..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
......
امجد الدهامات
.......
د.عبد الجبار العبيدي
......
كريم مرزة الاسدي
.

 
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

 

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................


اطلاق
اسم الشاعر الكبير
 (يحيى السماوي)
على مهرجان النور
الثامن
 

يحيى السماوي  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


تلك المدينة..الفيصلية - 3- يوم الثيران

جاسم العايف

تلوح سماء خالية

إلاّ من بعض ظلالٍ

تتحرك

صامتة

لأناسٍ (موتى أم أحياء؟)

ظلالٍ لا تلتفتُ إليهِ

ولا يوقفها قمرٌ

أو شمسٌ أبداً

أو شجرٌ يهتزّ

وقد يبصر ظلّه

فيحار

ويسأل-:

ماذا يفعل ظلّي

بين ظلال الناس هناك؟"

                         (نوافذ)/ عبد الكريم كاصد

 (*) أضواء 14 تموز958 قبل أن تهب عليها ريح عاتية لتطفئها في فصل من فصول الدماء العراقية ، المتواصلة حتى اللحظة، شفّت الـ (فيصليين) من اسم مدينتهم الملوكي الجرس، إذ تحوّل ذلك الاسم في الأضواء الجديدة إلى (الجمهورية) التي انتعش قاموس قاطنيها بمفردات حيّة، فصاروا يتداولون كلمات  لها وقع جديد منها"البرجوازية" بصبغتيْها، الوطنية، والعميلة، وبتلونات أصنافها، صغيرة، وكبيرة، ورجعية، وتقدمية ، وسارت إلى جنبها مفردات أخرى من قبيل الكومبرادور، والطبقة العاملة وحلفائها ، ورأس المال، واليسارية ومرضها الطفولي اليساري المزمن، والمركزية الديمقراطية،والديالكتيك والوطن الحر و شعبه السعيد..الخ ، وباتت أسماء ماركس وانجلز و لينين وستالين و ماو وفهد وحازم وصارم وسلام وعبد الكريم ،على كل لسان.. وصار الآباء والأمهات يطلقون الأسماء الخمسة الأخيرة على أبنائهم حالما يخرجون من أرحامهم .  أما البنات فتسمّيْنَ بـ (جمهورية) و(شعبية) و(ثورة) و(اتحاد) و(رفيقة)، بل  وحتى  (كوبا ) ، وإلى جوار هذه المفردات ذوات اللون الخاص وبالتقاطع معها أساسا، عرفت طرقات الجمهورية ،الترابية، مفردات وجمل ذوات لون آخرـ على قلة متداوليها ـ مثل:"القومية و الوحدة والحرية والاشتراكية ، والشعب العربي الواحد من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي..الخ" . وانعكس ذلك (الانقلاب) أيضاً على بعض أسماء مواليد أخرى فثمة (جمال) و(عامر) و (عروبة) و(بعث) و(حرية) و(ميسلون) و(وحدة) وكذلك(قاهرة)..الخ . كلمات.. كلمات لا يفقه اغلب مَنْ يذكرها ،في تلك الأيام، ما يكمن خلفها أو ما ترمي إليه من مواقفٍ ومعانٍ .. أو ماذا سيغدو حصادها..كلمات كانت مهموسة ،سرية، ولا (يرطن) بها أحياناً إلا بعض المتنورين في خلواتهم .. خاصة المعلمين الذين كانوا متميزين بلغتهم ومستواهم المعيشي محسودين بالرفاهة التي هم عليها المنعكسة بالملابس الجميلة الأنيقة التي يرتدونها ، وبالحمالين السائرين خلفهم، عند تبضعهم في سوق "الفيصلية" .  كان أولئك المعلمون على درجة عالية  من الاحترام الاجتماعي  حتى إن  امرأة "فيصلية" لا تقرأ ولا تكتب  حاملا في شهرها الأخير؛ نذرت إذا ما جاءها  مولودها،بعد نصف دزينة من الإناث، ذكراً فإنها ستخضب باب بيت احد المعلمين بالحناء.. كان ذلك نذراً وفت به بعد ولادتها له.. عسى ولعل وليدها سيغدو ذات يوم معلماً.

  أقفلت "الجمهورية" أبوابها على من " يعادي الثورة"، التي لم تبلط فيها شارعاً ما، ..وباتت أحلام  سكانها بالعدالة والرفاهة مشرعة.. وآمالهم في (زعيمهم الأوحد) الذي سيغير حياتهم ،لا حدود لها ،والذي  كان غالبا ما يمنح الموظفين والعمال والعسكريين والمتقاعدين، نصف الراتب الشهري بصفته منحة الأعياد والمناسبات .. وبات بعض أبناء (الجمهورية ) ممن أنهى الخامس الإعدادي طلبة بعثات ،خارج العراق،حكومية،وأخرى خاصة،  وقسم منهم قُبل في "الكلية العسكرية"، وعبر إلى "كلية الأركان" بعد ذلك، وأحدهم لتميزه أرسل في سنته الثانية، للدراسة في أرقى كلية تُدرس العلوم العسكرية في بريطانيا، وآخر أيضاً أرسل إلى (الاتحاد السوفيتي) للتخصص في السلك البحري وبعد عقدين أصبح قائداً للقوة البحرية العراقية ،وقسم منهم قبل في "كلية الشرطة" ، مع إن بعض آباءهم قذفتهم سنوات الجوع العراقية ،الملكية، للتطوع في الجيش أو الشرطة وبقي يحلم برتبة عريف فقط  وأحيل على التقاعد أو تمكن منه الموت ولم ينلها!!..والبعض الآخر شد الرحال طلبة مُجدين، في مختلف كليات جامعة بغداد التي تأسست بعد (الثورة) . بعض شابات "الجمهورية" بتن يخترقن- بعد الظهر- شارعها الرئيس الترابي، بأبهة وفخامة وألق وتحد، وهن يرتدين زيّ "المقاومة الشعبية" سافرات بالقميص والبنطلون الخاكي ، توشح رؤوسهن البيرية السوداء أو الكاسكيت الخاكية، ليصعدن بجرأة وفرح  سيارات (الزيل) العسكرية، ذاهبات عصراً للتدريب على السلاح، دفاعاً عن الثورة ، في "معسكر محمد القاسم" وبعض شباب "الجمهورية" كذلك . وفي يوم من أيام الثورة التموزية  أُعلن أن مبعوث الثورة "العقيد الركن عبد السلام عارف" سيزور لواء البصرة، و اللقاء  سيكون في ملعب "الجمهورية" الرياضي وهو- حسب ما أتصور- من بركات " السيد كولبنكيان" صاحب الخمسة بـ(المية) من أسهم  النفط البصري ..رغم القيظ وحرارة الشمس ورمال الملعب الحارقة تقاطر الناس، من كل حدب وصوب بصري أليه..قصابو "الجمهورية" احضروا اكبر ثور اسود عثروا عليه، لمناسبة الزيارة تلك ومعه ثيران أخرى ، اصغر منه.. وكتبوا على لافتة بيضاء يتجاوز طولها أربعة أمتار ، ربما أكثر، و بخط احمر كبير جدا:" هذا فداء قادة الثورة.. ونحن فداء الثورة" ؛ وما أن ترجل "العقيد الركن" أمام الملعب حتى نحروا الثيران كلها دفعة واحدة، وتركوه يغمس حذاءه العسكري بدمائها..ذلك الحذاء العسكري، ذاته الذي  صبغ تراب العراق كله بالدماء.  كما أعلنوا حينها إن لحمها سيوزع في اليوم التالي في دكاكينهم مجانا على الناس.. ووفوا بما تعهدوا به. اعتلى "العقيد الركن" المنصة بأناقته العسكرية ووجه الممتلئ الوسيم ورشاقته المعروفة ورتبته اللامعة، التي خطفت أبصارنا بخطها المشع الأحمر وقبل أن يحيي الحاضرين.. زمجرت الحشود بصوت هستيري واحد منظم عال-: "إتحاد فدرالي ..صداقة سوفيتية"!!.. بهت "العقيد الركن" عندها..حاول أن يهدئ روعهم  فلم يفلح ..بذل ، المذيع المصري رشاد أدهم، و كان يرافقه في كل جولاته، جهوده كذلك لمساعدة العقيد، فلم يستطع أيضاً..بسمل العقيد الركن وحاول أن يفتتح حديثه للمحتفين بقدومه بصفته احد ((قادة الثورة ورسولها)) إليهم  بآية قرآنية فلم يعبأ أي منهم بما قال..توسل بهم أن يسمعوه فلم يجد منهم إصغاء. وبدا، في تلك اللحظة  وهو في أعلى المنصة ، وهم يهدرون ويتقافزون ويتدافعون تحتها ، وتحت بسطاله العسكري الملوث بدماء الثيران، اجرد تائهاً في محيط معادٍ منذ أول وهلة وأحس انه ،كمن وقع في كمين ، وأضحى منكشفا معزولاً، إلا من قلة محشورة  في زاوية نائية من الملعب، تحمل لافتات صغيرة، وتردد بحياء وخوف وقلق منفردة عن الحشود  "وحدة .. وحدة فورية" .. حاصرتهم الجموع، ففروا خارج الملعب حفاة غانمين بالأمان ، وعندما لم تتمكن منهم مزقت لافتاتهم الصغيرة وأحذيتهم التي تركوها طلبا للسلامة في ذلك اليوم العاصف والذي من المفروض أن يُحتفى فيه، بما هو لائق أو مناسب بـ ((رسول الثورة واحد قادتها))...عندها تصنع ((رسول الثورة)) الإغماء، فُأجلس على الكرسي، وبُلل وجهه بالماء من مرافقيه ، واستراح برهة  ليستوعب الوضع الذي هو عليه.. ثم نهض وبعصبيته المعروفة وبلغته العامية الفجة صاحَ-:"ﮔـواو... خلوني آكل خَـ...!!"؛ فردوا عليه مجدداً و بإصرار وهدير متواصل لم ينقطع ، يرافقه هيجان، ودوي كالإعصار بـ"الصداقة السوفيتية والاتحاد الفدرالي" وزادوها بـ" تعيش جمهورية الصين الشعبية الديمقراطية "..!!. اسأل الآن وأنا استعيد تفاصيل يوم (الثيران) تلك.. تُرى هل كان كل ذلك عفوياً؟.. أم كان مخططاً ، يوصف عادة ، بالأدبيات السياسية العراقية الرائجة حينها، ولعل بعضها لازال مستمراً ، بـأنه ممارسات  "شعبية ، جماهيرية ،عفوية، غير منضبطة أو منظمة"!؟.. اشك في ذلك الوصف ؟.. تُرى ألا يمكن أن يكون  بحث مشاكل التغيير الاجتماعي والنشاط السياسي المشروع للجميع، في تلك الأيام التموزية، التي ومع قادم الأيام باتت دموية ، بوسائل وممارسات أخر..؟ أم هو رأي يبدو حاليا وكأنه يتجاهل عدداً من الاعتبارات ، التي كانت مهمة في عرف البعض ولا قيمة له آلآن!؟ .

  مذ لحظة أن غمس العقيد الركن "بسطاله" في دماء الثيران أو قبلها بقليل وبعدها وما رافق تلك الأيام والسنوات ، كرست ممارسات يومية من كل الجهات ، لاستثمار انحياز سلطة العسكر مؤقتا، لهذا الطرف أو ذاك، وتم إشاعة ثقافة احتقار القانون والتشكيك بقناعات الآخر وعدوانيته، لأي  سبب كان ، حتى وإن لم يصفق للعسكر مصادفة أو غفلة ، وشاعت قيم الانتقام و الثأر والكسب العددي. ما إن اُستبدل اسم "الفيصلية" حتى تصدعت وانقسمت "الجمهورية" - كالعراق كله- على نفسها فبات لكلٍ من سكانها ،مقهاه، وصحبته، وجريدته السرية أو العلنية،وإذاعته وكتابه، وشعاره، ومنشوره السري الخاص.. وحتى حلاقه ، وشاعت على السنة بعض سكانها مصطلحات جديدة أيضاً لم تكن مألوفة في ما مضى ، منها:" ملحد،كافر، زنديق، شعوبي ،عملاء موسكو ،والطابور الخامس،مستقل، قاسمي، فوق الميول والاتجاهات ، ونفذ ثم ناقش..الخ " !!.

  ما إن استدار الـ(الأوحد) القابض على السلطة بـ(مفرده) قليلاً،لـ"حفظ التوازن ولفضح الممارسات الهمجية"،كما ردد ذات مساء ، حتى تبعثرت تلك الحشود، وبات بعض مَنْ امتهن السياسة ،رزقا وتكسبا ووجاهة،من كل الأطراف، يتلاعب بمصائر الناس، و يبرر كل ما حدث أو سيحدث ، دون ندم أو حياء أو جزع لدماء الضحايا من كل الألوان ، ضحايا بلا ذنوب أو خطايا أو آثام  ارتكبوها ، صبغت أحزان ذويها كل مدن العراق،دون أن يقدم أولئك((الساسة- القادة)) ، حتى وهم يهربون ، بعد عقدين ونيف ، تاركين حشودهم مقهورة منكسرة لقمة سائغة بين فكي ذئب دموي شرس نهم ، (مرابطين،آمنين) خارج العراق ومتنعمين بحياة مستقرة هانئة فاتحين دكاكين و(بازارات) مذكراتهم ، دون تقديم كلمة اعتذار صادقة واحدة للعراق ولشعبه ولضحاياه، عما خططوا له ومارسوه - مع سبق الإصرار- خلال ((سنوات جمر)) العراقيين وما أكثرها. وكانوا وهم يخرجون من أوكارهم المظلمة الرطبة ، مهما كان لونها ومكانها والآراء والأفكار التي خلفها ، منتشين بالجاه والسيطرة والشهرة والنور، وأضواء الكاميرات والمقابلات الصحفية المفبركة، ولا استثني أحداً منهم ومن كل الألوان و الاتجاهات.. وتسيد الخوف والرعب والشكوك والريبة و الانتقام والثأر المتبادل ، كل شيء.  تبعثرت الحشود ، وبات أعلى الهتافين صوتاً، إدلاء ووكلاء متطوعين ، بسعار لا شبيه له ، للشرطة الأمنية السرية ، وقسم منهم لاذ بالسلامة قانطاً ، وبعضهم عبر عن ندمه وأُمر بنشره، إمعانا في إذلاله ، بالصحف على حسابه الخاص، (متبرئاً) مما أعتقد ذات يوم أنه (حق)، وقسم منهم تبخر كأن لم يكن له وجود قط ، وبعضهم عبرَ إلى الضفة الأخرى، وتاه البعض محبطين ولائذين بالليل ومتع الحانات ولغو البارات ، ومنهم  مَنْ بقي وفيا لما اعتقد، فقبع في المواقف لأشهر و خرج منها، مفصولا من عمله أو حالفه الحظ ليغدو((مجمداً)) بنصف راتبه الشهري، وآخرين تمسكوا بقناعاتهم بإصرار فتلقفتهم المشانق وغرف التعذيب والمصير المجهول، والسجون لسنوات ، تاركين بنات وأبناء بلا أباء، وشقيقات بلا أشقاء ، وزوجات بلا أزواج ، ولا من عبأ بهن أو بهم  ؛ وقبل زيارة "العقيد الركن" الأولى  للبصرة ، وعودته ثانية كـ" مشير ركن" و"رئيس الجمهورية العراقية الثالثة"-، نائياً وباشمئزازٍ عن مدينة "الجمهورية" وملعبها، وحتى لحظة سقوط طائرته في "نشوة" البصرة ، فُتحت أبواب جهنم على العراقيين والعراق- الوطن الذي خُط على خارطته نشيد (دانتي) في (الكوميديا الآلهية) والمعلق على أبواب "الجحيم" في  مع تحوير بسيط إذ اصبح: "أيها الساكنون هنا، والمولودون في قادم الأيام كذلك هنا..تخلوا عن كل أملٍ.."!!. 

 

 

* جزء من فصل في كتاب استذكارات بعنوان (تلك المدينة..الفيصلية) .         

 

 

 

جاسم العايف


التعليقات




5000