..... 
....
......
مواضيع تستحق وقفة 
.
.
.
رفيف الفارس
.......

 
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


قصة قصيرة جدا

محمد رشيد

 المــــرفأ الأخيــر

 

    كانت خطاه واثبة في معترك الحياة .... في يمينه يغرف من محيطات الأدب ، وفي شماله يحمل مشعلاً يوفر له خبزاً مغمساً بالشهد .... ظل يعوم في أعماق تلك المحيطات يفتح أبواباً أكثر عتمة من سابقاتها ليشظي الظلام .. أي ظلام بنور قلمه الذي أهدته إليه فراشته ذات يوم , هكذا ظل ... تارة يرتدي ثيابا خضر يتوغل في دهاليز المستشفيات لإنجاز موضوعة ظلت تؤرقه في الهزيع الأخير في ليلة ما .. وتارة أخرى يلج خلسة في هيبة دار للعدالة بثياب مجرم يترقب مطرقة القانون وهي تكاد تهوي على ما تبقى من محطات عمره ، أحياناً يتنكر بهيئة عجوز هرم ليراقب عن كثب مديرة الدار وهي تروض المستحيل لهؤلاء المسنين لتنشر البياض . أخيراً  وصل المطاف به إلى مستشفى خاص نزلاؤه في خصام أزلي مع الواقع ليفض بكارة هذا العالم ؟ تخطى أسواره الداكنة تقمص هذا الدور الشائك بمهارة لكن هذه المرة طال انتظارها ولكي ينجزها ظلت قصته على أمل أن يلتقي بها بعد مشواره الملغوم هذا كعادته لكنها ظلت في هذه المحطة تنتظره وتنتظر ذلك البريق ليزيح وحشتها لكنه .. لم يعد .

 

 

 

 رجل أبيض

  تحسين عبد الرضا     

عند عودتي إلى البيت ، مررت بسوق الخياطين ، هذه المرة الثالثة أو الرابعة التي اذهب بها إلى الخياط  واسأله عن مصير قطعة القماش البيضاء التي وعدني بأنه سوف يجعل منها دشداشة راقية جدا وفيها حتى البركة ،  منذ أن رآني عند الباب قال لي بأنني ابن حلال جئت في الوقت المحدد بالضبط ‘ لقد انتهيت الآن من تثبيت أزار ثوبك الجديد ، وبإمكانك أن ترتديه الآن على سبيل التجربة ، واخبرني بأنه طول فترة خياطة الدشداشة كانت عيون جدي ملة حسن تقف أمامه ، ترحم على والدي وما خلفه من الذكر العاطر ، وأثنى على جدي ، أطنب بالثناء عليهما و لم ينلني  منه شيء قط ، دفعت له باقي الأجرة دون أن ارتدي ملبوسي الجديد إمامه ، لف الدشداشة البيضاء بقطعة جريدة قديمة ، ودعني متمنياً لي ملبوس العافية والرزق والإيمان ؟

 عدت إلى البيت وعيون جدي تستقرأني من الأعلى إلى الأسفل، وبالعكس ، أعاد عليّ اسطوانته المشروخة التي مللت سماعها لدرجة إني حفظتها مع ما يضاف إليها من جديد في كل مرة ‘ فهي كلام واعظ يقبض على النفس واللسان ، منذراً بالموت المحتوم ، وداعياً للعزوف عن مباهج الحياة ؟

 شممت الدشداشة فما زالت تعلق بها رائحة المكوى ورائحة القماش نفسه ، اختلطت عليّ الرائحتين  ، تارة تكون محببة وتارة تكون منفرة ، كنت ابحث عن رائحة الرزق والإيمان التي ذكرها الخياط ، ألا إني لم أجد إلا رائحة اقرب إلى رائحة المنكر الذي اشربه كما يسميه جدي ، أنها شيء وهمي مثل خط الاستواء.

جدي هذا اتقى أهل عصره ، وأبرزهم في الزهد والصلاح وسلامة الباطن ، اقرأنه يعتبرونه  باب من أبواب الرحمة الإلهية الواسعة، التي دعا الله البشرية إلى الالتجاء إليها عندما تعصف بهم رياح الحيرة .

  في الحقيقة إنا أخشى متعمدا هذا الباب وهذه الرحمة ، فلا أريد أن يكون مصيري مثل مصير أخي الكبير وأصدقائه الأربعة ، اللذين ذابوا بصمت مطبق ، وانطفأت شعلة شبابهم المتوهجة ولم يعد الشباب إلا ذكرى تنزف قد هشمت فينا كل المرايا الجميلة . .

 حل وقت الغروب وأطبقت الشمس أهدابها ، رسمت خطة ملؤها الكذب والافتراء ، لكي التقي بأصدقاء أعزاء عليّ ، لنمضي وقتاً فيه المرح والبهجة المنفلتة ؟ فأنا نشأة طفلاً لا اهدأ ولا استقر كنت صداعاً للبيت الذي امتلأت رئتيّ من هوائه العامر بوصايا الله ، تحت الزيتونة أو تحت السدرة تتلمذت على أنواع المشاكسات والرغبة الجامحة في التحرر من سطوة أي صواب ،فلي رغبات بان تكون لي معجزات قاراً على دعوتها للمثول ساعة ما أشاء ، وما أسعدني حين قضيت سويعات كانت جميلة جدا ، ليلة من الرفاهية، فالحياة الوردية هي أمنية جميلة يسعى وراءها كل البشر، كنا نضحك بالأطنان ، ونشرب بلا حساب ، رددنا مقطوعاتنا بتذوق واغتباط ، في حانتنا البعيدة التي لا يوجد غيرها في المدينة ، مدينة الصبر ومظاهر الألم ، بل الهامش بدون منافس ، التي لا تحتوي إلا على عدد من المطاعم المتواضعة ، ومن كل شيء متواضع شيء واحد فقط .

ثملنا لدرجة افتقدنا خارطة طريق العودة  إلى دورنا ، بجهد ربع واعي ، وقفت في بداية الجسر ذي الهيكل الحديدي، ابحث بعيون نصف مغلقة عن شخص ألقي على كتفه رأسي ، وبقدرة عجيبة وصلت إلى بيتنا الذي اعرفه من الجدار العريض المترامي حتى نهاية الزقاق المسدود ، الذي يحمل صفات البيت العراقي طعماً ولوناً ، وثمة كلب ابيض مبقع بالسواد يسير بقربي منذ بداية الجسر حتى باب البيت ، وقد بح صوته من النباح الذي اجفلني ووشوش ذاكرتي وقد ملأت رائحته العطنة انفي ،ولم أتخلص منه إلا  بعد أن أخرجت حجرين كبيرين أسليتهما من جيب دشداشتي البيضاء ، التي لم تعد بيضاء بل مبقعة مثل جلد الكلب الذي اصطحبني من الجسر الحديدي والذي قضى على بقية حلاوة السهرة الجميلة ، التي منحتني القدرة على التحليق عن الواقع ، وأنزلت فيها ثقل الكرة الأرضية عن رأسي ، وأنستني الحجابات وميدان الرمي والساتر الأول والكمائن.

  تسلقت عبر نوافذ البيت المطلة على الشارع ، كنت على حافة الهاوية ، إلى أن وصلت إلى سطح البيت بألف وسيلة ووسيلة، فأنا قد أخذت من الحمار صبره ، تعثرت بأشياء صغيرة غير مرئية ، رأيت رجل كبير ناحل نحول قلم الرصاص ، ذابل بذقن طويل غارق في النوم ، وحشد من نساء نائمات ، صبايا وصغيرات برؤوس مغطاة ، كنت اخشى أن أوقظ سكان البيت ،  وازنت جسمي بأذرع مفتوحة وكأني امشي على حد سكين ، ذرعت السطح طولا وعرضا أفتش عن فراش فارغ ارتمي عليه ، وجدته بعد أن انقطعت أنفاسي ، استلقيت على فراشي البارد وقد انتابني شعور بالخطيئة حتم عليّ الاستغفار بصوت مسموع لله وللذين أخطأت بحقهم .

  رقدت كالميت ساعتين ، استيقظت  حين بدأت الشمس بالنمو رويداً رويدا ،أيقظني وهج نورها الساطع ، فنزلت لأكمل نومتي في الأسفل ، رأيت أمي ترش الماء وتقرأ أدعية الصباح وتشعل البخور والمسبحة لا تفارق أناملها ، وهي تسرد للجميع عن رؤيا البارحة ، فقد رأت البارحة رجلاً طويلاً يلبس ابيض في ابيض ، يجول في سطح دارنا ، وهو يتمتم بالدعاء لسكان البيت ويستغفر لنا جميعاً وينفض بجناحيه حول كل ما يراه ، وهي تؤكد  لأخواتي وجدي إن بيتنا بين طاهر يجلب حتى الملائكة الصالحين .

 

خيمة الحنين

رحيم حمد علي

يعيش في مدينته الناعسة بأطلالها على دجلة الذي هو بحجم الدنيا، زرقته تتناغم بالسماء وتغرق بها، ارضها ، ارض الخصب، ارض تعتبر ابعد من كل الاشياء، لا يعلوها سوى السماء، وسوقها الشعبي، يعج ازدحاماً بالناس فيكون على اشده يوم الخميس من كل اسبوع على مدار السنة، يستوعبهم بضجيجهم وتدافعهم وارتطامهم ببعضهم ليزوروا هذه المدينة الساكنة في انكماشها الذاتي، لونها براق ذهبي لانعكاس اشعة الشمس عن احجار بناياتها المتراصة مع بعضها، يتوسطها سور ضريح احد عباد الله الصالحين، حيث يطلع منه اذان الصلوات الخمس. اناسها الطيبون يزاولون اعمالهم المعتادة في البيع والشراء وصيد الاسماك والرعي وموسم الحصاد. مدينته تستعيد زخمها في هذه الأعمال وتضم في ازدحامها جميع ما هو موجود للغوص في اشياء الحياة اليومية تلك. يتمدد دجلة في شرايينها يعبث بمويجاته المطوية على شواطئه العشبية، يبللها ويرتدي في الليل صمته الأزلي، أشجارها تراصت، كغيمة ثقيلة تزحف نحو شاطئه. كل الأشياء فيها  تتثائب في اغفاءة الظهيرة وتلوذ بالصمت، الا دجلة، تتلاطم امواجه لتغور في طراوة الرمل. يتحرك افقها فتتشكل اشجار النخيل مع بساتينها على جانبي النهر، لتختلط رائحة التمر بنكهة ما تحويه البساتين فتعبق في الفضاء النظيف.

            يخترقها الشارع الرئيسي المكسو بالاسفلت، والذي على يمينه يختفي النهر، فلا يكون منه غير صوت ورائحة لعلو الاشجار التي تشكل حاجزاً ممتداً يحجب الماء عن الرؤية، اما يسار الشارع فينكشف عنه النهر وتنبسط المزروعات التي ترتمي الريح الرضية على بساطها.

            ترعرع هذا الفتى منذ طفولته، كما هو الحال بالنسبة لسلالته في هذه المدينة، وكان يعلن في السر والعلن (مدينتي هويتي). كان مجد في كل الاشياء، في الدراسة والعمل، في العلاقة وفي التعامل، اكمل دراسته الابتدائية والثانوية فيها، ذكاءه حاد اعجب أساتذته وأبناء مدينته حتى ان احد مدرسيه تكفل بايفاء جميع ما يترتب من مصروفات عليه لاكمال دراسته. ترحل الى الدراسة الجامعية، لديه صديق أحبه وأحب عائلته بشغف كبير.

في هذه العائلة فتاة بنت الثامنة عشرة، هي البنت الوحيدة لهذه العائلة، فيها من الجمال ما يدعو للدهشة والمفاجأة عند الالتقاء بها لاول وهلة، فاتنة اكثر مما يتصور المرء، بشرتها معجونة بحمرة دمها، عينان سوداوان، شعر كالح مسترسل على كتفيها كأنها الحور العين.

            يزورهم كل ليلة للمطالعة مع صديقه، ذات يوم تملكه كما هي شعور غريزي مفاجئ بالامل الشديد لحب عفوي كادا ان يفقدا توازنهما، فلم يعد كل منهما ان يملك الهدوء الداخلي، وهذا شأن صبيان أي منطقة محدودة السكان، غالباً ما يحصل مثل هذا الشعور، نتيجة العلاقات الاجتماعية العفوية المتبادلة بين العوائل. سرعان ما تحول هذا الشعور الى حب عفوي، ثم ثم اخفاقات في قلبيهما فغرقا في فتنة الحب الجميل.

احبته ابنة العائلة الثرية، منحته كل الحب، ليغرق هذا الفتى ابن العائلة الفقيرة بحبها العذري الشريف، لا لجماله ولا لماله، انما لطيبة قلبه ومحاسن اخلاقه وتفوقه في دراسته.

بادلها بحب اعظم، رغم الفارق الطبقي للعائلتين، اذ غدت عليه عزيزة في كل شيء حتى بحبات الرمل الذي تدوسه قدماها.

            تتشوق اليه وتعد الدقائق الواحدة تلو الاخرى عند اقتراب الليل، موعد زيارته لهم والذي سمته لقاء العفة المأطر بخفقان القلب، كل ما تتوق اليه هو رؤيته، تعتبره خبز طازج حيث يكمن عزاء العالم كله في رائحة الخبز الطازج، يخفق قلبها له، تتمخض عنه العواطف التي تعالج بالعواطف... عندما يأتي الليل، تقف بالدار تنتظره تحت سقف السماء في طهارتها التي لا تشوبها شائبة وفيها فيض من النور والطراوة، تواقة من اعماق جوارحها الى لقاءه متذكرة إياه وهي تطالع ببصرها ذلك الافق حيث تكون الحياة حافلة ومليئة.

اذا جاء الليل ولم يحضر، تقوم بزيارة المكان الذي يجلس فيه وكأنه موطنها الاصلي وقد جاءته من رحلة تقوم بها بين الحين والأخر لخداع حنينها، فتشعر وكأن اطراف لرئتها تهتز كأنها ورقة وحيدة على غصن شجرة ما تهتز بالرغم من هدوء الهواء حولها.

            رغم ما صار بينهما من حب عزيز، الا انه يكن اشد الاعتزاز بصداقة قوية لاخيها حتى ان احد لا يجهل ابداً تلك الصداقة الوثيقة التي تربطهما، وبهذا احرز مكانة وسمعة طيبة لدى عائلتها.

عندما احبته نزعت الخوف عن نفسها، اذ ان ابخس ما في الحياة، ان يكون المحب خائفاً، لان من يخاف يعزف قلبه عمن يحب، فجعلت رابطتها له مقيدة، كرابطة الوالد المقيد بواجبه تجاه اولاده، فهو ملزم بالتنازل في كثير من الاحيان عن ذاته من اجلهم، نزعت الخوف منها، رغم علمها ان هذا الحب تنطوي عليه مخاطر جمة، سيما ان عائلتها محافظة ذات تقاليد وعادات تعتبر القدوم على مثل هذا الامر نزعة خارجة عن تقاليدها وتكون عاقبته وخيمة، الا انها فكرت حسب المعيار الحقيقي لها وقد علمتها الحياة ان لا تكترث لامر، ربما تكون فيه كثير من القوانين المرسومة.

            اما هو فلم يهدر الزمن، يجمع بين العمل والدراسة ليتمكن من التغلب على مشاكل الحياة وصعوباتها ومتطلباتها، او حتى ليكون سعيداً فالسعادة هي مسالة درجات، ومن يعي هذه الحقيقة قلما يكون تعيساً، او يحقق اعجوبة، لان الايمان بحدوث الاعاجيب هو احساس ملازم لهؤلاء الذين يعيشون حالة العوز والفاقة.    

            كان يأخذ بنصائح الاخرين، اسلوبه بالحياة: انما يجعل المرء احمق هو عدم القدرة على اتباع النصيحة، حتى نصيحته لنفسه.

تفوقه في دراسته ابهر ابناء مدينته فكان له الاثر الكبير في احترام شخصيته واراءه والاقتداء بما يقول ويعمل حتى لقبوه (بالشاطر). بقدر ما كان يحب الخير لغيره، كان يعتز بنفسه اشد الاعتزاز، وكانت مشاعره مقتصرة على الايمان بالقدر ومتمسك به.

            غرامه بها، وحبه لها، يجري على منوال مهتاجاً بالعنف العاتي لليالي الزيارات التي يقوم بها لعائلتها، عائلة العواطف الملتهبة، وكثيراً ما كان يشعر فجأة وكوميض البرق بالثورة العاجزة، التي يشعر بها المرء عندما يتأكد ان ليس بأمكانه التمسك بمن يحب.

            في واحدة من زيارته لبيتهم، اختلس النظر اليها دون علمها وهي تتكلم مع ذويها، فوجد جانب وجهها هادئ ينعكس في ضياء المصباح الامن وكأنه صورة في اطار، وفيه فرح غامر كالذي يصدر عن طفل منشغل وهو يلعب لوحده.

            ترك صديقه الدراسة لزواجه   المبكر وانخراطه في الاعمال الحرة، وهذا ما جعله يوقف زياراته لها، لانعدام سبب الزيارة، لذلك اتفقا على مواعيد  سرية على ان يلتقيان على شاطئ النهر الذي يعني الحرية، والحرية تعني الحياة، ذكريات موجعة، لكنها تمتاز بميزة جيدة، انها تقنع صاحبها بان يكون سعيداً رغم اقتناعه الاكيد باستحالتها.

            كانا يلتقيان وفي كل لقاء ينظر اليها بتمعن ويثبت نظره عليها بشراهة كطفل محموم، يسالها عن كل شيء خاص بها، رغم معرفته بكل تفاصيل حياتهان تجيب على كل ما يطرحه دون ان يبدو عليها الضجر لحبها له وشغفها به.

قال لها ذات يوم:

•-  اريد ان اعرف كل شيء عن خصوصياتك، لأشبع رغبتي فيك، لان جوابك عن كل ما يجيش بخاطري هو ارتواء لضمأي سيما ان عروقي قد احترقت وتيبست من حرارة شوقك ...

قالت:

•-  اشعر باحتراق عروقك عندما اقترب اليك، اذ تلفحني انفاسك الملتهبة. اخذ ينظر اليها محدقاً بعينيها، فوجد نفسه امام بحر تتلاطم امواجه في عتمة الليل، فيشكل رذاذها صفاء تلك المقلتين السوداوين، حدقته بنظرتها الناعسة بعد ان تقلص وجهها المستدير، ظل ينظر في عينيها فوجدها ذات جذله وبهجة، ورأى فيها لغة لا يجيدها اللسان.

في كل لقاء تفترس فيه المحبة دون الاشفاق، وتجد في روحه نداء جاذب وقوي اليها، ترى في وجهه مسحة سرية لا تستطيع الايام ان تمحوها مهما بلغ عتاها، بودها ان تهيء له جو من الحياة الرغيدة، شأنها في ذلك شأن أي محب، تريد ان لا تموت الذكرى في داخله.

التقيا في يوم مشرق وقد ظهرت مأذنة الضريح في المدينة واسطح منازلها بشكل واضح وحاد وكأنها صنعت من المعدن لتواجه السماء.

قالت له وقد ملأتها محبة العالم باسره:

•-       اجد في وجهك ما لم اجده سابقاً عندما كنت تزورنا !!

ابتسم وقال:

•-  تغيرت ملامحي اعتباراً من هذا اللقاء، لانني اصبحت بحاجة اليك كحاجة النجوم الى السماء، بالاضافة الى خوفي من الزمن، اذ لا يملك أي منا القوة الكافية التي يدحر بها عوادي ذلك الزمن وايامه، اخاف من ان ياتي يوم يفوت فيه اوان هذا الان، وتكون جوارحنا لا تملك اجوبة لما قد يحصل، فحياة البشر يا حبيبتي يكتنفها الكثير من الاسرار، احبك الان كلك اكثر من أي وقت مضى وسيصبح هذا الحب للايام القادمة اكبر مما هو عليه الان قالت :

•-        انا اسمع صوتك بدمي يا حبيبي.

امسكت غصن يابس مطروح على الشاطئ واخذت تعبث برمله راسمة خطوط ودوائر تختفي عندما تمحوها موجة النهر. كان يقف بجانبها، رفعت رأسها نحوه، قالت:

•-  عيناك حقل انت طائره الجميل، احبك، وحبي لك، حياة معطاة، احرثها بكل عضو في جسدي، انت الذي علمتني الحب وحرارة العواطف، لا شيء يعيد الروح في هذا المكان، لولا وجودك انت، احبك، انا احبك، كم احبك، غيمتان انا وانت، بل نخلتان جميلتان من نخيل بلادنا.

احنى راسه عليها وهمس في اذنها:

•-  سأحمي ضلوعك والحشا من ان تقفز من الحنين مهما كان بعد المسافات بيننا، أحبك بكل ما اوتيت من شبق الحياة، انت زهرة الحياة الدنيا، غمسي باسمي زهورك وانثريها فوقي انا السائر في طريقك، كم احبك.

قالت:

•-  يجب ان لا تكن بيننا مسافات، انا لا احب الفوارق، ولا حتى كلمة وداع، لانه بافتراقنا ستنبض الارض وتهتز قشرتها، عندها ساعاني من القوة فاحترق شوقاً اليك، فتكون روحي هي اخر النخل الهزيل وساعة  الصحراء.

•-       انا لكي لا تفكري بالامر كثيراً، احياناً تكون الفكرة مرآة لامر طائش لا يجدي نفعاً.

سحبها من يدها وغادرا المكان، بعد ان تحادثا دون الاحساس بالوقت الذي مر عليهما. دارت الايام بندول الزمن، واستمرا في اللقاء، حسب التوقيت العاطفي لهما، يتبادلان ما يمكن ان يكون من جوانب حياتهما العاطفية، فوجدا نفسيهما تعج بهما عاطفة جامحة وان حاجتهما للحب لا ترتوي. في واحد من لقاءاتهما قالت له:

لابد للانسان ان يزود نفسه باشياء شتى ليحميها من الحقيقة، فنحن ننأى فندنو من حقيقتنا ومن اسوار غربتنا، وهاجسنا العبور، اهل الحب غرباء عن الناس، والناس طيور لا تطير، والحذر واجب، والا ما بيننا سيصير ثمرة على وشك السقوط من الشجرة، او ورقة على وشك السقوط مع المطر، عندئذ لا يجدي الندم نفعاً امام جبروت الخيال الذي يغرق الدم ويوقف صاحبه على ذلك الاحساس الشاحب المذاق.

نظر اليها بصمت تلثمه الخواطر المنذرة وقد فهم ما تعنيه، الا انه اراد الوضوح اكثر قال:

•-       افصحي ما الامر؟

•-  أنكشف امرنا لاهلي واستدعاني والدي، فانذرني من وجوب تكرار هذه اللقاءات، التي لا معنى لها على حد تعبيره!!! ثم ان الناس يريدون التمسك بالاشياء التي لا يمكن التمسك بها، والتخلي عن الاشياء التي تصر على عدم التخلي لصالح المرء.

عند سماعه الكلام وقف مذهولاً، وقد اعتراه نوع من الفزع المكتوم، كأنه شبح جميل محطم، مر عليه كل شيء سريع، خيم السكون على المكان، شعر بالفزع في داخله، ظل مشدود الحواس كطبل فارغ، حيث كان ممتلئاً بشعور من عدم التصديق بان الامور سارت على هذا النحو، وهكذا ابحرت المرارة في داخله واستنفذت الدموع، واصبح الاسى شفافاً لدرجة كان يصعب تفريقه عن البهجة المؤلمة بسخريتها.

قال:

•-  كيف لنا ان نلتقي للاتي، اذا لم التقيك، كيف اجد هاتين العينين وما فيهما من التوهجات التي تخطف البصر!!!

صمتا واطرق كل منهما بنظره الى الارض، لا توجد اسباب وجيهة عادلة لتخلق منهما ضحية، احاط بهما سكون متقطع، احس بوحشة المكان، ربما سيخسر حياته لانه لا يستطيع ان يكون بدون حنان كفيها، ولا بدون ربيع عينيها.

نظر اليها، وجد في نظرها اليه شيء و في ذاكرتها شيء اخر، وجهاً صامت مكسو بصفاء غريب، قالت:

•-       عندما تنظر اليَّ ماذا ترى ؟

•-       ارى الشمس تطلع مرتين، الاولى من مكان شروقها، والاخرى من وجنتيك.

اتفقا ان تكون اللقاءات محدودة وبسرية تامة، وعلى تبادل الرسائل بالطرق التي يرونها مناسبة. وفي اخر رسالة تلقاها منها، طلبت منه الزواج، اخبرها في رسالة لاحقة بمكان وموعد اللقاء، التقيا، جلسا في نفس المكان مفترشين رمال دجلة، كان مشتاق اليها اشد الاشتياق، لم يرها منذ مدة طويلة، سوى تبادل الرسائل، شعرا انهما في ميناء لا تلامسه الرياح، بدت له البيوت الباهتة على محاذاة ساحل النهر كأنها فراشات نائمة بعيدة كل البعد عنه.

قال:

•-  كل العصور تتمتع بكثافة الايمان بالعجائب، وهناك بعض الاعاجيب لولاها لاصبحنا منذ زمن بعيد في عداد الموتى، وما طلبك الزواج الا هو اعجوبة من تلك الاعاجيب، يجب ان تفهمي ان اهم شيء في زواج ناجح ليست السعادة فحسب، انما الاستقرار، وانت عارفة لظروفي التي لا تمكنني ان اوفر لك هذا الاستقرار!!!.

قالت له، بعد انسدال خصلة من شعرها الاسود على خدها، والتي انخرطت من بين اصابعه، عندما كان يعبث به بين انامله:

•-  اتعرض الى مضايقات الاهل لكثرة من تقدم لخطبتي، اخاف ان افلت من مدارك عندئذ تصبح حياتنا لا تطاق، لانه لا يمكن لي مواصلة الحياة مع رجل دونك، والا سأقوم بعمل!!.

•-       ما هو ؟

•-       انتحر!!!.

رن صمت مطبق بينهما وكأن الارض زلزلت تحت قدميه، اخترق ذلك الصمت خرخشات مويجات النهر بشاطئه، وقف مذهولاً لا يدري من اين يبدأ كلامه، كان ذهوله ضرباً من الاعتذار الضمني لاشفاقه على نفسه على نحو مؤلم لم يسبق له مثيل، اذ كان حبهما حباً ناجحاً، علاقة عاطفية بين شخصين تتميز باحترام احدهما للاخر، ومراعاة النظم الاساسية لهذه العلاقة حيث يحمل كل منهما للاخر قدراً كبيراً من المودة.

قال:

•-       الا تدركي انك تبددي حياتي عبثاً !!.

كانت كالصخرة فيها صفة الحب الرعديد لكونها لا تحتمل الضعف حتى وان كان مخيفاً. انتقلا من مكان جلوسهما الى مكان اخر، وهما صامتين مثل غريبين، نظرت في وجهه وقالت:

•-       احبك واهتم بك كثيراً فالاهتمام بشخص ما، يتضمن بالحتم ولاءً لجميع نواقصه!!.

تعمقت في وجهه خطوط القلق للفكرة التي تراودها، ولو، لو استطاع لحماها من هذه الامال، لكن قلبه عليل، ادرك ان خسارة كهذه، يصبح تحملها اصعب عندما يكون بدونها، فهي الركيزة التي يستند اليها والا يصبح بعدها غريب، فتصير الغربة عليه، غربة مرعبة.

اخذ يدها وقال:

•-       سنتدبر حلاً للمحنة التي نحن فيها في ايامنا القادمة !!.

قالت:

•-       اهتم بالامر بجدية.

ودعته بعد ان نظرت اليه نظرة طويلة وحزينة، تدل على صدق مشاعرها له. اكمل دراسته، استلم وظيفة التدريس في منطقة نائية، كانت الرسائل، هي السبيل الوحيد للاتصال ببعضهما.

تقدم لخطبيتها شاب من مدينة اخرى تربطهم به صلة قرابة، وافق اهلها، رغم اصرارها القاطع، متذرعة لهم بمختلف الوسائل، وموضحة بانهم سيضعونها في زنزانة الحياة التي لا تطاق، خاطبتهم: انتم لصوص وعبادتكم للحماسة ونكران الذات مجرد رياء يخفي وراءه الخطيئة، كما ان عبادتكم لله افتراء.

انذرتهم بالرحلة الابدية لو اقدموا على فعلتهم وستكون حساباتهم خاطئة. يستطيع المرء شم رائحة الحرب كما يشم رائحة الحريق قبل رؤية لهيب نيرانه، الزفاف بالنسبة لها كالحرب، وقد شمت رائحته، اذ ابلغوها ان الزواج سيتم بعد بضعة ايام من الان.

ذات يوم كان مستلقي على سريره، تسلم رسالة منها، انتابه شعور غريب وتملكه انقباض مفاجئ، ارتجفت اصابعه عند فتح مظروف الرسالة وصارت بين اصابعه كريشة في مهب الريح، رغم عدم علمه بما تحويه سطورها، الرسالة تحتوي على خمسة سطور لا غيرها مفادها:

(( بعد ايام ستطفئ ذكرياتي، ولا اسمع كلماتك او تسمع كلماتي الى الابد، حدثت لي اشياء كثيرة، ارغموني على الزواج لايام قادمة، انا بعيدة عنك، انتظر الموت ... لا فجر يطلع، ولا ضوء يوجد، ولا احد يقاسمني الموت، لانه ليس ثروه، تملكتني رغبة جامحة في الجري نحوك، والبقاء معك، الا اني لا استطيع ... اقول لك الوداع، لكوني اكره كلمة الوداع ...)).

سقط مغشياً عليه بعد ان انتابته نوبة الدوار، غط في غيبوبة، راها كانها حقيقة ماثلة امامه، كأنهما في لقاء في نفس المكان، مكان اللقاء، ناولته الماء حفنات بملئ يديها من النهر، كان بارداً كالثلج، ادنته من فمه، فسال بضجيج من بين اصابعها المرتجفة على ملابسه، صحا من الغيبوبة لسقوطه من السرير، صاح عالياً انها فكرة الانتحار.

لم تنم ليلتها التي سبقت زفافها، راودتها فكرة الانتحار، كان لزاماً عليها ان تخلد للنوم لكنها ما لبثت ان غطت في النوم حتى استيقظت مذعورة، وكانت في جدال مع ذاتها اتنفذ الفكرة، ام لا ؟ اخيراً قررت القدوم على ما يمكن القدوم عليه.

غادرت دارها مع هزيع المد الاخير لتلك الليلة، وصلت النهر، نظرت الى القمر، وجدته يسبح شاحباً في سماء شاحبة، شعرت بوحشة الليل، وجهت كلامها الى حبيبها قائلة:

•-  ما احتجت في حياتي قط اية حاجة، بقدر حاجة هذه اللحظة اليك، ستعيش بعدي حياة تعيسة، وسارقد بسلام في رحلتي الابدية، اتمنى لك طيب الحياة، لا استطيع ارجاع الزمن الى الوراء.

بكت لا خوفاً من الموت، لكن شوقاً اليه، اطبقت عينيها باستسلام سلبي ورمت نفسها بعرض النهر، رأت شيئاً مثل الغيمة يحلق فوق رأسها، ثم غسلتها برغوتها واصبح الهواء ضئيلاً الى ان تسرب من بين اصابعها الى الابد.

حضر الى مدينته بعد فوات الاوان، وقف في المكان الذي غادرت منه الحياة، وخاطب النهر الذي ضم رفاتها:

•-  انتظرتك عدداً من السنين لكي احصل عليك، يا كل شيء  في هذا العالم، ساحضر مأتمك الخالد، ما دمت حياً.

بنى له خيمة سماها ((خيمة الحنين)) يضطجع فيها على ظهره، مفترشاً رمل الشاطئ، ويداه الى جانبه كأنه تمثال على ضريح، يبكيها بدموع من دم.

 

 

 

محمد رشيد


التعليقات




5000