.
......
 
.............
..........
هالة النور للإبداع
.
أ. د. عبد الإله الصائغ
..... 
.
مواضيع تستحق وقفة
  .

في حضرة المعلم مع
الدكتور السيد علاء الجوادي

 د.علاء الجوادي

حوار علي السيد وساف

.
 رفيف الفارس

رسالة الينا نحن غير المشاركين في واقع ثورة شعبنا البطل

الكاتبة رفيف الفارس

.

.

.
....
.......
 
...…
ـــــــــــــــ
.
.
 svenska
.
مؤسسة آمنة لرعاية الايتام

.

.

..............
 
.
 ................... 


 

....................
جمعية الصداقة العراقية السويدية 
...................

  

ملف مهرجان
النور السابع

 .....................

فيلم عن
د عبد الرضا علي

  




................


خدمات ترجمة 
 في مؤسسة النور

.

 ملف

مهرجان
النور السادس

.

 ملف

مهرجان
النور الخامس

.

تغطية قناة آشور
الفضائية

.

تغطية قناة الفيحاء
في
الناصرية
وسوق الشيوخ
والاهوار

.

تغطية قناة الديار
الفضائية
 

تغطية
الفضائية السومرية

تغطية
قناة الفيحاء في بابل 

ملف مهرجان
النور الرابع للابداع

.

صور من
مهرجان النور الرابع 
 

.

تغطية قناة
الرشيد الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

.

تغطية قناة
آشور الفضائية
لمهرجان النور
الرابع للابداع

 

تغطية قناة
الفيحاء
لمهرجان النور
في بابل

 

ملف مهرجان
النور

الثالث للابداع
2008

ملف
مهرجان النور
الثاني للابداع
 

            


أور سيدة الآبسو والزقورات

ذياب شاهين

يا آخــرَ الماء أن الحرفَ مكــتملٌ

                   فأولُ الحرفِ ما قد خُــطَّ بالقصبِ

   الزقورةُ الحمراءُ عاليةً كانت، أحسستُ أنَّ الأرضَ مباركةٌ هنا، اللونُ الأحمرُ يخطفُ الأبصارَ، مئة سلـّمة وأصل السماءَ، البرجُ يمسحُ السماءَ بخدودٍ قانية، الريحُ تصهلُ في الأعلى كأنها خيولٌ هاربةٌ، كانت السماءُ تحنو على الزقورة بقبلاتِ صبحٍ باردٍ وعاصفٍ، كنتُ أريدُ الصعودَ إلى أعلى مكان فيها، لم تحملني قدماي فطفقتُ راجعا وفي قلبي غصّة، جلستُ في الصفوف الخلفية وأنا أمسك بيدي اليمين أختها اليسار، السعود ناظم جالس قربي، لا أدري لم تذكرتُ حلما بعيدا، كان قصيا ذلك الحلم، كنت في الثلاثينات من عمري في حينه، عندما سرحت بذاكرتي لمنتصف التسعينات من القرن الماضي حيث الحلم، وفيه كنت مسافرا في باص لا أعرف ما نوعه، كانت الكراسي عالية وكأننا نسافر في مركبة فضائية، ولكنني كنت أرى رؤوس الركاب الذين أمامي ولا أرى وجوههم، وحين يلتفتون إليّ لا أستطيع  التعرف عليهم، التفت إلى الذين كانوا يجلسون على يميني وشمالي، رأيت وجوهَ أناسٍ لا أعرفهم أيضا، ترى ماذا أفعل هنا مع أناس لا أعرفهم، وقفت فالتفت إلى الذين يجلسون ورائي، وأنا أتفحص وجوههم واحدا فواحدا، لم أتعرف إلى أي منهم، ولكني دُهشتُ عندما التقت نظراتي بنظرات رجلٍ كنت قد رأيت صوره في مكان ما، يا إلهي.. لقد رأيته يجلس خلفي مباشرة، إنه الجواهري العظيم ،علق  لساني من العجب ففززت من النوم.

  مرّتْ ثلاثة أيام على وصولي إلى الحلة من أبو ظبي، كنت لا أزال في فرحة اللقاء ودهشة الأيام الأولى بعد عام أو أكثر لآخر زيارة لي للوطن، قررتُ مخابرة الصديق الرائع ناظم السعود للسلام عليه ، كنت قد أخبرته سابقا في بريد الكتروني بأني ربما سأكون الاسبوع القادم في العراق، وبعد السلام والترحيب فاجأني قائلا:-

- رائع.. لقد جئت في الوقت المناسب

- مناسب؟  ولأي شيء مناسب

- سيبدأ مهرجان النور في بغداد بعد يومين، وعليك أن تشارك فأنت من النوريين

- ولكن لم يوجه الدعوة لي أحدٌ

- أية دعوة يا صديقي، لا يحتاجُ النوريون لأية دعوة

- أنت فاجأتني، دعني أفكر بالموضوع وسأرد عليك في المساء

- إذن أنا انتظر منك مكالمة عند المساء

- انشاء الله، مع السلامة

- مع السلامة

   في كل سفراتي للعراق لم أترك مدينتي بابل ولم أنمْ خارجها ولا ليلة واحدة، كنت أذهب لكربلاء والنجف لزيارة المراقد الشريفة والعودة سريعا، حتى بغداد التي أحبها كثيرا لا أتذكر أني ذهبت إليها زائرا بالرغم من عتاب أصدقائي، كان من الصعب علي أن أترك والدتي التي تنتظر مجيئي لحظة لحظة والذهاب إلى مكان آخر، ولكن صديقي أبو أسعد أقنعني بالذهاب إلى بغداد، بل الذهاب أبعد بكثير جدا من بغداد، إلى الناصرية، الصديق أبو أسعد لا يمكن أن يردَّ ، من الصعب أن أجعل شخصا مثله يحزن أو يقنط ولا ألبي دعوته لي بالرفقة والسفر، هي فرصة لا تتكرر، عندما أستأذنت والدتي بالسفر، كان القنوط قد ارتسم على وجهها، يبدو أنها لم تصدق ما قلته لها. أحسست أنها غير راضية بالرغم من أنها لم تقل ذلك، بل شعرت أنها خائفة ، حقا أنه شيء لا يصدق، فنحن نبقى صغارا في أعين والدينا بالرغم من أننا على وشك أن يكون لنا أحفادا.

 في أعلى الزقورة، كان (آن) بثوبه الأزرق قوة خارقة في قبة السماء، كنت أبصره من بعيد وبصحبته (أنليل) وهو يدفع الرياحَ أنى يشاء كان يضحك عندما ترفع الريحُ الغبار وتطشهُ على وجوهنا، كنت أرى الصفيرَ ساحقاً حين يصمُّ آذاننا، كنت أعجب من قدرته في السيطرة على الرياح بين السماء والأرض، وحينما شعرت أن رياحَهُ صارت باردةً أكثر من اللازم، أرسل لنا رياحا طيبة ومنعشة، وكأنه كان يشعر بنا، كنت سعيدا بتلك الرياح وحين توجهت إليه بالشكر، ظهر من بعيد (أنكي)، كان يبدو من  ملامح وجهه فرحا ومستبشرا وهو يرى الحكمة تقطرُ شعرا في أور على أطراف الزقورة، كان فرحا وهو يرى مريديه كثر، وأكثر مما كان يتوقع ولكنه كان مستغربا عندما وجد الكثير من الجنود والسيارت العسكرية تحيط بالزقورة، كان يتساءل عن جدوى الشعر في حضرة الجنود، الشعر يجب أن يستمع إليه الناس البسطاء والطلاب والمتعلمون، وليس النخب الدينية أو السياسية فهؤلاء لايفهمون سوى السلطة، فالأنهارغالبا ما تبحث عن مجاريها، وحين عاودت النظر إلى أعلى، رأيت حسناءً شبه عارية بأجنحة قوية، تقوم على كتفيها قصبتان معقوفتان ، كان يرتسم على وجهها مزيجٌ غريبٌ من الرحمة والقوة، عندما اقتربتْ مني أحسست أن سرادق الاحتفال يتحرك بقوة وتكاد تتخلع أوتاده، لقد كانت بارعة الجمال وهنا تناهى إلى أذنيّ نشيد (أنهيدوانا) العتيق من بعيد(1):-

ملكةٌ

سيدةٌ

أنتِ متساميةٌ

أنتِ موقرة

سيدتي لقد أريتُ أنّ فخامتك ساطعةٌ

أعيدي قلبك إليّ

أعمالـُك لا حدودَ لها

ولا نهاية

سأحمدُ علوّك

أيتها العذراء إنانا

حمدك جميلٌ

   أردتُ الوقوف على قدمي لمصافحة (أنانا) فلم أجدها، فقد اختفت فجأة من أمامي، نظرت إلى الأعلى، كانت قد ابتعدت بعيدا ورأيتها تلوح لي في أعلى الزقورة، وحين حاولت أن ألفت نظر أبو أسعد إلى وجود سيدة البانثيون الإلهي في الأعلى، أحسست أن يدا مسكت بيدي وأجلستني على الكرسي بحنان رائع، حاولت أن أرى من الذي فعل ذلك، كانت دهشتي صاعقة عندما وجدت وجها ملكيا باذخا يمسك بيدي ويرجوني ألا أتكلم، هنا تساءلت هل يمكن أن تكون هي، وهل هنالك غيرها، ذراعان باهران وصدر نافر، سرة فاتنة الحسن شفتين متهدجتين، يا إلهي هل أنا أجالس جسدا إنسانيا أم صورة في رقيم طيني قديم، وفجأة سمعتها تهمس في أذني مؤكدة حدسي(2):-

" إنهيدوانا،

 امرأة نانا الحق، زوجة نانا

في معبد إنانا في أور

منصةً أنتِ بنيتِ،

ومنصة

مائدة السماء(آن) أنت سميتِ"

   لم أكن مصدقا، هل أنني أعيش حلما أم خيالا، أحقا أنا في حضرة أول شاعرة في التاريخ، هل أنا أجالس أول مؤلفة في العالم، نعم، أنا سعيد، بل أكاد أكون محظؤظاً، إن التي تجلس جنبي هي الكاهنة الكبرى لإله القمر، إنها (أنهيدوانا) شاعرة القصائد والترانيم، كان صدى أغنياتها يأتي هامسا إلى أذنيّ من غرف الزقورة، كنت أرى نساءً بوجوه غريبة تنشد أغنياتها، نساء تتحول وجوههن من هيئة إلى أخرى، ماعز، أفاع، طيور،عقارب، كانت الرياح تصفر والموسيقى تنقل إلى أنفي رائحة الماء حين كان الفرات يمر من هنا قبل آلاف السنين قبل أن يغير مجراه، وحين أفقت من غيبوبتي، قامت (أنهيدوانا) وسحبتني بعيدا وقد لبست ثوبا من الصوف، كان شعرها ذا جدائل شقراء تتدلى على ظهرها وكتفيها، على رأسها قبعة ذات جدائل مطوية مخروطية الشكل، وضعتْ يدَها مطوية على أنفها، ثم قالتْ لي هذه هي تحيتنا، ثم سألتني:-

- هل تمانع أن نبقى معك طيلة وجودك في أور

- شرف كبير لي أيتها السيدة ذات القلب الأعظم

- إذن لنرجع ونجلس في مكاننا

   عندما جلسنا كان ناظم السعود مشغولا بالحفل ولا يرى ما أرى، ولكني شكرت الله كثيرا فأنا أجلس الآن قرب الزقورة، وعلى يميني تجلس إبنة سرجون وأول امرأة شاعرة في التاريخ، وإلى يساري يجلس ناظم السعود شيخ الصحفيين العراقيين.

    قطبتْ (انهيدوانا) حاجبيها، وكذلك فعلت أنا عندما أوشكت القراءات الشعرية على الانتهاء ولم نستمع لأية شاعرة عراقية، وما أغاضها حقا أن السيد مقدم الحفل كان يخلع الألقاب يمينا وشمالا على الشعراء بدون حساب، فهذا الذي تنتظره المنصات، وذلك الذي تتكحل بشعره المايكروفونات، وآخر تجملت  له المهرجانات، وغيرها من الألقاب التي ما أنزل الله بها من سلطان، ولكن أخيرا رأينا شاعرة تقوم لتقرأ الشعربعد عدد كبير من الشعراء الذكور أعتقد أنها الشاعرة(منى الخرسان) إذا لم تخني الذاكرة، إلا أن الفوضى والضوضاء أفسدا علينا متعة الاستماع لشعرها، بل بتنا لا نرى من المنصة شيئا حين قام المسؤولون للانصراف يحيط بهم الجنود والحواشي، وبالطبع فالشاعرة أنهيدوانا قد عانت الكثير من المجتمعات الذكورية ولم تستغرب ذلك، وحسنا فعل المقدم حين أنهى الحفل، وتناثر الجميع في أرجاء الزقورة لأخذ الصور ومن ضمنهم بالطبع أنا والسعود، يبدو أننا الآن في الطريق إلى الناصرية لتناول طعام الغداء، وهنا كان علي أن أعرف شيئا عن تاريخ الناصرية، كنت غير مصدق عندما عرفت أن الناصرية (3)في العام 1920 لم يتعد عدد ساكنيها أكثر من (6523) نسمة، أغلبهم من العرب المسلمين، كذلك كان بينهم (633) صابئة، و(300) من العجم، وترك(23)، و (281) من قبائل اللور(وهم من قبائل الباشت - كوه)، فضلا عن وجود 21 مسيحيا وهنديين، وستتفاجأ عندما تعرف بوجود (521) من اليهود، أما في آخر إحصاء تقديري في العام 2003  فكان عدد نفوسها قد وصل إلى 535000 نسمة.

    أصر السعود أن يحلق لحيته، فأخبرنا السيد يعقوب يوسف بأننا سنلتحق بالوفد لاحقا، لا بد من تسجيل محبتي لهذا النوري المتفاني فقد كان مجموعة من الرجال لوحده فأينما تذهب تجده، كنا لا نعرف أين نجد حلاقا والوقت جد ضيق، فقيل لنا في عكد الهوى(الحبوبي حاليا)، ليس بعيدا عن الفندق وجدنا الحلاق، كان صاحب المحل يعلق على الجدار صورا للمطرب حسين نعمة والشاعر عريان السيد خلف وهما جالسان على كرسي الحلاقة، فأغراني ذلك ورغم أن شعري لم يكن طويلا جلست تحت موسى الحلاق أسوة بالسعود، لقد كلفتنا لحية السعود الكثير، حيث تخلفنا عن الوفد وفاتتنا رحلة سوق الشيوخ وكنت أود من كل قلبي أن أرى هذه المدينة التي طالما سمعت عنها وعن أهلها، ولكن رب ضارة نافعة، الآن لدينا وقت للقيام بجولة حرة في مدينة الناصرية، كانت فرصة لتناول اللبلبي وشرب الشاي والمرور على مقهى للأنترنت، ثم شراء دواء للسعود حيث نفذ دواءه، فجأة عندما كنا باتجاه مركز المدينة سمعنا صوتا ينادي خلفنا، التفتنا كان شابا طويلا عرفني عليه السعود، إنه حيدر ابن القاص الكبير عبدالرحمن مجيد الربيعي، مثالا لدماثة الخلق والهدوء، دعانا لشرب القهوة في مكتبه نور الدجى ثم التحق بنا الشاعر الرائع حيدر عبد الخضر بعد ذلك، استمرت جلستنا ساعة تقريبا، فودعناه وخرجنا، في الطريق اشترينا بعض الفاكهة، ثم قفلنا راجعين للفندق.

    جلسة العشاء الرائعة في المطعم مع الأخوة سلام نوري وعبد الحسين ماهود وحيدر عبد الخضر لا تنسى فعلا، وخصوصا بالنسبة لشخص مثلي، فأنا أفتقد هذه الجلسات كثيرا، لا تستغربوا ذلك فأنا في عملي لا أتكلم العربية وكل من يحيطون بي هم من الأجانب (هنود، باكستانيون، فيليبينيون، إنكليز، أمريكان، برتغاليون، ومن مختلف الجنسيات)، وكي يفهم بعضنا البعض الآخر لم يكن أمامنا سوى الحديث باللغة الانكليزية، لذلك فسعادتي نابعة من أنني أتكلم العربية باللهجة العراقية وهو ما لا يتوفر لي في غربتي سوى مع العائلة، والشيء الثاني إننا نتحاور عن الأدب شعرا ونثرا وسردا وهو ما أحب الحديث فيه دائما.

    العالم الافتراضي عالم خادع، هنالك فجوة كبيرة بينه وبين العالم الحقيقي، وعندما بدأت بالقاء التحية على بعض النوريين في بغداد على أساس أنني رأيت صورهم وقرأت لهم وعرفت أسماءهم، دهشت عندما سألني الذين سلمت عليهم من أنت، حتى الأستاذ أحمد الصائغ عندما سلمت عليه بصحبة الصديق السعود لم يعرفني وسألني ببشاشة لذيذة بدت على وجهه الضاحك السؤال ذاته، وحين أخبرته باسمي رحب بي بحرارة، وعندما حاول السعود أن يضيف شيئا لزيادة المعرفة  قال للسعود وهو يشير إلي إنه صديقي، وهذا ما أفرحني جدا، وحين أشار السعود بكفه إلى الشاعر فائز الحداد  قمت للسلام عليه، ورغم تعليقاتنا المتبادلة على ما نكتب تفاجئت أنه لم يستطع التعرف علي، وعلل ذلك بأن صورتي في النت تظهرني كبيرا في السن أو (شايب وهذا قوله) وأردف أنني غير ذلك حيث أبدو في الحقيقة أكثر شبابا، وكذلك كان الأخ المفرجي حيث بادرني متسائلا من أنت حين سلمت عليه، وهذا ما جعلني أكف عن السلام اعتمادا على الصور الافتراضية كي لا أخطأ باسماء من أسلم عليهم وكذلك لأتجنب ذلك السؤال الذي يبدو ألا مفر منه هنا، أقصد سؤال (من أنت)، في الواقع  إن وجوه النوريين الافتراضية تختلف عنها في الحقيقة قد تبدو أصغر أو أكبر أو نفسها وقد تختلف اختلافا كليا عن الحقيقة، ولكن تبقى اللقاءات النورية وهذه فضيلتها الكبرى أنها ستمسح هذه الفجوة وربما الجفوة لتتحول إلى محبة وتواصل.

  في الصباح الباكر استيقظت، كان السعود لا يزال نائما، أما أنهيدوانا فكانت تجلس في الصالة وكأنها حارستنا القوية  والأمينة، فبادرتني بالقول ألا تكتب شيئا لأور، تعجبت من سؤالها فابتسمت، يبدو أنها فهمت مغزى ابتسامتي، قالت:-    ها أنذا أستمع إليك، كانت الأبيات هي التي أيقظتني باكرا، ووجدتني أكتب أربعة أبياتٍ عمودية للناصرية، دونتها في دفتر صغير فقرأت:-

نــهــران كفــاكِ مــن تــمرٍ ومــن عـنبِ

                     كــلاهمـا دافــقٌ كالــماء في السـُـحــبِ

والـــريــحُ تــشـدو إلـى عــينيكِ أغــنيةً

                      تنأى مـع الشمس في عـليائها الرحـب

أشــتــاقــُها شــجراً أحــتــازُهــا قـمـرا

                      أمــتارُهـــا قـــدرا مــن بــارقِ الحُجُبِ

هــاتي يــديـكِ جــوى أو هـاتها شــفـةً

                       من مائها السحر بين الشوق والوصبِ

  كان السعود قد صحا على صوتي حينما كنت أقرأ الأبيات أمام أنهيدوانا، ولما أنجزت القراءة قال لي وهو على فراشه ستقرأ هذه الأبيات اليوم في الأهوار، فقلت له لحد الآن لم يطلب أحد  مني أن أقرأ شيئا، فأكد لي أنني سأقرأ اليوم شعرا، ولا أدري من أخبره بذلك، وعندما استطلعت الأمر من أنهيدوانا قطبت عينيها ولم تنبس ببنت شفة، فهمت  أن أسمي لن يكون ضمن الأسماء، ولكن القصيدة ظلت تشتغل وتريد أن تكتمل، لا بد لها من وقود مضاف لتشتعل.

    انطلقت بنا الباصات إلى الأهوار، من فندق الجنوب، كان الجو رائعا والصباح منعشا، كان لون الباص أحمر، وجلسنا معا السعود وأنا، وقبل أن تنطلق الباصات صعدت سيدة عراقية، وجه طيب ومبتسم، سلم عليها السعود، ومن خلال ما دار بينهما من حوار قصير ومن ثم استفساري من السعود عرفت أنها ثائرة البازي، وهنا وجدت ثائرة الحقيقية تختلف عن ثائرة الافتراضية أقصد الصورة، إن الشخصيتين واحدة،  ولكنني حين حاولت أن أسلم عليها، أوقفني ما قالته للسعود، مما جعلني أتردد في  تقديم نفسي إليها أو السلام عليها خوفا من سؤال (من أنت)، ففضلت أن نبقى ضمن العالم الافتراضي.

     أخبرتني أنهيدوانا أن الطريق للأهوار طويل، وقد يستغرق عدة ساعات، فأعطتني رقيما طينيا صغيرا عمره حوالي أربعة آلاف سنة قرأت منه ما يأتي:-

(ستبنى مدينة تسمى الناصرية قرب أور، يبنيها رجل يسمى الأمير (ناصرالأشكرباشا السعدون) وهوأمير قبائل امارة المنتفج وتسمى على اسمه، ولكن بعد عدة عشرات من السنين سيدخلها أناس غرباء ويحتلونها ويقتل فيها الكثير من الناس، ولكن المدينة تبقى حية وتظل تنجب المبدعين من أدباء وفنانين وسياسيين.)

انتهى الرقيم، وفجأة تذكرت أني كنت قد قرأت معلومات عن الناصرية في الويكيبيديا، رجعت إلى ما سجلته في دفتر صغير من النت فهالني ما قرأت(4):-

    مدينة الناصرية الحالية بنيت عام1870 ميلادية على ضفاف نهر الفرات، بناها الأمير ناصرالأشكرباشا السعدون (أمير قبائل امارة المنتفق) وسميت على اسمه، و كان يسمى مركز المدينة سابقا )عكد الهوا )وهي المنطقة المسماة حاليا )الحبوبي(، وبنيت هذه المدينة بعد أن كثرت هجمات القبائل العربية التي كانت تجوب صحراء الجزيرة العربية على مدن جنوب العراق وفي مقدمتها كربلاء والنجف فكانت حاجة الدولة العثمانية لقبيلة قوية تحمي جزءاً من جنوب العراق خاصة بعد أن بدأت الدولة العثمانية تفقد جزء من قوتها في تلك المنطقة حيث كلف الأمير ناصر السعدون وهو شيخ أقوى القبائل في جنوب العراق انذاك بحماية مدن الجنوب من هجمات القبائل الأخرى مقابل تزويد القبيلة المذكورة بالأسلحة والأعتدة والأموال وتم اختيار القبيلة (ال السعدون) السنية المذهب لوجود نوع من الفتور بين السلطات العثمانية والقبائل (الشيعية) بعد ثبوت تورط افراد من المدارس الدينية الشيعية في كربلاء والنجف وقسم كبير من أعيان هاتين المدينتين في اتصالات سرية مع دولة إيران المعادية للامبراطورية العثمانية في تلك الحقبة، تقع مدينة أور الأثرية والزقورة الشهيرة على بعد كيلومترات معدودة من المدينة التي يعود تاريخها لألاف السنين. دخل الإنكليز مدينة الناصرية بشكل كامل شهر تموز من عام 1915 عند استعمارهم للعراق في بدايات القرن الماضي، بعد معركة الناصرية الشهيرة حيث قتل 2000 جندي عثماني و 400 جندي بريطاني وهندي بريطاني.

      لم نشعر بالطريق، وصلنا ناحية الفهود ونزلنا عند مرسى الزوارق، أخذنا صورا كثيرة، وقد أهداني الأستاذ صباح محسن كاظم كتابه عن الامام علي (كرم الله وجهه) وأخذنا صورا معا حيث تستلقي الأهوار خلفنا، كنا نسمع من الحضور أن المرسى كلفته ستة مليارات دينار، كما أن الناس هنا  ليسوا بحاجة إليه، هنالك أشياء مهمة يحتاجونها، المدارس، المراكز الصحية، بيوت السكن وغيرها، مشاريع الماء، بنى تحتية ،الناس على حق فهم يستحقون أكثر من ذلك بكثير، أكثر شيء آلمني أن الأهوار ما زالت بدون ماء، هنا قال لي السعود أنظر فالمشاحيف على أرض يابسة، إنها صورة شعرية لا بد أنها تساعدك في كتابة الشعر، وفعلا نظرت من خلال نافذة الباص، كانت المشاحيف حزينة فهي قابعة على أرض يابسة، المشحوف كالسمكة يموت بدون ماء، إنه ملطخ بالطين كأرملة تهيل التراب على وجهها أمام جثة زوجها القتيل، إنها صورة شعرية حزينة بل صورة مأساوية.

   لقد قرأ لنا أحد الشعراء الشباب في الباص قصيدة شعبية لا أغالي إذا قلت إنها قصيدة إيروتيكية باللغة المحكية بامتياز، كان الشعر الشعبي سيد السفرة، قرأت فرح دوسكي قصيدة شعبية ممتعة أيضا، لقد قرأ شعراء آخرون وكذلك شاعرات، إعذروني فأنا لا أحفظ الأسماء، وما يدور في الهامش دائما أكثر قوة وابداعا مما يحدث رسميا وأمام العدسات، الطريق هزني فكتبت أربعة أبيات أخرى في دفتري الصغير، أخيرا وصلنا مكان الاحتفال، كانت لحظات انسانية لا يمكن وصفها، لقد أستقبلنا أهلنا في الأهوار وغمرونا بطيبة قل نظيرها، كان مشهد طلاب وطالبات المدارس الابتدائية وهم يحيوننا بالاعلام العراقية والأناشيد لا يصدق ولا يمكن نسيانه، وأخذونا بالهوسات التي تسمى بالعراضة حتى مكان الاحتفال، كان ما رأيته شيئا مذهلا، لا يمكن نسيانه، كانت فرحتنا (السعود وأنا) لهذا الاستقبال كبيرة جدا وتكاد تقشعر لها الأبدان، عندما وصلنا السرادقات كنت أبحث عن سيدة الشعر أنهيدوانا، وجدتها جالسة وحين مدت يدها إلي دسست فيها ورقة كتبت فيها:-

خذي راحي

فطعم الراح وجد

إذا ارتشف

الحنينُ شذى الحنينِ

فما أحلى اللقاء

على الضفاف

وماء الهور ينبض

كاللجين

فكم من نورسٍ هجر

الديارّ

ستبكيهِ طيور الدجلتينِ

فوحي الله

نور في العلاء

ونبضُ النجم شدوٌ

في السماء

فأشواقي صدى القصبات

نايٌ

يبعثرُ لحنها

في لحظتينِ

  ثم ابتدأ الحفل، كان لا بد من سؤال أنهيدوانا عن الحفل، يبدو أن لها رأيا بما حصل، وأكثر ما أغاضها التكرار غير المبرر لأسماء بعينها متساءلة عن مغزى لطمها  في كل عزاء، كما أن مشهد توزيع الشهادات أخذ وقتا كثيرا لا داعي له، ثم همست بأذني شيئا عجيبا، هو ألا أصدق ما سمعته عن بطولات بعض السياسيين الوهمية، وكانت القصيدة المبكية التي قرأها أحد شعراء الأهوار خير دليل على ذلك (لقد قال نعم أنا معيدي) أعذروني فلست متأكدا فأنا أكتب من الذاكرة ولم أدون ما سمعت، إن الاحتفال والمحبة التي غمرنا به أهل الأهوار يخفي خلفه فجيعة كبيرة، وما تأمـّلوه من الساسة الذين مروا من هنا ذات يوم تنكروا لهم، وتقرفصوا في المنطقة الخضراء حيث المناصب والسلطة والثروة، عجبا ما أشبه اليوم بالبارحة، كانت أنهيدوانا تتكلم بحزن كبير، عن معاناة أهلنا في الأهوار، وعندما سمعت أسمي لاستلام شهادة مكتب النور في ذي قار، تعجبت من ذلك فأنا لم أفعل شيئا أستحق عليه الشهادة، كان واجب الضيافة يحتم علي القيام واستلامها بالرغم من عدم اقتناعي، استلمت الشهادة وقلبي يتحرق من الألم لهؤلاء الناس المحرومين من أبسط متطلبات الحياة، وحين جلست في مقعدي جنب أنهيدوانا، أبصرت دمعات تنزل من عينيها، عجبا أتبكي أنهيدوانا، ولم لا؟ فهي تبكي على أحفادها الذين بات كل من هب ودب يحاول التشكيك بأصولهم، ويستغلهم لتحقيق مآربه السياسية الرخيصة،

  عندما جلسنا في المضيف هالني هذا المعمار القصبي البديع، ففيه تكمن براعة وصنعة ابن الهور، فهو يبني معمارا يمسك من خلاله الزمن والفضاء دفعة واحدة، هنا يكرم أبناء الهور ضيوفهم، وعن طريق دق القهوة في الهاون يدعون بعضهم البعض، المضيف ليس مكانا عاديا في الهور بل هو مدرسة تعلم الحكمة والتعاون والمحبة، وهومحكمة يحلون فيها أعقد القضايا، وهو أسلوب حياة، هنا يبايع الناس الرجال ورجال الدين، والضيف يجلسونه في صدر المضيف مزيدا في تقديره واكرامه، ويجار الدخيل عندما يلوذ بأهل المضيف حتى لو كان عدوا، ليس هنالك باب للمضيف فهو مفتوح ليل نهار، المضيف رمز الكرم والضيافة الأصيلة، ومن يدخله عليه أن يكون بمستوى غير عاد من المعرفة في كيفية التعامل والتصرف في داخله، شرب القهوة لها قوانينها عندما تحرك فنجانك سيفهم الساقي بأنك قد اكتفيت وإلا سيظل يسقيك قدحا بعد آخر، ما زال طعم القهوة في لساني، السمك والخبز والفجل واللبن والعصائر وغيرها من النعم أكرمونا بها أهلنا في الهور، إن اللسان ليعجز عن شكرهم حقا.

  خارج المضيف وقفنا نحتسي الشاي(السعود، الكناني، أجود مجبل وخضرخميس)، كان الشاعر خضر خميس بارعا في معرفة البحور، فحين يقرأ الشعراء ومنهم الشعبيون قصائدهم أثناء المهرجان بسهولة يقطعها ويعرف بحرها، فأحببت مشاكسته ببعض البحور الجديدة فسألته عن اسم البحر المكتوبة عليه الأبيات التالية:-

يا بغـدادُ فـي قـلـبي جــوىً جـبـارْ          ســاقـتـه كـإعـــصـارٍ يـدُ الأقــــدارْ

 

أيــنَ دجلـة العشاقِ أيــن المــوجُ           حـنـانـيك أيـنَ الصـحبُ والسمّـــارْ

 

صبّي الوجدَ في كأسي فما تدرين           بــوحُ الروح ِأســرارٌ بــلا أســـرارْ

 

ضـمّيني إلـى ما تـشتـهي الكـفانِ           والسـمعـانِ، أو ما يـدهشُ الأبصــارْ

 

فطلب مني أن أعيد القراءة، يبدو أنه كان يقطع ليربط بينها وبين البحور الخليلية، شاهدت الحيرة مرتسمة على وجهه، ولكي أقطع ظنونه وحيرته العروضية، فأخبرته أنها مكتوبة على بحر جديد تفعيلته الرئيسة(مفعولات) مكررة ثلاث مرات واسمه بحر بغداد، فأخبرني أنه لم يسمع بهذا البحر، وهنا تدخل السعود طالبا المزيد من البحور الجديدة، فسألت عن تقطيع الأبيات التالية:-

  

الواجد ُ الصبّ ُهل هدّه ُ الصــبرُ                       فـــقطعّ الليــلَ إذ راعــهُ القفــْـرُ

 

تضمخُ البيدَ أنفاســُـه ُ السكـــرى                       يـــؤجـجُ الرمــلَ كــثبانُها الجمْرُ

 

سفرا ًعلى الــكفِّ يخــطّــُهُ الشوقُ                   يا ويحها الكفّ ُ يعدو بها السـِـفـْـرُ

 

  وبعد الاعادة، قال لي الشاعر خميس أنه يبدأ بالتفعيلة مستفعلن ثم فاعلن ولكنني لا أعرف كيف ينتهي، في واقع الحال كان تقطيعه صحيحا فهو يمكن أن يقطع بثلاث تفغيلات( مستفعلن فاعلاتن مفاعيل) ولكنه لا يعدو عن كونه وببساطة التفعيلة(فاعول) مكررة أربع مرات وهو ما أسميته بحر العراق، وأخيرا طلبت منهم تقطيع الأبيات التالية:-

 

محزون ٌ كعينيك ِ هل سمّعك ِ نجواهُ

                               قـلبـي تكـتمُ الآهَ أشجـانا ً حـنايـاهُ

منْ يُبكيه ِإن سار منسيّا ًكما الليل ِ

                              من يـَسقيهِ لو باتَ ضمآنا َ ويرعاه ُ

لو شاقتهُ نجوايَ فالأفكارُ صماءُ

                              والآهاتُ أصداءُ جنبي يصرخُ أوّاه ُ

 

     بعد أن قرأت البيت الأول قال لي الشاعر أجود مجبل أن نغماته قريبة من الهزج، فعلا أن مفاعيلن عندما تخرم تتحول إلى مفعولن(فاعيلن) فيبدو وكأننا في نغمات الهزج ولكن الحقيقة أن القصيدة مكتوبة على بحر بابل وتفعيلته(مفعولات مفعول) مرتين وهو بحر جديد أيضا، في واقع الحال علي الاقرار أن أجمل قصيدة سمعتها في المهرجان كله هي قصيدة الشاعر الرائع أجود مجبل (حلم يشبه الوطنا)

 

   انتهى الحفل، لقد ودعنا أهالي هور الحمّار بمثل ما استقبلونا، أناشيد وهوسات وعراضات أخرى حتى الباصات، يبدو أننا سنستقل باصا آخر، حيث وجدت السعود وقد ترك الباص الأحمر إلى الباص الأزرق وهو يلوح لي، صعدنا مع أدباء آخرين، لقد تعرفنا في الباص على كل من الناقد(عقيل هاشم الزبيدي)والسيد عدنان عزيز دفاررئيس تحرير (جريدة عكد الهوى) كانت رفقة جميلة حقا ودخلنا في حوار عميق وممتع، لقد أخبراني أنهما يصدران الجريدة على حسابهما الخاص ويحررانها ويقوم بمعظم هذا العمل السيد عدنان عزيز دفار، لقد أيقنت بما لا يدع مجالا للشك أن الثقافة العراقية لن تموت طالما لدينا مثل هؤلاء المثقفين  الذين لا هم لهم سوى الثقافة والابداع ، مرحى للناصرية بأبنائها .

في الطريق إلى كربلاء مرورا بالحلة، خابرتني الوالدة بأن أختي الصغرى جاءت من البصرة لرؤيتي وهي تنتظر منذ يومين، إذن لقد حان وقت الرجوع  ووقت الوداع، ودعتني أنهيدوانا على الطريق السريع، كانت رائحتها عبقة نظرت في عينيها الواسعتين، أعطتني آخر قصيدة كتبتها، ثم طوت يديها قرب أنفها ثم اختفت في موكبها الملكي الباذخ، عندما انتبهت من خيالاتي، كان السعود وأنا نجلس في سيارة بيضاء، ويجلس خلفنا  الأستاذ حمدوي الكناني البهي، جعنا فبدأنا نأكل  الكيك والبيبسي والفاكهة، عندما تفقدت أشيائي وجدتني وقد رجعت بعدد وافر من الكتب والمجلات والجرائد لأدباء الناصرية (المهمشون، عكد الهوى، دواوين مسرحيات وكتب)، كان الصيد وفيرا حقا.

  كادت سيارتنا أن تدهس أحد الرجال وهو يمشي على المرور السريع ليلا ، وكان الرجل متلفعا ببطانية ويمشي على حافة الشارع ، ولولا لطف الله وبراعة السائق في ذلك الظلام الدامس الذي يلف طرقات بلادي لحدث أمر رهيب حقا، وصلنا فدك وهو مطعم على الطريق السريع ، تناولنا العشاء أنا والسعود وسواق السيارات، أصر الانسان الرائع أحمد الصائغ أن يدفع حسابنا، وألا ندفع شيئا من جيوبنا، فعشاء الوفد كان مخططا له في كربلاء وأنا والسعود قررنا الرجوع إلى البيت وهو ما سمحت به ظروفنا.

  في الطريق أخذتني سِنة من النوم، حلمت أنني أجلس في قاعة كبيرة مع جمع كبير من الناس رجال ونساء، ويجلس معنا  في صدر القاعة رجل لم أتعرف على ملامحه جيدا، كان يطلب المشورة في شيء ما، وفجأة ضغط على زر كبير فظهر موقع النور بحلة جديدة وجدت فيه أبوابا جديدة، باب للترجمة، باب للدين والأسطورة، باب للنقد، باب للشعر، باب للقص، باب للسينما والتشكيل، ولكن فجأة ظهر رجل يحمل سيفا وهو يقول لنا:- لا تكتبوا، لا تقرأوا، لا تسمعوا، ورمى إلينا ورقة متهرئة  وهو يقول ملوحا لنا بسيفه :- ليس أمامكم سوى هذه الورقة لتلتزموا بها، كان الصمت مخيما على الجميع، فجأة قامت أنهيدوانا أخذت الورقة ثم مزقتها ورمتها في وجه ذلك الملتحي قائلة له:-  أيها الأحمق إذهب إلى جحرك سنفعل ما يروق لنا، فولى هاربا إلى الظلمة.

عندما توقفت السيارة في بابل عند العاشرة ليلا، أنزلت حقائبي، وسلمت على الجميع مودعا، تذكرت بقية القصيدة التي كتبتها إلى أور الخالدة:-

يا آخــرَ الماء أن الحرفَ مكــتملٌ

             فــأولُ الحرفِ ما قــد خُــطَّ بالقــصبِ

قومي أذرفيني فمن قيثارك شغفي

                    فأوجعَ الدمعَ من قلبٍ بلا هــُدبِ

أو فاطلقيني على وديانك شجرا

                  كي يستريحَ دمي في القاع والكُـثــُبِ

هــنا نكونُ ومـا كنا هنا أبـــدا

                  من قبلها أور، قـد كـنا بـلا نــســب

 

المصادر والهوامش

1- صلوات أنهيدوانا - بتي دي شونك ميدر- ترجمة كامل جابر- منشورات الجمل- ط1 -2009 - ص 218

2- م ن - ص 65

3- أنظر ويكيبيديا (الناصرية)

4- م - ن

 

                                                                                                                   

 

ذياب شاهين


التعليقات

الاسم: ذياب شاهين
التاريخ: 30/01/2011 10:04:53
أخي العزيز صباح زنكنة
شكرا لك لهذا التعليق ولرأيك بالمقال، للأسف الشديد لم نجلس كثيرا في المهرجان سوية فطبيعة المهرجانات هي هكذا دائما، ولكن تعليقك بالرغم من حداثة تعارفنا وقصر جلستنا أسعدني جدا وكشف لي عن معدنك الأصيل وأخلاقك العالية،أتمنى أن نلتقي بمهرجان آخر كي تزهر أواصر المحبةبينناوتكبر شجرة الصداقة لتصبح عالية وباسقة.
لك محبتي واحترامي
ذياب شاهين

الاسم: ذياب شاهين
التاريخ: 30/01/2011 09:51:17
الصديق العزيز صباح محسن كاظم
تحية ومحبة
شكرا لتعليقك على المقال (لا يهم التأخير) كما أنني سعيد برأيك فيه، والواقع أنني كتبت ما رأيت وما أحسست به،، كما أشكر لك محبتك وكرم وضيافه أهل الناصرية كافة، حقا كانت أيام جميلة بالرغم من قصرها، لقد استمتعت معكم، أتمنى أن نلتقي مرة أخرى في أورالجميلة..، أرجو إبلاغ سلامي للجميع هناك،
تقبل محبتي واحترامي
ذياب شاهين

الاسم: صباح زنكنة
التاريخ: 29/01/2011 20:06:16
حقا موضوعك جميل ويستحق الوقوق طويلا على كل فقرة من فقراته المليئة بالجمال .... لك مني كل الاعتزاز ... يا غالي .. وتحية الى الزميل الطيب صباح محسن كاظم .. علي جهودة الكبيرة .

الاسم: صباح محسن كاظم
التاريخ: 29/01/2011 19:49:48
أعلق ثانية:
ماكتب عن المهرجان من عشرات المقالات..
أعتقد إن مدونتك وإنطباعك هو الاجمل..والاروع..كجمالية مادونه الزملاء المفرجي والكناني والسعود.
أضفت جمالا على جمال المهرجان ،أعذر تأخري وعدم وصول تعليقي في حينها..دمت بهذا الالق والابداع..

الاسم: ذياب شاهين
التاريخ: 23/12/2010 16:04:42
الصديق الكبير خالد مطلك الربيعي
لقد تشرفت بمعرفتك، كما أن مروري عليك مع العزيز أبو أسعد في خلوتك الجميلة قرب الحرمين لا يمكن نسيانها، وهي من المفاجأت الرائعة التي لا يفعلها سوى أبو أسعد، مكتبك الجميل والبسيط يبقى كبيرا لأنك فيه، والمكاتب تكون كبيرة بتسامي أصحابها وليس بأثاثها، كنت جد سعيد بلقائنا وعسى الله أن يكتب لنا لقاءات أخرى إنشاءالله
محبتي واحترامي أيها الأستاذ الكبير
ذياب شاهين

الاسم: ذياب شاهين
التاريخ: 23/12/2010 15:35:44
الصديق الكبير خالد مطلك الربيعي
لقد تشرفت بمعرفتك، كما أن مروري عليك مع العزيز أبو أسعد في خلوتك الجميلة قرب الحرمين لا يمكن نسيانها، وهي من المفاجأت الرائعة التي لا يفعلها سوى أبو أسعد، مكتبك الجميل والبسيط يبقى كبيرا لأنك فيه، والمكاتب تكون كبيرة بتسامي أصحابها وليس بأثاثها، كنت جد سعيد بلقائنا وعسى الله أن يكتب لنا لقاءات أخرى إنشاءالله
محبتي واحترامي أيها الأستاذ الكبير
ذياب شاهين

الاسم: ذياب شاهين
التاريخ: 23/12/2010 15:27:30
أخي العزيز عدنان النجم
لقد تشرفنا بالناصرية وأهلها ورأينا الهور وأهله بكل طيبتهم العراقية، أنا ممتن لكم ولكل ما فعلتوه لنا، ليس بيننا عتب ولا غضب بل مابيننا الصداقة والتسامح والمحبة ، شكري وتقديري لك وللأصدقاء كافة.
ذياب شاهين

الاسم: خالد مطلك الربيعي
التاريخ: 23/12/2010 06:54:29
سيدي ذياب الشاهين صاحب الدرر والجواهر المبدع القدير مقلتك ملحمة المهرجان وزاقورتك وماضيها مفخرة الخلود وكلماتك تحير العقول فما ابهاك وما اروعك
زيارتك لي في كربلاء مع الاديب وشيخ الصحفين ناظم السعود كانت زهرة عبقة تفوح بعطرها الندي في مكتبي الخجول المتواضع في كربلاء
سيدي اعجز من الوصف ويتحير اليراع ماذا يكتب عن (ذياب الشاهين )العملاق المبدع المتدفق ادبا ثراوحاملا احلى السجايا واطيبها
سيدي لك مني احلى الود والحب ولناظم السعود الصحة والهناء
خالد مطلك الربيعي كربلاء

الاسم: عدنان النجم
التاريخ: 23/12/2010 02:03:58
الفطحل الجليل :ذياب الشاهين
لقد أوجعت قلوبنا وانت تترنم بلغة التاريخ ..
انهم ياسيدي قطعوا عنه ترع المداد .. فمات الهور
ولعل عتب شديد فينا اليك وهو :
اننا حتى اللحظة الاخيرة في وصولكم للاهوار كنا في تغيير مستمر لبرنامج الحفل .. رغم اننا هيأنا فقرات من اعدادنا .. ولكن لكل قادم كرامة .. ولذلك غيرنا كافة فقرات الحفل تبعا لما تأتينا من اشارة النوريين .. ولو تشرف صدى الاهوار بوتركم .. لكانت الفرحة اشدها ..
تحية لكم استاذي العزيز من القلب
ومن خلالكم الى الاب الروحي للنوريين ناظم السعود




5000