.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .
 حسن حاتم المذكور 

سيرك الدين والدولة...

الكاتب حسن حاتم المذكور

.

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


موسوعة الصائغ الثقافية باب الأعلام ي . ياسري . شمران يوسف محسن

أ. د. عبد الإله الصائغ

 خاصة بموقعي النخلة والجيران ومركز النور 

أبصر الروائي والمقالي والشاعر والإذاعي  شمران يوسف محسن الياسري النور في قرية صغيرة هاجعة  من اعمال  قضاء الحي ( الكوت ) إسمها محيرجة او الموفقية  في ذات يوم من عام طويل 1926 الذي  ولد فيه كثير من مبدعي العراق  وقد  مات وربما اغتيل بعد إنجازه الرواية بسنوات في حادث سير لئيم نقلا عن صديقنا المشترك  الدكتور حسين شعبان ذات ساعة من يوم 17 آب  أوغست  1981 وهو في طريقه لزيارة ابنه جبران المقيم  في بودابست ونقل جثمانه الشريف الى لبنان ليدفن  في مقبرة الشهداء ! ولقد ساد حزن عميق  في الاوساط الفلسطينية لأن موت الياسري يعد خسارة كبيرة للقضية  الفلسطينية عهد ذاك بحيث اطلقت عناصر الثورة الفلسطينية احدى وعشرين اطلاقة حداد  لحظة مواراته الثرى كما ساد حزن عميق في العراق واعتد رحيلة خسارة فادحة للحركة الديموقراطية .

 وشمران سيد هاشمي وسليل اسرة عريقة في المحتد والنضال والاعلام منهم أحد ابرز زعماء  الثورة العراقية العشرينية المغفور له سيد نور الياسري ولم يترك له تاريخاه النضالي والابداعي سانحة للدراسة فهو ينسب تعليمه العربية الى والدته وكانت تجهل القراءة والكتابة سوى ذاكرتها البصرية لبعض سور القرآن الكريم! ولكنه بات مدرسة وظاهرة يجدر بالجامعات تشجيع طلبتها للدراسات العليا على تناول اعماله الروائية والمقالية ! والياسري شمران شاعر مقل وقد نقل الدكتور عبد الحسين شعبان شيئا من شعره الشعبي ينادي فيه المطر على عادة اطفال العراق ! لكنه ينتقل كما بدر شاكر السياب الى الفكرة المركزية للقصيدة يقول شمران :

إجه المطر

إجه المطر

إجه المطر

صاحوا الأطفال بدربنه وهوّسوا

وشفت البيوت بطينه تركض وراهم

بالدروب الطافحة بهاي ،الهلاهل من إجو 

إجه المطر

إجه المطر

والاطفال لبسوا ثياب وغنّوا

ياهله باليغسل ?لبنة من الكره والغيرة

ويلّبس دروب الطرف ثوب العرس

ويطفي بينه الحيره

إجه المطر ،جاب البنات يغنن بع?دنه

فرّع شعرهن وحده وحده وغسلِ منّه الحنّه

يبّسن شعرهن وحدة وحده وبالمطر مشطنّة  

إجه المطر ..هسّه المدارس حلّت

بلكي يبللها المطر وت?ول ختلني وأ?ولن فرجت

يامطر  تلّها أجي  وضحكت

وركضت لهله وغنّت

  لكن الياسري لم يعول على الشعر في اطروحاته الوطنية وان كانت رباعيته موشحة بأفانين الشعر الشعبي ! وقد وجد في القص فضاءه الرحب الذي يستثمر آليات الخيال والذاكرة الريفية ! كما وجد في مخاطبة المواطنين بصوته الشجي وعباراته اللماحة ومعانيه االملتبسة بالرمز والكناية بما يشكل بحق معجما دلاليا مهما يمكن اعتماده في قراءة حقبة مهمة من تاريخنا الوطني ! وكانت لهجة الياسري الشعبية مترفة مهذبة لاتخدش الحياء ولا تتمحل بمسوغات حارب العدو بسلاحه وهي المسوغات التي طرحها بعض مقلدي شمران غير الحاذقين ! فالعدو اذا استعمل سلاحا محرما فلن يكون ذلك سببا لاستعمالنا السلاح المحرم ! والعدو اذا كان موبوءا اجرب فليس خليقا بنا محاكاته ! فشمران الياسري ظاهرة إبداعية لايمكن استنساخها ! لذلك بات حال اولئك الذين حاولوا استنساخ تجربته يدعو الى الرثاء حقا ! فهذا المبدع الجماهيري وإن كان مدرسة يمكنها ان تخرج عشرات المبدعين الملتصقين بالصدق قبل النجومية ولكنه عصي على الاستنساخ ! فمن تادب بادبه استطاع ان يتكون وأن ينمو ولكن الذي اراد سرقة تجربته صار مدعاة للشفقة قبل السخرية ! فلم تكن جاذبية النص الروائي عند الياسري بسبب من لغتها الشعبية وهمومها الطبقية كما يتهيأ لبعض الدارسين ! بل ان الجاذبية عائدة الى موهبة فسيحة ودربة صبورة لاتعرف الكلل والملل ! ورؤية صافية للمساحة المشابة ! في رباعيته كان رائدا بامتياز في تطويع القهر الطبقي للعمل الروائي الصعب ! فليس كل مناضل قادرا ان يكون شمران ولا كل رواية قادرة على تمثل الرباعية ! ومن هنا اضاع المقلدون شطرا مهما من تجربتهم وعمرهم في ملاحقة المستحيل ! ولهذا المحور شجون يمكن العودة اليها في مناسبة اخرى ! .

 

قراءة وصفية لرباعية شمران الياسري

 

رباعية شمران الياسري الحقل الاول  

 

رباعية شمران الياسري الحقل الثاني

 

 

نحن هنا بصدد قراءة الرباعية قراءة وصفية ( بنيوية ) بهدف إضاءة بنيات العمل الروائي ! في الرباعية   ثمة أبطال شعبيون  كتب عليهم مصارعة القهر السياسي وقيادة أحلام الجماهير الفقيرة نحو الشمس فالروائي شمران الياسري ومن خلال روايته المهمة التي لخصت تاريخ العراق الدموي استطاع اشراك القارئ مع  أبطال الرواية ليشهد صراعاً بين الجماهير الحالمة والقلة الظالمة.. روايته التي صدرت عام 1972م بأربعة أجزاء هي 1/ الزناد (القداحة)  2/ بلابوش دنيا(تعساً للدنيا)  3/ غنم الشيوخ  4/ فلوس حميد.. وقد شاء شمران الياسري ان يختار للصراع فترة مهمة من تاريخ العراق فبدأت روايته بعد  ثورة العشرين (التي فجّرتها جماهير الفرات الأوسط فانتشر أوارها في ربوع العراق كافة..) بثلاثة أعوام ثم انتهت احداثها بعد أحداث  14 يوليو تموز 1958م فاختار الروائي ثلاثة أجيال غطت هذه الحقبة، خمسة وثلاثين عاماً مصوراً أثر التطور الحضاري في تطور مفهوم الصراع عند هذه الأجيال، فالجيل الأول ورث التقاليد الصحراوية والبدوية والتقاليد الزراعية الريفية على حد سواء فكان نهشاً للعصبيات القبلية والمكانية فتأصلت لأسباب مغايرة فكرة البطولة والمروءة والكرم في حياته القاسية، رغم ان الاستغلال كان رضيعاً ولم يتبين هذا الجيل أثره بسبب سلطة القبيلة التي خففت كثيراً من سلطة الاستغلال الإقطاعي أو الرأسمالي، وسعدون المهلهل وهو الزعيم مثلاً كان يتصرف كواحد من أفراد القبيلة!! وحين خضع العراق للاحتلال الإنجليزي بعد معارك النجف والرميثة والسماوة وقرية السادة (آل بو إذبحك) في الحلة والرارنجية في الأعوام 17/18/19/1920 اجتهدت المخابرات البريطانية للي الذراع القوية التي بطشت بالعسكر الإنجليز ومرتزقتهم من الهنود السيخ والزنوج العمالقة وهذه الذراع هي شيوخ القبائل فعقدت معهم صفقات دنيئة لتغدق عليهم الأموال بلا حساب فضلاً عن تزويدهم بالمضخات والأسمدة والبذور، وهكذا حولت هذه المستجدات الزعيم الطيب سعدون إلى رجل آخر لا يشبهه، فبعد ان كان هذا الزعيم يعتمد على اشتراطات القبيلة والوطن صار يعتمد على اشتراطات العمالة والربح! ثم يجيء دور الصبي فالح ابن الزعيم سعدون بن مهلهل ليجيء زمان أكثر عتمة وقهراً ومكراً.. فهذا المراهق الغرّ وجد نفسه وسط فائض من الأموال فأحاط نفسه وملأ جلعته (قلعته) بالأزلام الذين يحذقون الدعارة فإذا الناس تترحم على الأب مع معرفتهم بظلمه وخيانته  لقبيلته ودينه الذي كان يتظاهر به.. بيد أن الأب الظالم كان الأرحم من ابنه الغر المغرور.. فتمر السنون ثقالاً فيظهر على سطح الرواية (ضاري) ابن فالح سيء الصيت وحفيد الزعيم سعدون وضاري من الجيل الثالث.. فتهيأ للقهر والمجون ليستعين بأزلام أبيه وجده المخضرمين في فنون الغواية وإذلال الناس لسبب او دونه؛ لكن ما حدث يوم 14 تموز يوليو 1958م كان الزلزال المدمر الذي حاق به وبأزلامه وبطانته وتجمع الناس حول المذياع ليستمعوا إلى صدور قانون الإصلاح الزراعي الذي وعد الناس بزمن أخضر! وبالمقابل ثمة البطل حسين ابن العشيرة..  ذلك المؤمن بقيم ثورة العشرين فهو يتذكر أمجادها وبطولاتها ويحفظ عن ظهر قلب أشعار الثوار العشرينيين في مضافة الزعيم سعدون بن مهلهل، بل انه شاعر العشيرة (المهوال) وحامل همومها وتقتضي بؤرة الصراع في الرواية ان يرتطم حسين بزعيمه سعدون بعد مقابلة هذا الزعيم للمستشار الإنجليزي! ولأن الغلبة للقوي فقد طلب سعدون الى حسين المتمّرد ب‍ـ(الجلوة) أي الجلاء عن مكان قبيلته الى مكان آخر بعيد.. فاستجاب خوفاً على حلمه الثوري من أن يغتاله سعدون. وقد التحق به خلف وابناء صكر هؤلاء الفتيان المعجبون بحسين والمتضامنون معه رغم ان سعدون لم يطلب إليهم الجلاء! وقد استدعى الصراع بين حسين وسعدون إضافة عنصر جديد وهو المرأة الفاتنة ليكون الصراع أكثر تماسكاً وجذباً.. وكان الزعيم قد وعد حسين (وعد شرف!!)  أن يزوج ابنته الجميلة (حسنة) من ناصر (ابن حسين)، ولكن  وضع الزعيم الجديد الخاضع لتوجيهات المستشار الإنجليزي وتقاطع هذا الوضع مع تحديات حسين جعله ينكث وعده وسوف لن يرقّ قلبه لمشاعر ناصر الشاب البريء الوديع ولا لدموع ابنته حسنة التي اكتشف انها مغرمة بحبه حدّ استعدادها للتضحية بحياتها من أجله! فيقرر حسم الموقف ويلهمه غضبه الملتهب فكرة بشعة وهي ان يزوج ابنته حسنه (هذه الصغيرة التي مرضت وباتت حياتها مهددة بسبب موقف أبيها) لشعيب ابن زعيم القبيلة المجاورة ويدعى صلاّل! وربما زاد من عنجهية سعدون وقسوته على ابنته الصغيرة العاشقة ما سمعه من الوشاة: أن ابنته حسنة وحبيبها ناصر قد أقسما على الوفاء حتى لو كان الثمن حياة كل منهما.. وأنهما حين يئسا من رحمة سعدون ارتبطا بعلاقة غير مشروعة!! وهذا ما حصل فعلاً والذي لم يكن قد سمع به سعدون هو أن ابنته حسنة أمضت الليلة التي سبقت ليلة زفافها إلى شعيب.. أمضتها بطولها على فراش حبيبها ناصر وهذا يعني ان الحبيبين ناصر وحسنة قد عالجا الخطأ بالخطأ والجريمة بالجريمة وهي اشارة حاذقة من شمران الياسري مؤداها  ان الصراع الحتمي بين الخير (الذي رمز اليه بحسنة وناصر) والشر (الذي رمز اليه بشعيب وسعدون) لا ينبغي أن يدفع الخير إلى استعارة أسلحة الشر مهما كانت الأسباب!! ولم يقف ناصر عند نقطة (كسر التابو) فوقف في وجه الزعيم سعدون وأولاده وأزلامه وحرَّض الفلاحين والمعوزين والمقهورين ضد أطماعهم وجشعهم.. ولم تكن نقلته من الريف (النقي) إلى المدينة (الملوثة) أمراً عابراً وسهلاً.. فالمدينة عهد ذاك كانت تغلي كأنها على فوهة بركان! فيشتغل ناصر عاملاً في شركة نفط كركوك ويتلقى من رفاقه ثقافة سياسية جديدة لا عهد له بها من قبل ويتفاعل مع هذه الثقافة ويحبها ويستزيد منها!! فإذا حدثت انتفاضة (كاورباغي) اسهم فيها إلى جانب الجماهير الغاضبة.. فاستشهد مع من استشهد من رفاقه وأصدقائه.. وينبثق من هنا دور أخ الشهيد ناصر واسمه (الملا نعمة).. وهذا الملا كان ناقماً على الوضع المتردي للقرية.. ناقماً على المسؤولين عن عذابها من الزعماء والعملاء  والغوغاء فيضطر بعد أن أيقن أن الخطر بات يهدد حياته لمغادرة القرية إلى المدينة! وثمة دور آخر مستجد لفاضل وكامل ابني ناصر وهما يمثلان الجيل الثالث! كامل اشتغل عاملاً في مطبعة وفاضل معلماً في مدرسة ومع مجيء ثورة تموز يوليو 1958م وقف الثلاثة إلى جانبها وأسهموا في تعزيز انتصارها!! فضلاً عن الأبطال السلبيين الذين تموضعوا في خندق جماعة سعدون.. مثل أحميّد أبو البينة.. هذا البطل السلبي المحتقر من قبل رجال القبيلة ونسائها وأطفالها فالقرية تعرف جبنه منذ أن دارت معركة بين آل مهلهل وآل صلال..وتعرف أيضا بخله الذي بات مضرب المثل فإذا جاء دور ابنه صالح ليعمل راعي غنم للشيخ بانت الصفتان الذميمتان اللتان ورثهما عن أبيه.. فالثابت أن   صالح استغل رعب الشيخ من الخطاب السياسي لثورة يوليو 1958 فتظاهر بالحرص على غنم الشيخ.. وأخذها منه ليرعاها ويحميها ويبعدها عن أعين الثوّار والحسّاد!! فوثق به الشيخ في لحظة ضعفه ورعبه.. وحين أيقن صالح ان زمان الشيوخ قد ولى وأن الثوار يقبضون على الوضع الداخلي بيد من حديد.. قرر استغلال الموقف ليعبّر عن انتهازيته ودناءته المتأصلتين في دمه.. فيبيع الغنم بثمن باهظ لم يحلم به من قبل ثم يهرب بعيداً بأحلامه الصفراء: شراء بيت فخم وسيارة فارهة آخر موديل وشراء زوجة جميلة جداً!! لكنه يفاجأ بالواقع المرّ الذي يشظّي أحلامه حين تأيد له أن الدولة استبدلت النقود القديمة بنقود جديدة فما عادت لنقوده قيمة إطلاقا وهكذا يتفرط عنه المنتفعون الذين حلموا معه بالثراء والجاه والمتع!! الرواية كمامرّ بنا مبنية على معامل الصراع فاضطر الروائي شمران الياسري إلى جعلها طويلة إذ زادت على ستمائة صفحة فاستعان باسترجاع عدد من السنوات المشحونة بذكريات الجهاد ضد الأجنبي في معركة مايس 1941 التي دارت بين الثوار بقيادة العقداء الخمسة والإنجليز في مدينة (سن الذبان) ومعركة 1948 التي دخل فيها الجيش العراقي أرض فلسطين ثم معركة 1956 التي انتصر فيها الشعب المصري على اساطيل بريطانيا وفرنسا واسرائيل وانعكست على الشعب العراقي الذي ساند أشقاءه في مصر فتلقّى أبناؤه رصاص شرطة نوري السعيد[1] لقد أهدى شمران الياسري لمكتبة الرواية العربية (والعراقية بخاصة) رواية ذات أبعاد فنية متماسكة وهموم أيديولوجية واجتماعية مركزية، فأنت أمام أجيال من الأبطال تنمو بشكل تلقائي جسدياً وروحياً واجتماعياً دون ان تستشعر ثقل الزمن ووطأة طول الرواية! وإذا كان من مزية لعنصر الصراع في هذه الرواية الشاسعة فهي أن الصراع نابع من الحياة التي نشأ فيها الروائي، وأن هموم هذا الصراع ليست هموماً خاصة، بل هي هموم المتلقي فضلاً عن ان الصراع كان بطل الرواية، أو  المحرِّك الذي ولّد شحناتها الجمالية والأيديولوجية! وإنما يلاحظ الدارس أن الروائي المبدع شمران الياسري قد اثقل الرواية بمحاولته الصابرة في نقل التفاصيل الجغرافية والتاريخية والاجتماعية بأقصى درجات الدقة فلم تفت روايته شاردة أو واردة  كما أثقلها في زعمنا بثقل الأفكار والقناعات التي يحملها أبطال روايته من الفلاحين البسطاء الذين ثاروا ضد الاستعمار الإنجليزي بسبب أن شيوخهم طلبوا اليهم ذلك معزّزين بفتاوى علماء الدين في النجف وكربلاء والكاظمية!! ومعلوم أن الروائي حذر دائما من الباس ابطاله ثياباً أوسع من أجسامهم أو أضيق[2]  زد على ذلك أن الروائي شمران الياسري -دون قصد بالتأكيد- كرّس فكرة الشر الوراثي والخير الوراثي فالجد الذي قهر الفلاحين يورث ابنه كراهية الفلاحين، والابن يورث الحفيد وهي فكرة لا تصح دائماً، فقد تلد أسرة اقطاعية ثائراً دون ارادتها ورغبتها وقد تلد عائلة ثورية ابناً خائناً.. إن قدرية الخيانة على جيل من الأجداد والأبناء والأحفاد هو منـزلق على أي حال[3]! وما يتبقى لنا هو الأخذ بمبدا لذة الخطاب السردي الروائي إذ لا يمكن القبول بفكرة خلو أية رواية من عنصر الفكرة!  فالفكرة مكلفة بمسؤوليات كبرى داخل الرواية مما يتعيّن عليها انتقاء المكان والزمان والشخوص والحوار بحساسية جمالية عالية! والروائي الموهوب كدأب شمران الياسري لا يثقل الفكرة بجسد الرواية كما أنه لا يثقل الرواية بأعباء الفكرة! ثمة تماه محسوب وتلقائية حاذقة!  والفكرة مهما كانت عظيمة وإنسانية لن تصنع رواية مقروءة  وخالدة ما لم ترتكز على عنصر الإمتاع والإدهاش او مايسميه رولان بارت لذة النص ! أما الزعم بأن الرواية ينبغي أن تكون صادقة  أمينة وهي تنفذ الفكرة بتقنياتها الذاتية والمكتسبة (المقتبسة من مهارات الروايات الأخرى) فهو زعم لا يلجأ اليه سوى الروائيين ذوي المواهب الواهنة الضعيفة! نقل عن جورج اليوت1819-1880 في صفحات من مذكرات  قولها :  (ما دامت الغاية هي امتاع القارئ فانه يترتب على ذلك ان يكون ثمة طرق تيسر بلوغ هذه الغاية)[4].  وكان جيرار نرفال (1808-1850) وهو الروائي الرومانسي أكثر زملائه حماسة واحتفاء بعنصر (الفكرة/المتعة) فحين كتب روايته رحلة إلى الشرق حافظ على فكرتها الرئيسة وهي أن الإنسان المبدع مخلوق غريب حتى بين أقرب الناس إليه وأن محاولاته للانسجام مع المجتمع المدجن أمر مستحيل!! 5 وذلك ما أردنا التلبث عنده ! فلقد اسهمت رباعية شمران في تحبيب المكابدة الفنية بمكر فني ! بعبارة ثانية ان الرواية نقلت الواقع الخشن بكل ثقله وعذاباته الى الواقع المتخيل ! بعبارة ثالثة ان الرباعية نقلت الوقائعية التاريخية والنضالية الى الجمالية الفنية وبهكذا اسلوب يمكن ضمان جذب المتلقي الى الهم الطبقي من خلال الخطاب الجمالي ! ولقد برع شمران الياسري في منح البهجة وهو يمسك بعصا المايسترو لكي يصل الى لحظة التسلطن وهو يواشج بين ايقاعين ايقاع الفكرة وايقاع الاسلوب دون اقحام او تسلط ! يقول الروائي غائب طعمة فرمان في مقدمة الجزء الاول من الرباعية  في اسلوب شمران الياسري الروائي بمقربة من فكرة النص المبهج :  عالم مجسد رحب معمور بانفاس الريف واناسه صنعه قلم ذو دراية ممتازة بما يريد ان يقول وحب عارم للوسط الذي يصوره ... انه انسان نابت في ارضه يعرف كل شبر منها عاليها وسافلها حلوها ومرها مذاق ثمارها وملوحة عرق الكادحين فيها ! يتغنى بشفافية روح بشجاعة قلب وحكمة فطرية ومكتسبة بما يمثل الهيكل الانساني لحياة ابن الريف لقد وظف شمران نباهته ورهافة حسه ولذاعة سخريته ووضع كل ذلك في يد صديقه واخيه الفلاح ليلتمس مواطن الضعف والماساوية في حياته ويجعل من حياته البسيطة في احيان كثيرة قصصا يمكن ان تروى وتجلب التعاطف وتسجل تاريخا لم يجرؤ المؤرخون على تسجيله . إ . هــ  وكان الياسري كداب الاخوين كونكور وهما روائيان فرنسيان كان يعايشا ابطالهما معايشة واقعية دون ان يعلم البطل الواقعي نيتهما ! فهو يحمل ابطاله في روعه  اولئك اللذين عايشتهم في قيظ  الحياة وقرها وحلوها ومرها وقد يتهيأ للروائي شمران الياسري انه استحضر شخوص الماضي كما يستحضر الساحر في عزائمه ارواح الغابرين ! حتى ليخيل للياسري انه يسمع اصواتهم ويتقرى ملامحهم وقد يمسك بهم ! وهذا القول ليس من نسج خيالنا نحن بل كلام الياسري قاله او كتبه في مناسبات عديدة  ! وفي هذا الموضع نقتبس قولتا للصديق الكبير عبد الحسين شعبان : لم يكن شمران الياسري متفّرجاً على ما  يجري في الريف وحياة القرية في اطار مشهد خارجي وتعاطف انساني! بل كان من الريف وكتب عنه! مقدِمّاً البيئة الريفية بقدرٍ من التشويق والتوتر والانفعال، عاكساً حياة الفلاحين والريف العراقي كمقطع من الدولة العراقية التي أرخ لها في رباعيته من العام 1923 وحتي العام 1963 و... يمكنني القول ان فصلاً مهماً من تاريخ العراق السياسي، كان سيبقي غير مكتوبٍ، ولربما مجهولاً بما في ذلك التراث الشعبي لولا موهبة ابو كاطع الذي امتلك أدوات تصويرية وقدرات تخيليّة لإلتقاط واقع الريف العراقي، برؤية شفافة، بحيث اختلط الواقع المعاش بالخيال المتصوّر في حبكة درامية، أكتمل بناؤها في حالات وظلّ غير مكتمل في حالات أخري. وبهذا المعني يصّح قول مكسيم غوركي بأن التاريخ لا يكتبه المؤرخون بل الفنانون الذين يكتبون التاريخ الحقيقي للانسان . إ. هــ ! 6 فسلام عليك يا ابا كاطع الياسري وانت تجود بمهجتك لتصنع افقا للرؤية صافيا في روايتك في عمودك الصحفي في حكاياتك الاذاعية في غربتك في موتك التراجيدي .

 

هوامش

[1]- الياسري. شمران. 1-الزناد. مط الشعب بغداد 1972 . والأجزاء الثلاثة اللاحقة 2- بلابوش دنيا 3- غنم الشيوخ 4- فلوس أحميد.

 انظر مسلم . د. صبري . أثر التراث الشعبي في الرواية العراقية الحديثة ص 137.

2- حلواني.د.فادية المليح.الحامل الأيديولوجي في الرواية.ص 109.مجلة المعرفة السورية.السنة 37.عدد 420 أيلول سبتمبر 1998.

3- أبو خضور. محمد. دراسات نقدية في الرواية السورية. ص 110. طبعة  اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1981.

4- نجم . محمد يوسف . فن الرواية ص16

5-  جارودي. روجيه . واقعية بلا ضفاف. ص261 ترجمة  حليم طوسون. طبعة  الهيئة المصرية للكتاب. 1998.

 6- شعبان . د. عبد الحسين .  أبو كاطع على ضفاف السخرية الحزينة طبعة دار الكتاب العربي.  لندن  1998.

  

مشيغن المحروسة

السبت السادس من تشرين اول اكتوبر 2007

 

أ. د. عبد الإله الصائغ


التعليقات

الاسم: احمد شمران الياسري
التاريخ: 20/10/2015 22:26:54
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اتقدم لجنابكم الكريم بالشكر والامتنان على جميل ما بذلتموه من جهد لتقديم الراحل شمران الياسري والقاء الضوء على نتاجه الادبي باسلوبكم الرائع السلس.وليس بصفتي ابنه.لكنني اجل واحترم من يستذكر اولائك الجنود المجهولين في ساحات الادب والفنون الذين غيبهم الظلم في المنافي وتوزعت قبورهم خارج تراب الوطن الذي اعطوه كل حياتهم..دمت لنا علما شامخا وبوصلة نهتدي بها ومعلما معطاء معطاء ننهل من فضل علمه .حفظكم الله ومتعكم بالصحه الطيبه وطول العمر

الاسم: حمودي الكناني
التاريخ: 01/09/2015 19:14:28
شكرا دكتور أبا وجدان لقد اهديتني الى كنز ثمين ....الا وهو هذه الدراسة الثمينة حول رباعية ابو كاطع . شكرا لك سيدي الكبير وتمنياتي لك بالصحة والعافية وطول العمر والرحمة على روح ابو كاطع .

الاسم: أ.د. جعفر عبد المهدي صاحب
التاريخ: 01/09/2015 07:38:42
في قراءة هذا النص متعتان المتعة الأولى لأن الموضوع حول شخصية أدبية سياسية اجتماعية بحجم المجاهد البروليتاري شمران الياسري....والمتعة الثانية هي قراءة ما كتبه العالم الموسوعي البروفسور عبد الإله الصائغ.
لقد عودنا الدكتور الصائغ على متابعة انتاجه الثقافي والفكري الثري في معلومته والرصين في صياغته والمضني لصاحبه في بحثة والمفيد في حصيلته....هذه الأمور تجعلنا نتابع بشغف ما ينتجه الصائغ الكبير.
نهنئ أنفسنا بالصائغ ونهنئ الصائغ بعملة الابداعي.

بروفسور دكتور /جعفر عبد المهدي صاحب
أوسلو - مملكة النرويج

الاسم: عمار الياسري
التاريخ: 18/02/2012 21:58:56
شكرا جزيلا لهذه النبذة الرائعة عن الراحل

تقبلوا شكري ومتناني

الاسم: عراق
التاريخ: 15/12/2009 22:41:42
شعر و احساس وثورة واستشهاد

معاني رائعة لاناس ابطال

الاسم: احسان شمران الياسري
التاريخ: 15/01/2008 16:30:00
الاستاذالعزيز عبد الاله الصائغ المحترم
شكرا على ما كتبته عن المرحوم شمران الياسري.. هذا جهد عظيم.
كيف لنا ان نتواصل وقد اسسنا موقعا الكترونيا باسم (مركز شمران الياسري للثقافة والاداب) shamrancenter.com
ان ما كتته موجود الان على الموقع
مع تقديري
احسان شمران الياسري.. الابن الاصغر لابي كاطع




5000