفتاة وترمي بالشرشف على الأرض وتجلس قرب الرأس على السرير المقابل للجمهور, ترفع ساقيها عن الأرض وتضمهما إلى صدرها, توكئ ذقنها على ركبتيها اللتان تلفهما بكلتا يديها)

الفتاة( بعد تنهيدة)

: كم هو ثقيل هذا العار..

أن نكون بشراً مثلهم

مثل الذين دمرّوا وأبادوا.. و .. واغتصبوا.

الرأس( يتنهد):تصورتهم وجدوا جسدي.

المثقف: وأين تظنهم سيجدوا جسدك؟

بعد كل هذه الأيام..!؟

الرأس: لا ادري.. كل ما اعرف هو إني أريد جسدي.

( صمت لثوانٍ, يلتفت المثقف حوله كأنه يتأمل جدران الغرفة يبحث عن شيءٍ ما.. يركّز نظره في النقطة البعيدة وسط المسرح جهة اليمين خلف سريره قائلا)

: الباب( بفزع مشيراً بيده نحوه)هذا هو الباب.

( ينهض العجوز واقفاً قربه متسائلاً بعينيه)

: أين؟

الرأس: أين.. أين الباب؟..أي باب؟

( تنهض الفتاة وتمشي لتقف جوارهما بخطىً متثاقلة فاتحةً ساقيها كأنها تحمل شيئا ثقيلا بينهما ).

المثقف: طوال تلك السنين..

تسلقنا سلّم النار

بحثاً عن الحريّة

لكننا..

حين لمسنا أقدامها

كانت قد هاجرت لبلدٍ آخر.

الفتاة: لكوكبٍ آخر.

الرأس: ماذا؟.. ماذا هناك؟

العجوز( متحيّراً): أسنسافر أخيراً إلى الله؟

الرأس: من أين جاء هذا الباب؟

الفتاة: أيها الباب.. من أنت؟

الباب( بصوت عالٍ خشنٍ مخيف ورزن)

: أنا المدخل بين العالمين

أودع المغادرين..

وأستقبل القادمين الجدد..

أولئك الذين انتهوا من ذلك العالم!

يظّل الأربعة مشدودي النظر نحو الباب بدهشةٍ و استغراب..يجلس الجميع إلى وضعهم الأول, مستغرقين بالتفكير لثوانٍ قليله.

الرأس ( كأنه توصل لتحليل ما): و ماذا عن العالم الآخر؟

العجوز: أنا مثلك ومثل أي شخصٍ آخر..

نحلم بعالمٍ أفضل.. لكن,

كن متأكداً بأنه لن يكون أقلّ بشاعةً من هذا الذي عشناه.

المثقف: لكن.. لكن, لا يمكننا البقاء هنا إلى الأبد.

العجوز: أتقصد؟

الرأس: ماذا عن بقيّتي؟

الفتاة: لكنني خائفة.

المثقف: ربما سنكون هناك أحراراً.

العجوز: من قال ذلك؟.. لطالما ترددت هذه الكلمة على مسمعي من قبل!

الفتاة: أنا خائفة

الرأس: لكن كيف سأمشي إلى هناك؟( ثم يقول فرحاً)

ربما ساجد جسدي هناك.

المثقف: لأن الحريّة أفرغت السجون

وملأت المقابر.. أقصد.. الثلاجات!

العجوز: عبور الباب

أو البقاء..

ماذا سيفيد؟

ليرفع الثقل الخانق من على صدري بعيداً أبداً

انه لجهد عبثّي ( بتوتر)

ربما عليّ أن أحدق إلى الأبد ( يحدّق أمامه بالفراغ) في ذلك الضوء الأبيض الذي ينبثق من الباب

و الانشغال بالتفكير في عبوره

فقط.

المثقف: كم أحبوك, في يومٍ ما(1)

و كم كرمّوك, فما أفادك؟

لمن تنتسب ومن أنجبك؟

كومة تراب, هو كلّ ما يبقى منك,

ذلك هو أنت كذلك و كلّ الكبرياء سيكون.

الرأس:ماذا إذن؟ ماذا سنفعل؟

الفتاة: هكذا كانت نصف الحياة

عهراً وقذارة

ونصفها الآخر نباح كلاب.

الباب: الحياة ليست تفسيراً للحياة

الموت ليس تفسيراً للموت.

( ينهض المثقف, يحدّق بالجميع, تتقدم نحوه الفتاة, يحمل الرأس ملفوفاً بالشرشف الأبيض,يمسك الفتاة من يدها, ينظران للعجوز, ينهض العجوز بعد ثوان صمت يتقدم الجمع نحو الباب بحذرٍ شديد مترددين متحّيرين, أيتركون الغرفة ويعبرون الباب؟

يُفتح الباب بنورس ساطع, وقفة صمت وتأمل حول أرجاء المكان وببعضهم البعض, يتقدم المثقف خطوةً أقرب, يركض العجوز مذعوراً كطفلٍ هاربٍ من شيء ما ويرمي بنفسه على الأرض متكئاً على سريره.

دهشة, خوف, رعشة, حيرة, هذه العلامات تتعالى وجوه الجميع.

صمت و وقفة كما هم لثوانٍ.

يعود الجميع لأماكنهم ويغرقون بصمتٍ عميق وتفكيرٍ مُتعَب.

يحدّق المثقف بالعجوز بنظرة تأنيب تعلوها تساؤلات كثيرة غير مُحددة.

يتبادلان النظرات( المثقف والعجوز) لثوانٍ).

العجوز: المرات التي سيفتح فيها الباب ( مشيراً ببصره لباب الثلاجة)

اسألها..

أي جثةٍ محمولةٍ على نقالّة

ستكون التالية لترحل؟

المثقف ( بعد تفكير وتنهد):

ستظّل أنت وسط حزنٍ آخر

غير حزننا

وهذا هو( ينهض واقفاً مكانه)

(1) مرثّية مارفيل, الشاعر أميسون.

كلّ ما تعرفه عن ذلك العالم

وكلّ ما تحتاج أن تعرفه لترحل

لتختار أن ترحل( بهدوء ولهجة تأكيد)

و إن لم..

ستظّل أنت, وسط حزنٍ آخر

غير حزننا.

يعّم الظلام مرةً أُخرى

وتًسدل الستارة

ايفان الدراجي


التعليقات




5000