..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


جائزة النور الثانية للابداع/ القصة القصيرة / الفائز الأول عن قصة : ( هو وهي )

زيد الشهيد

جائزة النور الثانية للابداع  

دورة المفكر عبد الاله الصائغ

 2009

القصة القصيرة

 

 

 

قصــة هــو وهــي

  

                                                          

  تبئيــر

 

    جلس الكاتب كالمحارب الطعين ، يتأمل أوراقَه وما آلت إليه كلماته .. جلس يحصي عددَ الخيبات فلم يقدر .. ويحاول استعادَة ينابيع الهناء فتنفرط من بين أصابع ذاكرته يسيرةً لا تستحق العد .. كانت  الأولى يوم رأى أولَ نصٍّ  له يأخذ حيّزاً  في صحيفةٍ شهيرة . وثانية يوم أمسكَ بأول كتابٍ مطبوع يقرأ عليه أسمه... وثالثة عندما قرأت له فتاةٌ لا يعرفها شعراً من أشعارِه فأحسَّ بأنه مقروء ، وبأنَّ كلماتِه شاركت ـ ساعةً ما ـ وسادتَها لحظات النوم ... وما بعد ذلك بدت مواجيدُ الهناءِ باهتة تفتقد الطّعم ، وتخلو من الشذا .

           جلس الكاتبُ كأنه سجينٌ قضى سنينَ طوالاً وراء القضبان . وإذْ قذفَ به خارجاً وجد ليس بالمستطاع التآلف مع المحيط ... رأى الفضاءَ الماثلَ غير السابق البعيد ، والدروب غير الدروب الأولى . وحين وضعَ قدماً ليرفع الأخرى ارتجت الأرضُ تحته ، وشقّت السماءَ بروقٌ متقاطِعة / متقطِّعة ما لبثت أنْ استحوذت عليها جملةُ رعودٍ فألغت مصطلحَ السكون من قاموسِ التكوين ... وجد الكاتبُ دواخلَه خواء ، و ذاكرته مهشَّمة فلقد ُسلِب كلِّ شيء ، ولم يتبقَّ له غير قلمٍ حين مدَّ كّفاً لاستخراجه من الجيب ألفاه بلا رأسٍ يكتب فيه .

         جلس الكاتبُ مثلَ بدوي هربت جمالُه ، واندفعت لا تعير همّاً لهشِّة ولا تخاف عصاه ... كلماتُه تهرب ، ومحاولاتُه للقبض على فكرةٍ تبدو مضحكةً / معيبةً يخشى البوحَ بها.. أوراقُه التي يسعى للتدوين عليها تستحيل رماداً يتطاير ليهاجم عينيه الذابلتين.. يستعين بالخزين فلا يقبض سوى ركامٍ جهدت معاولُ الآخرين على هدمه ، وإزالة معالمه .

    حيال ذلك وجدَ أنْ لا خيار له إلا الاستدارة تحركاً صوب وجهاتٍ بهيئة منافٍ  ..

 

    تلك هي عاقبةُ الحالمين .

 

 

الفضـــــاء

 

                             

 

(1)

 

    

  تحت اقواسِ الفيء يتبدّى المثول .. الجدرانُ تقّدم إسنادَها للظهر المعترف ـ حتماً - بالاجهادِ سعياً لكسبِ إسترخاءٍ مؤقت للساقين المكدَّسين بالانهاك.. تلوحُ لنا العربةُ فنعرف إنّه هو ... هو !!.. نحثُّ ّ بعضناً بعضاً لادراكِه.. يشيح بنظرِه نأياً عن هطولِ إستفهاماتنا . نطالعُ حلكةَ البشرة مقارنةً مع ذلك الوجه المتورِّد ـ زمناًـ نواكبُ إنطفاءَ البريق من تينك العينين الثاقبتين .. نعتصر قلوبنا .. نراكمُ الرجاءات الخضيبة بالخيبة .. وننكفئ !!

                              

                            

( 2 )

  

حثيثةً / بهيجةً إنهالت علينا تلكَ الأيام تغدق برفيفِ لحظاتِها شراباً عذباً يثملنا دفيقُ عطرِها الكاسح فنتوه أسراباً طائرين تحملُنا أجنحةُ الحلم المؤمَّل ... ومن هناك نلمحها : هي .. هي !!  تضرب إسفلتَ الشارع بقدمين واثقتين وقامة تقرب حدودَ التحديّ فيما الشعرُ القهوي يساجلُ هبوبَ الأنسام ويروح الأثنان يمارسان زهوَ الطبيعة ... الوجوه المكتّظة على الجانبين تحفّز الأعين فتتطاير من الأفواه عباراتٌ منفلتةٌ تمجّد هذا الخلق الملائكي ... يتطلَّع هو كعادتِه، من مكانِه في المقهى .. نظراتُه تتفاوت عن نظراتِ الأخرين ، وهدوءُه يلغي تلكَ الجلبة المدوّمة / يزيحها جانباً ( إنه يغوص في ثنايا الحلم رحيلاً باتجاه الصمت .. نسأل عنه فلم نتلقَّ رداً ... ثم متدثراً بمعطف الذهول ـ بعد أيام ـ يعود،، محملاً بالهمس و التأني .) وغب مرورِ مساءاتٍ عديدة يدعونا للتحلّق فننهضُ مندفعين، نتابع أصابَعه الدقيقةَ تلجُّ جيبَ قميصِه لتستخرج ورقةً سمّيناها في ما بعد ( التميمة).. تنتقلُ مهمّةُ التتبع إلى شفتيه وهما تطردان وريقات تِبغٍ علقتْ ببللِ الرضاب .. لحظات من التنصُّتِ المهيمن والإنتباه المركَّز نطير تحتَ سحرِ المفردات المقروءةِ شعراً إلى عالمٍ نراها فيه مخلوقةً ولهةً / لوعى ترتمي بين يديه تبغي رضاءه،، وهو الكتلةُ المتشربةُ بالحماسةِ والشعر يقدمّ روحَه أعوادَ كبريت تحترق، وأحجارَ بخورٍ تذوب ، فنهتفُ بجذلِ التمتع والإندهاش : ياه !!.. هل نحسدُكَ أم نُكبر فيكَ القوافي ؟!

ويزدادُ تعلقُنا به .. وتزداد هي قصداً في تبعثره .. وفي أشهر معدوداتٍ صرنا نجمع ديواناً قدمنّا له رغبةً وسنداً لإ صداره فقدّم رفضاً مدافاً بأصرار.

بعد عام ...عامٍ واحدٍ أبعدته الأسباب عنـّا وأعادته إلينا بخبر يقول : إصطادته شِباكُ الحرير/ تزوج .. لم تكن المفاجأةُ في الزواج بل في الزوجةِ التي إختار... رأيناهما : هيَ وهو.. إنموذجان فنتازيان/ عصفوران تبللاّ بفيضِ الحبور ،، منطلقان بأتجاهِ سماءٍ بيضاء وألقٍٍ بهي ... سألناه : كيف حدثَ ذلك ؟! ... ضحكَ ، وقال : لهذا حكاية سيأتي سردُها لاحقا ً.

                          

( 3 )

  

 لم تكن القاعاتُ تكتظ فحسب ؛ بل الممراتُ والفُسحُ الخارجية المنتهية بأبوابِ البنايات الرئيسية  لكلِّ أمسيةٍ تُقام له ، وفي أيةِ مدينةٍ يُدعى إليها .. كان الصوتُ عذباً تشوبه بحِّةٌ تضفي عليه شجناً آنَ التحليقِ ببساط الشعرِ السحري ... وحين ينتهي يمسك بصولجانِ السرد فيستحيل الجميعُ حضوراً مُنصتاً تنقلبُ ذائقتُه من الشجنِ والغرقِ في الرومانس إلى إغترافِ تجربةٍ هي من الفرادةِ ما جعلَ الكثير منّا يمارس التقليدَ وصولاً الى الرضا ( بعدَ الزواج صرنا نبصرها تشارك الحضورَ تواجدهم... الوجهُ القمري تحفّه هالةُ الشَّعر الهطول... يقرأ كأنه يوجِّه عطرَ الكلمات والجمل إشراقاتٍ لعينيها الملاحقتين حركة شفتيه، وإرتفاعات يده وهبوطها مع موسيقى الأبيات ، لائذةً بأبوابِ خجلٍ طفولي بريء ، تفضحه حمرةُ وجنتين صافيتين وإرتعاشُ رموشٍ نافذة .. كنّا نسميها ( ألزا ) ، وكان هو مجنونها ( أراغون)... تسحرنا بساطتُه ؛ ويهيمن على دواخلِنا إعتدادُه.. ننهلُ من رصينِ التجارب ؛ ونأخذُ بسدادِ الرأي.. نجتمع إليه ونروحُ نلقي بأسئلةِ التلاميذ :

ـ أنت خزينُ الإبداع ، ومؤئلُ الخلق... في كلِّ ركنٍ من دوحةِ الأدب لك شجرةٌ تضجُّ بالثمار ، فلماذا التشهي والتشبث بثمارِ الشعر؟.!

يزرعُ إبتسامةً سمِحةً يمنحها وجهُه المبتشر ، تاركاً للعينين مهمةَ إستهلال الرد .. ثم تشرع الكلمات تنهال ( نوتات) تقطِر عذوبةً ، وتؤلِّف نغماً .. نتيه بانسيابيةِ سِفره ، نسمع من خلالها أعماقَه تفوه:

ـ الشِّعرُ ، ياأصدقائي ، هو بوحُ الروح الاصدق ،، فيضُ الطبيعة الغنّاء.. منه إستقى المخلوقُ كينونةَ الحلم ، وغاص في ماهيات الماحول طائراً على كفَّ الهيولي وصولاً الى تخوم مجرّات سلِّمته مفاتيحَ المعرفةِ السحريةِ كاجاباتٍ لاستفهاماتٍ متماهيةٍ بغموض ، ومحتواة بتيه... في غوره تكمنُ منابتُ الخطر ، خالقاً إلوهية مستقلة ، لذلك حجّمته الرسائلُ السماوية وحذرت من مريديه.. ألم تسمعوا :" الشعراء يتبعهم الغاوون ، تراهم في كل وادٍ يهيمون."

 بتنا نسمع شيئاً جديداً / مناقضاً لآراء أدمنّا سماعها من الكبار.. خفنا على أنفسِنا منه مثلما تناسل إعجابُنا به .. قلنا لو مضينا نسمع ونصدّق ذلك  يعني إندفاعاً إمّا الى وجوديةٍ تلفُّنا بالضياع أو الى صوفيةٍ تنأى بنا عن ثرى الرضاءات... ورغم نأينا عن الرأيين إلاّ أننا سقطنا في بركةِ البلبلة ... صار الشعرُ سلوكاً يومياً لنا .. إستحلنا ـ نحن ـ طاقاتٍ تضجُّ بالإحتدام ، ساعين بحثاً وتقصياً عن كلِّ ما هو جديد وغامض ، وغائم.. ما أنْ نسمع بشاعرٍ حتى نهبّ لقراءةِ تجربته، وهو من قريبٍ أو بعيد يشدُّ على رغبتِنا ، مُشيداً بنشداننا إلتقاطِ جوهرةِ التسامي.

                        

  

( 4 )

  

 شمسُ تموز ماحقة ؛ تلمُّ توهجاتها النارية من جوفِها المائج / نافثة إياها فحيحاً يلهب الطرقات ... السماء تعلن خجلَها للأرض والأشياء ؛ مواريةً زرقتها بمسوحٍ ضبابية تراها أنظار المارّة  الشحيحين باهتة.. الحصارُ ينثر مجسّاتِه الأخطوطبية غب سنواتٍ تاركاً لمخالبه إقتناص موجاتِ هواءٍ متحرّرة من هيمنته فيما لمساته صارخة / جارحة تغرزُ نواجذَها في تعرّجات الوجوه منتجةً شحوباً  وخواءً فاضحين.

       ذلك الدرب الذي إنقبضت فيه نفوسُنا ، وإعتصرت أمعاؤنا، وتجلّى خفقُ القلوب تلاطماً للمرأى نأياً عن التصديق / إصراراً على التأكّد حين صرخَ أحدُنا : تطلَّعوا هناك . مَن ترون ؟!

      صبيٌّ تقطر براءةُ عينيه عشرةَ أعوام ، يلوذُ بشريطِ فيء حسير..أمامه صندوقٌ كارتوني ، سطحُه يعرض بضعَ علب سكائر ؛ يتطلَّع بعين التوسل للمارّة الباحثين عن فُسحةِ ظلٍّ إتقاءَ نِصال السموم الحارقة ...

 لم يكن المشهدُ غريباً إنّما العيون التي زحفت قليلاً هي ما فجّرت الدهشة .. شاهدناه واقفاً يحتمي بالفيء ، قريباً من الصبي / بعيداً عن التصور .. حسبنا وجودَه لغرضٍ يسير الزمن.. هممّنا بالتوجه نحوه تحيةً وسؤالاً عن إنقطاع طويل .. غير أنَّ التوقّف المُريب والنظرات الناضحة أمراً أقرب الى الخجل هما اللذان تركانا نتوقف قليلاً لنتساءل ... شاهدناه يغدق نظراتٍ مرتبكةً تمسح قامةَ الصبي وأشياءه ؛ والصبي بين ثانية وأخرى يتطلّع إليه .. وعندما إقتربَ رجلان وانحنى إحدُهما لشراء علبةِ سكائر راح يدنو منهما ، مساعداً الصغير في التعامل ... بابتعادِ الشخصين / الرجلين تقدّم الصغير وسط سرورٍ طاغ يسلّمه حفنةَ نقودٍ... حدّق أحدُنا وسطَ دهشٍ عميم سبقته صيحةٌ منفلته:

  ـ أليس هذا إبنه البكر ؟!

      لحظات وتفجّرَ الجواب صرخةَ إيجابٍ ...

تراجعنا !!.. ولعُظمِ ما رأينا قطعنا طريقَ العودة والتفرّق صامتين .. ذهولٌ كامد لا تخترقه سوى شتيمة إندفعناً نردُّدها لعنةً على الحصار .

                      

                         

( 5 )

  

  إعتدنا لقاءَه .. يصحبنا لأزخرِ مكتبةٍ . نلجُّها رغبةً في رضائِه / سعيًّا لأقتفاء خطواتِه .. نراقبُ إختياراتِه / نتابعُ الاستثناءات .. يدعونا للتفحّص والمطالعة ؛ يسألُ عن الجديد ـ دائما يسألُ عن الجديد ـ يُشير الى كتابٍ ؛ يقول : عليكم بإقتنائه.. والى آخرٍ يحذّرنا من فحواه .. ودائماً ؛ دائماً يقول:

ـ إياكم والسقوط تحت سطوةِ قراءةٍ واحدة ، أو تقمّص مؤلِفٍ واحد ... تأثروا ولكن لاتقلِّدوا ولاتتقولبوا. فالاثنان خسارةٌ يكلِّفانكم السمعةَ والابداع .

      نلفّ‘ الدروبَ محتفينَ برفقته .. تغمرُنا المباهاةُ ، وتُشعرنا بزهوٍ نُحسَد عليه.. يقودنا لمقهانا متَّخذين الركنَ المعتاد .. هناك يدعونا لعرضِ ما أنتجنا .. ننطلقُ  ؛ نُسمِعه   مغترفأ بالأذن الصاغية/ المرهفة... شيئاً ويستحيلُ اللقاءُ جلسةَ حوارٍ ،، مَشغلآً يُهذّب النفوسَ مُغدِقاً عليها نثيثاً من مودةٍ وإبتهاج. يتناول ما يُرضيه من نتاجاتنا . أيام ونفاجأ بها منشورةً في صحيفةٍ أو مجلة .

     مرةً قرأنا له :( تأملات) منشورة  ؛ هي بمثابةِ خطاب مليء بلمساتِ الغزل ، ومسوحِ المشاعر الصوفية ؛ يتماهى في التوجّه لامرأةٍ ضبابية / كونية أو لنفسٍ يسعى لأن تكون من العذوبة ما تشتهي كشهدٍ الى الأبد .

      أطريناه عند القراءة .. إحتفينا بالثَّمَل الذي جََذَّلَ قلوبًنا ... قلنا :

ـ لقد أسرَتنا رهافةُ المشاعر، وأسكرتنا الكلمات!!

   رسم إبتسامةً بسعة نافذة قبل ان يفوه:

ـ مثلما أسرَتها ... كانت هذه التأملات هي الرسالة التي بعثتها إليها قبل عام،، وهي التي أيضاً نقلت الشمسَ من مدارٍ لآخر... لم أكن أتوقع أن بوحاً بحجم ورقة دفتر سيفجِّر لديها عالماً تُحيله صفحاتٍ طويلةً من ردٍّ ذُهلتُ لقوّةِ إسلوبه وصدق فحواه.. قلتُ في سرّي : هذه كاتبه لاتخضع لقوانين الفصول؛  ولايجب انْ تهرسها مخالبُ الظل .... تلك كانت فاتحة اللقاءات البعيدة ؛ خلالها إكتشفتُ شغفَها بنتاجاتي ؛ تتابعها بتواصلٍ .. تصوروا سمعتُ منها كأني أسمع من مبدعةٍ طارإسمُها خارج حدودِ بعدنا الجغرافي المقيَّد.. صرتُ  ألتقيها..أقرأ لها.. تحاورني/ أغرق في غيومِ مفرداتها بينما هطولُ شعرِها وهواءُ عطرِها يرحلان بي .. أتدثَّرُ برموشِ أجفانها وانامُ منتشياً بثَملِ الأحلام المنفتحة ... كدتُ أقع أنا المسحور بكلِّ تفاصيلها في حومةِ الهلوسةِ والإرتباك لولا الكلمات المغموسة بالتلعثم ، تلك التي نثرتها قائلاً : أجد أنَّ كلينا يحمل بذرةَ النمو في أرضِ الآخر فما قناعتُك لو عقدنا إتفاقاً روحياً لزرعهما ؟!

كانت عيناها إ تسعتا، ثم إنفرجت الشفتان .. وبدلاً من أنْ أسمع رفضاً أو تردداً أو حتى طلبَ تأجيل ، جاءني الرد:

 ـ هل تراني أستحِقّكَ ، أم هوالمزاح ترشقني به؟!...

    شُبِّه لي أّنّْ السماء إحتضنت غيوماً بيضاً تهاجمها حزمٌ ضوئية لها بهاءٌ ذهبي .. تمثَّلت الشمسُ مبتسمةً تطايرت لها رغواتٌ ناصعة ، ما لبث أنْ هطلَ حبورٌ سحري ، وهمس متقطِّراً كأنه الدُّعابات ... همسٌ لم أترجم ذبذباته. فهتفت: ( كيف ؟! .. كيف أمزح مع نارٍ هي دفئي وأمانيِّ إنْ نأت عني فتكت بي سكاكينُ الصقيع!!) . وأقترنّا !!.. خشيت ياأصدقائي  أن يترك تعلّق أحدُنا بالآخر برزخاً يعيق اللقاء بكم.

     وكان للخشية ما يحقّقها فعلاً.. إذْ تضاءلت اللقاءات . وإنْ حفلنا بها فلزمنٍ قصير .. قصير جداً . لايكاد يجلس ليرتشف قدحَ شاي أوفنجان قهوةٍ حتى يهبُّ مُستميحاً، مقدماً لهفةَ العودة الى البيت ... مقابل ذلك كانت كتاباتُه تزداد غزارةً ؛ والنشرُ يتشعَّب . وإذا إلتقيناه ونثرنا بوجهِه فراشاتِ العتاب أطلق قهقهةَ الوّد ، قائلاً :

ـ  لكم الحق! لكني أتابع نتاجاتِكم المنشورةَ باهتمام .. لقد أصبحتم كُتّاباً ، لا حاجة لعصاً تتكئون عليها بعد الآن ... أنتم الآن أشجارٌ باسقة في بستانِ الإبداع .

                           

( 6 )

 

  

 إستُدعيت الحربُ فأعطت النتائج .

 تراكمَ الحصار فترمَّلت المدينة ، غارقةً في طوفانِ ركودٍ غائم مُشبَّع كتعبيرٍ عن تاريخٍ مُدوَّنٍ بجملةِ وقائع :

  صباحاً : الحركةُ دبيبةٌ ، ملفوظةٌ من أزقّة تنام وتصحو على خدرٍ أزلي .. خدر عفن حشودٍ القُمامات وروائحَ مجاري المياه الثقيلة.. فضاءات تستفزُّها صرخاتُ أطفالٍ بخلت عليهـم الأثداءُ الجفيفةُ بإمتصاصٍ رطيب/ بقطرةٍ بيضاء حسيرة/ بنغمةٍ تجدد حنان الأمهات.

  ظهــــراً : ضجيجُ الحَماءِ يغرزُ وجودَه بصورة لفحٍ يوشِّم صفحات الوجوه/ مشهدُ أجسادٍ تستحمُّ بعرقٍٍ طافح / شواء ٌيكوي بواطنَ أقدامٍ نسيت حُلم إرتداء الأخفاف.

  مســـاءا ً: هجومُ الالآمِ مُجسَّدة بتأوهاتِ الأعضاء / مشاعرُ شقاءٍ حثيث يلتهمُ ما تبقى من هشيم الروح/ يعودون مكدّسين بالتعب. فقدوا التطلع .. كلُّ ما يرتجون حفنةَ أمانٍ  منسي/ ذكرى نائية، مُعادة/ إغفاءة شارد ة تؤومهم فتتعطف عليهم بهناءةٍ ضنينةٍ ... ضنينة ...

                            

( 7 )

 

 في المقهى أبصرنا واحداً من الشلّة ،، يجلس منزوياً، تعوم فوقهُ سحابةٌ رمادية من دخانٍ متكاثف بينما العينان شاردتان لم يعدهما حضورُنا... تراكمت الأستفهامات ، وأحتشدت الأنظار الحيرى تطِّوقه بأمتعاضِنا وغضبنا..هزّات الرأس والتململ المتكرر هيّجَ فضولنَا مُلقياً بنا فوق أشواكِ قلقٍ ساحق . عندما ضَّيقنا عليه دائرةَ الهرب وإضمار الأمر طفق يبوح :

ـ لقد رأيته اليوم !! لايمكن أن يكون هكذا .. لا يجب أن ينتهي به الحال لهذا المشهد المرير...

صمتَ قليلاً .. رفع عينيه فأرتفعت عيونُنا معه تتابع طعناتِ حربةِ البندقية تتَّجه بفضاضةٍ الى جهة البطن الظاهرة والصدر العاري فيما العينان المرتعبتان للأسير - المقيَّد بسلاسلٍ تشدُّها قبضات حفنة رجال أشدّاء ـ تلاحق إلتماعةَ النصل المتّجه بتحفّزٍ خارقٍ مدفوع بحقد متضرِّج بكثافةٍ تعكسها قسمات وجه المهاجِم ... قطع الصمت والتطلع لصورة الجدار بنَفَسٍ عميق من سيكارته المخنوقة بين إصبعيه المتصلبّين قبل أنْ يُكمل:-

- كان يقود عربةً تعرضُ خِضاراً ثم يقف مع صفِّ عربات لبائعي خضار .. ألإجهادُ ينتهك جسده ، والعينان تسكبان خذلانا . عندما دنوتُ منه بادرني بتحيةٍ تخفي شقاءً ، تمنحه تمالكاً متكلفاً .. سألني عنكم ، عن النشاط والتواصل ، ولكن ببرود هذه المرّة !.. وحين أخبرته إننا ندفع ثمناً مُكلِفاً وباهضاً ؛ وأنَّ الخنجر يوغلُ في خواصرنا قال: ( هذا بعضُ من ثمن وجودِكم .. لا ديمومة تأخذ تواصلَها دون تضحيات.. لكنَّنا نفتقدك قُلت ؛ نروم إبداعَك يسقينا إكسيرَ البقاء ويضخ ممرات طاقتنا بدماء من فِكر ومفردات .) ..آ.. لمحتُ كفّه تشدُّ على قبضةِ العربة ، وأصابعه تضغطُ الخشب كما لو كانت تبغي تهشيمة .. طاطأ الرأس ورفعه : " إسمع.. إن الكلمات لم تجلب لأولادي خبزاً ؛ الكتابةُ إستحالت وبالاً وعائقاً لحياةٍ رمتها كثيراً تخطو هادئة ، مطمئنة ... نحن في حلبةِ ذئابٍ ، والمتفرجون شبقون سادّيون يستعذبون جراحَنا ، ويشدّون على أيدي مضطهدينا.".. إحتشدت تلال غضب ، أو عنف ، أو إنكسار ، أو بيان هزيمة تتكدَّس كما شبّه لي عند محفّات حدقتيه ... وفي غفلةٍ من التفكير والكلام المتوازن ، المتزّن صرخ بوجهي: " لقد خسرتُ بعض الزبائن." ... لاحقت عيناه بعضَ المتسوقين المتَّجهين لعرباتٍ تحاذيه... دوّامةٌ من جزع قاهر رعين طوحت بي .. إفتقدتُ التوازن / تجاوزتُ الزحامَ واللغطَ المُريع للباعةِ والمشترين ؛ مندفعاً لاقرب ركنٍ خلي أطلقُ لروحي مدياتِ الأحتراق ؛ ولعيني غزيرَ الدموع... تلك اللحظة أدركتُ أنَّ المعادلةَ مربكةٌ . واللعبة قاهرة ، قاهرة ، متقنة .

                      

 ( 8 )

       لابأس أنْ نطرقَ البابَ ، ولو على مضَضٍ ؛ فقد إتّخذنا القرار .... وليكن . جاءنا الصوتُ قلِقاً ... عرفناه/ صوتها .. ولكن بإرتباكٍ تعلنه التهدُّجات.. وإذْ إطمأنت لمفرداتٍ لينّه فاهت  بها صدورنا واربت الباب. وبالمواربة حصلت الصّدمةُ التي لم نحسبها.. صرخنا بصوت واحد: آآآآ...

     وتحاورت عيونُنا الُمنشدِهةُ بعبارةٍ لا ندري كيف إطلقناها سويّة : ( ذهبَ الصفاء!) .. صفرةٌ صارخة تنضحها البشرةُ التي إستبيحت بإنكماشاتٍ لا تتوازى والأعوام المنفلتة توّاً عن الثلاثين... حتى الشَّعر الذي أخفته بشالٍ أوحله القِدمُ وبانت خصلاتٌ منه عكست جفافَه وأظهرت جلياً ملامحَ إهماله ( ذلك الشَعرُ الضاجُّ بالحريّة والبهاء ! وتلك الخِصلة المتمرِّدة/ المتراقصة على وجنةٍ لميعةٍ تُعاندُ ساحةَ الجبهةِ البيضاء الصقيلة ، راميةً بقلوبنا المتعثرة ولهاً على أرصفة الآّمبالاة إيغالاً  في إحتراقاتنا ، إين هما الان ؟!... عادت تلك الأيام تتهافت .. كنّا نكتب رسائلَ اللوعة وتقديم عروض الحب ، ثم تالياً نمزِّقُها إنكفاءً بعدما تهاجمُنا مشاعرُ إننا قطعاً لسنا الذين لنا حقُّ التقرّب من تخومِ إهتماماتها .. وعبثاً ، عبثاً إنْ نحن شرعنا بالمحاولة و..) آ.. ذهب الصَفاء!!

 صُدِمَتْ هي الأخرى بوجودِنا إزاءها فلاذت خلفَ الباب تخفي قواماً ناحلاً /متهالكاً يستره ثوبٌ موشك على البلى. وكان علينا أن نُجبرها للدخول ، فالكلامُ وقوفاً لا يُرضي نزوعنا، ولايحل إشكاليات تراكمت تغمرُ أذهاننا.

 أرهقنا صمتُ البيت ، وكبّلتنا حيرةُ خلوِّ غرفة الإستقبال من ما يشير لتسميتها بهذا الأسم .. دخلنا قلبَ الموضوع... وما جئنا لأجله عرفته . كان حكى لها ، لذلك جُلَّ ما فعلته هو أنْ قالت :

- بالنسبةِ إليه إنتهى كلُّ شئِ .. أيام طويلة في نفقٍ عتيم، وممارسات خارقة، عنيفة، ثم الخشية على ضياع الأولاد كافية لجعله يكفر بآلهةِ الكلمات ... إنَّ توالياتِ الحربِ اليومية التي تُمارس معه جرّاء قصيدةٍ يكتبها أو نصٍّ قرائي ينشره تركت صلابتَه تنضب ، وصمودَه يتهاوى.. تحطمت لديه جدرانُ المواجهةِ التي شيَّدها بقدرته التي كانت تدهشني . إكتشف أن  آلتهم أقوى من خطوط مشاعره الدفاعية ، ولقلبه حدود مقدرة لا تقبل التجاوز . وإلاّ كانَ الإنتحارُ رديفاً للخلاص. وإذا كان لم يحقِّق إنتحارَه الجسدي وتوقّف أنفاسه فظني أنه فعل ذلك بتوقّفه وهجره الكتابة.

صمتت لتقيس ـ كما يبدوـ ضراوةَ ما سترميه في وجوهنا ، وحالة تقبلنا أو عدمه ؛لحظةً .. و:

ـ للحق أقول لكم . إنَّ ما إتخذه بادئ الأمر ظننته خطأً مدمِّرأ  لمبدعٍ خالق مثله .. ولكن يوماً إثر يوم تمثَّل لي صدقَ رؤياه وحسنَ قرار صنعه ، فالمعضلةُ هائلةٌ لا تقاوم كما كان يردد ، تحمل في جوفِها أسراراً مخيفةً . لهذا وضعتُ كفّي بكفّه وإختتمنا المضمار. لم تُبقِِ لنا قولاً مُقنعاً ننشره على مسمعِها . وحتى ما تعللّنا به وهممنا بطرحهِ تيقّنا أنها قد تسمعه كأي كلامٍ لن يعنيها ، ولن يوليه (هو) إهتماماً .

 نهضنا مُلجمين بكفِّ الخذلان/ منهزمين تلاحقنا كلماتٌ مهشمةٌ وأفكارٌ صارت من عِداد النكتةِ السَّمِجة ؛ يقينا ستثير إمتعاض من يسمعها.

خرجنا  بعد إتضاحِ حقيقةِ إننا نعيش دمارَ حصارين  بقراراتٍ منفلتة، وتصميمات لمُ تُناقش ولم يُدع لهاً فرصةً التحاور . أعلن البعضُ مناّ الدخول الى دائرةِ المهزلة ، حيث اليوم التالي وجدناهم يدفعون عرباتِ خِضار ، واقفين جواره أو على مقربةٍ منه تعلو صيحاتُهم تنافس صيحاتِه المختلطة بدوّامة الهرجِ والمرج ... والغوغاء .

زيد الشهيد


التعليقات




5000